مشاهدة النسخة كاملة : سورة المدثر (الآية:31)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:26 AM
وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31)
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 06:22 PM
{وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً}؛ وذلكَ لشِدَّتِهم وقُوَّتِهم.
{وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} يَحْتَمِلُ أنَّ المرادَ: إلاَّ لعَذابِهم وعِقابِهم في الآخِرةِ، ولزيادةِ نَكَالِهم فيها، والعذابُ يُسَمَّى فِتنةً، كما قالَ تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ}.
ويَحْتَمِلُ أنَّ المرادَ: أنَّ ما أَخْبَرْناكم بعِدَّتِهم إلاَّ لنَعْلَمَ مَن يُصَدِّقُ ومَن يُكَذِّبُ.
ويَدُلُّ على هذا ما ذُكِرَ بعدَه في قولِه: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً}؛ فإنَّ أهْلَ الكتابِ إذا وافَقَ ما عندَهم وطابَقَه ازْدَادَ يَقينُهم بالحقِّ، والمؤمنونَ كلَّما أَنْزَلَ اللَّهُ آيةً فآمَنُوا بها وصَدَّقوا ازْدَادَ إيمانُهم.
{وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ}؛ أي: لِيَزُولَ عنهم الرَّيْبُ والشَّكُّ، وهذه مَقاصِدُ جَلِيلَةٌ، يَعْتَنِي بها أُولُو الألبابِ، وهي السعْيُ في اليَقينِ، وزيادةُ الإيمانِ في كلِّ وقْتٍ وكلِّ مَسألةٍ مِن مَسائلِ الدِّينِ، ودَفْعُ الشكوكِ والأوهامِ التي تَعْرِضُ في مُقابَلَةِ الحقِّ، فجَعَلَ ما أَنْزَلَه اللَّهُ على رسولِه مُحَصِّلاً لهذه الفوائدِ الجليلةِ، ومُمَيِّزاً للكاذبِينَ مِن الصادقينَ.
ولهذا قالَ: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ}؛ أي: شَكٌّ وشُبْهَةٌ ونِفاقٌ، {وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً}، وهذا على وَجْهِ الْحَيْرَةِ والشكِّ والكُفْرِ مِنهم بآياتِ اللَّهِ، وهذا وذاكَ مِن هدايةِ اللَّهِ لِمَن يَهدِيهِ وإضلالِه لِمَن يُضِلُّ.
ولهذا قالَ: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} فمَن هَدَاهُ اللَّهُ جَعَلَ ما أَنْزَلَه اللَّهُ على رسولِه رَحمةً في حَقِّه، وزيادةً في إيمانِه ودِينِه، ومَن أَضَلَّه جَعَلَ ما أَنْزَلَه على رسولِه زِيادةَ شَقاءٍ عليه وحَيْرَةً، وظُلْمَةً في حَقِّه.
والواجبُ أنْ يُتَلَقَّى ما أَخْبَرَ اللَّهُ به ورَسولُه بالتسليمِ؛ فإِنَّه لا يَعلَمُ جُنودَ ربِّكَ مِن الملائكةِ وغيرِهم {إِلاَّ هُوَ}.
فإذا كُنْتُمْ جاهِلِينَ بجُنودِه، وأَخْبَرَكم بها العليمُ الخبيرُ، فعليكم أنْ تُصَدِّقُوا خَبَرَه مِن غيرِ شَكٍّ ولا ارتيابٍ.
{وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ}؛ أي: وما هذه الْمَوعظةُ والتَّذْكارُ مَقصوداً به العَبَثُ واللَّعِبُ، وإنَّما المقصودُ به أنْ يَتَذَكَّرَ به البشَرُ ما يَنفَعُهم فيَفْعَلُونَه، وما يَضُرُّهم فيَتْرُكُونَه.
حفيدة بني عامر
11-09-2008, 02:13 AM
31-لَمَّا نَزَلَ قولُه سُبحانَه: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} قالَ أبو جَهلٍ: أمَا لِمُحَمَّدٍ مِن الأعوانِ إلا تِسعةَ عشرَ؟ أفَيُعْجِزُكلَّ مائةِ رجُلٍ منكم أنْ يَبْطِشُوا بوَاحدٍ منهم ثم يَخرجونَ مِن النارِ؟ فنَزلتْ: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً} فمَن يُطيقُ الملائكةَ ومَن يَغلبُهم، وهم أَقْوَمُ خلْقِ اللهِ بحَقِّهِ، والغضَبِ له، وأَشَدُّهم بَأْساً، وأَقواهُم بَطْشاً؟
{وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} أيْ: جَعَلْنَا عَدَدَهُم المذكورَ إِضْلالاً ومِحْنَةً للكافرينَ، حتى قالوا ما قالوا، ليَتضاعَفَ عذابُهم ويَكْثُرَ غضَبُ اللهِ عليهم.
{لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} اليهودُ والنصارى لِمُوَافَقَةِ ما نَزَلَ مِن القرآنِ بأنَّ عِدَّةَ خَزنةِ جَهَنَّمَ تِسعةَ عشَرَ لِمَا عندَهم في كُتُبِهم.
{وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} لِمَا رَأَوْا مِن مُوَافَقَةِ أهلِ الكتابِلهم.
{وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ} في الدِّينِ، أو في أنَّ عِدَّةَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ تِسعةَ عشَرَ.
{وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} هم المنافقونَ. والمرادُ بالمرَضِ مُجَرَّدُ حُصولِ الشكِّ والرَّيْبِ، {وَالْكَافِرُونَ} مِن أهلِ مكَّةَ وغيرِهم.
{مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} أيَّ شيءٍ أرادَ بهذا العددِ المستغرَبِ استغرابَ الْمَثَلِ.
{وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} وخَزَنَةُ النارِ وإنْ كانوا تِسعةَ عشرَ فلهم مِن الأعوانِ والجنودِ مِن الملائكةِ ما لا يَعلمُه إلا اللهُ سُبحانَه.
{وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} أيْ: وما سَقَرُ وما ذُكِرَ مِن عَددِ خَزَنَتِها إلاَّ تَذكرةً ومَوعظةً للعالَمِ، ليَعْلَموا كمالَ قُدرةِ اللهِ، وأنه لا يَحتاجُ إلى أعوانٍ وأنصارٍ.
حفيدة بني عامر
11-09-2008, 02:15 AM
وقولُه تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً} سببُ نُزولِ هذه الآيةِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا أَخْبَرَ بعَدَدِ الزبانيةِ، وقالَ أبو جهْلٍ: أَرَى محمَّداً يُوعِدُكم بتَسعةَ عشرَ وأنتم الدَّهْمُ، أفلا تُقْرَنُون معَهم ليَعْمِدَ كلُّ عشرةٍ مِنكم إلى واحدٍ فيَدْفَعَه؟
وقالَ أبو الأَشَدِّ بنُ كِلدةَ، وكان رَجُلاً مِن بني جُمَحٍ: أنا أتَقَدَّمُكم على الصراطِ، فأَدْفَعُ عشرةً بِمَنْكِبِي الأَيْمَنِ، وتِسعةً بِمَنْكِبِي الأَيْسَرِ، ونَمُرُّ إلى الجنَّةِ. وقالَ كِلدةُ بنُ أُسيدٍ: أنا أَكْفِيكم سبعةَ عشرَ، فاكْفُونِي أنتم اثنين. فأَنْزَلَ اللهُ تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً} أيْ: هؤلاءِ التسعةَ عشرَ مِن الملائكةِ، وكيف تُطِيقُونَهم؟! ورُوِيَ أنَّ المسلمينَ لَمَّا سَمِعوا منهم هذا قالوا: تَقِيسُون الملائكةَ بالْحَدَّادِينَ؟! أي: السجَّانِينَ.
وقولُه تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} أيْ: مِحْنَةً وبَلِيَّةً حتى قالوا ما قالوا.
وقولُه: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} أيْ: ليَستَيْقِنَ الذين أُوتُوا الكتابَ أنَّ مُحَمَّداً صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ ما قالَ مِن اللهِ تعالى، فإنه وافَقَ هذا العدَدُ الذين وُعِدُوا في التوراةِ والإنجيلِ.
وقولُه: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً} أيْ: يَزدادَ الذينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكتابِ إِيماناً. وقيلَ: يَزدادَ جَميعُ المؤمنينَ إِيماناً إذا رَأَوْا ما قالَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُوَافِقاً لِمَا حَكاهُ أهْلُ الكتابِ.
وقولُه: {وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ} أيْ: لا يَشُكُّوا في العدَدِ إذا وَجَدُوا التوارةَ والإنجيلَ والقرآنَ متَّفِقَةً على هذا العَدَدِ.
وقولُه: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً} أيْ: كيفَ ذَكَرَ اللهُ هذا العدَدَ وخَصَّ الزَّبَانِيَةَ به؟! وهو تَفسيرُ قولِه تعالى: {إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا}.
وقولُه: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} يعني: كما أَضَلَّ الكفَّارَ بهذا العددِ، وهَدَى المؤمنينَ لقَبولِه، كذلك يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ، ويَهدِي مَن يَشاءُ بما يُنَزِّلُ مِن القرآنِ.
وقولُه تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} رُوِيَ أنَّ الكُفَّارَ لَمَّا سَمِعُوا هذا العددَ قالوا: ما أَقَلَّ هذا العددَ! فأنْزَلَ اللهُ تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} أيْ: له مِن الجنودِ سِوَى هذا العدَدِ ما لا يَعْلَمُ عددَها إلا هو.
وقولُه: {وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} أيْ: هذه الآيةُ عِظَةٌ وعِبْرَةٌ للْبَشَرِ.
([1] ) لعلها: " عَدُّوا " .
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir