المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سورة القيامة (الآيات: 26-35)


عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:33 AM
كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35)

حفيدة بني عامر
11-08-2008, 06:46 PM
(26 -35) {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى }.
يَعِظُ تعالى عِبادَه، بذِكْرِ حالِ الْمُحْتَضِرِ عندَ السياقِ، وأنه إذا بَلَغَتْ رُوحُه التَّرَاقِيَ، وهي العِظامُ الْمُكْتَنِفَةُ لثَغْرَةِ النحْرِ، فحينَئذٍ يَشتَدُّ الكَرْبُ ويَطْلُبُ كلَّ وَسيلةٍ وسببٍ يَظُنُّ أنْ يَحْصُلَ به الشِّفاءُ والراحةُ.
ولهذا قالَ: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ}؛ أي: مَن يَرْقِيهِ، مِن الرُّقْيَةِ؛ لأنَّهم انْقَطَعَتْ آمالُهم مِن الأسبابِ العادِيَّةِ، فلم يَبْقَ إلاَّ الأسبابُ الإلهيَّةُ، ولكنَّ القضاءَ والقدَرَ إذا حُتِمَ وجاءَ فلا مَرَدَّ له.
{وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} للدنيا.
{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ}؛ أي: اجتَمَعَتِ الشدائدُ والْتَفَّتْ، وعَظُمَ الأمْرُ وصَعُبَ الكَرْبُ، وأُرِيدَ أنْ تَخْرُجَ الرُّوحُ التي أَلِفَتِ البَدَنَ ولم تَزَلْ معَه، فتُسَاقُ إلى اللَّهِ تعالى، حتى يُجَازِيَها بأعمالِها ويُقَرِّرَها بفِعالِها.
فهذا الزَّجْرُ الذي ذَكَرَه اللَّهُ, يَسُوقُ القلوبَ إلى ما فيه نَجَاتُها، ويَزْجُرُها عمَّا فيه هلاكُها.
ولكنَّ المُعانِدَ الذي لا تَنْفَعُ فيه الآياتُ، لا يَزَالُ مُسَتَمِرًّا على بَغْيِهِ وكُفْرِه وعِنادِه.
{فَلاَ صَدَّقَ}؛ أي: لا آمَنَ باللَّهِ وملائكتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليومِ الآخِرِ والقدَرِ خيرِه وشَرِّه.
{وَلاَ صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ} بالحقِّ في مُقابَلَةِ التصديقِ، {وَتَوَلَّى} عن الأمرِ والنهيِ، هذا وهو مُطْمَئِنٌّ قَلْبُه، غيرُ خائفٍ مِن ربِّه، بل يَذهبُ {إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى}؛ أي: ليسَ على بالِه شيءٌ، تَوَعَّدَه بقولِه: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى}.
وهذه كَلِمَاتُ وَعيدٍ كَرَّرَها لتَكريرِ وَعيدِه.

حفيدة بني عامر
11-09-2008, 08:14 AM
26-{كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ} أيْ: إذا بَلَغَت النفْسُ أو الرُّوحُ التراقِيَ، والتَّرْقُوَةُ عَظْمٌ بينَ ثَغرةِ النحْرِ والعاتقِ، ويُكَنَّى ببلوغِ النفسِ التراقيَ عن الإشفاءِ على الموتِ.
27-{وَقِيلَ مَن رَّاقٍ} أيْ: قالَ مَن حَضَرَ صاحبَها: مَن يَرْقِيهِ ويَشْفِي برُقْيَتِه؟ الْتَمَسوا له الأطباءَ فلم يُغْنُوا عنه مِن قَضاءِ اللهِ شَيئاً.
28-{وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} أيْ: وأَيْقَنَ الذي بلَغَتْ رُوحُه التراقِيَ أنها ساعةُ الفِراقِ مِن الدنيا، ومِن الأهْلِ والمالِ والولَدِ.
29-{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} أي: الْتَفَّتْ ساقُه بسَاقِه عندَ نُزولِ الموتِ به، فماتَتْ رِجلاهُ ويَبَسَتْ سَاقاهُ ولم تَحْمِلاهُ، وقد كانَ جَوَّالاً عليهما، فالناسُ يُجَهِّزونَ جَسَدَه، والملائكةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَه.
30-{إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} أيْ: إلى خالِقِكَ تُساقُ الأرواحُ بعدَ قَبْضِها مِن الأجسادِ.
31-{فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى} أيْ: لم يُصَدِّقْ بالرسالةِ ولا بالقرآنِ، ولا صَلَّى لربِّه، فلا آمَنَ بقَلْبِه, ولا عَمِلَ ببَدَنِه.
32-{وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} أيْ: كذَّبَ بالرسولِ وبما جاءَ به، وتَوَلَّى عن الطاعةِ والإيمانِ.
33-{ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى} أيْ: يَتبَخْتَرُ ويَختالُ في مِشْيَتِه افتخاراًَ بذلك، أو يَتثاقلُ ويَتكاسَلُ عن الداعِي إلى الْحَقِّ.
34-35-{أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} أيْ: وَلِيَكَ الويلُ، وأَصْلُه: أَوْلاكَ اللهُ ما تَكرهُه. يَتكرَّرُ عليك ذلك مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ.

حفيدة بني عامر
11-09-2008, 08:15 AM
قولُه تعالى: {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ} المعنى: أنه ليس الأمْرُ كما يَظُنُّونَ ويَتَوَهَّمُونَ، ويَستَعْمِلُون ذلك إذا بَلَغَتِ النفْسُ التَّرَاقِيَ، والتراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهو مُقَدَّمُ الحلْقِ الْمُتَّصِلُ بالصدْرِ، وهو مَوْضِعُ الْحَشْرَجَةِ، ذكَرَه أبو عيسى.
وقولُه: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} أيْ: هل مِن طَبيبٍ يَشْفِي ويُدَاوِي. قالَ قَتادةُ: وقيلَ معناه: أنَّ الملائكةَ يَقولونَ مَن يَرْقَى برُوحِه؟ أيْ: تَصْعَدُ ملائكةُ الرحمةِ أو مَلائكةُ العذابِ.
وقولُه: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} قَرأَ ابنُ عَبَّاسٍ: (وأَيْقَنَ أنه الفِراقُ)، وهو صَحيحٌ عنه، وهو المعنَى.
وقولُه: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} أي: اتَّصَلَتْ شِدَّةُ الدنيا بشِدَّةِ الآخِرةِ, وقيلَ: يَجتمِعُ عليه كَرْبُ الموتِ وهَوْلُ الْمُطَّلَعِ، قالَ الضحَّاكُ: هو في أمْرٍ عظيمٍ، الناسُ يُجَهِّزُونَ بَدنَه، والملائكةُ يُجَهِّزونَ رُوحَه، وعن الحسَنِ: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} أيْ: في الكَفَنِ، وهو الساقُ المعروفُ، وعلى القولِ الأوَّلِ الساقُ بمعنى الشِّدَّةِ، وقد ذَكَرْنا مِن قَبلُ.
وقولُه: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} أي: السَّوْقُ فإنه يُساقُ إمَّا إلى الجنَّةِ وإمَّا إلى النارِ، بأَمْرِ اللهِ تعالى.
قولُه تعالى: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى} معناه: فلا صَدَّقَ الكافِرُ ولا صَلَّى. معناه: لم يُصَدِّقِ الكافرُ ولم يُصَلِّ. قالَ الْمُفَسِّرونَ: نَزلتِ الآيةُ في أبي جَهْلِ بنِ هِشامٍ.
قولُه: {وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} أيْ: كَذَّبَ بآياتِ اللهِ، وأَعْرَضَ عن الْحَقِّ.
وقولُه: {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى} أيْ: يَتَبَخْتَرُ. ومِشيةُ الْمُطَيْطَاءِ هي مِشيةُ التَّبَخْتُرِ. وقيلَ: هو أنْ يُوَلِّيَ مطَاؤُه، والْمَطَا الظهرُ، وفي بعضِ التفاسير: أنه مِشيةُ بني مَخزومٍ. وقيلَ: التَّمَطِّي: هو التَّمَدُّدُ مِن كَسَلٍ أو مَرَضٍ، فأمَّا مِن المرَضِ فهو غيرُ مَذمومٍ، وأمَّا مِن الكسَلِ إذا كان تَثَاقُلاً عن الحقِّ فهو مَذمومٌ.
وقولُه: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} اختلَفَ القولُ في هذه اللفْظَةِ، فأَحَدُ الأقوالِ: أنَّ معناها: الوَيْلُ لك ثم الوَيْلُ لك، والثاني: معناها: وَلِيَكَ الْمَكروهُ وقَارَبَ مِنك، وهذا قولُ قَتادةَ وجماعةٍ.
والقولُ الثالثُ: الذمُّ أَوْلَى لك، ثم طُرِحَتْ لفْظُ الذمِّ للاستغناءِ عنها ولأنَّه مَعلومٌ، ذَكَرَه عَلِيُّ بنُ عيسى, وفي التفسيرِ: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَقِيَ أبا جهْلٍ وهو يَخْرُجُ مِن بابِ بَنِي مَخزومٍ يَتبَخْتَرُ، فأخَذَ بيدِه وهَزَّهُ مَرَّةً أو مَرَّتينِ، ثم قالَ له: ((أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)).
فأَخْبَرَ اللهُ تعالى في القرآنِ قولَ الرسولِ على ما قالَ، وهذا قولٌ حسَنٌ؛ لأنَّ (أَوْلَى) في لغةِ العرَبِ بمعنى كادَ و هَمَّ، ولفْظَةُ (كادَ) بالْخَلْقِ أَلْيَقُ، فهو حِكايةٌ مِن اللهِ تعالى لقوْلِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأَنْشَدُوا في كلمةِ (أَوْلَى) قولَ الخنساءِ.
هَمَمْتُ بنَفْسِيَ بعضَ الْهُمُومِ فأَوْلَى لنَفْسِيَ أَوْلَى لَهَا
سأَحْمِلُ نفْسِي على آلَةٍ فإِمَّا عليها وإِمَّا لَهَا
آلةٍ، أيْ: حالةٍ.