المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سورة الإنسان (الآيات: 15-22)


عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:36 AM
وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)

حفيدة بني عامر
11-08-2008, 07:04 PM
ويُطافُ على أهلِ الجنَّةِ - أي: يَدورُ عليهم الْخَدَمُ والوِلدانُ - {بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ}؛ أي: مادَّتُها مِن فِضَّةٍ، وهي على صَفاءِ القواريرِ.
وهذا مِن أعجَبِ الأشياءِ، أنْ تكونَ الفِضَّةُ الكثيفةُ مِن صفاءِ جَوْهَرِها وطِيبِ مَعْدِنِها على صَفاءِ القواريرِ.
{قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً}؛ أي: قَدَّرُوا الأَوَانِيَ المذكورةَ على قَدْرِ رِيِّهم، لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ؛ لأنَّها لو زَادَتْ نَقَصَتْ لذَّتُها، ولو نَقَصَتْ لم تَفِ برِيِّهِم.
ويَحْتَمِلُ أنَّ المرادَ: قَدَّرَها أهلُ الجَنَّةِ بنُفُوسِهم بِمِقدارٍ يُوافِقُ لَذَّتَهم، فأَتَتْهم على ما قَدَّرُوا في خَوَاطِرِهم، {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا}؛ أي: في الجَنَّةِ مِن كَأْسٍ، وهو الإناءُ المملوءُ مِن خَمْرٍ ورَحيقٍ.
{كَانَ مِزَاجُهَا}؛ أي: خَلْطُها {زَنجَبِيلاً}؛ ليَطِيبَ طَعْمُه ورِيحُه.
{عَيْناً فِيهَا}؛ أي: في الجنَّةِ {تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً}, سُمِّيَتْ بذلك لسَلاَسَتِها ولَذَّتِها وحُسْنِها.
{وَيَطُوفُ} على أهلِ الجنَّةِ في طعامِهم وشَرابِهم وخِدمتِهم {وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ}؛ أي: خُلِقُوا مِن الجنةِ للبقاءِ، لا يَتغَيَّرونَ ولا يَكْبَرُونَ، وهم في غايةِ الْحُسْنِ.
{إِذَا رَأَيْتَهُمْ} مُنْتَشِرِينَ في خِدْمَتِهم {حَسِبْتَهُمْ} مِن حُسْنِهم {لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً}، وهذا مِن تَمامِ لَذَّةِ أهْلِ الجَنَّةِ، أنْ يَكُونَ خُدَّامُهم الوِالدانَ الْمُخَلَّدُونَ، الذينَ تَسُرُّ رُؤْيَتُهم، ويَدْخُلُونَ على مَساكِنِهم آمِنينَ مِن تَبِعَتِهم، ويَأتُونَهم بما يَدْعُونَ وتَطْلُبُه نُفُوسُهم.
{وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ}؛ أي: هناكَ في الجنَّةِ ورَمَقْتَ ما هم فيه مِن النَّعِيمِ.
{رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} فتَجِدُ الواحدَ منهم عندَه مِن القصورِ والمساكِنِ والغُرَفِ الْمُزَيَّنَةِ المُزَخْرَفَةِ، ما لا يُدْرِكُه الوصْفُ، ولَديهِ مِن البساتينِ الزاهرةِ، والثِّمَارِ الدانِيَةِ، والفواكهِ اللذيذةِ، والأنهارِ الجاريَةِ والرِّيَاضِ الْمُعْجِبَةِ، والطيورِ الْمُطْرِبَةِ الْمُشْجِيَةِ, ما يَأخُذُ القلوبَ ويُفْرِحُ النفوسَ.
وعندَه مِن الزوجاتِ اللاَّتِي هُنَّ في غايةِ الْحُسْنِ والإحسانِ، الجامعاتِ لجمالِ الظاهرِ والباطنِ، الْخَيِّرَاتِ الْحِسانِ، ما يَمْلَأُ القلبَ سُروراً ولذَّةً وحُبُوراً، وحولَه مِن الوِلدانِ الْمُخَلَّدِينَ والخدَمِ الْمُؤَبَّدِينَ ما به تَحْصُلُ الراحةُ والطُّمأنينةُ، وتَتِمُّ لَذَّةُ العَيْشِ وتَكْمُلُ الغِبْطَةُ.
ثم عِلاوةُ ذلكَ ومُعْظَمُهُ الفَوْزُ برُؤْيةِ الربِّ الرحيمِ، وسماعُ خِطابِه، ولَذَّةُ قُرْبِه، والابتهاجُ برِضَاهُ، والخلودُ الدائمُ، وتَزايُدُ ما هم فيه مِن النعيمِ كلَّ وقْتٍ وحينٍ.
فسُبحانَ الْمَلِكِ المالِكِ الحقِّ الْمُبينِ، الذي لا تَنْفَدُ خَزائنُه، ولا يَقِلُّ خيرُه، فكما لا نِهايةَ لأوصافِه فلا نِهايةَ لِبِرِّه وإحسانِه.
{عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ}؛ أي: قد جَلَّلَتْهُم ثِيابُ السُّندُسِ والإستبرَقِ الأَخضرانِ، اللَّذانِ هُمَا أَجَلُّ أنواعِ الحَرِيرِ، فالسُّنْدُسُ: ما غَلُظَ مِن الدِّيباجِ، والإِسْتَبْرَقُ: ما رَقَّ منه.
{وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ}؛ أي: حُلُّوا في أَيْدِيهِم أَساورَ الفِضَّةِ؛ ذُكورُهم وإناثُهم، وهذا وعْدٌ وعَدَهم اللَّهُ وكانَ وعْدُه مَفعولاً؛ لأنَّه لا أَصْدَقَ منه قِيلاً ولا حَديثاً.
وقولُه: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}؛ أي: لا كَدَرَ فيه بوَجْهٍ مِن الوُجوهِ، مطَهِّراً لِمَا في بُطُونِهم مِن كلِّ أَذًى وقَذًى.
{إِنَّ هَذَا} الجزاءَ الجَزِيلَ والعَطَاءَ الجميلَ، {كَانَ لَكُمْ جَزَاءً} على ما أَسْلَفْتُمُوه مِن الأعمالِ، {وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً}؛ أي: القليلُ منه، يَجْعَلُ اللَّهُ لكم به مِن النعيمِ المُقيمِ ما لا يُمْكِنُ حَصْرُه.

حفيدة بني عامر
11-09-2008, 08:28 AM
15-{وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ} أيْ: تَدورُ عليهم الْخَدَمُ إذا أَرَادُوا الشرابَ بآنِيَةِ الفِضَّةِ وكُؤوسِ الفِضَّةِ.
16-{قَوَارِيرَا مِن فِضَّةٍ} قواريرُ أهلِ الجنَّةِ مِن فِضةٍ، فاجتمَعَ لها بياضُ الفضَّةِ وصَفاءُ القواريرِ, هي الزُّجاجُ، فالقَواريرُ التي في الدنيا مِن الرَّمْلِ، فأَعْلَمَ اللهُ فضْلَ تلك القواريرِ أنَّ أصْلَها مِن فِضَّةٍ يُرَى مِن خارِجِها ما في داخِلِها، {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} فجاءَتْ كما يُريدونَ في الشكْلِ لا تَزيدُ ولا تَنْقُصُ.
17-{وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا} الكأسُ هو الإناءُ فيه الخمْرُ، أيْ: مَمزوجةٌ بالزَّنْجَبيلِ.
18-{عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} السلسبيلُ في اللغَةِ اسمٌ لماءٍ في غايةِ السَّلاَسَةِ، حديدِ الْجِرْيَةِ، يَسُوغُ في حُلُوقِهم.
19-{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} باقُونَ على ما هم عليه مِن الشبابِ والطَّرَاوَةِ والنَّضَارَةِ، لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، ولا يَموتونَ.
{إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا} لِمَزِيدِ حُسْنِهم وصَفاءِ أَلْوَانِهم ونَضارَةِ وُجُوهِهم. شَبَّهَهُم بالمنثورِ لأنهم سِراعٌ في الْخِدْمَةِ، بخِلافِ الْحُورِ العِينِ، فإنَّه شَبَّهَهُنَّ باللؤلؤِ المكنونِ لأنهن لا يُمْتَهَنَّ بالْخِدْمَةِ.
20-{وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ} أيْ: وإذا رَمَيْتَ ببَصَرِك هناك في الْجَنَّةِ.
{رَأَيْتَ نَعِيماً} لاَ يُوصَفُ.
{وَمُلْكاً كَبِيراً} لا يُقادَرُ قَدْرُه.
21-{عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ} السنْدُسُ هو الْحَريرُ الرَّقيقُ، والإستبرقُ ما غَلُظَ مِن الدِّيبَاجِ.
{وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} وفي سُورةِ "فاطِرٍ": {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} يَلبَسُ كلُّ أحَدٍ منه ما تَمِيلُ إليه نفْسُه مِن ذلك.
{وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} قالَ أبو قِلابةَ وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ: يُؤْتَوْنَ بالطعامِ، فإذا كان آخِرُه أُتُوا بالشرابِ الطَّهُورِ، فيَشربونَ, فتَضْمُرُ بُطُونُهم مِن ذلك، ويَفيضُ عَرَقٌ مِن أَبدانِهم مِثلُ رِيحِ الْمِسْكِ.
22-{إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً} أيْ: يُقالُ لهم: إنَّ هذا الذي ذُكِرَ مِن أنواعِ النِّعَمِ كانَ لكم جَزاءً بأعمالِكم، أيْ: ثَواباً لها.
{وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا} شُكْرُ اللهِ سُبحانَه لعَمَلِ عَبْدِه هو قَبولُه لطَاعتِه.

حفيدة بني عامر
11-09-2008, 08:30 AM
وقولُه تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ} والأكوابُ هي الأَباريقُ التي لا خَراطيمَ لها، واحِدُها كُوبٌ.
وقولُه تعالى: {كَانَتْ قَوَارِيرَا} قالَ الشَّعْبِيُّ: لها صَفاءُ القَواريرِ وبَياضُ الفِضَّةِ.
وعن ابنِ عَبَّاسٍ أنه لو أُخِذَتْ قِطعةٌ مِن فِضَّةٍ وجُعلتْ في الرِّقَّةِ كجَناحِ ذُبابٍ لم يُرَ مِن داخِلِه وفِضَّةُ الجنَّةِ يُرَى مِن دَاخِلِها، فهو في صفاءِ القَواريرِ على هذا المعنى، وعنه أيضاً: أنَّ القواريرَ في الدنيا أصْلُها مِن الرمْلِ، فإذا كانَ أصْلُها مِن الفِضَّةِ في الجنَّةِ فكيفَ تَكونُ في الْحُسْنِ والصفاءِ؟! وعنه أيضاً: أنه لا يُشْبِهُ شيءٌ في الجنَّةِ شيئاً في الدنيا، وإنما في الدنيا الأَسَامِي مما في الجنَّةِ فحَسْبُ.
وقولُه: {قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} أيْ: مُقَدَّرَةً على قَدْرِ الرِّيِّ، لا زِيادةَ ولا نُقصانَ. وقيلَ: على قَدْرِ الكَفِّ أيْ: على ما يَسَعُه، وقيلَ: مُمْتَلِئَةً.
وقولُه: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً} أيْ: مِن كَأْسٍ.
وقولُه: {كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً} كانت العرَبُ تَسْتَطْيِبُ طَعْمَ الزنجبيلِ، فذَكَرَ ذلك على ما اعْتَادُوهُ. وقيلَ: الزنجبيلُ اسمُ العينِ لا أنه زَنجبيلٌ معروفٌ في الطعْمِ والرائحةِ. فعلى هذا قولُه: {مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً} أيْ: مِزاجُه مِن عَينِ الزنجبيلِ.
وقولُه: {عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً} يُقالُ: إنَّ السلسبيلَ هو عَيْنُ الزَّنجبيلِ أَيْضاً، ونُصِبَ على المدْحِ، ومعناه: أَعْنِي عَيْناً.
وقولُه: {تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً} أيْ: سلسبيلُ الْجَرْيِ في حُلُوقِهم، وفي بعضِ الآثارِ: أنها إذا أُدْنِيَتْ مِن أَفواهِهِمْ تَسَلْسَلَتْ في حُلُوقِهم، ومَن قالَ في قولِه: {سَلْسَبِيلاً}: سَلْنِي سَبيلاً إليها. فقَدْ أَبْعَدَ، وهو تأويلٌ باطلٌ، وليس هو مِن قولِ أهْلِ العلْمِ، وعن ابنِ الأَعرابيِّ قالَ: لم أَسْمَعْ سَلسبيلاً إلاَّ في القرآنِ. وقيلَ: هو اسمُ العينِ على ما ذَكَرْنا.
فإنْ قِيلَ: إذا جَعلتُمْ سَلسبيلَ اسمَ العَيْنِ فكيفَ يَنصَرِفُ؟ والجوابُ: إنما انْصَرَفَ؛ لأنه رأسُ آيةٍ، وقد بَيَّنَّا مِن قَبْلُ، ورَوَى سُفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهِدٍ قالَ: {سَلْسَبِيلاً} أيْ: شَديدةَ الْجَرْيِ، وقالَ قَتادةُ: سَلِسَةً، أيْ: تَجْرِي في حُلوقِهم على غايةِ السُّهولةِ، وقالَ ثَعلبٌ: {سَلْسَبِيلاً} أيْ: لَيِّناً، وعن سعيدِ بنِ الْمُسَيِّبِ: السَّلسبيلُ عَيْنٌ تَجْرِي تحتَ العرْشِ في قَضيبٍ مِن ذَهَبٍ. وفي قولِه: {كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً} كلامٌ آخَرُ، وهو أنه تُمْزَجُ لسائرِ أهلِ الجنَّةِ، ويَشرَبُه الْمُقَرَّبونَ صِرْفاً، وهو مِثلُ التَّسنيمِ على ما يَأْتِي مِن بعْدُ.
وأَنْشَدُوا في الزَّنْجَبيلِ:
وكأنَّ طَعْمَ الزنجبيلِ بِهِ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافةَ الْخَمْرِ
وهذا يَدُلُّ على أنهم كانوا يَسْتَطِيبُونَ طَعْمَ الزنجبيلِ، وقيلَ في السلسبيلِ أَيضاً: إنه يَسيلُ عليهم في قُصُورِهم وغُرَفِهم وعلى مَجَالِسِهم.
قولُه تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} أيْ: غِلمانٌ مُخَلَّدونَ.
وقولُه: {مُخَلَّدُونَ} أيْ: لا يَبْلَونَ ولا يَفْنَونَ، وقيلَ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ مُسَوَّرُونَ.
قالَ الشاعِرُ:
ومُخَلَّدَاتٍ باللُّجَيْنِ كَأَنَّمَا أَعجازُهُنَّ أَقاوِزُ الكُثبانِ
وقولُه: {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً} إنما شُبِّهَ باللآلئِ في الصفاءِ والحسْنِ والكثرةِ. وذكِرَ مَنثوراً لأنَّ اللؤلؤَ المنثورَ في الْمَجْلِسِ أحْسَنُ منه مَنظوماً.
وفي تفسيرِ النَّقَّاشِ: أنهم يُنْشَرونَ في الخدمةِ؛ فلهذا قالَ: {لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً} فلو كانوا صَفًّا واحِداً لقالَ: مَنظوماً.
قولُه تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ} فيه حَذْفٌ، والمعنى: إذا رَأيتَ ما ثَمَّ، رأيتَ {نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} قالَ سُفيانُ الثَّوْرِيُّ: بلَغَنا أنه تَسليمُ الملائكةِ عليهم، وعن الكلبيِّ ومُقاتِلٍ وغيرِهما أنهم قالوا: هو استئذانُ الملائكةِ للتسليمِ عليهم، فهو الْمُلْكُ الكبيرُ.
وفي بعضِ الأخبارِ بروايةِ أبي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ: إنَّ أَدْنَى أهلِ الجنَّةِ مَنْزِلَةً يكونُ له ثَمانونَ ألْفَ خادِمٍ واثنتانِ وسِتُّونَ زَوجةً. وفي بعضِ الأخبارِ أيضاً: للواحِدِ مِنهم سَبعونَ قَصْراً، في كلِّ قَصْرٍ سَبعونَ دَاراً، في كلِّ دارٍ سَبعونَ بَيْتاً، في كلِّ بيتٍ خَيمةٌ طُولُها في السماءِ فَرسخٌ، وعَرْضُها فَرسخٌ في فَرسخٍ لها أربعةُ آلافِ مِصراعٍ مِن ذَهَبٍ.
قولُه تعالى: {عَالِِيَهُمْ} وقُرِئَ: (عَالِِيهُمْ) فمَن قَرأَ بفتْحِ الياءِ أيْ: فوقَهم، ومَن قَرأَ بسُكونِ الياءِ فمَعناه: عليهم. ويُقالُ: عليهم أيْ: عالِ الْحِجَالِ المذكورةِ مِن قَبلُ.
وقولُه: {ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ} وخضْرٌ أيْ: ألوانُها خُضْرٌ، فمَن قَرأَ بالرفْعِ فيَنصرِفُ إلى الثيابِ، ومَن قَرأَ بالكسْرِ فهو نَعْتُ السنْدُسِ، والسُّنْدُسُ هو ما رَقَّ مِن الدِّيبَاجِ، والإستبْرَقُ ما غَلُظَ منه.
وقولُه: {وَإِسْتَبْرَقٌ} وقُرئَ: (وإِستبرقٍ) فعلى الرفْعِ يَنصرِفُ إلى الثيابِ، وعلى الخفْضِ على تقديرِ: مِن إِستبرقٍ.
وقولُه: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} الأساوِرُ والأَسْوِرَةُ جَمْعُ السِّوارِ، فإنْ قيلَ: وأيُّ زِينةٍ في السِّوارِ والأغنياءُ لا يُبَالُونَ بها؟ والجوابُ عنه: أنه قد ذكَرَ الذهَبَ واللؤلؤَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، فيُحَلَّوْنَ مِن ذَهَبٍ تارَةً، ومِن فِضَّةٍ تَارَةً ومِن لُؤلؤٍ تَارةً؛ ليَكونَ أَجْمَعَ لِمَحَاسِنِ الزينةِ، ويُقالُ: الذهَبُ للنساءِ، والفضَّةُ للرجالِ، وقيلَ: إنَّ الذهَبَ إنما يَفْضُلُ الفضَّةَ في الدنيا لكثرةِ الفِضَّةِ وعِزَّةِ الذهَبِ، وهذا التفاوُتُ لا يُوجَدُ في الجنَّةِ، وإنما المقصودُ عَينُ الزينةِ، والزينةُ تُوجَدُ فيهما جميعاً.
وقولُه: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} قالَ الزَّجَّاجُ: ليس برِجْسٍ كخَمْرِ الدنيا. وعن أبي قِلاَبَةَ وإبراهيمَ أنهما قالاَ: إذا فَرَغَ أَهْلُ الجنَّةِ مِن الطعامِ يُؤْتَوْنَ بالشرابِ الطَّهُورِ، فيُطَهِّرُ أَجوافَهم ويُضْمِرُ بُطونَهم، ويُوجَدُ مِنهم جُشاءٌ ورَشْحٌ له رائحةُ الْمِسْكِ فيَشتهونَ الطعامَ مَرَّةً أُخرى.
وقيلَ: إنَّ الشرابَ الطَّهورَ مِن عَينٍ على بابِ الجنَّةِ، فإذا شَرِبَ منها المسلمونَ طَهُرَتْ أجوافُهم مِن كُلِّ غِلٍّ وخِيانةٍ وحَسَدٍ، وهذا قولٌ لأنَّ الطَّهُورَ هو الطاهِرُ الْمُطَهِّرُ على ما ذُكِرَ في القِصَّةِ. والدليلُ عليه قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ حينَ سُئِلَ عن التَّوَضُّؤِ بماءِ البحْرِ فقالَ: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ)). أي: الْمُطَهِّرُ مَاؤُهُ.
قولُه تعالى: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً} الشكْرُ المضافُ إلى الربِّ تعالى هو بمعنى قَبولِ الحسناتِ والعفْوِ عن السيِّئَاتِ.

([1] ) لعلها: " عاليهم " .

([2] ) لعلها: " عالي " .