المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سورة المرسلات (الآيات: 16-27)


عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:40 AM
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27)

حفيدة بني عامر
11-08-2008, 07:17 PM
(16 -19) {أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *}؛ أي: أَمَا أَهْلَكْنَا الْمُكَذِّبِينَ السابقِينَ، ثم نُتْبِعُهم بإهلاكِ مَن كَذَّبَ مِن الآخِرِينَ؟
وهذه سُنَّتُه السابقةُ واللاحقةُ في كلِّ مُجْرِمٍ لا بُدَّ مِن عَذابِه، فلم لا تَعتَبِرُونَ بما تَرَوْنَ وتَسْمَعُونَ؟!
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} بعدَما شاهَدُوا مِن الآياتِ البَيِّنَاتِ والعقوباتِ والْمَثُلاَتِ.
(20 -24) {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *}.
أي: أَمَا خَلَقْنَاكم أيُّها الآدَمِيُّونَ {مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ}؛ أي: في غايةِ الحَقارةِ، خَرَجَ مِن بينِ الصُّلْبِ والتَّرَائِبِ، حتَّى جَعَلَه اللَّهُ {فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} وهو الرَّحِمُ، وبه يَسْتَقِرُّ ويَنمُو {إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ} ووَقْتٍ مُقَدَّرٍ.
{فَقَدَرْنَا}؛ أي: قَدَرْنَا ودَبَّرْنَا ذلكَ الْجَنِينَ في تلكَ الظُّلُماتِ، ونَقَلْنَاهُ مِن النُّطفةِ إلى العَلَقَةِ، إلى الْمُضْغَةِ، إلى أنْ جَعَلَه اللَّهُ جَسَداً، ثم نَفَخَ فيه الرُّوحَ، ومنهم مَن يَموتُ قَبلَ ذلك.
{فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} يَعني بذلك نفْسَه الْمُقَدَّسَةَ حيثُ كانَ قدَراً تابِعا للحكمةِ، موَافِقاً للحمْدِ.
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} بعدَمَا بَيَّنَ اللَّهُ لهم الآياتِ وأَرَاهُم العِبَرَ والبَيِّنَاتِ.
(25 -28) {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً * وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *}؛ أي: أَمَا امْتَنَنَّا عليكم وأَنْعَمْنا بتسخيرِ الأرضِ لِمَصَالِحِكم، فجَعَلناها {كِفَاتاً} لكم {أَحْيَاءً} في الدُّورِ {وَأَمْوَاتاً} في القُبورِ، فكما أنَّ الدُّورَ والقصورَ مِن نِعَمِ اللَّهِ على عِبادِه ومِنَّتِه، فكذلك القُبورُ رَحمةٌ في حَقِّهِم وسِتْرٌ لهم عن كونِ أجسادِهم بَادِيَةً للسِّباعِ وغيرِها.
{وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ}؛ أي: جِبالاً تُرْسِي الأرضَ؛ لئَلاَّ تَمِيدَ بأَهْلِها، فثَبَّتَها اللَّهُ بالجبالِ الراسيَاتِ الشامِخَاتِ؛ أي: الطِّوالِ العِراضِ.
{وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً}؛ أي: عَذْباً زُلاَلاً، قالَ تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ}.

حفيدة بني عامر
11-09-2008, 08:43 AM
16-{أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ} الكُفَّارَ مِن الأُمَمِ الماضيةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ. يَعنِي بالعذابِ في الدنيا حينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم.
17-{ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ} يَعني كفَّارَ مَكةَ ومَن وافَقَهم حين كَذَّبُوا مُحَمَّداً صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ.
18-{كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} أيْ: مِثلُ ذلك الإهلاكِ نَفعلُ بكلِّ مُشْرِكٍ, إمَّا في الدنيا أو في الآخِرَةِ.
19-{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أيْ: وَيْلٌ يومَ ذلك الإهلاكِ للمُكَذِّبينَبِكُتُبِ اللهِ ورُسُلِه.
20-{أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ} أيْ: ضعيفٍ حَقيرٍ، وهو النُّطْفَةُ.
21-{فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} أيْ: مكانٍ حَريزٍ، وهو الرَّحِمُ.
22-{إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} وهو مُدَّةُ الْحَمْلِ.
23-{فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} أيْ: قَدَّرْنَا أَعضاءَه وصِفاتِه وجَعَلْنَا كلَّ حالٍ مِن أحوالِه على الصفةِ التي أَرَدْنَا، فنِعْمَ الْمُقَدِّرُ اللهُ.
24-{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} بقُدْرَتِنا على ذلك.
25-{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا} الكَفْتُ الضمُّ والجمْعُ، والمعنى: أَلَمْ نَجْعَلِ الأرضَ ضَامَّةً للأحياءِ على ظَهْرِها في مَنَازِلِهم، والأمواتِ في بَطْنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم.
26-{أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} وقالَ الخليلُ: الكَفْتُ تَقليبُ الشيءِ ظَهْراً لبَطْنٍ, أو بَطْناً لظَهْرٍ، فهم يَكونونَ مِن ترابِ الأرضِ، ثم يَعيشونَ على ظَهْرِها أحياءً، ثم يَنقَلِبونَ فيها أَمْوَاتًا.
27-{وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا} أيْ: عَذْباً. وهذا كُلُّه أَعْجَبُ مِن البَعْثِ.

حفيدة بني عامر
11-09-2008, 08:45 AM
قولُه تعالى: {أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ} أيْ: قَومَ نُوحٍ وعادٍ وثمودَ، ومَن قَرُبَ مِن زَمَانِهم.
وقولُه: {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ} أي: الذين كانوا بعدَ ذلك مِن فِرعونَ وهامانَ وقَارونَ ومَن بعدَهم.
وقولُه: {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} أيْ: مُشْرِكِي مَكَّةَ، نُنْزِلُ بهم مثلَ ما نَزَلَ بهم؛ لأنهم عَمِلوا مثلَ عمَلِهم، وقيلَ: {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ} هم كفارُ قُريشٍ.
وقولُه: {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} هم الذين يَأتونَ بعدَهم مِن الكفارِ إلى يومِ القيامةِ. وقَرأَ ابنُ مَسعودٍ: (ثم سنُتْبِعُهم الآخِرِينَ) وقَرأَ الأَعْرَجُ: (ثم نُتْبِعْهم) بجَزْمِ العَيْنِ.
وقولُه: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} قالَ ابنُ عباسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادةُ: ضَعيفٍ.
وقولُه: {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} قالَ عَطاءٌ وابنُ جُريجٍ والربيعُ بنُ أنَسٍ: هو الرَّحِمُ، والماءُ الْمَهِينُ هو النُّطْفَةُ.
وقولُه: {إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ} أيْ: إلى وَقْتٍ مَعلومٍ، وهو إشارةٌ إلى مُدَّةِ مُكْثِه في البَطْنِ في رَحِمِ الأُمِّ.
قولُه: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} وقُرِئَ: (فقَدَّرْنَا) بتشديدِ الدالِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: هما بمعنًى واحدٍ، والعرَبُ تَقولُ: قَدَرَ وقَدَّرَ. ومنه قولُه عليه السلامُ: ((فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ)). أيْ: قَدِّرُوا له. وقد اعتُرِضَ على هذا القولِ، فقيلَ: لو كان قَدَرْنا بمعنى قَدَّرْنَا لقالَ: فنعم الْمُقَدِّرونَ، والجوابُ: أنه جَمَعَ بينَ اللغتينِ، وقالَ الشاعِرُ في مِثلِ هذا:
وأَنْكَرَتْنِي وما كان الذي نَكِرَتْ مِن الحوادثِ إلا الشَّيبَ والصَّلَعَا
وقيلَ في الفَرْقِ بينَ قَدَرْنا وقَدَّرْنَا: بالتخفيفِ معناه: مَلَكْنَا فنِعْمَ المالِكونَ، ومعنى قَدَّرْنَا بالتشديدِ أيْ: قَدَّرْنَا خَلْقَ الإنسانِ على تاراتٍ مختلِفَةٍ؛ مِن نُطفةٍ وعَلَقةٍ ومُضغةٍ وما بعدَ ذلك، إلى أنْ جَعلناه إِنْسَاناً سَوِيًّا، وقيلَ: قَدَّرْنا شَقِيًّا وسَعيداً، وصغيراً وكبيراً، وأسودَ وأبيضَ، وغيرَ ذلك.
قولُه تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً} أيْ: كَفْتاً، وقيلَ: مَجْمَعاً فالكَفْتُ هو الضَّمُّ، ومعنى الكِفاتِ ههنا: هو أنَّ الأرضَ تَضُمُّ الخلْقَ أحياءً وأَمواتاً، فالضَّمُّ في حالِ الحياةِ هو باكتِنَانِهم واستقرارِهم على ظهْرِها، وبعدَ الْمَمَاتِ باكتنانِهم في بَطْنِها وهو القُبورُ، وكانَ بَقيعُ الغَرْقَدِ يُسَمَّى الكَفْتَةَ.
وعن ابنِ يحيى بنِ سعيدٍ ورَبيعةَ، أنَّ اللِّباسَ يُقْطَعُ إذا أُخْرِجَ الكفَنُ ومِن الْحِرْزِ. وقَرَأَ قولَه تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً} رواه سليمانُ بنُ بلالٍ، وعن الخليلِ بنِ أحمدَ: أنَّ الكَفْتَ هو التَّقَلُّبُ، وقولَه: {كِفَاتاً} أيْ: مُتَقَلَّباً.
قولُه تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} أيْ: مُرْتَفِعاتٍ. يُقالُ: شَمَخَ فُلانٌ بأَنْفِه. إذا رَفُعَ قَدْرُه، قالَ بعضُهم:
إذا كانتِ الأَحرارُ أَصْلِي ومَنْصِبِي وقامَ بأَمْرِي خَازِمٌ وابنُ خَازِمِ
عَطَسْتُ بأنْفٍ شامِخٍ وتَنَاوَلَتْ يَدَايَ الثُّرَيَّا قاعِداً غيرَ قائمِ
وقولُه: {وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً} أيْ: عَذْباً، وعن ابنِ عَبَّاسٍ قالَ: أُصولُ الأنهارِ العَذبةِ أَربعةٌ، جَيْحَانُ وهو نَهْرُ بَلْخٍ، ودِجلةُ وفُراتٌ للكوفةِ، ونِيلُ مِصْرَ، وذَكَرَ الكلبيُّ أنَّ في الدنيا ثلاثةً مِن الجنَّةِ: الدِّجْلَةَ والفُراتَ، ونَهْرَ الأُرْدُنِّ، وأَنْشَدَ الشاعرُ:
إذا غابَ عَنَّا غَابَ فُرَاتُنَا وإنْ شَهِدَ إِحْدَى نُبْلِه وفَوَاضِلِهْ
__________________________
([1]) لعل هذه الواو زائدة.
([2]) لعل بعدها: " عنَّا " .
([3]) كذا.