مشاهدة النسخة كاملة : سورة المرسلات (الآيات: 41-50)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:41 AM
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 07:26 PM
(41 -45) {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *}.
لَمَّا ذَكَرَ عُقوبةَ الْمُكَذِّبِينَ، ذَكَرَ ثوابَ المُحْسِنِينَ فقالَ: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ}؛ أي: للتكذيبِ الْمُتَّصِفِينَ بالتصديقِ في أقوالِهم وأفعالِهم وأعمالِهم، ولا يَكونونَ كذلك إلاَّ بأَدَائِهم الواجباتِ وتَرْكِهم الْمُحَرَّماتِ.
{فِي ظِلاَلٍ} مِن كثرةِ الأشجارِ الْمُتَنَوِّعَةِ، الزاهيَةِ البَهِيَّةِ.
{وَعُيُونٍ} جاريةٍ مِن السَّلْسَبِيلِ والرَّحِيقِ وغيرِهما.
{وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ}؛ أي: مِن خِيارِ الفواكهِ وطَيِّبِها، ويُقالُ لهم: {كُلُوا وَاشْرَبُوا} مِن الْمَآكِلِ الشهيَّةِ، والأَشْرِبَةِ اللذيذةِ.
{هَنِيئاً}؛ أي: مِن غيرِ مُنَغِّصٍ ولا مُكَدِّرٍ، ولا يَتِمُّ هَناؤُه حتى يَسْلَمَ الطعامُ والشرابُ مِن كُلِّ آفَةٍ ونَقْصٍ، وحتَّى يَجْزِموا أنَّه غيرُ مُنْقَطِعٍ ولا زائلٍ.
{بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فأعمالُكم هي السببُ الْمُوَصِّلُ لكم إلى هذا النعيمِ الْمُقيمِ، وهكذا كُلُّ مَن أَحْسَنَ في عِبادةِ اللَّهِ، وأَحْسَنَ إلى عِبادِ اللَّهِ.
ولهذا قالَ: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} ولو لم يَكُنْ لهم مِن هذا الوَيْلِ إلاَّ فَواتُ هذا النعيمِ لكفَى به حِرْمَاناً وخُسراناً.
(46 -50) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} هذا تَهديدٌ ووَعيدٌ للمُكَذِّبِينَ أنَّهم وإنْ أَكَلُوا في الدُّنيا وشَرِبُوا وتَمَتَّعُوا باللَّذَّاتِ، وغَفَلُوا عن القُرُبَاتِ؛ فإنَّهم مُجْرِمونَ يَسْتَحِقُّونَ ما يَسْتَحِقُّه الْمُجْرمونَ، فستَنْقَطِعُ عنهم اللَّذَّاتُ، وتَبْقَى عليهم التَّبِعاتُ.
ومِن إجرامِهم أنَّهم إذا أُمِرُوا بالصلاةِ التي هي أشرَفُ العِباداتِ، وقيلَ لهم: {ارْكَعُوا} - امْتَنَعُوا مِن ذلك، فأيُّ إجرامٍ فوقَ هذا؟! وأيُّ تَكذيبٍ يَزِيدُ على هذا؟!
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} ومِن الويلِ عليهم أنَّهم تَنْسَدُّ عليهم أبوابُ التوفيقِ ويُحْرَمُونَ كلَّ خيرٍ، فإِنَّهم إذا كَذَّبُوا هذا القرآنَ الكريمَ الذي هو أَعْلَى مَراتِبِ الصدْقِ واليقينِ على الإطلاقِ {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}، أَبِالباطِلِ الذي هو كاسْمِه، لا يَقُومُ عليه شُبهةٌ، فَضْلاً عن الدليلِ؟! أمْ بكلامِ كلِّ مُشْرِكٍ كذَّابٍ أَفَّاكٍ مُبينٍ؟!
فليسَ بعدَ النورِ الْمُبينِ إلاَ دَيَاجِي الظُّلُماتِ، ولا بَعْدَ الصِّدْقِ الذي قامَتِ الأَدِلَّةُ والبراهينُ على صِدْقِه إلاَّ الكَذِبُ الصُّراحُ والإفْكُ المُبِينُ الذي لا يَلِيقُ إلاَّ بمَن يُنَاسِبُه.
فَتَبًّا لهم ما أعمَاهُم! ووَيْحاً لهم ما أَخْسَرَهم وأَشْقَاهم!
نَسْأَلُ اللَّهَ العَفْوَ والعافِيَةَ، إنه جَوَادٌ كريمٌ. تَمَّتْ.
حفيدة بني عامر
11-09-2008, 08:50 AM
41- {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ}؛ أي: في ظِلالِ الأشجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الذي للكُفَّارِ مِن الدُّخَانِ أو مِن النارِ, كما تَقَدَّمَ.
42- {وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ}: مِمَّا تَطْلُبُه أَنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَوَاتُهُم.
43- {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}؛ أي: بسببِ ما كُنْتُم تَعْمَلُونَه في الدنيا من الأعمالِ الصالحةِ.
44- {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}؛ أي: مثلُ ذلك الجزاءِ العظيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعمالِهِم.
45- {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} حيثُ صَارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المؤمنونَ في نَعيمٍ مُقيمٍ.
46- {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ}؛ أي: يُقالُ لهم هذا في الدنيا، والمُجرمونَ: المشركونَ بِاللَّهِ.
47- {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} كَرَّرَه لزيادةِ التوبيخِ والتَّقْرِيعِ.
48- {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ}؛ أي: وإذا أُمِرُوا بالصلاةِ لا يُصَلُّونَ. وقيلَ: إِنَّما يُقالُ لهم ذلك في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السجودِ فلا يَسْتَطِيعُونَ.
49- {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} بأَوَامِرِ اللهِ سُبحانَه ونواهِيهِ.
50- {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}؛ أي: فبأيِّ حديثٍ غيرِ القرآنِ يُصَدِّقُونَ إذَا لم يُؤْمِنُوا به؟
حفيدة بني عامر
11-09-2008, 08:51 AM
قولُه تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ} قيلَ: ظِلالُ القُصورِ والأشجارِ.
وقيلَ: إنَّ الظلَّ هو ما يَدفعُ أذَى الْحَرِّ عن الإنسانِ، وهواءُ الجنةِ يُنافِي كلَّ أَذًى، فهو ظِلٌّ على هذا المعنى، وإنْ لم يَكنْ هناك شَمْسٌ.
وقولُه: {وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} أيْ: يَتَمَنَّوْنَ.
وقولُه: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} قد بَيَّنَّا مِن قَبلُ.
وقولُه: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} قالَ الحسَنُ البَصريُّ: المحسِنُ مَن أَدَّى جَميعَ فَرائضِ اللهِ، واجْتَنَبَ جَميعَ مَناهِي اللهِ.
قولُه تعالى: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُم مُجْرِمُونَ} هذا على طريقِ التهديدِ والوَعيدِ لا على طريقِ الأمْرِ. ومعناه: افْعَلوا ما أنتم فاعلونَ فسيَنَالُكم رَعْبُ ذلك وعَاقبتُه.
وقولُه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ} معناه: إذا قيلَ لهم: صَلُّوا. لا يُصَلُّونَ. وقيلَ: إنها نَزلتْ في ثَقيفٍ، استَعْفَوْا مِن الصلاةِ، وقيلَ: كانوا استَعْفَوْا مِن الركوعِ والسجودِ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((لاَ خَيْرَ فِي دِينٍ لَيْسَ لَهُ رُكُوعٌ وَلاَ سُجُودٌ)).
وقولُه: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} أيْ: بأيِّ كتابٍ بعدَ القرآنِ يُؤمنونَ إنْ لم يُؤمنوا بهذا الحديثِ، بعدَ ظُهورِ بَراهينِه وقِيامِ الدلائلِ على أنه مِن عِندِ اللهِ؟! فإنْ قالَ قائلٌ: ما وَجهُ التَّكرارِ في قولِه: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} في هذه السورةِ، والمرَّةُ الواحدةُ تُغْنِي عن المرادِ به؟ والجوابُ: قد بَيَّنَّا هذا في سورةِ "الرحمنِ".
ووجهُ ذلك أنه لَمَّا كَرَّرَ ذكْرَ النِّعَمِ في تلك السورةِ كَرَّرَ الزَّجْرَ عن كُفرانِها والنهيَ عنهابقولِه: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} وَلَمَّا كَرَّرَ ذِكْرَ الآياتِ في هذه السورةِ لإقامةِ الْحُجَجِ عليهم كَرَّرَ ذكْرَ العقوبةِ عليهم بذِكْرِ الوَيْلِ؛ ليكونَ أَبْلَغَ في الإنذارِ والإعذارِ، وهو على عادةِ كلامِ العرَبِ، فإنَّ الرجُلَ يَقولُ لغيرِه: أَلَمْ أُحْسِنْ إليك بأنْ فعلتُ لك كذا؟ ألَمْ أُحْسِنْ بأنْ خَلَّصْتُكَ مِن الْمَكارِهِ؟ أَلَمْ أُحْسِنْ بأنْ تَشَفَّعْتُ لك إلى فُلانٍ؟ وغيرَ ذلك، فيَحْسُنُ منه التكريرُ لاختلافِ ما يُقَرِّرُه به، قالَ مُهَلْهَلُ بنُ رَبيعةَ يَرْثِي أَخاهُ كُليباً على هذا المعنى:
على أنْ ليس عِدْلاً مِن كُليبٍ إذا طُرِدَ اللئيمُ عنِ الْجَزورِ
على أنْ ليس عِدْلاً مِن كُلَيْبٍ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ الْمُجِيرِ
على أنْ ليس عِدْلاً مِن كُلَيْبٍ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأَةُ الْخُدورِ
على أَنْ ليس عِدْلاً مِن كُلَيْبٍ غَداةَ بَلائِكَ الأمْرِ الكبيرِ
على أنْ ليس عِدْلاً مِن كُلَيْبٍ إذا ما ضَامَ جارُ الْمُستجيرِ
واللهُ أَعْلَمُ.
[سورة الإنسان لم تكتمل بعد لوجود سقط في الأصل الموجود]
([1]) لعلها: عنه.
([2]) لعلها: " اليتيمُ " .
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir