مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة المجادلة (الآيات: 1-4)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 02:59 AM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ(4)}
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 03:11 AM
تَفْسِيرُ سُورةِ قدْ سَمِعَ اللَّهُ
وهي مَدَنِيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ *}.
(1) نَزَلَتْ هذه الآياتُ الكريماتُ في رجُلٍ مِن الأنصارِ اشْتَكَتْهُ زَوجتُه إلى اللَّهِ وجَادَلَتْهُ إلى رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ، لَمَّا حَرَّمَها على نفْسِه بعدَ الصُّحْبَةِ الطويلةِ والأولادِ، وكانَ هو رَجُلاً شيخاً كبيراً، فَشَكَتْ حالَها وحالَه إلى اللَّهِ وإلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ، وكَرَّرَتْ ذلك، وأَبْدَتْ فيه وأعادَتْ، فقالَ تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا}؛ أيْ: تَخَاطُبَكُما فيما بينَكما.
{إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} لِجَميعِ الأصواتِ في جَميعِ الأوقاتِ على تَفَنُّنِ الحاجاتِ، {بَصِيرٌ}: يُبْصِرُ دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ على الصخْرَةِ الصَّمَّاءِ في الليلةِ الظَّلْمَاءِ.
وهذا إِخبارٌ عن كَمالِ سَمْعِه وبَصَرِه، وإحاطَتِهما بالأُمورِ الدقيقةِ والْجَليلةِ، وفي ضِمْنِ ذلكَ الإشارةُ بأنَّ اللَّهَ تعالى سَيُزِيلُ شَكْواها ويَرفَعُ بَلْواهَا.
ولهذا ذَكَرَ حُكْمَها وحُكْمَ غيرِها على وَجْهِ العُمومِ، فقالَ:
(2) {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ}. المُظاهَرَةُ مِن الزَّوْجةِ أنْ يقولَ الرجُلُ لزَوْجتِه: أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أُمِّي ـ أو غيرِها مِن مَحَارِمِه ـ أو أنتِ عَلَيَّ حَرامٌ.
وكانَ الْمُعتادُ عندَهم في هذا اللفْظِ الظَّهْرَ؛ ولهذا سَمَّاهُ اللَّهُ ظِهَاراً، فقالَ: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ}؛ أيْ: كيفَ يَتَكَلَّمُونَ بهذا الكلامِ الذي يَعْلَمُونَ أنَّه لا حقيقةَ له، فيُشَبِّهُونَ أزواجَهم بأُمَّهاتِهم اللاَّتِي وَلَدْنَهم؟
ولهذا عَظَّمَ اللَّهُ أمْرَه وقَبَّحَه، فقالَ: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً}؛ أيْ: قَولاً شَنِيعاً وكَذِباً، {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}: عمَّن صَدَرَ مِنه بعضُ الْمُخالَفاتِ فتَدَارَكها بالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ.
(3) {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}. اختلَفَ العُلماءُ في معنى العَوْدِ؛ فقِيلَ: معناه: العَزْمُ على جِمَاعِ مَن ظاهَرَ منها، وأنَّه بِمُجَرَّدِ عَزْمِه تَجِبُ عليهِ الكَفَّارَةُ الْمَذكورةُ.
ويَدُلُّ على هذا أنَّ اللَّهَ تعالى ذَكَرَ في الكَفَّارَةِ أنَّها تَكونُ قبلَ الْمَسِيسِ، وذلكَ إنَّما يكونُ بِمُجَرَّدِ العَزْمِ.
وقيلَ: مَعناه حَقيقةُ الوَطْءِ، ويدُلُّ على ذلكَ أنَّ اللَّهَ قالَ: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}، والذي قالوا إِنَّما هو الوَطْءُ، وعلى كلٍّ مِن القولَيْنِ فإذَا وُجِدَ العَوْدُ صارَ كَفَّارَةَ هذا التحريمِ {تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} مُؤمنةٍ؛ كما قُيِّدَتْ في آيَةِ القَتْلِ؛ ذَكَرٍ أو أُنْثَى، بشَرْطِ أنْ تَكُونَ سالِمَةً مِن العُيوبِ الضارَّةِ بالعمَلِ، {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}؛ أيْ: يَلزَمُ الزوجَ أنْ يَترُكَ وَطْءَ زَوجتِه التي ظاهَرَ منها حتى يُكَفِّرَ برَقبةٍ.
{ذَلِكُمْ} الحكْمُ الذي ذَكَرْنَاهُ لكم {تُوعَظُونَ بِهِ}؛ أيْ: يُبَيَّنُ لكم حُكْمُهُ معَ الترهيبِ المَقْرونِ به؛ لأنَّ معنَى الوَعْظِ ذِكْرُ الحُكْمِ معَ الترغيبِ والترهيبِ، فالذي يُريدُ أنْ يُظاهِرَ إذا ذَكَرَ أنَّ عليهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ كَفَّ نفْسَه عنه.
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}؛ فيُجازِي كلَّ عامِلٍ بعَمَلِه.
(4) {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} رَقَبَةً يُعْتِقُها؛ بأنْ لَمْ يَجِدْها أو لَمْ يَجِدْ ثَمَنَها، {فـ}: عليه, {صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ} الصيامَ، {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً}؛ إمَّا أنْ يُطْعِمَهم مِن قُوتِ بَلَدِه ما يَكفِيهِم، كما هو قَولُ كثيرٍ مِن الْمُفَسِّرِينَ، وإمَّا أنْ يُطْعِمَ كلَّ مِسْكينٍ مُدَّ بُرٍّ أو نِصْفَ صاعٍ مِن غيرِه مِمَّا يُجْزِي في الفِطْرَةِ؛ كما هو قولُ طائفةٍ أُخْرَى.
{ذَلِكَ} الحُكْمُ الذي بَيَّنَّاهُ لكم وَوَضَّحْنَاهُ؛ {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} وذلك بالْتِزامِ هذا الحكْمِ وغيرِه مِن الأحكامِ والعمَلِ به؛ فإنَّ التزامَ أحكامِ اللَّهِ والعمَلَ بها مِن الإيمانِ، بل هي المَقْصودةُ، ويَزْدَادُ بها الإيمانُ ويَكُمُلُ ويَنْمُو.
{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} التي تَمْنَعُ مِن الوُقوعِ فيها، فيَجِبُ أنْ لا تُتَعَدَّى ولا يُقَصَّرَ عنها. {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
وفي هذه الآياتِ عِدَّةُ أَحكامٍ:
منها: لُطْفُ اللَّهِ بعِبادِه واعتناؤُه بهم؛ حيثُ ذَكَرَ شَكْوَى هذه المَرْأَةِ الْمُصابةِ، وأَزَالَها، ورَفَعَ عنها البَلْوَى، بل رَفَعَ البَلْوَى بحُكْمِه العامِّ لكلِّ مَنِ ابْتُلِيَ بِمِثلِ هذه القَضيَّةِ.
ومِنها: أنَّ الظِّهارَ مُخْتَصٌّ بتحريمِ الزوجةِ؛ لأنَّ اللَّهَ قالَ: {مِنْ نِسَائِهِمْ}، فلو حَرَّمَ أَمَتَه؛ لم يَكُنْ ذلك ظِهاراً، بل هو مِن جِنْسِ تَحريمِ الطَّيِّبَاتِ، كالطعامِ والشَّرَابِ؛ تَجِبُ فيه كَفَّارَةُ اليَمِينِ فقَطْ.
ومِنها: أنَّه لا يَصِحُّ الظِّهارُ مِن امرأةٍ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها؛ لأنَّها لا تَدخُلُ في نِسائِه وَقْتَ الظِّهارِ، كما لا يَصِحُّ طَلاقُها؛ سواءٌ نَجَزَ ذلك أو عَلَّقَه.
ومنها: أنَّ الظِّهارَ مُحَرَّمٌ؛ لأنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ {مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً}.
ومِنها: تَنْبيهُ اللَّهِ على الحُكْمِ وحِكمتِه؛ لأنَّ اللَّهَ قالَ: {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ}.
ومنها: أنَّه يُكْرَهُ للرجُلِ أنْ يُنادِيَ زَوجتَه ويَدعُوَها باسمِ مَحَارِمِه؛ كقولِه: يا أُمِّي، يا أُخْتِي. ونحوِ ذلك؛ لأنَّ ذلك يُشْبِهُ الْمُحَرَّمَ.
ومِنها: أنَّ الكَفَّارَةَ إِنَّما تَجِبُ بالْعَوْدِ لِمَا قالَ الْمُظاهِرُ على اختلافِ القَوْلَيْنِ السابِقَيْنِ، لا بِمُجَرَّدِ الظِّهارِ.
ومِنها: أنَّه يُجزِئُ في كَفَّارَةِ الرَّقَبَةِ الصغيرةِ والكبيرةِ والذكَرِ والأُنْثَى؛ لإطلاقِ الآيةِ في ذلك.
ومنها أنَّه يَجِبُ إخراجُها إذا كانَتْ عِتْقاً أو صِياماً قَبلَ الْمَسِيسِ؛ كما قَيَّدَه اللَّهُ، بخِلافِ كَفَّارَةِ الإطعامِ، فإنَّه يَجوزُ الْمَسِيسُ والوَطْءُ في أثنائِها.
ومِنها: أنَّه لعَلَّ الْحِكْمةَ في وُجوبِ الكَفَّارَةِ قَبلَ الْمَسِيسِ أنَّ ذلك أَدْعَى لإخراجِها؛ فإنه إذا اشتاقَ إلى الْجِماعِ، وعَلِمَ أنَّه لا يُمَكَّنُ مِن ذلك إلاَّ بعدَ الكَفَّارَةِ بادَرَ بإخْرَاجِها.
ومِنها: أنَّه لا بُدَّ مِن إطعامِ سِتِّينَ مِسكيناً؛ فلو جَمَعَ طعامَ سِتِّينَ مِسكيناً، ودَفَعَها لواحدٍ أو أكثرَ مِن ذلك دُونَ السِّتِّينِ، لم يَجُزْ ذلك؛ لأنَّ اللَّهَ قالَ: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً}.
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 03:16 AM
سُورَةُ المُجَادَلَةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
1- {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} أيْ: تُرَاجِعُكَ الكلامَ في شأنِه.
{وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ}: عن عائشةَ قالَتْ: "تَبَارَكَ الذي وسِعَ سَمْعُه كلَّ شيءٍ، إنِّي لأَسْمَعُ كلامَ خَوْلَةَ بنتِ ثَعلبةَ، ويَخْفَى عَلَيَّ بعضُه، وهي تَشتكِي زَوْجَها إلى رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ, وهي تقولُ: يا رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أكَلَ شَبَابِي، وَنَثَرْتُ له بَطنِي، حتى إذا كَبِرَ سِنِّي، وانقطَعَ وَلَدِي، ظاهَرَ مِنِّي، اللهمَّ إنِّي أشْكُو إليك. قالتْ: فما بَرِحَتْ حتى نَزَلَ جِبريلُ بهؤلاءِ الآياتِ:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ}". وهو أوْسُ بنُ الصامتِ أحَدُ الأنصارِ.
{وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} أيْ: واللهُ يَسمَعُ ما تَتراجعَانِ به مِن الكلامِ.
2- {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم}. معنى الظِّهَارِ: أنْ يقولَ الرجُلُ لامرأتِه: أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أُمِّي. ولا خِلافَ في كونِ هذا ظِهاراً.
{مَا هُنَّأُمَّهَاتِهِمْ} أيْ: ما نِساؤُهم بأُمَّهَاتِهم، فذلك كذِبٌ منهم، وفي هذا تَوبيخٌ للمُظاهِرِينَ وتَبكيتٌ لهم.
{إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} أيْ: ليستْ أمَّهاتُهم إلاَّ النساءُ اللائِي وَلَدْنَهُمْ.
{وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} أيْ: وإنَّ المظاهِرِينَ ليَقولونَ بقولِهم هذا مُنْكَراً مِن القولِ، أيْ: فَظيعاً يُنكِرُه الشرْعُ, وهو تَشبيهُ زَوجتِه التي يَطَؤُها بأُمِّه، وفي هذا أشَدُّ الإهانةِ لأمِّه, والزورُ: الكذِبُ.
{وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أيْ: بَليغُ العفْوِ والمغفرةِ، إذ جَعَلَ الكَفَّارَةَ عليهم مُخَلِّصَةً لهم عن هذا المنكَرِ.
3- {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}: يَعودونَ لِمَا كانوا عليه مِن إرادةِ الْجِماعِ.
{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أيْ: فعليهم تحريرُ رَقبةٍ، أيْ: أمَةٍ أو عبدٍ مملوكٍ؛ مِن أجْلِ ما قالوا. وقيلَ: العَوْدُ أنْ يُمْسِكَها زَوجةً بعدَ الظِّهارِ مع القُدرةِ على الطلاقِ.
{مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا}: المرادُ بالتَّمَاسِّ هنا الْجِماعُ، فلا يَجوزُ للمُظاهِرِ الوَطءُ حتى يُكَفِّرَ.
{ذَلِكُمْ}: الحكْمُ المذكورُ.
{تُوعَظُونَ بِهِ} أيْ: تُؤمَرُون به، أو تُزْجَرونَ به عن ارتكابِ الظِّهارِ.
4- {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} أي: فمَن لم يَجِدْ الرقبةَ في مِلْكِه، ولا تَمَكَّنَ مِن قِيمَتِها، أو لم يَجِدْ رَقبةً يَشتريهَا فعليه صِيامُ شَهرينِ مُتتابِعَيْنِ مُتوالِيَيْنِ لا يُفْطِرُ فيهما، فإنْ أَفْطَرَ استأنَفَ إنْ كانَ الإفطارُ لغيرِ عُذْرٍ, فلو جامَعَها ليلاً أو نَهاراً عَمْداً استأنَفَ.
{فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ} يَعنِي: صيامَ شهرينِ مُتتابِعَيْنِ.
{فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً}: لكُلِّ مِسكينٍ نِصفُ صاعٍ مِن بُرٍّ أو تَمْرٍ أو أَرُزٍّ أو نحوِها.
ويَجوزُ أنْ يُطْعِمَهم طَعاماً جَاهِزاً حتى يَشْبَعُوا، أو يَدفعَ إليهم ما يُشْبِعُهم.
{ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} أيْ: حَكَمْنا بذلك لتُصَدِّقُوا أنَّ اللهَ أمَرَ به وشَرَعَه، وتَقِفُوا عندَ حُدودِ الشرْعِ، ولا تَتَعَدَّوْهَا، ولا تَعُودُوا إلى الظِّهارِ الذي هو منْكَرٌ مِن القوْلِ وزُورٌ.
{وَتِلْكَ} الأحكامُ المذكورةُ.
{حُدُودُ اللهِ} فلا تَجَاوَزُوا حُدودَه التي حَدَّها لكم، فإنه قد بَيَّنَ لكُمْ أنَّ الظِّهارَ مَعصيةٌ، وأنَّ كفَّارَتَه المذكورةَ تُوجِبُ العفوَ والمغفرةَ.
{وَلِلْكَافِرِينَ} الذينَ لا يَقِفُونَ عندَ حُدودِ اللهِ.
{عَذَابٌ أَلِيمٌ} وهو عذابُ جَهَنَّمَ.
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 03:19 AM
تَفسيرُ سُورَةِ المُجَادَلَةِ
وهي مَدَنِيَّةٌ
قولُه تَعالَى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} نَزلَتِ الآيةُ في خَوْلَةَ بنتِ ثَعْلَبَةَ، وهي امرأةُ أَوْسِ بنِ الصَّامِتِ.
ويُقالُ: خَوْلَةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ.
وقِيلَ: خَوْلَةُ بنتُ الصَّامِتِ.
والأَصَحُّ هو الأَوَّلُ، وعليه أكْثَرُ أهلِ التفسيرِ؛ مِنهم: مُجاهِدٌ، وقَتَادَةُ، ومحمَّدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وغيرُهم. وكانَ أوْسُ بنُ الصَّامِتِ ظاهَرَ منها.
وفي رِوايةٍ عن خَوْلَةَ أنَّها قالَتْ: كانَ بأَوْسِ بنِ الصَّامِتِ لَمَمٌ، فرَاجَعْتُه في بعضِ الأمْرِ فظَاهَرَ مِنِّي.
قالَ محمَّدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أَتَتْ خَوْلَةُ بنتُ ثَعْلَبَةَ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ وقالَتْ: إنَّ أَوْسَ بنَ الصَّامِتِ زَوْجِي وابنُ عَمِّي وأحَبُّ الناسِ إلَيَّ، وقد ظَاهَرَ مِنِّي. فقال َعليه السلامُ: ((مَا أَرَاكِ إِلاَّ وَقَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ)).
فجَعَلَتْ تَشْتَكِي وتقولُ: أبو وَلَدِي وزَوجِي ولا أستطيعُ فِراقَه. ورسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: ((مَا أَرَاكِ إِلاَّ وَقَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ)). وهي تُراجِعُه مَرَّةً بعدَ أُخْرَى؛فأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}.
قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عنها: سُبحانَ الذي وَسِعَ سَمْعُه الأصواتَ؛ كُنْتُ في جانبِ البيتِ ولا أَسْمَعُ ما تقولُ خَوْلَةُ؛ فأَنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}.
وقولُه: {وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} اشْتَكَى وشَكَا بِمَعْنًى واحدٍ.
وقولُه: {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} أي: تَراجُعَكُما.
وقولُه: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} ظاهِرٌ.
قولُه تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} أي: ليْسَ هُنَّ بأُمَّهَاتِهم, والمعنَى: أنه ليْسَ أزواجُهُنَّ كما قالوا: إنَّ ظُهورَهُنَّ كظَهْرِ أمَّهَاتِهم.
وقولُه: {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً}. قالَ قَتادةُ: أيْ: كَذِباً. والكَذِبُ هو قولُه لها: أنتِ عَلَيَّ كظهْرِ أُمِّي.
وقولُه: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أي: لِمَن نَدِمَ على قولِه، وهذا قولُه تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ}. قالَ الحَسَنُ وطاوُسٌ والزُّهْرِيُّ: العَوْدُ هو الوَطْءُ. وهذا قولُ مالِكٍ.
وعن ابنِ عَبَّاسٍ: هو أنْ يَنْدَمَ على ما قالَ ويَرجِعَ إلى الأُلْفَةِ.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في العَوْدِ: أنه يُمْسِكُها علَى النِّكَاحِ عَقِيبَ الظِّهَارِ, ولا يُطَلِّقُها, قالَ: وإِنَّمَا يكونُ هذا عَوْداً؛ لأنَّ الظِّهارَ قَصْدُ التحريمِ, فإذا مَضَى وَقْتٌ عَقِيبَ الظِّهارِ، ولَمْ يُحَرِّمْها على نفْسِه بالطلاقِ فهو عائدٌ عمَّا قالَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ على هذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ الذي ذَكَرْنا.
وأمَّا مَذْهَبُ أبي حَنيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه, فإنه قالَ: العَوْدُ: هو أنْ يَعْزِمَ على إِمْساكِها، فإذا فَعَلَ ذلكَ فقَدْ تَحقَّقَ العَوْدُ.
والفَرْقُ بينَ هذا وبينَ قولِ الشافعيِّ: أنَّه إذا مَضَى عَقِيبَ الظِّهارِ وَقْتٌ يُمْكِنُه أنْ يُطَلِّقَها فيهِ ولَمْ يُطَلِّقْ فهو عائدٌ، وإنْ لم يَعْزِمْ على إمساكِها.
وعندَ أبي حنيفةَ ما لم يَعزِمْ على إمساكِها لا يكونُ عائداً.
وفي الآيةِ قولٌ رابعٌ، وهو قولُ أبي العاليةِ وبُكَيْرِ بنِ عبدِ اللَّهِ الأشَجِّ: أنَّ العَوْدَ هو أنْ يُكَرِّرَ لفْظَ الظِّهارِ. وأَوَّلاَ العَوْدَ لِمَا قالوا بهذا.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: ثَبَتَ الظِّهارُ بنفْسِ القولِ وتَجِبُ الكَفَّارةُ.
ومعنى العَوْدِ في هذا: هو العَوْدُ إلى ما كانَ عليه أهلُ الجاهليَّةِ مِن فعْلِ الظِّهارِ؛ وكأنَّه قالَ: (وَيَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) يَعنِي: إلى ما قالَه أهْلُ الجاهليَّةِ.
وقالَ الأَخْفَشُ سعيدُ بنُ مَسْعَدَةَ: في الآيةِ تقديمٌ وتأخيرٌ, وتقديرُها: والذينَ يُظَاهِرونَ نِساءَهم ثم يَعُودُونَ فتحريرُ رَقَبَةٍ بما قالوا.
وقولُه: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} يَعنِي الوَطْءَ، وأمَّا اللَّمْسُ فيما دونَ الفَرْجِ اخْتَلَفُوا فيه؛ فحُكِيَ عن الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنه قالَ: يَجُوزُ.
وقالَ الزُّهْرِيُّ: لا يَجوزُ.
والأصَحُّ أنه لا يَجوزُ حتى يُكَفِّرَ.
وقولُه: {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ظاهِرُ المعنى.
وقولُه: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} قالَ ابنُ عبَّاسٍ: مُؤمنةٍ.
وعن الشَّعْبِيِّ قالَ: رَقبةٍ قدْ صَلَّتْ وعَرَفَتِ الإيمانَ.
وفي الخبَرِ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ دعَا أوْسَ بنَ الصَّامِتِ وقالَ: ((أَعْتِقْ رَقَبَةً)). فقالَ: لا أَجِدُها. فقالَ: ((صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ))، قالَ: لا أَستطيعُ - وكانَ شيخاً قدْ أَسَنَّ وكَبِرَ - فقالَ: ((أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِيناً))، فقالَ: نَعَمْ.
ورُوِيَ أنَّه قالَ: لا أَجِدُ إلاَّ أنْ تُعِينَنِي. فأَعانَه رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بفَرَقٍ مِن تَمْرٍ، وأعانَتْهُ المَرْأةُ بفَرَقٍ مِن تَمْرٍ.
وفي روايةٍ: أنَّه لَمَّا أَعْطاهُ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ التمْرَ قالَ: ليسَ في المدينةِ أحَدٌ أحْوَجُ إليه مِنِّي. فقالَ: ((كُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُكَ)).
قولُه تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} قدْ بَيَّنَّا.
وعن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ قالَ: إذا أفْطَرَ بعُذْرٍ يَقضِي يوماً مكانَه ولا يَستقْبِلُ.
وقالَ إبْراهيمُ النَّخَعِيُّ: يَستقْبِلُ. وعليه أكثَرُ الفُقهاءِ.
وقولُه: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} قد بَيَّنَّا. والأصَحُّ أنه يُطْعِمُ مُدًّا مُدًّا، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ.
وقولُه: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}. أي: سُنَّةُ اللَّهِ, ويُقالُ: أوَامِرُ اللَّهِ.
وقولُه: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: مُؤْلِمٌ.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir