مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة المجادلة (الآيات: 14-19)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 03:03 AM
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19)}.
حفيدة بني عامر
11-04-2008, 05:18 AM
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ *}.
(14-15) يُخْبِرُ تعالى عن شَناعةِ حالِ المُنافقِينَ، الذينَ يَتَوَلَّوْنَ الكافرِينَ مِن اليَهودِ والنَّصارَى وغيرِهم مِمَّنْ غَضِبَ اللَّهُ عليهم، ونَالُوا مِن لَعْنَةِ اللَّهِ أَوْفَى نَصيبٍ، وأنَّهم لَيْسُوا مِن المُؤمنِينَ ولا مِن الكافرِينَ: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ}, فلَيْسُوا مُؤْمنِينَ ظاهِراً وبَاطِناً؛ لأنَّ باطنَهم معَ الكُفَّارِ، ولا معَ الكُفَّارِ ظاهِراً وبَاطِناً؛ لأنَّ ظاهِرَهم معَ المُؤْمنِينَ.
وهذا وَصْفُهم الذي نَعَتَهم اللَّهُ به، والحالُ أنَّهم يَحْلِفُونَ على ضِدِّه الذي هو الكذِبُ، فيَحلِفونَ أنَّهم مُؤمنونَ، والحالُ أنَّهم لَيسوا مُؤمنِينَ، فجَزاءُ هؤلاءِ الْخَوَنَةِ الفَجَرَةِ الكَذَبَةِ أنَّ اللَّهَ أعَدَّ لهم عَذاباً شَديداً، لا يُقادَرُ قَدْرُه ولا يُعْلَمُ وَصْفُه.
{إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ حيثُ عَمِلُوا بما يُسْخِطُ اللَّهَ ويُوجِبُ عليهم العُقوبةَ واللعْنَةَ.
(16) {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً}؛ أيْ: تُرْساً ووِقايةً يَتَّقُونَ بها مِن لَوْمِ اللَّهِ ورسولِه والمُؤمنِينَ، فبِسببِ ذلكَ صَدُّوا أنْفُسَهم وغيرَهم عن سبيلِ اللَّهِ، وهو الصِّراطُ الذي مَن سَلَكَه أفْضَى به إلى جَنَّاتِ النعيمِ، ومَن صَدَّ عنه فليسَ إلاَّ الصِّراطُ الْمُوصِلُ إلى الْجَحيمِ.
{فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}؛ حيثُ استَكْبَرُوا عن الإيمانِ باللَّهِ والانقيادِ لآياتِه؛ أهانَهم بالعذابِ السَّرْمَدِيِّ الذي لا يَفْتُرُ عنهم ساعةً ولا هم يُنْظَرُونَ.
(17) {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً}؛ أيْ: لا تَدْفَعُ عنهم شيئاً مِن العَذابِ، ولا تُحَصِّلُ لهم قِسْطاً مِن الثوابِ، {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} الْمُلازِمُونَ لها، الذينَ لا يَخْرُجُونَ عنها، و {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
(18) ومَن عاشَ على شيءٍ ماتَ عليهِ، فكَمَا أنَّ المُنافقِينَ في الدنيا يُمَوِّهُونَ على المُؤْمنِينَ ويَحْلِفونَ لهم أنَّهم مُؤمنونَ، فإذا كانَ يومُ القِيامةِ وبَعَثَهم اللَّهُ جَميعاً؛ حَلَفُوا للهِ كما حَلَفُوا للمُؤمنِينَ، ويَحْسَبُونَ في حَلِفِهم هذا {أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ}؛ لأنَّ كُفْرَهم ونِفاقَهم وعَقائِدَهم الباطلةَ لم تَزَلْ تَرْسَخُ في أَذهانِهم شَيئاً فَشيئاً، حتى غَرَّتْهُم وظَنُّوا أنَّهم على شيءٍ يُعْتَدُّ بهِ ويُعَلَّقُ عليه الثوابُ، وهم كاذِبونَ في ذلك.
ومِن المعلومِ أنَّ الكَذِبَ لا يَرُوجُ على عالِمِ الغَيبِ والشَّهادةِ.
(19) وهذا الذي جَرَى عليهم مِن استحواذِ الشيطانِ الذي اسْتَوْلَى عليهم وزَيَّنَ لهم أعمالَهم وأَنساهُم ذِكْرَ اللَّهِ، وهو العدُوُّ الْمُبينُ - لا يُريدُ بهم إِلاَّ الشَّرَّ، إِنَّما يَدْعُو حِزْبَه ليَكُونُوا مِن أصحابِ السَّعِيرِ.
{أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} الذينَ خَسِرُوا دِينَهم ودُنياهم وأنْفُسَهم وأَهْلِيهم.
حفيدة بني عامر
11-04-2008, 05:22 AM
14- {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً} أيْ: وَالَوْهُمْ؛ هم المنافقونَ تَوَلَّوُا اليهودَ.
{غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ} المغضوبُ عليهم هم اليهودُ.
{مَا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ} كما قالَ اللهُ فيهم: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ} ويُحتمَلُ أنهم اليهودُ، أيْ يقولُ للمؤمنينَ: ليس اليهودُ مِنكم ولا مِن المنافقينَ، فلِماذا لا يَتَوَلاَّهم المنافقونَ؟
{وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ} أيْ: يَحْلِفون أنهم مُسلِمون، أو يَحلِفون إنهم ما نَقَلُوا الأخبارَ إلى اليهودِ.
{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أيْ: يَعلمونَ بُطلانَ ما حَلَفُوا عليه، وأنه كذِبٌ لا حقيقةَ له.
15- {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} بسببِ هذا التَّوَلِّي والْحَلِفِ على الباطلِ.
{إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} مِن الأعمالِ القَبيحةِ.
16- {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} وهي ما كانوا يَحْلِفون عليه مِن الكذِبِ بأنهم مِن المسلمينَ؛ تَوَقِّيًا مِن القتْلِ بالكفْرِ، فجَعَلُوا هذه الأَيمانَ وِقايةً وسُتْرَةً دُونَ دِمائِهم، فآمَنَتْ ألْسِنَتُهم مِن خَوْفِ القتْلِ ولم تؤمِنْ قُلُوبُهم.
{فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ} أيْ: مَنَعوا الناسَ عن الإسلامِ؛ بسَببِ ما يَصْدُرُ عنهم مِن التَّثبيطِ، وتَهوينِ أمْرِ المسلمينَ وتضعيفِ شَوْكَتِهم.
{فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أيْ: يُهينُهم ويُخزِيهم.
18- {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ} أيْ: يَحْلِفونَ للهِ يومَ القِيامةِ على الكَذِبِ كما يَحلِفونَ لكم في الدنيا، فيَقولون: واللهِ رَبِّنا ما فعَلْنا ذلك. وهذا مِن شِدَّةِ شَقَاوَتِهم، فإنَّ الحقائقَ يومَ القِيامةِ قد انْكَشَفَتْ، وصارَتِ الأمورُ مَعلومةً بضَرورةِ المشاهَدَةِ.
{وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} أيْ: يَحسَبُونَ في الآخِرَةِ أنهم بتلك الأيمانِ الكاذبةِ على شيءٍ مما يَجلِبُ نَفْعاً أو يَدفَعُ ضَرراً, كما كانوا يَحْسَبونَ ذلك في الدنيا.
19- {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ} أيْ: غَلَبَ عليهم واستَعْلَى واستولَى وأحاطَ بهم.
{فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ} أيْ: فتَرَكُوا أوامِرَه والعمَلَ بطاعاتِه.
{أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ} أيْ: جُنودُه وأَتباعُه ورَهْطُه.
{أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} لأنهم باعُوا الجنةَ بالنارِ والهُدَى بالضلالةِ، وكَذَبُوا على اللهِ وعلى نَبِيِّهِ، وحَلَفُوا الأيمانَ الفاجرةَ, فسَوفَ يَخْسَرونَ في الدنيا والآخِرَةِ.
حفيدة بني عامر
11-04-2008, 05:26 AM
قولُه تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}. نَزلَتْ في المُنافقِينَ؛ كانوا يَتَوَلَّوْنَ اليهودَ، وقالوا لهم: نحنُ مَعَكُمْ في السِّرِّ.
وقولُه: {مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ}. أي: المُنافقِينَ.
وقولُه: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ دَعَا عبدَ اللَّهِ بنَ نَبْتَلٍ - وكانَ أحَدَ المُنافقِينَ - فقالَ له: ((مَا لَكَ تَشْتُمُنِي وَتُؤْذِينِي وَقَوْمُكَ وَأَصْحَابُكَ؟))، فذَهَبَ وجاءَ بأصحابِه يَحْلِفُوا أنَّهم لَمْ يَقُولوا له إلاَّ خَيْراً, فهو معنَى قولِه: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
قولُه: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. أيْ: ساءَتْ أعمالُهم.
قولُه تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً}.مَعناه: اتَّقَوْا بأَيْمَانِهم كما يَتَّقِي المُحارِبُ بِجُنَّتِه؛ وهي تُرْسُه.
وقولُه: {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}. أيْ: أَعْرَضُوا عن سَبيلِ اللَّهِ.
وقولُه: {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}. ظاهِرُ المعنَى.
قولُه: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً}؛ أي: لَنْ تَدْفَعَ عنهم أموالُهم ولا أولادُهم مِن عذابِ اللَّهِ شيئاً.
وقولُه: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. أيْ: دَائِمونَ.
قولُه تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ}. أيْ: يَحْلِفُونَ لِلَّهِ كَذِباً كما حَلَفُوا لكم كَذِباً.
وقولُه: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ}. أيْ: يَظُنُّونَ أنَّهم على شَيءٍ.
وقولُه: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ}. أي: الكاذِبونَ على اللَّهِ وعلى رسولِه.
قولُه: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ}. أيْ: غَلَبَ عليهم الشيطانُ، وفي صِفاتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنه: أنَّه كانَ أَحْوَذِيًّا نَسِيجَ وَحْدِهِ. وفي روايةٍ: "أَحْوَزِيًّا", ومعناه بالذالِ؛ أيْ: غالباً على الأمورِ.
وقولُه: {فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ}. أيْ: أَنْساهُم الشيطانُ ذِكْرَ اللَّهِ.
وقولُه: {أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}. أيْ: خَسِرُوا رِضَا اللَّهِ تعالى والجَنَّةَ.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir