المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة المجادلة (الآيات: 20-22)


عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 03:04 AM
{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)}.

حفيدة بني عامر
11-04-2008, 06:33 AM
{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ*}.
(20-21) هذا وَعْدٌ ووَعيدٌ، وعيدٌ لِمَن حادَّ اللَّهَ ورسولَه بالكفْرِ والمعاصِي أنَّه مَخذولٌ مَذلولٌ لا عَاقِبَةَ له حَمِيدةً، ولا رَايةَ له مَنْصُورةً، ووَعْدٌ لِمَن آمَنَ به وبرُسُلِه واتَّبَعَ ما جاءَ به الْمُرْسَلونَ، فصارَ مِن حِزْبِ اللَّهِ الْمُفْلِحِينَ أنَّ لهم الفتْحَ والنصْرَ والغَلَبَةَ في الدنيا والآخِرَةِ.
وهذا وَعْدٌ لا يُخْلَفُ ولا يُغَيَّرُ؛ فإِنَّه مِن الصادِقِ القَوِيِّ العزيزِ الذي لا يُعْجِزُه شيءٌ يُريدُه.
{لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
(22) يقولُ تعالى: {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}؛ أيْ: لا يَجْتَمِعُ هذا وهذا، فلا يَكُونُ العبْدُ مُؤمناً باللَّهِ واليومِ الآخِرِ حقيقةً إلاَّ كانَ عامِلاً على مُقْتضَى إيمانِه ولَوازمِه مِن مَحَبَّةِ مَن قامَ بالإيمانِ ومُوالاتِه، وبُغْضِ مَن لم يَقُمْ به ومُعاداتِه، ولو كانَ أقْرَبَ الناسِ إليه.
وهذا هو الإيمانُ على الحقيقةِ، الذي وُجِدَتْ ثَمَرَتُه والمقصودُ منه، وأهْلُ هذا الوصْفِ هم الذينَ {كَتَبَ} اللَّهُ {فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ}؛ أيْ: رَسَمَه وَثَبَّتَه وغَرَسَه غَرْساً لا يَتَزَلْزَلُ ولا تُؤَثِّرُ فيهِ الشُّبَهُ والشُّكُوكُ، وهم الذينَ قَوَّاهُم اللَّهُ {بِرُوحٍ مِنْهُ}؛ أي: بوَحْيِهِ ومَعُونَتِه ومَدَدِه الإلهيِّ وإحسانِهِ الرَّبَّانِيِّ.
وهم الذينَ لهم الحياةُ الطيِّبَةُ في هذا الدارِ، ولهم جَنَّاتُ النَّعِيمِ في دارِ القَرارِ، التي فيها كلُّ ما تَشتهيهِ الأنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وتَختارُ، ولهم أفضَلُ النعيمِ وأَكْبَرُه، وهو أنَّ اللَّهَ يُحِلُّ عليهم رِضوانَه؛ فلا يَسْخَطُ عليهم أبَداً، ويَرْضَوْنَ عن رَبِّهِم بما يُعطِيهِم مِن أنواعِ الكَراماتِ ووَافِرِ الْمَثوباتِ وجَزيلِ الْهِبَاتِ ورَفيعِ الدرجاتِ؛ بحيثُ لا يَرَوْنَ فَوْقَ ما أَعطاهُم مَوْلاهم غايةً، ولا وَراءَه نِهايةً.
وأمَّا مَن يَزعُمُ أنَّه يُؤْمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخِرِ، وهو معَ ذلك مُوَادٌّ لأعداءِ اللَّهِ، مُحِبٌّ لِمَن نَبَذَ الإيمانَ وراءَ ظَهْرِه، فإنَّ هذا إيمانٌ زَعْمِيٌّ لا حَقيقةَ له؛ فإنَّ كُلَّ أمْرٍ لا بُدَّ له مِن بُرْهانٍ يُصَدِّقُه، فمُجَرَّدُ الدَّعْوَى لا تُفيدُ شيئاً ولا يُصَدَّقُ صاحبُها. والحمدُ لِلَّهِ.

حفيدة بني عامر
11-04-2008, 06:38 AM
20- {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} تَقَدَّمَ معنى الْمُحادَّةِ للهِ ولرسولِه في أوَّلِ هذه السورةِ.
{أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ} مِن جُملةِ مَن أذَلَّه اللهُ مِن الأُمَمِ في الدنيا والآخِرةِ.
21- {كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} أيْ: قَضَى في سابِقِ علْمِه: لأَغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي بالْحُجَّةِ والقُدرةِ.
{إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} قَوِيٌّ على نصْرِ أوليائِه، غالِبٌ لأعدائِه، لا يَغْلِبُه أحَدٌ.
22- {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} يُوَادُّونَ؛ أيْ: يُحِبُّونَ ويُوَالُونَ مَن عادَى اللهَ ورسولَه وشاقَّهُما.
{وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} أيْ: ولو كانَ الْمُحَادُّونَ للهِ ورسولِه آباءَ الْمُوَادِّينَ، إلخ.
فإنَّ الإيمانَ يَزْجُرُ عن ذلك ويَمنعُ منه، ورِعايتُه أقْوَى مِن رعايةِ الأُبُوَّةِ والبُنوَّةِ والأُخُوَّةِ والعَشيرةِ.
{أُولَئِكَ} يَعنِي الذينَ لا يُوَادُّونَ مَن حادَّ اللهَ ورَسولَه.
{كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ}: أثْبَتَه، وقِيلَ: جَعَلَه، وقيلَ: جَمَعَه.
{وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} أيْ: قَوَّاهُمْ بنَصْرٍ مِنه على عَدُوِّهِم في الدُّنيا. وسَمَّى نَصْرَه لهم رُوحاً؛ لأنَّ به يَحيَا أمْرُهم.
{وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} على الأبَدِ.
{رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ} أيْ: قَبِلَ أعمالَهم وأَفاضَ عليهم رَحمتَه العاجلةَ والآجِلَةَ.
{وَرَضُوا عَنْهُ} أيْ: فَرِحُوا بما أَعطاهُم اللهُ عاجِلاً وآجِلاً.
{أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ} أيْ: جُنْدُه الذين يَمْتَثِلونَ أوامِرَه، ويُقاتِلونَ أعداءَه، ويَنصرونَ أولياءَه.
{أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أيْ: الفائزونَ بسَعادةِ الدنيا والآخِرَةِ.
أخْرَجَ ابنُ أبي حاتمٍ والطبرانِيُّ والحاكمُ: جَعَلَ والدُ أبي عُبيدةَ بنِ الْجَرَّاحِ يَتقصَّدُ لأبي عُبيدةَ يومَ بدْرٍ، وجعَلَ أبو عُبيدةَ يَحيدُ عنه, فلَمَّا أكثَرَ قَصَدَه أبو عُبيدةَ فقَتَلَه، فنَزَلَتْ هذه الآيةُ.

حفيدة بني عامر
11-04-2008, 06:46 AM
قولُه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}. قَدْ بَيَّنَّا.
وقولُه: {أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ}. أي: الأَقَلِّينَ، وكُلُّ كافِرٍ ذَلِيلٌ، وكلُّ مُؤْمنٍ عزيزٌ. ومَعناه: همْ أقَلُّ دَرجةً ورُتْبَةً.
وقولُه: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي}. أمَّا غَلَبَةُ اللَّهِ مَعلومةٌ؛ لأنَّ كلَّ الأشياءِ على مُرادِه ومَشيئتِه، وأمَّا غَلَبَةُ رُسُلِه فهي بالنَّصْرِ تَارَةً, وبالْحُجَّةِ أُخْرَى.
وقولُه: {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}. أيْ: قَوِيٌّ في الأُمورِ، غالِبٌ عليها.
قولُه تعالى: {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}. أيْ: لا يَكُونُ مِن صِفةِ المُؤْمنِينَ أنْ يُوَادُّوا مَن حادَّ اللَّهَ ورسولَه, {وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}. في نُزولِ الآيةِ قَولانِ:
أحَدُهما: أنها نَزلَتْ في حاطِبِ بنِ أبي بَلْتَعَةَ حينَ كتَبَ إلى مَكَّةَ يُؤْذِنُهم بغَزْوِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وستأتِي قِصَّةُ ذلك في سورةِ الْمُمْتَحَنَةِ.
والقولُ الثاني: أنَّ الآيةَ نَزَلَتْ في غيرِه.
وقولُه: {وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ}. نَزَلَ في أبي عُبَيْدَةَ بنِ الْجَرَّاحِ، وكان قَتَلَ أباهُ الكافرَ، وجاءَ برَأْسِه إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وقدْ قيلَ: إنَّ أباهُ ماتَ قبلَ أنْ يُسْلِمَ أبو عُبَيْدَةَ. واللَّهُ أعلَمُ.
وقولُه: {أَوْ أَبْنَاءَهُمْ}. نَزَلَ في أبي بكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه, أرادَ أنْ يَخْرُجَ إلى ابنِه عبدِ الرحمنِ فيُبَارِزَه، فمَنَعَه النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عن ذلك وقالَ: ((نبله منه غيرك))
([1] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=1801#_ftn1)).
وقولُه: {أَوْ إِخْوَانَهُمْ}. نَزَلَ في عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنه, قَتَلَ أخاهُ هِشامَ بنَ العاصِ يومَ بَدْرٍ، وكانَ أخاه مِن أُمِّهِ.
وقولُه: {أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}. نزَلَ في حَمْزَةَ وعَلِيٍّ وعُبيدةَ بنِ الحارثِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم, بارَزُوا معَ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوَليدِ بنِ عُتْبَةَ، وقد كانُوا عَشيرَتَهم وقَرَابَتَهم.
وقولُه: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ}. أيْ: أَدْخَلَ في قُلوبِهم الإيمانَ، وقيلَ: كَتَبَ؛ أي: جَعَلَ في قُلوبِهم عَلاَمَةً تَدُلُّ على إيمانِهم.
وقولُه: {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ}. أيْ: قَوَّاهُمْ بنَصْرٍ منه. وقِيلَ: بنَظَرٍ منه. وقيلَ: برَحمةٍ مِنه.
وقولُه: {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}.معلومُ المعنَى.
وقولُه: {أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ}. أيْ: جُنْدُ اللَّهِ، وقيلَ: خاصَّةُ اللَّهِ وصَفْوَتُه. وتقولُ العربُ: أنَا في حِزْبِ فُلانٍ؛ أيْ: في شِقِّ فُلانٍ وجَانِبِه.
وقولُه: {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. أيْ: هم السُّعداءُ الباقونَ في نَعيمِ الأبَدِ، وقيلَ: هم الذينَ نالُوا رِضَا اللَّهِ تعالى. واللَّهُ أعلَمُ.
[1] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=1801#_ftnref1) يُراجَعُ لفظُ الحديثِ حيثُ إِنَّه بالأصْلِ هكذا