المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة الحشر (الآيات: 1-5)


عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 03:28 AM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5)}.

حفيدة بني عامر
11-04-2008, 06:55 AM
تفسيرُ سورةِ الحَشْرِ
وهي مَدَنِيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ * وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ * وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ * لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ * لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ *}.
هذه السورةُ تُسَمَّى سُورةَ بَنِي النَّضِيرِ، وهم طائفةٌ كبيرةٌ مِن اليَهودِ في جانبِ المدينةِ وَقْتَ بَعْثةِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، فلَمَّا بُعِثَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ وهاجَرَ إلى المدينةِ كَفَرُوا به في جُملةِ مَن كفَرَ مِن اليهودِ.
فهَادَنَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ طَوائفَ اليهودِ الذينَ هم جِيرَانُه في المدينةِ، فلَمَّا كانَ بعدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ بسِتَّةِ أشهُرٍ أو نحوِها؛ خرَجَ إليهم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ، وكَلَّمَهم أنْ يُعِينُوهُ في دِيَةِ الكِلاَبِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهم عمرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فقالوا: نَفْعَلُ يا أبا القاسِمِ، اجْلِسْ ههنا حتى نَقْضِيَ حاجَتَكَ.
فخَلاَ بعضُهم ببعضٍ، وسَوَّلَ لهم الشيطانُ الشَّقَاءَ الذي كُتِبَ عليهم، فتَآمَرُوا بقَتْلِه صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ، فقالوا: أيُّكم يَأْخُذُ هذهِ الرَّحَى فيَصْعَدُ فيُلْقِيها على رأسِه يَشْدَخُه بها؟
فقالَ أَشقَاهُم عمرُو بنُ جِحَاشٍ: أنا. فقالَ لهم سَلاَّمُ بنُ مِشْكَمٍ: لا تَفْعَلُوا؛ فواللَّهِ ليُخْبَرَنَّ بما هَمَمْتُم به، وإِنَّه لنَقْضٌ للعهْدِ الذي بينَنا وبينَه.
وجاءَ الوَحْيُ على الفَوْرِ إليهِ مِن رَبِّهِ بما هَمُّوا به، فنَهَضَ مُسْرِعاً، فتَوَجَّهَ إلى المدينةِ، ولَحِقَه أصحابُه، فقالوا: نَهَضْتَ ولم نَشعُرْ بِكَ! فأَخْبَرَهم بما هَمَّتْ يَهودُ به.
وبَعَثَ إليهم رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ أنِ اخْرُجُوا مِن المدينةِ ولا تُسَاكِنُونِي بها، وقدْ أَجَّلْتُكُمْ عَشْراً؛ فمَن وَجدْتُ بعدَ ذلك ضَرَبْتُ عُنُقَه.
فأقَامُوا أيَّاماً يَتَجَهَّزُونَ، وأَرْسَلَ إليهم المُنافِقُ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلولٍ: أنْ لا تَخْرُجُوا مِن دِيارِكم؛ فإنَّ مَعِي ألْفَيْنِ يَدْخُلُونَ معَكم حِصْنَكُمْ فيَموتونَ دُونَكم، وتَنْصُرُكم قُرَيْظَةُ وحُلفاؤُكم مِن غَطَفَانَ.
وطَمِعَ رئيسُهم حُيَيُّ بنُ أخْطَبَ فيما قالَ له، وبعَثَ إلى رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ يقولُ: إنَّا لا نَخرُجُ مِن دِيارِنا، فاصنَعْ ما بدا لكَ.
فكَبَّرَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ وأصحابُه، ونَهَضُوا إليهم، وعليُّ بنُ أبي طالِبٍ يَحمِلُ اللِّواءَ، وأَقامُوا على حُصونِهم يَرْمُونَ بالنَّبْلِ والحِجَارةِ، واعتَزَلَتْهُم قُرَيْظَةُ، وخانَهم ابنُ أُبَيٍّ وحُلفاؤُهم مِن غَطَفَانَ.
فحَاصَرَهم رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ، وقَطَّعَ نَخْلَهم وَحَرَّقَ، فأَرْسَلُوا إليهِ: نحنُ نَخْرُجُ مِن المدينةِ.
فأَنْزَلَهم على أنْ يَخْرُجوا مِنها بنُفُوسِهم وذَرَارِيِّهِم، وأنَّ لهم ما حَمَلَتْ إِبِلُهم إلاَّ السلاحَ. وقَبَضَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ الأموالَ والسلاحَ.
وكانَتْ بَنُو النَّضِيرِ خالِصَةً لرسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ لنَوَائِبِه ومَصالِحِ المُسلمِينَ، ولم يُخَمِّسْها؛ لأنَّ اللَّهَ أَفَاءَها عليهِ، ولَمْ يُوجِفِ المُسلمونَ عليها بخَيْلٍ ولا رِكابٍ.
وأَجلاهُم إلى خَيْبَرَ، وفيهم حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ كبيرُهم، واستَوْلَى على أرْضِهم ودِيارِهم، وقبَضَ السلاحَ، فوَجَدَ مِن السلاحِ خَمْسِينَ دِرْعاً وخَمْسِينَ بَيْضَةً وثلاثَمائةٍ وأربعينَ سَيْفاً.
هذا حاصِلُ قِصَّتِهم كما ذَكَرَها أهلُ السِّيَرِ.
(1) فافْتَتَحَ تعالى هذه السورةَ بالإخبارِ أنَّ جميعَ مَن في السماواتِ والأرْضِ تُسَبِّحُ بحَمْدِ ربِّها وتُنَزِّهُهُ عمَّا لا يَلِيقُ بجَلالِه، وتَعْبُدُه وتَخْضَعُ لعَظمتِه؛ لأنَّه العزيزُ الذي قَدْ قَهَرَ كلَّ شيءٍ؛ فلا يَمْتَنِعُ عليهِ شيءٌ، ولا يَسْتَعْصِي عليهِ عَسيرٌ، الحكيمُ في خَلْقِه وأمْرِه؛ فلا يَخْلُقُ شيئاً عَبَثاً، ولا يَشْرَعُ ما لا مَصْلَحَةَ فيه، ولا يَفْعَلُ إلاَّ ما هو مُقْتَضَى حِكمتِه.
(2) ومِن ذلكَ نَصْرُه لرسولِه صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ على الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكتابِ مِن بَنِي النَّضِيرِ حينَ غَدَرُوا برسولِه فأَخْرَجَهم مِن دِيارِهم وأَوطانِهم التي أَلِفُوها وأَحَبُّوها.
وكانَ إخراجُهم منها أوَّلَ حَشْرٍ وجَلاءٍ كَتَبَه اللَّهُ عليهم على يَدِ رسولِه محمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ، فجَلَوْا إلى خَيْبَرَ.
ودَلَّتِ الآيةُ الكريمةُ أنَّ لهم حَشْراً وجَلاءً غيرَ هذا؛ فقَدْ وَقَعَ حِينَ أَجْلاَهُم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ مِن خَيْبَرَ، ثم عُمَرُ رَضِيَ اللَّه عنه أخْرَجَ بَقِيَّتَهم منها.
{مَا ظَنَنْتُمْ} أيُّها المُسلِمونَ {أَنْ يَخْرُجُوا} مِن دِيارِهم؛ لِحَصَانَتِها ومَنَعَتِها وعِزِّهم فيها.
{وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمُ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ}؛ فأُعْجِبُوا بها وغَرَّتْهُم، وحَسِبُوا أنَّهم لا يُنَالُونَ بها، ولا يَقْدِرُ عليها أحَدٌ، وَقَدَرُ اللَّهِ وَراءَ ذلكَ كُلِّه، لا تُغْنِي عنه الحصونُ والقِلاعُ، ولا تُجْدِي فيهِ القوَّةُ والدِّفاعُ.
ولهذا قالَ: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا}؛ أيْ: مِن الأمْرِ والبابِ الذي لم يَخْطِرْ ببالِهم أنْ يُؤْتَوْا منه، وهو أنَّه تعالى: {قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ}: وهو الخوفُ الشديدُ، الذي هو جُندُ اللَّهِ الأكبَرُ، الذي لا يَنْفَعُ معَه عَددٌ ولا عُدَّةٌ، ولا قُوَّةٌ ولا شِدَّةٌ.
فالأمْرُ الذي يَحْتَسِبُونَه، ويَظُنُّونَ أنَّ الْخَلَلَ يَدْخُلُ عليهم منه إنْ دَخَلَ، هو الحُصونُ التي تَحَصَّنُوا بها واطْمَأَنَّتْ نُفوسُهم إليها، ومَن وَثِقَ بغيرِ اللَّهِ فهو مَخذولٌ، ومَن رَكَنَ إلى غيرِ اللَّهِ كانَ وَبالاً عليه، فأَتاهُم أمْرٌ سَمَاوِيٌّ نَزَلَ على قلوبِهم، التي هي مَحَلُّ الثباتِ والصبْرِ، أو الْخَوَرِ والضَّعْفِ.
فأَزالَ قُوَّتَها وشِدَّتَها، وأَوْرَثَها ضَعْفاً وخَوَراً وجُبْناً لا حِيلَةَ لهم في دَفْعِه، فصارَ ذلك عَوْناً عليهم.
ولهذا قالَ: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ}؛ وذلكَ أنَّهم صالَحُوا النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ على أنَّ لهم ما حَمَلَتِ الإبِلُ، فنَقَضُوا لذلكَ كثيراً مِن سُقُوفِهم التي استَحْسَنُوها، وسَلَّطُوا المُؤْمنِينَ بسببِ بَغْيِهم على إخرابِ دِيارِهم وهَدْمِ حُصونِهم، فهم الذينَ جَنَوْا على أنْفُسِهم وصارُوا أكبَرَ عَوْنٍ عليها.
{فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ}؛ أي: البصائرِ النافذةِ والعقولِ الكاملةِ؛ فإنَّ في هذا مُعْتَبَراً يُعْرَفُ بهِ صُنْعُ اللَّهِ تعالى في الْمُعانِدِينَ للحَقِّ الْمُتَّبِعِينَ لأهوائِهم، الذينَ لم تَنْفَعْهم عِزَّتُهم, ولا مَنَعَتْهُم قُوَّتُهم، ولا حَصَّنَتْهم حُصونُهم، حِينَ جاءَهم أمْرُ اللَّهِ وَصَلَ إليهم النَّكَالُ بذُنوبِهم.
والعِبرةُ بعمومِ المعنَى لا بخُصوصِ السببِ؛ فإنَّ هذه الآيةَ تَدُلُّ على الأمْرِ بالاعتبارِ، وهو اعتبارُ النَّظِيرِ بنَظيرِه، وقُياسُ الشيءِ على ما يُشَابِهُه، والتفَكُّرُ فيما تَضَمَّنَتْه الأحكامُ مِن الْمَعانِي والحِكَمِ التي هي مَحَلُّ العقْلِ والفِكْرَةِ، وبذلكَ يَكمُلُ العقْلُ، وتَتَنَوَّرُ البَصيرةُ، ويَزدادُ الإيمانُ ويَحْصُلُ الفَهْمُ الحقيقيُّ.
(3) ثُمَّ أَخْبَرَ تعالى أنَّ هؤلاءِ اليهودَ لم يُصِبْهم جميعُ ما يَستَحِقُّون مِن العُقوبةِ، وأنَّ اللَّهَ خَفَّفَ عنهم، فلولا أنَّه كتَبَ عليهم الجَلاءَ الذي أصابَهم وقَضاهُ عليهم وقَدَّرَه بقَدَرِه الذي لا يُبَدَّلُ ولا يُغَيَّرُ؛ لَكانَ له شأنٌ آخَرُ مِن عَذابِ الدنيا ونَكَالِها.
ولكنَّهم وإنْ فاتَهم العذابُ الشديدُ الدُّنْيَوِيُّ، فإنَّ لهم في الآخِرةِ عَذابَ النارِ الذي لا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَ شِدَّتَه إلاَّ اللَّهُ، فلا يَخْطِرُ ببَالِهم أنَّ عُقوبَتَهم قدِ انقَضَتْ وفَرَغَتْ، ولم يَبْقَ لهم منها بَقِيَّةٌ، فما أعَدَّ اللَّهُ لهم مِن العذابِ في الآخِرةِ أعْظَمُ وأطَمُّ.
(4) و{ذَلِكَ} لأنهم {شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} وعادَوْهما وحارَبُوهما، وسَعَوْا في مَعْصِيَتِهما، وهذهِ سُنَّتُه وعَادَتُه فيمَنْ شاقَّهَ, {وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
(6) ولَمَّا لامَ بَنُو النَّضيرِ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ والمُسلمِينَ في قطْعِ النَّخيلِ والأشجارِ، وزَعَمُوا أنَّ ذلكَ مِن الفَسادِ، وتَوَصَّلُوا بذلك إلى الطَّعْنِ بالمُسلمِينَ، أخْبَرَ تعالى أنَّ قَطْعَ النخيلِ إنْ قَطَعُوهُ أو إبقاءَهم إيَّاه إنْ أَبْقَوْهُ؛ أنَّه بإذْنِه تعالى وأمْرِه.
{وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} حيثُ سَلَّطَكم على قَطْعِ نَخْلِهم وتَحْرِيقِها؛ ليَكُونَ ذلكَ نَكَالاً لهم وخِزْياً في الدنيا، وذُلاًّ يُعرَفُ به عَجْزُهم التامُّ الذي ما قَدَرُوا على استنقاذِ نَخْلِهم الذي هو مادَّةُ قُوتِهم.
واللِّينَةُ تَشمَلُ سائرَ النخيلِ، على أصَحِّ الاحتمالاتِ وأَوْلاَها.
فهذهِ حالُ بَنِي النَّضِيرِ وكيفَ عاقَبَهم اللَّهُ تعالى في الدُّنيا.

حفيدة بني عامر
11-04-2008, 07:04 AM
سُورةُ الحشْرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ * وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ * وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ * لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ * لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ * لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
2- {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} هم بنو النَّضِيرِ، وهم رَهْطٌ مِن اليهودِ مِن ذُرِّيَّةِ هارونَ، نَزلوا المدينةَ في فِتَنِ بني إسرائيلَ، فغَدَرُوا بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعدَ أنْ عاهَدُوه، وصارُوا عليه مع المشْرِكينَ، فحاصَرَهم رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتى رَضُوا بالجَلاءِ.
قالَ الكلبيُّ: كانوا أوَّلَ مَن أُجْلِيَ مِن أهلِ الكتابِ مِن جَزيرةِ العرَبِ، ثم أُجْلِيَ آخِرُهم في زمَنِ عمرَ بنِ الْخَطَّابِ، فكانَ جَلاؤُهم أوَّلَ حشْرٍ مِن المدينةِ، وآخِرُ حشْرٍ إجلاءُ عمرَ لهم، وقيلَ: آخِرُ الحشْرِ هو حشْرُ جميعِ الناسِ إلى أرضِ الْمَحْشَرِ, {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا} أيْ: ما ظَننتُمْ أيُّها المسلمونَ أنَّ بَنِي النَّضيرِ يَخرجونَ مِن دِيارِهم؛ لعِزَّتِهم ومَنَعَتِهم, وكانوا أهْلَ حُصونٍ مانِعةٍ، وعَقارٍ ونَخيلٍ واسعةٍ، وأهلَ عَدَدٍ وعُدَّةٍ.
{وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} أيْ: وظَنَّ بنو النَّضيرِ أنَّ حُصونَهم تَمْنَعُهم مِن بأسِ اللهِ.
{فَأَتَاهُمُ اللهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} أيْ: أَتاهمْ أمْرُ اللهِ مِن جِهةٍ لم يَخْطِرْ ببَالِهم أنه يَأتيهِم أمْرُه منها، وهو أنه سُبحانَه أمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقِتالِهم وإجلائِهم، وكانوا لا يَظُنُّونَ أنَّ الأمْرَ يَصِلُ إلى ذلك، بل كانوا عندَ أنفُسِهم أعَزَّ وأَقْوَى.
{وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ}: الرعْبُ أشدُّ الخوفِ, قالَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ)). {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ } وذلك أنهم لَمَّا أَيْقَنُوا بالجَلاءِ حسَدُوا المسلمينَ أنْ يَسْكُنوا مَنازِلَهم؛ فجَعَلُوا يُخْرِبُونَها مِن داخِلَ والمسلمونَ مِن خارِجَ.
وقالَ الزُّهْرِيُّ وعُروةُ بنُ الزبيرِ: لَمَّا صالَحَهم النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على أنَّ لهم ما أقَلَّتِ الإبِلُ كانوا يَستحسنونَ الْخَشَبَةَ أو العمودَ فيَهْدِمونَ بُيوتَهم ويَحمِلُون ذلك على إبِلِهم ويُخَرِّبُ المؤمنونَ باقِيَها.
{فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} أيْ: اعْلَموا أنَّ اللهَ يَفعلُ مِثلَ ذلك بِمَن غَدَرَ وحَادَّ اللهَ.
3ـ{وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} أيْ: لولا أنْ كَتَبَ اللهُ عليهم الخروجَ مِن أوطانِهم على الوَجْهِ، وقَضَى به عليهم، لعَذَّبَهم بالقتْلِ والسَّبْيِ في الدنيا كما فَعَلَ ببَنِي قُريظةَ.
4- {بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ} أيْ: بسببِ عَداوتِهم للهِ ورسولِه ونَقْضِهم للعَهْدِ.
5- {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ}: أَخَذَ بعضُ المسلمينَ في مَعْرَكَةِ النضيرِ يَقطَعُ نَخيلَ الكُفَّارِ لإغاظَتِهم، فقالَ بَنو النَّضيرِ وهم أهْلُ كتابٍ: يا مُحَمَّدُ, ألستَ تَزعُمُ أنك نَبِيٌّ تُريدُ الصلاحَ؟ أفمِنَ الصلاحِ قطْعُ النخْلِ وحَرْقُ الشجَرِ؟ وهلْ وَجَدْتَ فيما أُنْزِلَ عليكَ إباحةَ الفَسادِ في الأرْضِ؟ فشَقَّ ذلك على رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ووَجَدَ المسلمونَ في أنْفُسِهم، فنزَلَتْ الآيةُ {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} أيْ: لِيُذِلَّ الخارجينَ عن الطاعةِ، وهم اليهودُ، ويَغِيظَهم في قَطْعِها وتَرْكِها،فإنهم إذا رَأَوُا المؤمنينَ يَتحَكَّمُونَ في أموالِهم كيف شَاؤُوا ازدَادوا غَيْظاً وخِزْياً.

حفيدة بني عامر
11-04-2008, 07:13 AM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ * وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ * وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ * لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ * لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ * لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
تفسيرُ سورةِ الحَشْرِ
وهي مَدَنِيَّةٌ
وعن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّه سَمَّاها سُورةَ النَّضِيرِ. واللَّهُ أعلَمُ.
قولُه تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ}. أيْ: صَلَّى وتَعَبَّدَ للهِ.
والتَّسْبيحُ للهِ تعالى: هو تَنْزيهُهُ مِن كلِّ سُوءٍ.
وذَكَرَ بعضُهم, عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قالَ: كلُّ تَسْبيحٍ وَرَدَ في القرآنِ فهو بمعنَى الصلاةِ. ومنه قولُه: سُبْحَةُ الضُّحَى؛ أي: صَلاةُ الضُّحَى.
وقولُه: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. أي: الغالبُ على الأشياءِ, الحكيمُ في الأمورِ.
قولُه تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ}. قالَ جماعةُ الْمُفَسِّرِينَ: هم بَنُو النَّضيرِ مِن اليَهودِ، وكانَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وَادَعَهم وشَرَطَ عليهِمْ أنْ لا يَنْصُروا مُشْرِكِي قُريشٍ, فنَقَضُوا العهْدَ.
ورُوِيَ أنَّ نَقْضَهمُ العهْدَ كانَ هو أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أتاهُم يَسْتَعِينُ بهم في دِيَةِ التِّلاَدِيَّيْنِ - وقيلَ: العامِرِيَّيْنِ - قَتْلَى عَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، فجاءَ وقَعَدَ في أصْلِ حِصْنِهم فقالوا: ما جاءَ بكَ يا مُحَمَّدُ؟ فذَكَرَ لهم ما جاءَ فيهِ، واستعانَ بهم, فدَبَّرُوا لِيُلْقُوا عليهِ صَخْرَةً ويَقتُلُوه، فجاءَ جِبريلُ عليهِ السلامُ وأَخْبَرَه، فرَجَعَ إلى المدينةِ ثم حاصَرَهم وأَجْلاَهُم.
وقولُه: {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ}. قالَ الحَسَنُ: معنَى أوَّلِ الحَشْرِ: هو أنَّ الشَّامَ أرْضُ الْمَحْشَرِ والْمَنْشَرِ، وكانَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أَجلاَهُمْ إلى الشامِ، فإِجْلاؤُه إيَّاهم كانَ هو الْحَشْرَ الأوَّلَ، والحشْرُ الثاني يومَ القِيامةِ. وهو قولُ عِكْرِمَةَ أيضاً.
قالَ عِكرمةُ: مَن شَكَّ أنَّ الشامَ أرْضُ الْمَحْشَرِ فلْيَقْرَأْ قولَه تعالى: {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ}.
وقِيلَ: إنَّ بَنِي النَّضِيرِ كانوا أَوَّلَ مَن أُجْلُوا عن بلادِهم مِن اليَهودِ فقالَ: {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} بهذا المعنَى, ثم إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنه أجْلَى باقِيَ اليَهودِ عن جَزيرةِ العرَبِ؛ استدلالاً بقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((لاَ يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ)).
قالَ أبو عُبَيْدَةَ: وجَزيرةُ العَرَبِ مِن حَفَرِ أبي موسى إلى أقْصَى حَجَرٍ باليَمَنِ طُولاً، ومِن رَمْلِ يَبْرِينَ إلى مُنْقَطَعِ السَّمَاوةِ عَرْضاً. والقولُ الثاني قولُ مُجاهِدٍ وغيرِه.
وقولُه: {مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا}. معناه: ما ظَنَنْتُمْ أيُّها المؤمنونَ أنْ يَخْرُجُوا؛ لأنَّهم كانوا أعَزَّ اليَهودِ بأرْضِ الحِجازِ وأَمْنَعَهم جانباً.
قولُه: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ}. أيْ: مِن عذابِ اللَّهِ.
وقولُه: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا}. قالَ السُّدِّيُّ: هو بقَتْلِ كعْبِ بنِ الأشْرَفِ؛ قَتَلَه محمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ الأنصاريُّ حينَ بَعَثَه رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ - وكانَ صَدِيقاً لكَعْبٍ في الجاهليَّةِ - فجاءَهُ ليلاً ودَقَّ عليه بابَ الحِصْنِ، فنَزَلَ فاغْتَالَه وقَتَلَه.
ورُوِيَ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ مَسلمَةَ قالَ لكَعْبٍ: أَلَسْتَ كُنْتَ تَعِدُنا خُروجَ هذا النَّبِيِّ، وتقولُ: هو الضَّحُوكُ القَتَّالُ, يَرْكَبُ البَعِيرَ، ويَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، يَجْتَزِئُ بالكِسْرةِ، سَيْفُه على عاتِقِه، له مَلاحِمُ ومَلاحِمُ؟ فقالَ: نعمْ، ولكنْ ليسَ هو بذاكَ. فقالَ: كَذَبْتَ يا عَدُوَّ اللَّهِ, بل حَسَدْتُمُوهُ.
وقولُه: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ}. أي: الخَوْفَ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ قالَ: ((نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ)).
وقولُه: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ}.
وقُرِئَ: (يُخَرِّبُونَ) مِن الإخرابِ، فمِنهم مَن قالَ: هما واحدٌ, والتشديدُ للتكثيرِ. وقالَ أبو عَمرٍو: "يُخَرِّبُونَ" مِن فِعْلِ التخريبِ، و"يُخْرِبُونَ" بالتخفيفِ؛ أي: يَتْرُكُوها خَرَاباً.
فإِنْ قِيلَ: كيفَ قالَ: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ}, ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يُخْرِبُوا بيوتَهم بأَيْدِي المُؤْمِنِينَ؟
والجوابُ: إنَّما أضافَ إليهم؛ لأنَّهم هم الذينَ أَلْجَؤُوا المُؤْمنِينَ إلى التخريبِ، وحَمَلُوهم على ذلكَ بامتناعِهم عن الإيمانِ.
فإنْ قالَ قائلٌ: لِمَ خَرَّبُوا بُيُوتَهم؟
قُلْنا: طَلَبوا مِن ذلكَ تَوسيعَ مَوْضِعِ القِتالِ.
وعن الزُّهْرِيِّ: أنَّ المُسلمِينَ كانوا يُخْرِبُونَ مِن خارِجِ الحِصْنِ, واليهودَ كانوا يُخْرِبونَ مِن داخِلِ الحِصْنِ، وكانَ تَخريبُهم ذلك؛ ليَحْمِلُوا ما اسْتَحْسَنُوهُ مِن سُقوفِ بُيوتِهم معَ أنْفُسِهم. وقيلَ: لئلا تَبقَى للمؤمنينَ.
وقولُه: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ}. والاعتبارُ هو النظَرُ في الشيءِ؛ ليُعْرَفَ به جِنْسُه ومِثلُه.
وقيلَ: معناه: فانْظُرُوا وتَدَبَّرُوا يا ذوي العقولِ والفُهومِ، كيفَ سَلَّطَ اللَّهُ المُؤمنِينَ عليهم وسَلَّطَهم على أنفُسِهم؟
وقدِ استُدِلَّ بهذه الآيةِ على جوازِ القياسِ في الأحكامِ؛ لأنَّ القياسَ نوعُ اعتبارٍ؛ إذ هو تَعبيرُ شيءٍ بِمِثْلِه بمعنًى جامِعٍ بينَهما؛ ليَتَّفِقَا في حُكْمِ الشرْعِ.
قولُه تعالى: {وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} أيْ: بالسيْفِ.
واستَدَلَّ بعضُهم بهذه الآيةِ على أنَّ الإخراجَ مِن الدارِ بِمَنْزِلَةِ القتْلِ، وعليه يَدُلُّ قولُه تعالى: {أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ}.
وقولُه: {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ}. أيْ: عذابُ جَهَنَّمَ.
وقولُه تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}. أيْ: خالَفُوا اللَّهَ ورسولَه.
وقد ذَكَرْنَا أنَّ معناه: صارُوا في شِقٍّ غيرِ شِقِّ المؤمنِينَ.
وقولُه: {وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ}. أيْ: يُخالِفِ= اللَّهَ؛ {فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
قولُه تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} قالَ سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: اللِّينَةُ كُلُّ تَمْرٍ سِوَى الْبَرْنِيِّ والعَجْوةِ، وأهْلُ المدينةِ يُسَمُّونَ التُّمُورَ الألوانَ.
وقيلَ: اللِّينَةُ: النَّخْلَةُ.
وعن بعضِهم أنَّ اللِّينَةَ: جَمْعُ الأشْجَارِ، سُمِّيَتْ لِينَةً لِلِينِها بالحياةِ.
وعن سُفْيانَ قالَ: اللِّينَةُ كَرائمُ النخيلِ.
وقيلَ: هو الفَسِيلُ، سُمِّيَ لِينةً؛ لأنَّه لا يكونُ في شِدَّةِ الْحَرِّ.
ومِن المَشهورِ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ((الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ, وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ)).
وفي القِصَّةِ: أنَّ أصحابَ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا حَاصَرُوا بني النَّضِيرِ كانَ بعضُهم يَقْطَعُ النَّخِيلَ وبعضُهم يَترُكُها.
وفي روايةٍ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أمَرَهم بقَطْعِ النخيلِ، فخَرَجَ اليَهودُ حينَ رَأَوْا ذلك وقالوا: يا محمَّدُ, ألَسْتَ تَنْهَى عن الفَسادِ، وهذا مِن الفسادِ؟! فأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ.
وقدْ ثَبَتَ برِوايةِ نافِعٍ, عن ابنِ عمرَ, أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ حَرَّقَ نخيلَ بَنِي النَّضِيرِ وقَطَعَها؛ فأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ}. أيْ: بأَمْرِ اللَّهِ.
قالَ رَضِيَ اللَّهُ عنه: أخْبَرَنا بهذا الخَبَرِ الْمَكِّيُّ بنُ عبدِ الرزَّاقِ, أخْبَرَنَا جَدِّي, أخْبَرَنا الفِرَبْرِيُّ, أخْبَرَنا البُخَارِيُّ، عن قُتَيْبَةَ, عن اللَّيْثِ بنِ سعْدٍ، عن نافعٍ الخَبَرَ.
وفي روايةٍ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ حَرَّقَ الْبُوَيْرَةَ، وقالَ شاعرُهم شِعْراً:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
والبُوَيْرَةُ: مَوضِعُ بَنِي النَّضِيرِ.
وقولُه: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}. هم اليَهودُ، وإِخْزَاؤُهم هو رُؤْيَتُهم كيفَ يَتحكَّمُ المُؤمِنونَ في أموالِهم.