مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة الحشر (الآيات: 6-10)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 03:29 AM
{وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)}.
حفيدة بني عامر
11-04-2008, 07:28 AM
(6) ثم ذَكَرَ مَنِ انتَقَلَتْ إليه أموالُهم وأَمْتِعَتُهم، فقالَ: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ}؛ أيْ: مِن أهْلِ هذه القَريةِ، وهم بَنُو النَّضيرِ.
{فـ} إنَّكم يا مَعْشَرَ المُسلمِينَ {مَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ}؛ أيْ: ما أَجْلَبْتُمْ وحَشَدْتُم؛ أيْ: لم تَتْعَبُوا بتَحصيلِها، لا بأنفُسِكم ولا بِمَواشِيكُم، بل قَذَفَ اللَّهُ في قُلوبِهم الرُّعْبَ، فأَتَتْكُم صَفْواً عَفْواً.
ولهذا قالَ: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. مِن تَمامِ قُدْرَتِه أنَّه لا يَمْتَنِعُ عليهِ مُمْتَنِعٌ، ولا يَتعزَّزُ مِن دُونِه قَوِيٌّ.
(7) وتعريفُ الفَيْءِ باصطلاحِ الفُقهاءِ: هو ما أُخِذَ مِن مالِ الكُفَّارِ بحقٍّ مِن غيرِ قِتالٍ؛ كهذا المالِ الذي فَرُّوا وتَرَكُوه خَوْفاً مِن المُسلمِينَ، وسُمِّيَ فَيْئاً؛ لأنَّه رجَعَ مِن الكُفَّارِ الذينَ هم غيرُ مُستَحِقِّينَ له إلى المُسلمِينَ الذينَ لهم الحقُّ الأوفَرُ فيه.
وحُكْمُه العامُّ كما ذَكَرَه اللَّهُ بقولِه: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} عُموماً، سواءٌ كانَ في وقْتِ الرسولِ أو بَعدَه على مَن تَوَلَّى مِن بعدِه مِن أُمَّتِه، {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}.
وهذه الآيةُ نَظيرُ الآيةِ التي في سورةِ الأنفالِ، وهي قولُه: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}.
فهذا الفَيْءُ يُقَسَّمُ خَمْسَةَ أقسامٍ: للهِ ولرسولِه يُصْرَفُ في مصالِحِ المُسلمِينَ العامَّةِ. وخُمُسٌ لذَوِي القُرْبَى، وهم بنو هاشِمٍ وبنو الْمُطَّلِبِ؛ حيثُ كانوا، يُسَوَّى فيه بينَ ذُكورِهم وإِناثِهم وإنَّما دَخَلَ بنو الْمُطَّلِبِ في خُمُسِ الْخُمُسِ معَ بني هاشمٍ، ولم يَدخُلْ بَقيَّةُ بني عبدِ مَنافٍ؛ لأنَّهم شارَكُوا بني هاشمٍ في دُخولِهم الشِّعْبَ حينَ تَعاقَدَتْ قريشٌ على هَجْرِهم وعَدَاوَتِهم، فنَصَرُوا رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ، بخِلافِ غيرِهم.
ولهذا قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ في بني عبدِ الْمُطَّلِبِ: ((إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ إِسْلاَمٍ)).
وخُمُسٌ لفُقراءِ اليَتامَى، وهم مَن لا أبَ له ولم يَبْلُغْ. وخُمُسٌ للمَساكِينِ. وخُمُسٌ لأبناءِ السبيلِ، وهم الغُرَباءُ المُنقَطَعُ بهم في غيرِ أوطانِهم.
وإنَّمَا قَدَّرَ اللَّهُ هذا التقديرَ وحَصَرَ الفَيْءَ في هؤلاءِ الْمُعَيَّنِينَ؛ لكي {لاَ يَكُونَ دُولَةً}؛ أي: مُداوَلَةً واختصاصاً {بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}؛ فإنَّه لو لم يُقَدِّرْه لتَدَاوَلَتْهُ الأغنياءُ الأقوياءُ، ولَمَا حَصَلَ لغيرِهم مِن العَاجزِينَ منه شيءٌ، وفي ذلكَ مِن الفَسادِ ما لا يَعلَمُه إلاَّ اللَّهُ.
كما أنَّ في اتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ وشَرْعِه مِن المصالحِ ما لا يَدخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ؛ ولذلكَ أمَرَ اللَّهُ بالقاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ والأصْلِ العامِّ، فقالَ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. وهذا شامِلٌ لأُصولِ الدِّينِ وفُروعِه؛ ظاهِرِه وباطِنِه، وأنَّ ما جاءَ بهِ الرسولُ يَتعيَّنُ على العِبادِ الأخْذُ به واتِّباعُه، ولا تَحِلُّ مُخالَفَتُه.
وأنَّ نَصَّ الرسولِ على حُكْمِ الشيءِ كنَصِّ اللَّهِ تعالى، لا رُخْصَةَ لأحَدٍ ولا عُذْرَ له في تَرْكِه، ولا يَجُوزُ تَقديمُ قولِ أحَدٍ على قولِهِ.
ثُمَّ أَمَرَ بتَقْوَاهُ التي بها عِمارةُ القُلوبِ والأرواحِ والدنيا والآخِرَةِ، وبها السَّعادةُ الدائمةُ والفَوْزُ العظيمُ، وبإِضَاعَتِها الشَّقَاءُ الأَبَدِيُّ والعذابُ السَّرْمَدِيُّ، فقالَ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. على مَن تَرَكَ التَّقْوَى وآثَرَ اتِّباعَ الْهَوَى.
(8-9) ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الحِكْمةَ والسببَ الْمُوجِبَ لِجَعْلِه تَعالى أموالَ الفَيْءِ لِمَن قَدَّرَها له، وأنَّهم حَقِيقُونَ بالإعانةِ، مُسْتَحِقُّونَ لأنْ تُجعَلَ لهم، وأنَّهم ما بينَ مُهاجِرِينَ قدْ هَجَروا الْمَحبوباتِ والمألوفاتِ مِن الدِّيارِ والأوطانِ والأحبابِ والْخِلاَّنِ والأموالِ؛ رَغبةً في اللَّهِ ونُصْرةً لدِينِ اللَّهِ، ومَحبَّةً لرسولِ اللَّهِ.
فهؤلاءِ هم الصادقونَ؛ الذينَ عَمِلُوا بِمُقْتَضَى إيمانِهم، وصَدَّقُوا إيمانَهم بأعمالِهم الصالحةِ والعباداتِ الشاقَّةِ.
بخِلافِ مَنِ ادَّعَى الإيمانَ وهو لم يُصَدِّقْه بالجهادِ والهِجْرةِ وغيرِهما مِن العِباداتِ.
وبينَ أنصارٍ، وهم الأَوْسُ والْخَزرَجُ، الذينَ آمَنُوا باللَّهِ ورسولِه طَوْعاً ومَحَبَّةً واختياراً، وآوَوْا رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ ومَنَعُوهُ مِن الأحمرِ والأسودِ، وتَبَوَّؤُوا دارَ الهِجْرةِ والإيمانِ، حتى صارَتْ مَوْئِلاً ومَرْجِعاً يَرْجِعُ إليه المُؤمنونَ، ويَلْجأُ إليه المُهاجرونَ، ويَسْكُنُ بحِماهُ اَلمُسلِمونَ؛إذ كانَتِ البُلدانُ كلُّها بُلدانَ حرْبٍ وشِرْكٍ وشَرٍّ، فلم يَزَلْ أنصارُ الدِّينِ يَأْوُونَ إلى الأنصارِ، حتى انتَشَرَ الإسلامُ وقَوِيَ وجَعَلَ يَزْدَادُ شَيئاً فشَيئاً، ويَنْمُو قليلاً قليلاً، حتى فتَحُوا القلوبَ بالعلْمِ والإيمانِ والقرآنِ، والبُلدانَ بالسيْفِ والسِّنانِ، الذينَ مِن جُملةِ أوصافِهم الجميلةِ أنَّهم {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}. وهذا لِمَحَبَّتِهم للهِ ورسولِه، أحَبُّوا أَحبابَه، وأَحَبُّوا مَن نصَرَ دِينَه.
{وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا}؛ أيْ: لا يَحْسُدُونَ المهاجِرِينَ على ما آتاهمُ اللَّهُ مِن فَضْلِه وخَصَّهُم به مِن الفضائلِ والْمَناقِبِ الذينَ هم أَهْلُها.
وهذا يَدُلُّ على سَلامَةِ صُدُورِهم وانتفاءِ الغِلِّ والحِقْدِ والحَسَدِ عنها، ويَدُلُّ ذلك على أنَّ المُهاجرِينَ أفْضَلُ مِن الأنصارِ؛ لأنَّ اللَّهَ قَدَّمَهم بالذِّكْرِ، وأخبَرَ أنَّ الأنصارَ لا يَجِدُونَ في صُدُورِهم حاجةً مِمَّا أُوتُوا.
فدَلَّ على أنَّ اللَّهَ تعالى آتَاهم ما لم يُؤْتِ الأنصارَ ولا غيرَهم؛ ولأنَّهم جَمَعُوا بينَ النُّصْرَةِ والهِجْرةِ.
وقولُه: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}؛ أيْ: ومِن أوصافِ الأنصارِ التي فاقُوا بها غيرَهم وتَمَيَّزُوا بها عمَّن سِواهم الإيثارُ، وهو أكْمَلُ أنواعِ الْجُودِ، وهو الإيثارُ بِمَحَابِّ النفْسِ مِن الأموالِ وغيرِها، وبَذْلُها للغيرِ معَ الحاجةِ إليها، بل معَ الضرورةِ والْخَصَاصَةِ.
وهذا لا يكونُ إلاَّ مِن خُلُقٍ زَكِيٍّ ومَحَبَّةٍ للهِ تعالى مُقَدَّمَةٍ على مَحَبَّةِ شَهَوَاتِ النفْسِ ولَذَّاتِها.
ومِن ذلك قِصَّةُ الأنصاريِّ الذي نَزَلَتِ الآيةُ بسَبَبِه حينَ آثَرَ ضَيفَه بطَعامِه وطعامِ أهلِه وأولادِه وباتُوا جِياعاً.
والإيثارُ عكْسُ الأَثَرَةِ؛ فالإيثارُ مَحمودٌ والأثَرَةُ مَذْمومةٌ؛ لأنَّها مِن خِصالِ البُخْلِ والشُّحِّ، ومَن رُزِقَ الإيثارَ فقَدْ وُقِيَ شُحَّ نفْسِه؛ {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
ووِقَايَةُ شُحِّ النفْسِ يَشمَلُ وِقايتَها الشُّحَّ في جَميعِ ما أُمِرَ به؛ فإنَّه إذا وُقِيَ العبدُ شُحَّ نفْسِه؛ سَمَحَتْ نفْسُه بأوامرِ اللَّهِ ورسولِه، فَفَعَلَها طائعاً مُنقاداً مُنشَرِحاً بها صَدْرُه، وسَمَحَتْ نفْسُه بتَرْكِ ما نَهَى اللَّهُ عنه، وإنْ كانَ مَحبوباً للنفْسِ، تَدعو إليه وتَطَّلِعُ إليه، وسَمَحَتْ نفسُه ببَذْلِ الأموالِ في سبيلِ اللَّهِ وابتغاءِ مَرضاتِه، وبذلك يَحصُلُ الفَلاحُ والفَوْزُ.
بخِلافِ مَن لم يُوقَ شُحَّ نفْسِه، بل ابْتُلِيَ بالشُّحِّ بالخيْرِ الذي هو أصْلُ الشرِّ ومَادَّتُه.
(10) فهذانِ الصِّنفانِ الفَاضلانِ الزَّكِيَّانِ هم الصحابةُ الكِرامُ والأئمَّةُ الأعلامُ، الذينَ حازُوا مِن السوابِقِ والفضائلِ والْمَناقِبِ ما سَبَقُوا به مَن بَعْدَهم وأَدْرَكُوا به مَن قَبْلَهم، فصَارُوا أعْيانَ المُؤمنِينَ وسادَاتِ المُسلِمينَ وقَاداتِ الْمُتَّقِينَ.
وحَسْبُ مَن بعدَهم مِن الفضْلِ أنْ يَسِيرَ خَلْفَهم ويَأْتَمَّ بِهُدَاهُم.
ولهذا ذَكَرَ اللَّهُ مِن اللاَّحقِينَ مَن هو مُؤْتَمٌّ بهم وسائرٌ خَلْفَهم، فقالَ: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ}؛ أيْ: مِن بَعْدِ المُهاجرِينَ والأنصارِ {يَقُولُونَ} على وجْهِ النُّصْحِ لأنفُسِهم ولسائرِ المُؤمنِينَ:
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ}. وهذا دُعاءٌ شامِلٌ لجميعِ المُؤْمنِينَ مِن السابقِينَ مِن الصحابةِ ومَن قَبلَهم ومَن بعدَهم، وهذا مِن فَضائلِ الإيمانِ، أنَّ المُؤمنِينَ يَنتفِعُ بعضُهم ببعضٍ ويَدْعُو بعضُهم لبعضٍ؛ بسببِ المشارَكَةِ في الإيمانِ، الْمُقْتَضِي لعقْدِ الأُخُوَّةِ بينَ المُؤمنِينَ، التي مِن فُروعِها أنْ يَدعوَ بعضُهم لبعضٍ، وأنْ يُحِبَّ بعضُهم بعضاً.
ولهذا ذَكَرَ اللَّهُ في هذا الدعاءِ نَفْيَ الغِلِّ عن القلْبِ, الشامِلَ لقليلِه وكثيرِه، الذي إذا انْتَفَى ثَبَتَ ضِدُّه، وهو المَحبَّةُ بينَ المُؤمنِينَ والمُوالاةُ والنُّصْحُ ونحوُ ذلك مِمَّا هو مِن حُقوقِ المُؤْمنِينَ.
فوَصَفَ اللَّهُ مَن بعدَ الصحابةِ بالإيمانِ؛ لأنَّ قولَهم: {سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ}. دليلٌ على المشارَكَةِ فيه، وأنَّهم تابِعونَ للصحابةِ في عقائدِ الإيمانِ وأصولِه، وهم أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، الذينَ لا يَصْدُقُ هذا الوصْفُ التامُّ إلاَّ عليهم.
ووَصَفَهم بالإقرارِ بالذنوبِ والاستغفارِ منها، واستغفارِ بعضِهم لبعضٍ، واجتهادِهم في إزالةِ الغِلِّ والحِقْدِ عن قُلوبِهم لإخوانِهم المُؤمنِينَ؛ لأنَّ دُعاءَهم بذلكَ مُستلزِمٌ لِمَا ذَكَرْنا، ومُتَضَمِّنٌ لِمَحَبَّةِ بعضِهم بعضاً، وأنْ يُحِبَّ أحدُهم لأخيهِ ما يُحِبُّ لنَفْسِه، وأنْ يَنصَحَ له حاضِراً وغائباً، حَيًّا ومَيِّتاً.
ودَلَّتِ الآيةُ الكريمةُ على أنَّ هذا مِن جُملةِ حُقوقِ المُؤْمنِينَ بعضِهم لبعضٍ.
ثم خَتَمُوا دُعَاءَهم باسْمَيْنِ كَريمَيْنِ دالَّيْنِ على كمالِ رَحمةِ اللَّهِ، وشِدَّةِ رَأفتِه وإحسانِه بهم، الذي مِن جُملتِه، بل مِن أَجَلِّه تَوفيقُهم للقيامِ بحقوقِه وحُقوقِ عِبادِه.
فهؤلاءِ الأصنافُ الثلاثةُ هم أَصنافُ هذه الأُمَّةِ، وهم الْمُسْتَحِقُّونَ للفَيْءِ، الذي مَصْرِفُهُ راجِعٌ إلى مَصالِحِ الإسلامِ، وهؤلاءِ أهْلُه الذينَ هم أهْلُه. جَعَلَنا اللَّهُ مِنهم بِمَنِّه وكَرَمِه.
حفيدة بني عامر
11-04-2008, 07:37 AM
6- {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} الإيجافُ: إسراعُ الراكِبِ فَرَسَه، والمعنى: أنَّ ما رَدَّه اللهُ تعالى على رسولِه مِن أموالِ بني النَّضيرِ لم تَرْكَبوا لتَحصيلِه خَيْلاً ولا إِبِلاً، ولا تَجَشَّمْتُم لها شُقَّةً، ولا لَقِيتُمْ بها حَرْباً، وإنما كانتْ مِن المدينةِ على مِيلَيْنِ، فجعَلَ اللهُ سبحانَه أموالَ بني النَّضيرِ لرسولِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خاصَّةً لهذا السبَبِ، فإنه افْتَتَحَها صُلْحاً وأخَذَ أموالَها، ولم يُقَسِّمْها بينَ الغانمينَ.
7- {مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} هذا بَيانٌ لِمَصارِفِ الفَيْءِ بعدَ بيانِ أنه لرسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خاصَّةً، وهو حكْمُ كلِّ قَريةٍ يَفتحُها رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمسلمونَ بعدَه إلى يومِ القِيامةِ بغيرِ قِتالٍ، بل صُلْحاً، ولم يُوجِفْ عليها المسلمونَ بخَيْلٍ ولا رِكابٍ.
{فَلِلَّهِ} يَحكُمُ فيه بما يَشاءُ.
{وَلِلرَّسُولِ} يكونُ مِلْكاً له، ثم في مَصالِحِ المسلمينَ.
{وَلِذِي الْقُرْبَى} وهم بنو هاشمٍ وبنو المطَّلِبِ, أيْ: لفُقرائِهم؛ لأنهم قد مُنِعُوا مِن الصدَقَةِ، فجَعَلَ لهم حقًّا في الفَيْءِ, {وَالْيَتَامَى} وهم الصِّغارُ الذينَ ماتَ آباؤُهم قبلَ أنْ يَدخلُوا مَرحلةَ البُلوغِ.
{وَالْمَسَاكِينِ} الفُقراءِ.
{وَابْنِ السَّبِيلِ} الغريبِ الذي نَفِدَتْ نَفقتُه.
{كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ} فيَغْلِبَ الأغنياءُ الفقراءَ، فيَتَدَاوَلُوه بينَهم.
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} أيْ: ما أَعطاكم مِن مالِ الفَيْءِ فخُذُوه، وما نَهاكُم عن أخْذِه فانْتَهُوا عنه ولا تَأخذوهُ.
8- {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ} مِن مكَّةَ، اضطَرُّوهُم إلى الخروجِ مِنها فخَرَجوا؛ فجَعَلَ لهم في الفَيْءِ حَقًّا ليُغْنِيَهُم, {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} بالرزْقِ في الدنيا، وبالرِّضوانِ في الآخرةِ.
{وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} بالجهادِ للكُفَّارِ.
{أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} أيْ: الراسخونَ في الصدْقِ.
حفيدة بني عامر
11-04-2008, 07:39 AM
9- {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} هم الأَنصارُ سَكَنُوا المدينةَ قَبلَ الْمُهاجرينَ وآمَنُوا باللهِ ورَسولِه.
{يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}: أحْسَنُوا إلى المهاجرينَ، وأَشْرَكُوهُم في أموالِهم ومَساكِنِهم.
{وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً} حَسَداً أو غَيْظاً أو حَزازةً.
{مِمَّا أُوتُوا} أيْ: مما أُوتِيَ المهاجرونَ دُونَهم مِن الفَيْءِ، بل طابَتْ أنْفُسُهم بذلك، وكان المهاجرونَ في دُورِ الأنصارِ، فلَمَّا غَنِمَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أموالَ بَنِي النضيرِ دَعَا الأنصارَ وشَكَرَهم فيما صَنَعُوا مع المهاجرينَ، مِن إنزالِهم إياهم في مَنازلِهم، وإشراكِهم في أموالِهم، ثم قالَ: ((إِنْ أَحْبَبْتُمْ قَسَمْتُ مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ السُّكْنَى فِي مَسَاكِنِكُمْ وَالْمُشَارَكَةِ لَكُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ، وَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَعْطَيْتُهُمْ ذَلِكَ وَخَرَجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ)). فرَضُوا بقِسمةِ ذلك في المهاجرينَ وطابَتْ أنفُسُهم.
{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ}: يُقَدِّمونَ المهاجرينَ على أنفُسِهم في حُظوظِ الدنيا.
{وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أيْ: حاجةٌ وفقْرٌ.
{وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أيْ: مَن كَفاهُ اللهُ حِرْصَ نفْسِه وبُخْلَها فأَدَّى ما أَوْجَبَه الشرْعُ عليه في مالٍ مِن زكاةٍ أو حَقٍّ فقد فازَ ونَجَحَ، ولم يَفُزْ مَن بَخِلَ بذلك وشَحَّتْ به نفْسُه.
10- {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} وهم التابعونَ لهم بإحسانٍ إلى يومِ القِيامةِ.
{يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} الذين يُحِبُّونَ السابقينَ مِن المهاجرينَ والأنصارِ ويَستغفرونَ لهم.
{وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا} أيْ: غِشًّا وبُغْضاً وحَسَداً، فيَدخُلُ في ذلك الصحابةُ دُخولاً أوَّلِيًّا؛ لكونِهم أشْرَفَ المؤمنينَ؛ ولكونِ السِّياقِ فِيهم، فمَن وَجَدَ في قَلْبِه لهم غِلاًّ كالرافِضَةِ، فقد أصابَه نَزْغٌ مِن الشيطانِ وحَلَّ به نَصيبٌ وافِرٌ مِن عِصيانِاللهِ بعَداوةِ أوليائِه وخَيْرِ أمَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وليس له في الفَيْءِ حَقٌّ. وكذلك مَن سَبَّهُم أو آذاهم أو تَنَقَّصَهم.
حفيدة بني عامر
11-04-2008, 07:46 AM
قولُه تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ}. أيْ: مِن بَنِي النَّضِيرِ.
والْفَيْءُ كلُّ مَالٍ رَدَّ اللَّهُ تعالى مِن الكُفَّارِ إلى المُسلمِينَ، وهو مَأخوذٌ مِن الفَيْءِ بمعنَى الرُّجوعِ, يُقالُ: فاءَ؛ إذا رَجَعَ، ومنه فَيْءُ الظِّلِّ.
والفَرْقُ بينَ الفَيْءِ والغَنيمةِ: أنَّ الغَنيمةَ هي ما أَخَذَه المُسلِمونَ مِن الكُفَّارِ بإِيجَافِ الخيلِ والرِّكَابِ، والفَيْءَ ما صارَ إلى المسلمِينَ مِن أموالِ الكُفَّارِ مِن غيرِ إِيجافِ خَيْلٍ ورِكابٍ.
وقولُه: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ}. الرِّكابُ: الإبِلُ، والمعنَى: أنَّ أموالَهم صارَتْ إلى رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مِن غيرِ إيجافِكم بخَيْلٍ أو إِبِلٍ.
والإيجافُ: الإسراعُ. فجَعَلَ اللَّهُ تعالى أموالَ بَنِي النَّضِيرِ للنبيِّ خاصَّةً؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ظَهَرَ عليهم مِن غيرِ قِتالٍ مِن المُسلمِينَ، وكانَ يَدَّخِرُ منها قُوتَ سَنَةٍ لعِيالِهِ، والباقِي يَتَّخِذُ منه الكُراعَ وعُدَّةً في سبيلِ اللَّهِ.
وفي تفسيرِ قَتَادَةَ: أنَّ المُسلمِينَ طَلَبوا أنْ يُقَسَّمَ بينَهم؛ فأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، وجَعَلَ ما أصَابُوهُ للرسولِ خاصَّةً، وكانَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا أجْلاَهُم شَرَطَ أنَّ لَهُم ما تَحْمِلُه إبِلُهم إلاَّ الْحَلْقَةَ، يَعنِي: السلاحَ.
وقولُه: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ}. أيْ: رسولَه على مَن يَشاءُ.
وقولُه: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. أيْ: قادِرٌ.
قولُه تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}. في الآيةِ بيانُ مَصارِفِ الْخُمُسِ، وقد بَيَّنَّا مِن قَبْلُ.
والقُرَى هي القُرَى العَربيَّةُ؛ مِثلُ: خَيْبَرَ، ووَادِي القُرَى، وفيماءَ وغيرِها.
ومِن المشهورِ في التفسيرِ أيضاً: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قَسَّمَ أموالَ بَنِي النَّضِيرِ بينَ المُهاجِرِينَ ولَمْ يُعْطِ الأنصارَ مِنها شيئاً إلاَّ ثلاثةَ نَفَرٍ: سَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ، وأبا دُجَانَةَ، والحارِثَ بنَ الصِّمَّةِ، وهذا قولٌ غيرُ القولِ الأوَّلِ الذي ذَكَرْنا، وهو الأشهَرُ.
فعلَى هذا لَمَّا جعَلَ اللَّهُ أموالَ بَنِي النَّضِيرِ للرسولِ خاصَّةً قَسَمَها بينَ المهاجرينَ؛ لِيَكْفِيَ الأنصارَ مُؤْنَتَهم.
وقولُه تعالى: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}. أيْ: لئَلاَّ يَتَدَاوَلَه الأغنياءُ مِنكم.
والتدَاوُلُ هو النقْلُ مِن يَدٍ إلى يَدٍ.
وقولُه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. حَثَّ اللَّهُ تعالى المُسلمِينَ في هذه الآيةِ على التسليمِ لأمْرِ اللَّهِ تعالى ونَهْيِه؛ لأنَّ المعنَى: وما آتَاكُم الرسولُ عن اللَّهِ فخُذُوهُ، وما نَهاكُمْ عن اللَّهِ فانْتَهُوا.
وقولُه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. أي: العُقوبةِ.
قولُه تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ}. يَعنِي: ما أفاءَ اللَّهُ على رَسولِه للفقراءِ المهاجرينَ, {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} فدِيارُهم مَكَّةُ وغيرُها، وأموالُهم ما خَلَّفُوهَا عندَ هِجرَتِهم.
وقولُه: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً}. أيْ: يَطْلُبُونَ فضْلَ اللَّهِ ورِضاهُ.
وقولُه: {وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}. أي: الصَّادِقونَ عَقْداً وقَوْلاً وفِعْلاً.
قولُه تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ}. أجْمَعَ أهْلُ التفسيرِ على أنَّ المرادَ بهم الأنصارُ.
وقولُه: {تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ} أي: استَوْطَنُوا المدينةَ، وقَبِلُوا الإيمانَ.
وقِيلَ: تَبَوَّؤُوا الدارَ؛ أيْ: أعَدُّوا الديارَ للمُهاجِرِينَ ووَاسَوْهُمْ في كلِّ ما لَهُم.
وقولُه: {وَالإِيمَانَ}. أيْ: جَعَلُوا دُورَهُم دُورَ الإيمانِ؛ وذلكَ بإظهارِهم الإيمانَ فيما بينَهم.
فإنْ قِيلَ: كيفَ يَسْتَقِيمُ قولُه: {مِنْ قَبْلِهِمْ}. والأنصارُ إنَّما آمَنُوا مِن بعدِ المُهاجرِينَ؟
والجوابُ: أنَّ قولَه: {مِنْ قَبْلِهِمْ}. يَنْصَرِفُ إلى تَبَوُّءِ الدارِ, لا إلى الإيمانِ.
والثاني: أنَّ قولَه: {مِنْ قَبْلِهِمْ} وإنِ انْصَرَفَ إلى الإيمانِ فالمرادُ منه قبلَ هِجْرتِهم؛ لأنَّ الأنصارَ كانوا قدْ آمَنُوا قبلَ هِجْرتِهم.
وقولُه: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}. أيْ: مِن أهْلِ مَكَّةَ وغيرِهم.
وقولُه: {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا}. قالَ قَتادَةُ: وعندَ كثيرٍ مِن الْمُفَسِّرِينَ معناه: حَسَداً ممَّا أُعْطُوا.
وقيلَ: ضِيقاً في قُلوبِهم ممَّا أُعْطِيَ المُهاجِرِينَ. وهو بمعنَى الأوَّلِ.
وقد ذَكَرْنَا ما أَعطَى رسولُ اللَّهِ المُهاجرِينَ مِن أموالِ بَنِي النَّضِيرِ، فالمعنَى يَنصرِفُ إليهم.
وقولُه: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ}. أيْ: يُقَدِّمُونَ المُهاجرِينَ على أنْفُسِهم.
وقولُه: {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. أيْ: فَقْرٌ وحاجةٌ.
ومِن المعروفِ بروايةِ أبي هُريرةَ: أنَّ بعضَ الأنصارِ أضافَ رَجُلاً مِن الفقراءِ ولم يَكُنْ عندَه فَضْلٌ عمَّا يَأْكُلُه ويَأْكُلُ أهلُه وصِبيانُه.
وفي روايةٍ: أنَّ ذلك الرجُلَ كانَ جَاعَ ثلاثةَ أيَّامٍ ولم يَجِدْ شيئاً، وطلَبَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ له شَيئاً في بُيوتِ أزواجِه ولم يَجِدْ، فأَضافَه هذا الأنصاريُّ؛ حَمَلَه إلى بيتِه وقالَ لأهلِه: نَوِّمِي الصِّبْيَةَ وأَطْفِئِي السِّراجَ بعِلَّةِ الإصلاحِ. ففَعَلَتْ ذلك، وجَعَلاَ يَمُدَّانِ أَيْدِيَهُما ويَضربانِ على الصَّحْفَةِ؛ لِيَظُنَّ الضَّيْفُ أنَّهما يَأْكُلانِ, ولا يَأْكُلانِ.
ففَعَلاَ ذلكَ وأكَلَ الضيفُ حتى شَبِعَ، فلَمَّا غَدَا على النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ((لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعَتِكُمُ الْبَارِحَةَ)). فأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ.
ومِن المعروفِ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ للأنصارِ: ((إِنَّكُمْ لَتَكْثُرُونَ عِنْدَ الْفَزَعِ، وَتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ)).
وقولُه: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ}. أيْ: بُخْلَ نَفْسِه, {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. أي: السُّعداءُ الفَائِزِونَ.
وعن ابنِ مَسْعودٍ, أنَّ رَجُلاً قالَ له: إنِّي لا أستطيعُ أنْ أُعْطِيَ مِن مالِي شيئاً, أَفَتَخْشَ البُخْلَ؟ قالَ: ذلك البُخْلُ وبِئْسَ الشيءُ البُخْلُ, وإنَّما الشُّحُّ أنْ تَأْخُذَ المالَ مِن غيرِ حَقِّه.
وقيلَ: البُخْلُ أنْ يَبْخَلَ بمالِ نفْسِه, والشحُّ أنْ يَبْخَلَ بمالِ غيرِه.
وقالَ مُقَاتِلُ بنُ سُليمانَ: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ}؛ أي: حِرْصَ نفْسِه.
وقِيلَ: هَوَى نفْسِه.
وقالَ سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: هو مَنْعُ الزكاةِ.
وعن ابنِ زَيدٍ: هو أنْ يَأْخُذَ ما ليسَ له أنْ يَأْخُذَ ويَمْنَعَ ما لا يَجُوزُ له مَنْعُه.
قولُه تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ}. هم التابِعُونَ, وقيلَ: الذينَ يُؤمنونَ إلى يومِ القِيامةِ.
وقولُه: {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا}. أيْ: خِيانةً وحِقْداً.
وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ الترَحُّمَ للسَّلَفِ والدُّعاءَ لهم بالخيرِ, وتَرْكَ ذِكرِهم بالسُّوءِ مِن عَلاَمَةِ المُؤْمنِينَ.
ورُوِيَ أنَّ رَجُلاً جاءَ إلى مالِكِ بنِ أنَسٍ فجَعَلَ يَقَعُ في جماعةٍ مِن الصحابةِ؛ مِثلِ: أبي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وغيرِهم. فقالَ له: أنتَ مِن الفقراءِ المُهاجرِينَ الذينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهم وأموالِهم؟ قالَ: لا. قالَ: أنتَ مِن الذينَ تَبَوَّؤُوا الدارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهم؟ قالَ: لا. فقالَ: أشهَدُ أَنَّكَ لَسْتَ مِن الذينَ جَاؤُوا مِن بعدِهم يَقولونَ: رَبَّنا اغفِرْ لنا ولإخوانِنا الذينَ سَبَقُونا بالإيمانِ.
وعن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قالَ: ليسَ لِمَنْ يَقَعُ في الصحابةِ ويَذْكُرُهم بالسُّوءِ في الفَيْءِ نَصيبٌ. وتَلاَ هذه الآياتِ الثلاثَ.
ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ سُئِلَ عمَّا جَرَى بينَ الصحابةِ مِن القِتالِ وسَفْكِ الدماءِ, فقالَ: تلك دِماءٌ طَهَّرَ اللَّهُ يَدَيَّ عنها، فلا أُحِبُّ أنْ أَغْمِسَ لِسانِي فيها.
مِن المَعروفِ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ((إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا, وَإِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا)). والمرادُ به الإمساكُ عن ذِكْرِ المَساوِئِ, لا عن ذِكْرِ المحاسِنِ.
وفي بعضِ الرواياتِ: ((إِذَا ذُكِرَ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا)).
وقولُه: {رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}. ظاهِرُ المعنى.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir