المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة الحشر (الآيات: 18-24)


عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 03:34 AM
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)}.

حفيدة بني عامر
11-04-2008, 08:23 AM
(18) يَأْمُرُ تعالَى عِبادَه المُؤمنِينَ بما يُوجِبُه الإيمانُ ويَقتَضِيهِ مِن لُزومِ تَقواهُ، سِرًّا وعَلانيةً، في جميعِ الأَحوالِ، وأنْ يُرَاعُوا ما أمَرَهم اللَّهُ به مِن أَوامِرِه وشَرائعِه وحُدودِه، ويَنظُروا ما لهَم وما عليهم، وماذا حَصَلُوا عليهِ مِن الأعمالِ التي تَنْفَعُهم أو تَضُرُّهم في يومِ القيامةِ؛ فإِنَّهم إذا جَعَلُوا الآخِرةَ نُصْبَ أعْيُنِهم وقِبْلَةَ قُلوبِهم، واهْتَمُّوا للمُقامِ بها؛ اجْتَهَدوا في كثرةِ الأعمالِ الْمُوصِلَةِ إليها وتَصفيتِها مِن القواطِعِ والعوائقِ، التي تُوقِفُهم عن السَّيْرِ أو تَعُوقُهم أو تَصْرِفُهم.
وإذا عَلِمُوا أيضاً أنَّ {اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا} يَعْمَلونَ، لا تَخفَى عليهِ أعمالُهم، ولا تَضيعُ لَدَيْهِ، ولا يُهْمِلُها؛ أَوْجَبَ لهم الْجِدَّ والاجتهادَ.
وهذهِ الآيةُ الكريمةُ أصْلٌ فِي مُحاسبَةِ العبْدِ نفْسَه، وأنَّه يَنبغِي له أنْ يَتَفَقَّدَها؛ فإنْ رَأَى زَللاً تَدارَكَه بالإقلاعِ عنه والتوبةِ النصوحِ والإعراضِ عن الأسبابِ الْمُوِصِلَةِ إليه.
وإنْ رَأَى نفْسَه مُقَصِّراً في أمْرٍ مِن أوامِرِ اللَّهِ؛ بَذَلَ جَهْدَه واستعانَ برَبِّه في تَتْمِيمِه وتَكميلِه وإتقانِه، ويُقايِسُ بينَ مِنَنِ اللَّهِ عليهِ وإحسانِه, وبينَ تَقصيرِه؛ فإنَّ ذلك يُوجِبُ له الحَيَاءَ لا مَحَالَةَ.
(19) والْحِرمانُ كلُّ الْحِرْمانِ أنْ يَغْفُلَ العبدُ عن هذا الأمْرِ، ويُشابِهَ قوماً نَسُوا اللَّهَ، وغَفَلُوا عن ذِكْرِه والقيامِ بحَقِّه، وأَقْبَلُوا على حُظوظِ أنفُسِهم وشَهَوَاتِها، فلَمْ يَنجَحُوا ولم يَحْصُلوا على طائلٍ، بل أَنساهُم اللَّهُ مَصالِحَ أنْفُسِهم، وأَغْفَلَهم عن مَنافِعِها وفَوائدِها، فصارَ أمْرُهم فُرُطاً.
فرَجَعوا بخَسارةِ الدارَيْنِ، وغُبِنُوا غَبْناً لا يُمْكِنُ تَدارُكُه ولا يُجْبَرُ كَسْرُه؛ لأنَّهم {هُمُ الْفَاسِقُونَ} الذينَ خَرَجوا عن طاعةِ رَبِّهم، وأَوْضَعُوا في مَعاصِيهِ.
(20) فهل يَسْتوِي مَن حافَظَ على تَقْوَى اللَّهِ، ونَظَرَ لِمَا قَدَّمَ لِغَدِه فاستحَقَّ جَنَّاتِ النعيمِ والعيشَ السليمَ معَ الذينَ أنْعَمَ اللَّهُ عليهم مِن النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشهداءِ والصالحِينَ، ومَن غَفَلَ عن ذِكْرِه ونَسِيَ حُقوقَه، فشَقِيَ في الدُّنيا، واسْتَحَقَّ العذابَ في الآخِرةِ، فالأَوَّلُونَ هم الفائِزِونَ، والآخِرونَ هم الخاسِرونَ.
(21) ولَمَّا بَيَّنَ تعالى لعِبادِه ما بَيَّنَ، وأمَرَ عِبادَه ونَهاهُم في كتابِه العزيزِ، كانَ هذا مُوجِباً لأنْ يُبادِرُوا إلى ما دَعاهُم إليهِ وحَثَّهُم عليه، ولو كانوا في القَسْوةِ وصَلابةِ القُلوبِ كالْجِبالِ الرَّوَاسِي؛ فإنَّ هذا القرآنَ لو أَنْزَلَه {عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}؛ أيْ: لكَمالِ تَأثيرِه في القُلوبِ.
فإنَّ مَواعِظَ القُرآنِ أعْظَمُ المواعِظِ على الإطلاقِ، وأوامِرَه ونَواهيَهِ مُحتَوِيَةٌ على الحِكَمِ والمصالِحِ المَقْرونةِ بها.
وهي مِن أسْهَلِ شيءٍ على النُّفوسِ وأَيْسَرِها على الأبْدانِ، خاليةٌ مِن التكَلُّفِ، لا تَناقُضَ فيها ولا اختلافَ، ولا صُعوبةَ فيها ولا اعتسافَ، تَصْلُحُ لكلِّ زمانٍ ومَكانٍ، وتَلِيقُ لكلِّ أحَدٍ.
ثم أخْبَرَ تعالى أنَّه يَضْرِبُ للناسِ الأمثالَ، ويُوَضِّحُ لعِبادِه في كتابِه الحلالَ والحَرَامَ؛ لأجْلِ أنْ يَتفَكَّرُوا في آياتِه ويَتَدَبَّرُوها؛ فإنَّ التفكُّرَ فيها يَفْتَحُ للعبدِ خَزائِنَ العِلْمِ، ويُبَيِّنُ له طُرُقَ الخيرِ والشرِّ، ويَحُثُّه على مَكارِمِ الأخلاقِ ومَحاسِنِ الشِّيَمِ، ويَزْجُرُه عن مَساوِئِ الأخلاقِ، فلا أَنْفَعَ للعبْدِ مِن التفَكُّرِ في القرآنِ والتدَبُّرِ لِمَعانيهِ.
{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
(22) هذه الآياتُ الكريماتُ قدِ اشْتَمَلَتْ على كثيرٍ مِن أسماءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وأَوْصافِه العُلَى عَظيمةِ الشَّأْنِ، وبَديعةِ البُرهانِ:
فأَخْبَرَ أنَّه {اللَّهُ} الْمَأْلُوهُ المعبودُ الذي {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ}؛ وذلكَ لكَمالِه العظيمِ، وإحسانِه الشامِلِ، وتَدبيرِه العامِّ.
وكلُّ إلهٍ غيرُه فإنَّه بَاطِلٌ، لا يَستحِقُّ مِن العِبادةِ مِثقالَ ذَرَّةٍ؛ لأنَّه فَقيرٌ عاجِزٌ ناقِصٌ، لا يَمْلِكُ لنفْسِه ولا لغيرِه شيئاً.
ثم وَصَفَ نفْسَه بعُمومِ العِلْمِ، الشامِلِ لِمَا غابَ عن الخَلْقِ وما يُشاهِدُونَه، وبعُمومِ رَحمتِه، التي وَسِعَتْ كلَّ شيءٍ، ووَصَلَتْ إلى كلِّ حَيٍّ.
(23) ثم كَرَّرَ ذِكْرَ عُمومِ إلَهِيَّتِه وانفرادِه بها، وأنَّه المالِكُ لجميعِ الْمَمالِكِ، فالعالَمُ العُلْوِيُّ والسُّفْلِيُّ وأهلُه، الجميعُ مَماليكُ للهِ، فُقراءُ مُدَبَّرُونَ.
{الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ}؛ أي: الْمُقَدَّسُ السالِمُ مِن كلِّ عَيْبٍ وآفَةٍ ونَقْصٍ، المُعظَّمُ الْمُمَجَّدُ؛ لأنَّ القُدُّوسَ يَدُلُّ على التَّنزِيهِ مِن كلِّ نقْصٍ، والتعظيمِ للهِ في أوصافِه وجَلالِه.
{الْمُؤْمِنُ}؛ أي: الْمُصَدِّقُ لرُسُلِه وأنبيائِه بما جَاؤُوا به بالآياتِ البَيِّنَاتِ والبَراهِينِ القاطعاتِ والْحُجَجِ الواضحاتِ.
{الْعَزِيزُ} الذي لا يُغَالَبُ ولا يُمانَعُ، بل قدْ قَهَرَ كلَّ شيءٍ، وخَضَعَ له كلُّ شيءٍ.
{الْجَبَّارُ} الذي قَهَرَ جَميعَ العِبادِ، وأَذْعَنَ له سائرُ الخلْقِ، الذي يَجْبُرُ الكَسِيرَ، ويُغنِي الفَقِيرَ.
{الْمُتَكَبِّرُ} الذي له الكِبرياءُ والعَظَمَةُ، الْمُتَنَزِّهُ عن جميعِ العُيوبِ والظُّلْمِ والْجَوْرِ.
{سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وهذا تَنْزِيهٌ عامٌّ عن كلِّ ما وَصَفَه به مَن أشْرَكَ به وعانَدَه.
(24) {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ} لجميعِ المَخْلوقاتِ، {الْبَارِئُ} للمَبْرُوءَاتِ.
{الْمُصَوِّرُ} للمُصَوَّرَاتِ، وهذهِ الأسماءُ متَعَلِّقَةٌ بالخَلْقِ والتدبيرِ والتقديرِ، وأنَّ ذلكَ كُلَّه قدْ انْفَرَدَ اللَّهُ بهِ، لم يُشارِكْه فيهِ مشارِكٌ.
{لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}؛ أيْ: له الأسماءُ الكثيرةُ جِدًّا، التي لا يُحْصِيهَا ولا يَعْلَمُها أحَدٌ إلاَّ هو، ومعَ ذلك فكُلُّها حُسْنَى؛ أيْ: صِفاتُ كَمالٍ، بل تَدُلُّ على أكْمَلِ الصفاتِ وأعظَمِها، لا نقْصَ في شيءٍ منها بوَجْهٍ مِن الوُجوهِ.
ومِن حُسْنِهَا أنَّ اللَّهَ يُحِبُّها ويُحِبُّ مَن يُحِبُّها، ويُحِبُّ مِن عِبادِه أنْ يَدْعُوهُ ويَسْأَلُوه بها.
ومِن كَمالِه وأنَّ له الأسماءَ الْحُسْنَى والصِّفاتِ العُلْيَا: أنَّ جَمِيعَ مَن في السماواتِ والأرضِ مُفتَقِرُونَ إليه على الدوامِ، يُسَبِّحونَ بحَمْدِه، ويَسأَلُونَه حَوائِجَهم، فيُعْطِيهم مِن فَضْلِه وكَرَمِه ما تَقْتَضِيهِ رَحمتُه وحِكمتُه.
{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} الذي لا يُريدُ شَيئاً إلاَّ ويَكُونُ، ولا يَكُونُ شيئاً إلاَّ لحِكْمَةٍ ومَصلحَةٍ.
تَمَّ تَفسيرُ هذه السورةِ.

حفيدة بني عامر
11-04-2008, 08:28 AM
18- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ} أي: اتَّقُوا عِقابَه بفِعْلِ ما أمَرَكم به وتَرْكِ ما نَهاكُم عنه.
{وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} أيْ:لِتَنْظُرْ أَيَّ شَيْءٍ قَدَّمَتْ مِن الأعمالِ ليومِ القِيامةِ.
19- {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ} أيْ: تَرَكُوا أمْرَه ولم يُبَالُوا بطَاعتِه.
{فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} أيْ: جَعَلَهم نَاسِينَ لها بسببِ نِسيانِهم لَه، فلم يَشْتَغِلُوا بالأعمالِ التي تُنْجِيهِم مِن العذابِ، وقيلَ: نَسُوا اللهَ في الرخاءِ فأَنْسَاهُم أنْفُسَهم في الشدائدِ.
{أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} أي: الخارجونَ عن طاعةِ اللهِ.
20- {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} أي: الظافِرونَ بكُلِّ مطلوبٍ, الناجونَ مِن كُلِّ مَكروهٍ.
21- {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أيْ: بَلَغَ مِن شأنِه وعَظمتِه وبَلاغتِه واشتِمالِه على الْمَواعِظِ التي تَلِينُ لها القُلوبُ، أنه لو أُنْزِلَ على جَبَلٍ مِن الجبالِ لرَأيتَه، مع كَوْنِه في غايةِ القَسوةِ وشِدَّةِ الصَّلابةِ وضَخامةِ الجِرْمِ، مُتَشَقِّقاً مِن خَشيةِ اللهِ؛ حَذَراً مِن عِقابِه؛ وخَوْفاً مِن أنْ لا يُؤَدِّيَ ما يَجِبُ عليه مِن تعظيمِ كلامِ اللهِ.
{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} فيما يَجِبُ عليهم التفَكُّرُ فيه ليَتَّعِظُوا بالْمَواعِظِ، ويَنْزَجِروا بالزواجِرِ.
22- {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أيْ: عالِمُ ما غابَ عن الإحساسِ, وما حَضَرَ فهو مَرْئِيٌّ بالعُيونِ.
23- {هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} كَرَّرَه للتأكيدِ والتقريرِ.
{الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ} أي: الطاهِرُ من كلِّ عَيبٍ, الْمُنَزَّهُ عن كلِّ نقْصٍ, وقيلَ: معناه: الذي سَلِمَ الخلْقُ مِن ظُلْمِه.
{الْمُؤْمِنُ} أي: الذي وَهَبَ لعِبادِه الأمْنَ مِن الظلْمِ، وقيلَ: الْمُصَدِّقُ لرُسُلِه بإظهارِ الْمُعْجِزَاتِ.
{الْمُهَيْمِنُ} أي: الشهيدُ على عِبادِه بأعمالِهم الرقيبُ عليهم.
{الْعَزِيزُ}: القاهِرُ الغالبُ غيرُ المغلوبِ.
{الْجَبَّارُ}: جَبروتُ اللهِ عَظمتُه، وقيلَ: الْجَبَّارُ الذي لا تُطاقُ سَطْوَتُه.
{الْمُتَكَبِّرُ} أي: الذي تَكَبَّرَ عن كلِّ نقْصٍ، وتَعَظَّمَ عما لا يَلِيقُ به. والكِبرياءُ في صفاتِ اللهِ مَدْحٌ، وفي صِفاتِ المخلوقينَ ذَمٌّ.
24- {هُوَ اللهُ الْخَالِقُ} أي: الْمُقَدِّرُ للأشياءِ على مُقتضَى إرادتِه ومَشيئتِه.
{الْبَارِئُ} أي: الْمُنْشِئُ المختَرِعُ للأشياءِ الْمُوجِدُ لها.
{الْمُصَوِّرُ} أي: الموجِدُ للصُّوَرِ المركِّبُ لها على هَيْئَاتٍ مُختَلِفَةٍ.
{لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} قد تَقَدَّمَ بيانُها في سورةِ (الأعرافِ الآيةِ 180) {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أيْ: يَنطِقُ بتَنزيهِه بلسانِ الحالِ أو الْمَقالِ كلُّ ما فيهما.

حفيدة بني عامر
11-04-2008, 08:38 AM
قولُه تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ}. أيْ: تَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ فتَرَكَهم مِن نَظَرِه ورَحْمَتِه.
وقيلَ: معناه: تَرَكُوا طَلَبَ الحظِّ لأَنْفُسِهم في الآخِرَةِ بما تَرَكُوا مِن أمْرِ اللَّهِ. ونُسِبَ إلى اللَّهِ تعالى؛ لأنَّ تَرْكَهم طلَبَ الحظِّ لأنفُسِهم وفَواتَه إيَّاهم كانَ لأجْلِ ما تَوَجَّهَ عليهم مِن أمْرِ اللَّهِ.
وقيلَ: مَعناهُ: أغْفَلَهم عن حَظِّ أنْفُسِهم عُقوبةً لهم.
قالَ النَّحَّاسُ: ويَستقيمُ في العربيَّةِ أنْ يُقالَ: نَسِيَهم فُلانٌ بمعنَى تَرَكَهم, ولا يَستقِيمُ: أَنْسَاهُمْ بمعنَى تَرَكَهم.
وقولُه: {أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. أي: الخَارِجونَ عن طَاعةِ اللَّهِ.
قولُه تعالى: {لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}. أي: النَّاجُونَ.
قولُه تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}. أيْ: إذَا جَعَلْنَا له ما يُمَيِّزُ ويَعْقِلُ.
قيلَ: هو مَذْكورٌ على طريقِ التمثيلِ, لا على طريقِ الحقيقةِ.
وعندَ أهْلِ السُّنَّةِ: إنَّ للَّهِ تعالى في الْمَواتِ والْجَماداتِ عِلْماً لا يَقِفُ عليهِ الناسُ.
وقدْ قالَ في موضِعٍ آخَرَ: {وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}. وهو دليلٌ على ما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ.
وقولُه: {خَاشِعاً}. أيْ: ذَليلاً، وقيلَ: {مُتَصَدِّعاً}.أيْ: مُتَشَقِّقاً مِن خَشْيةِ اللَّهِ.
وقولُه: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. أيْ: يَتدَبَّرُونَ.
قولُه تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ}. أي: السِّرِّ والعَلانِيَةِ، وقيلَ: عالِمُ الغيبِ والشَّهادةِ؛ أيْ: ما كانَ وما يكونُ.
وقولُه: {هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}. قد بَيَّنَّا.
قولُه تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ}. أي: الْمُقْتَدِرُ على الأشياءِ.
وقولُه: {الْقُدُّوسُ}. أي: الطاهِرُ, وقِيلَ: الْمُنَزَّهُ مِن كُلِّ نَقْصٍ وعَيْبٍ.
وقيلَ: القُدُّوسُ: الْمُقَدَّسُ؛ يَعنِي: يُقَدِّسُه الملائكةُ ويُسَبِّحُونَه. وفي تسبيحِ الملائكةِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الملائكةِ والرُّوحِ. ومِنه بيتُ الْمَقْدِسِ، ومِنه حَظيرةُ القُدُسِ: وهي الْجَنَّةُ، قالَ رُؤْبَةُ:
دَعوتُ رَبَّ العِزَّةِ القُدُّوسَا دُعاءَ مَن لا يَقْرَعُ الناقُوسَا
وقولُه: {السَّلاَمُ}. قالَ قَتَادَةُ: معناه: مسَلَّمٌ مِن الآفاتِ والعُيوبِ.
وقالَ مُجَاهِدٌ: سَلِمَ الناسُ مِن ظُلْمِه.
وفي بعضِ الأخبارِ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ((السَّلاَمُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى, وَضَعَهُ بَيْنَكُمْ فَأَفْشُوهُ)).
وقولُه: {الْمُؤْمِنُ}. فيه أقوالٌ:
أحَدُها: أنَّه يُؤَمِّنُ المُؤمنِينَ مِن النارِ والعَذابِ.
والآخَرُ: أنَّ المُؤْمنِينَ أَمِنُوا مِن ظُلْمِه فهو مُؤْمِنٌ.
والقولُ الثالثُ: أنَّه شَهِدَ لنَفْسِه بالوَحْدَانِيَّةِ فهو مُؤْمِنٌ بهذا المعنَى. وشَهادتُه لنَفْسِه بالوَحدانيَّةِ هو قولُه تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ}.
وقولُه: {الْمُهَيْمِنُ}. قالَ قَتادةُ: أي: الشَّهِيدُ. وقالَ بعضُهم: هو الأَمِينُ. ومعنَى كونِه أَميناً: أنَّه لا يُضِيعُ أعمالَ العِبادِ، فكَأَنَّ أعمالَ العِبادِ في أَمانتِه لا يُضِيعُها.
وقيلَ: هو الرَّقِيبُ.
وقيلَ: إنَّ الْمُهَيْمِنَ أصْلُه:"الْمُؤَيْمِنُ", إلاَّ أنَّه قدْ قُلِبَتِ الهَمْزةُ هاءً, مثلَ قولِهم: أَرَقْتُ الماءَ وهَرَقْتُه.
وقولُه: {الْعَزِيزُ}. أي: الغالبُ.
وقيلَ: القاهرُ.
وقيلَ: الْمَنِيعُ.
وقالَ الشاعِرُ في الْمُهَيْمِنِ:

مَليكٌ عَلَى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ = لعِزَّتِه تَعْنُو الوُجوهُ وتَسْجُدُ

وقولُه: {الْجَبَّارُ}. أيْ: جَبَرَ الخَلْقَ على مُرادِه ومَشِيئَتِه.
وقيلَ: الْجَبَّارُ؛ أي: العظيمُ.
وقيلَ: هو الذي يَفوتُ عن الأوهامِ والإدراكِ. يُقالُ: نَخْلَةٌ جَبَّارَةٌ. إذا كانَتْ طويلةً لا يُوصَلُ إليها بالأَيْدِي.
قولُه: {الْمُتَكَبِّرُ}. أي: الكبيرُ.
وقِيلَ: المُتَكَبِّرُ هو الذي أَعْلَى نفْسَه وعَظَّمَها، وهذا مَمدوحٌ في صِفاتِ اللَّهِ, مذمومٌ في صِفاتِ الخَلْقِ؛ لأنَّ الخلْقَ لا يَخْلُونَ عن نَقِيصةٍ, فلاَ يَلِيقُ بهم إعظامُهم أنْفُسَهم وإعلاؤُهم إيَّاهُمْ، واللَّهُ تعالى لا يَجوزُ عليهِ نقْصٌ فيَصِحُّ مَدْحُه لنَفْسِه وإعظامُه.
وقِيلَ: مَدَحَ نفْسَه ليُعَلِّمَ خَلْقَه مَدْحَهم إيَّاهُ؛ ليُثِيبَهم عليهِ؛ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَعودَ إليه ضَرٌّ ولا نَفْعٌ.
وقولُه: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. قدْ بَيَّنَّا في كثيرٍ مِن المواضِعِ.
قولُه تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ}. أيْ: مُقَدِّرُ الأشياءِ ومُخْتَرِعُها.
وقولُه: {الْبَارِئُ}. قيلَ: هو في معنَى الخالِقِ على طريقِ التأكيدِ. وقيلَ: إنَّ مَعناهُ: الْمُحْيِي بعدَ الإماتةِ. قالَ الشاعِرُ:
وكُلُّ نفْسٍ على سَلاَمَتِها يُمِيتُها اللَّهُ ثُمَّ يَبْرَؤُهَا
ذكَرَه أبو الحَسَنِ بنُ فارِسٍ.
وقولُه: {الْمُصَوِّرُ}. هو التصويرُ المعلومُ, يُصَوِّرُ كلَّ خَلْقٍ على ما يَشاءُ.
وقِيلَ: التصويرُ هو تَرْكِيبٌ مَخصوصٌ في مَحَلٍّ مَخصوصٍ مِن الْخَلْقِ.
وقولُه تعالى: {لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}. الْحُسْنَى: هو تأنيثُ الأحْسَنِ، وهي ههنا بِمَعْنَى العُلْيَا.
وقولُه: {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. ظاهِرُ المعنَى.
وقدْ وَرَدَ في بعضِ المَسانيدِ برِوايةِ ابنِ عَبَّاسٍ, عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أنَّه قالَ: ((إِنَّ اسْمَ اللَّهِ الأَعْظَمَ فِي ثَلاَثِ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ)). واللَّهُ أعْلَمُ.