مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة الممتحنة (الآيات: 4-6)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 03:39 AM
{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6)}.
حفيدة بني عامر
11-04-2008, 10:47 AM
(4) {قَدْ} كانَ {لَكُمْ} يا مَعشَرَ المُؤْمنِينَ، {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}؛ أيْ: قُدْوةٌ صالحةٌ وائتمامٌ يَنفَعُكُم {فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} مِن المُؤْمنِينَ؛ لأنَّكم قَدْ أُمِرْتُمْ أنْ تَتَّبِعُوا مِلَّةَ إبراهيمَ حَنيفاً.
{إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}؛ أيْ: إذ تَبَرَّأَ إبراهيمُ عليهِ السلامُ ومَن معَه مِن المُؤْمنِينَ مِن قَوْمِهم الْمُشرِكِينَ ومِمَّا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ثُمَّ صَرَّحُوا بعَداوَتِهم غايةَ التصريحِ، فقالوا: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا}؛ أيْ: ظَهَرَ وبانَ {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ}؛ أي: البُغْضُ بالقُلُوبِ وزَوالُ مَوَدَّتِها والعداوةُ بالأَبدانِ.
وليسَ لتلكَ العَدواةِ والبَغْضاءِ وقتٌ ولا حَدٌّ، بل ذلكَ {أَبَداً} ما دُمْتُمْ مُسْتَمِرِّينَ على كُفْرِكم.
{حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}؛ أيْ: فإذا آمَنْتُمْ باللَّهِ وَحْدَه زالتِ العَداوةُ والبَغْضاءُ، وانقَلَبَتْ مَوَدَّةً ووَلايةً؛ فلكم أيُّها المُؤْمنِونَ أُسوةٌ حَسَنةٌ في إبراهيمَ ومَن معَه في القيامِ بالإيمانِ والتوحيدِ، ولَوازمِ ذلكَ ومُقتَضَيَاتِه وفي كلِّ شيءٍ تَعَبَّدُوا به للَّهِ وحْدَه {إِلاَّ} في خَصلةٍ واحدةٍ، وهي: {قُوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ} آزَرَ المُشرِكِ الكافرِ المُعانِدِ حينَ دَعاهُ إلى الإيمانِ والتوحيدِ فامتَنَعَ، فقالَ إبراهيمُ له: {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَ}: الحالُ أَنِّي لا {أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ}، ولكنِّي أَدْعُو رَبِّي عَسَى أنْ لا أَكُونَ بدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا.
فليسَ لكم أنْ تَقْتَدُوا بإبراهيمَ في هذهِ الحالةِ التي دَعَا بها للمُشرِكِ، فليسَ لكم أنْ تَدْعُوا للمُشرِكينَ وتَقولوا: إنَّا في ذلكَ مُتَّبِعونَ لِمِلَّةِ إبراهيمَ؛ فإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عُذْرَ إبراهيمَ في ذلك بقولِه: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} الآيةَ.
ولكم أُسْوةٌ حَسَنةٌ في إِبْراهيمَ ومَن معَه حينَ دَعَوُا اللَّهَ وتَوَكَّلوا عليهِ، وأَنَابُوا إليه، واعتَرَفوا بالعَجْزِ والتَّقْصيرِ، فقَالُوا: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا}؛ أي: اعْتَمَدْنَا عليكَ في جَلْبِ ما يَنْفَعُنا ودَفْعِ ما يَضُرُّنا ووَثِقْنا بكَ يا رَبَّنَا في ذلكَ.
{وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا}؛ أيْ: رَجَعْنَا إلى طاعتِكَ ومَرضاتِكَ وجَميعِ ما يُقَرِّبُ إليكَ، فنَحْنُ في ذلكَ ساعونَ، وبفِعْلِ الخَيراتِ مُجتهدونَ، ونَعلَمُ أنَّا إليكَ نَصِيرُ، فسَنَسْتَعِدُّ للقُدومِ عليكَ، ونَعمَلُ ما يُزَلِّفُنا إليك.
(5) {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا}؛ أيْ: لا تُسَلِّطْهم علينا بذُنوبِنا، فيَفْتِنُونا، ويَمْنَعونا مِمَّا يَقْدِرونَ عليهِ مِن أُمورِ الإيمانِ ويَفْتَتِنُونَ أيضاً بأنْفُسِهم؛ فإِنَّهم إذا رَأَوْا لهم الغَلَبَةَ ظَنُّوا أنَّهم على الحقِّ وأنَّا على الباطِلِ فازْدَادُوا كُفْراً وطُغياناً.
{وَاغْفِرْ لَنَا} مَا اقْتَرَفْنَا مِن الذُّنوبِ والسيِّئاتِ، وما قَصَّرْنا به مِن المَأْموراتِ.
{رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ} القاهِرُ لكلِّ شيءٍ، {الْحَكِيمُ} الذي يَضَعُ الأشياءَ مَواضِعَها، فبِعِزَّتِكَ وحِكمتِكَ انصُرْنا على أَعدائِنَا، واغْفِرْ لنا ذُنوبَنا وأَصْلِحْ عُيوبَنَا.
(6) ثم كَرَّرَ الحثَّ لهم على الاقتداءِ بهم وقالَ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، وليسَ كلُّ أحَدٍ تَسْهُلُ عليهِ هذهِ الأُسوةُ، وإنَّما تَسْهُلُ على مَن {كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ}؛ فإنَّ الإيمانَ واحتسابَ الأجْرِ والثوابِ يُسَهِّلُ على العبدِ كلَّ عَسيرٍ، ويُقَلِّلُ لَدَيْهِ كلَّ كَثيرٍ، ويُوجِبُ الإكثارَ مِن الاقتداءِ بعِبادِ اللَّهِ الصالِحِينَ والأنبياءِ والمُرسَلِينَ.
فإِنَّه يَرَى نَفْسَه مُفتَقِراً ومُضْطَرًّا إلى ذلكَ غايةَ الاضْطِرارِ.
{وَمَنْ يَتَوَلَّ} عن طاعةِ اللَّهِ والتَّأسِّي برُسُلِ اللَّهِ، فلَنْ يَضُرَّ إلاَّ نفْسَه، ولا يَضُرَّ اللَّهَ شيئاً.
{فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ} الذي له الغِنَى التامُّ المُطْلَقُ مِن جميعِ الوُجوهِ، فلا يَحتاجُ إلى أحَدٍ مِن خَلْقِه بوَجهٍ.
{الْحَمِيدُ} في ذاتِه وأسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه، فإِنَّه محمودٌ على ذلك كُلِّه.
حفيدة بني عامر
11-04-2008, 12:49 PM
4- {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أيْ: خَصلةٌ حَميدةٌ تَقتدونَ بها.
{فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} يقولُ: أفلا تَأَسَّيْتَ يا حاطِبُ بإبراهيمَ، فتَتَبَرَّأَ مِن أهْلِكَ كما تَبَرَّأَ إبراهيمُ مِن أبيهِ وقومِه {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ} أيْ: بَريئونَ مِنكم، لسْنَا مِنكم ولستُمْ مِنَّا؛ لكُفْرِكم باللهِ.
{وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} وهي الأصنامُ, {كَفَرْنَا بِكُمْ} أي: بدِينِكم، أو بأفعالِكم.
{وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا} أيْ: هذا دَأَبُنا معكم ما دُمْتُم على كفْرِكم.
{حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} وتَتركوا ما أنتم عليه مِن الشرْكِ، فإذا فَعلتُم ذلك صارَتْ تلك العَداوةُ مُوالاةً، والبَغضاءُ مَحَبَّةً.
{إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} أيْ: قد كانتْ لكم أُسوةٌ حَسنةٌ في كلِّ مَقالاتِ إبراهيمَ إلا قولَه لأبيه، فلا تَأْتَسُوا به فتَستغفروا للمُشركينَ؛ فإنه كانَ عن مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيَّاه, (فلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّه عدوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنه) {وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ } أيْ: وما أَدْفَعُ عنك مِن عذابِ اللهِ شيئًا.
5- {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} قالَ مُجاهِدٌ: لا تُعَذِّبْنا بأَيْدِيهِم، ولا بعذابٍ مِن عنْدِك فيقولوا: لو كان هؤلاءِ على حَقٍّ ما أصابَهم هذا.
6- {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أيْ: لقد كانَ لكم في إبراهيمَ والذين معه قُدوةٌ حَسنةٌ.
{لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} المعنى: أنَّ هذه الأُسوةَ إنما تكونُ لِمَن يَطمعُ في الخيْرِ مِن اللهِ في الدنيا وفي الآخِرةِ.
{وَمَن يَتَوَلَّ} أيْ: يُعرِضَ عن ذلك.
{فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ} عن خلْقِه.
{الْحَمِيدُ} إلى أوليائِه.
حفيدة بني عامر
11-04-2008, 05:33 PM
قولُه تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. أيْ: قُدْوةٌ حَسَنةٌ.
وقولُه: {فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً}. المعنَى في الكُلِّ: أنَّه أمَرَهم بأنْ تَأَسَّوْا بإِبْراهيمَ في التَّبَرُّؤِ مِن الْمُشركِينَ وتَرْكِ الْمُوالاةِ مَعَهم.
وقولُه: {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ}. قالَ قَتَادَةُ: مَعناه: اقْتَدُوا بإبراهيمَ إلاَّ في هذا الْمَوْضِعِ, وهو استغفارُه لأبيهِ المشرِكِ. وقد بَيَّنَّا سببَ استغفارِ إبراهيمَ لأبيهِ مِن قَبلُ.
وقولُه: {وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ}. أيْ: لا أَدْفَعُ عنكَ مِن اللَّهِ مِن شيءٍ، وهو قولُ إبراهيمَ لأَبِيهِ.
وقولُه: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}. إخبارٌ عن إبراهيمَ وقومِه مِن المُؤْمنِينَ, يَعنِي: إنَّهم ذلكَ.
قولُه تعالى: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا}. قالَ مُجَاهِدٌ وغيرُه: أي: لا تُعَذِّبْنَا بأَيْدِي الكُفَّارِ ولا بعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فيَظُنَّ الكُفَّارُ أنَّا على غيرِ الحقِّ حيثُ عُذِّبْنَا، فيَصِيرَ فِتنةً لهم في دِينِهم، ويَظُنُّونَ أنَّا كُنَّا على الباطِلِ؛ لأنَّهم يَقولونَ: لو كانَ هؤلاءِ على الْحَقِّ لم يُعَذَّبُوا ولم يُظْفَرْ بهم.
وقولُه: {وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. ظاهِرُ المعنَى.
قولُه تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. كَرَّرَ المعنَى الأوَّلَ على طريقِ التأكيدِ.
وقولُه: {لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ}. أيْ: يَخافُ اللَّهَ ويَخافُ يومَ القِيامةِ.
وقولُه: {وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}. أي: المُستغنِي عنهم, الحميدُ في فِعالِه.
والمعنَى: أنَّهم إذا خَالَفُوا أمْرَه، وتَوَلَّوُا الكُفَّارَ, لم يَعُدْ إلى اللَّهِ مِن ذلك شَيءٌ.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir