مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة الصف (الآيات: 1-4)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 03:47 AM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوص(4)}.
حفيدة بني عامر
11-04-2008, 11:02 AM
تَفسيرُ سورةِ الصَّفِّ
وهي مَدَنِيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ *}.
(1) وهذا بيانٌ لعَظمتِه تعالى وقَهْرِه، وذُلِّ جميعِ الأشياءِ له تَبَارَكَ وتعالى، وأنَّ جميعَ مَن في السماواتِ والأرْضِ يُسَبِّحونَ بحَمْدِ رَبِّهم ويَعْبُدُونَه ويَسْأَلُونَه حَوائِجَهم.
{وَهُوَ الْعَزِيزُ}: الذي قَهَرَ الأشياءَ بعِزَّتِه وسُلطانِه، {الْحَكِيمُ} في خَلْقِه وأَمْرِه.
(2-3) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}؛ أيْ: لِمَ تَقولونَ الخيرَ وتَحُثُّون عليه، ورُبَّما تَمَدَّحْتُم بهِ وأنتم لا تَفعلُونَه؟! وتَنْهَوْنَ عن الشرِّ، ورُبَّما نَزَّهْتُم أنْفُسَكم عنه وأنتم مُتَلَوِّثُونَ مُتَّصِفونَ به؟!
فهل تَلِيقُ بالمُؤْمنِينَ هذهِ الحالةُ الذَّميمةُ؟!
أمْ مِن أكْبَرِ الْمَقْتِ عندَ اللَّهِ أنْ يَقولَ العبْدُ ما لا يَفعَلُ؟!
ولهذا يَنبغِي للآمِرِ بالخيْرِ أنْ يَكُونَ أوَّلَ الناسِ إليهِ مُبادَرَةً، والناهِي عن الشرِّ أنْ يَكُونَ أبْعَدَ الناسِ عنه.
قالَ تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، وقالَ شُعَيْبٌ عليهِ السلامُ لقومِه: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}.
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ *}.
(4) هذا حَثٌّ مِن اللَّهِ لعِبادِه على الْجِهادِ في سَبيلِه، وتعليمٌ لهم كيفَ يَصْنعونَ، وأنَّهم يَنبغِي لهم أنْ يَصُفُّوا في الجهادِ صَفًّا مُتَرَاصًّا مُتساوِياً، مِن غيرِ خَلَلٍ يَحْصُلُ في الصُّفوفِ، وتَكُونَ صُفوفُهم على نِظامٍ وتَرتيبٍ به تَحْصُلُ المساواةُ بينَ المُجاهدِينَ والتعاضُدُ وإرهابُ العَدُوِّ وتَنشيطُ بعضِهم بَعْضاً.
ولهذا كانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ إذا حَضَرَ القِتالُ صَفَّ أصحابَه ورَتَّبَهم في مَواقِفِهم، بحيثُ لا يَحْصُلُ اتِّكالُ بعضِهم على بعضٍ، بل تَكُونُ كلُّ طائفةٍ مِنهم مهْتَمَّةً بِمَرْكَزِها وقائمةً بوَظِيفَتِها، وبهذهِ الطريقةِ تَتِمُّ الأعمالُ ويَحْصُلُ الكمالُ.
حفيدة بني عامر
11-04-2008, 01:09 PM
سورةُ الصفِّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ}.
2- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ}: عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: كانَ ناسٌ مِن المؤمنينَ قَبلَ أنْ يُفرضَ الْجِهادُ يَقولونَ: وَدِدْنَا لو أنَّ اللهَ أَخْبَرَنا بأَحَبِّ الأعمالِ فنَعملَ به. فلَمَّا أخْبَرَهم أنَّ أحَبَّ الأعمالِ إليه الجهادُ، كَرِهَ ذلك أُناسٌ مِن المؤمنينَ وشَقَّ عليهم أمْرُه، فنَزلتْ هذه الآيةُ.
3- {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} أيْ: إنَّ اللهَ تعالى يَمْقُتُذلك مَقتاً عَظيماً. وقيلَ: هي في قومٍ كانوا يَأتونَ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيقولُ أحَدُهم: قاتَلْتُ بسَيْفِي، وضَربتُ كذا وكذا. وهم لم يَفعلوا ذلك.
4- {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ} يُبَيِّنُ اللهُ تعالى لهم هنا أنَّ القِتالَ في سَبيلِ اللهِ هو أَعْلَى ما يُحِبُّه اللهُ مِن عِبادِه، وفي الحديثِ:((رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)). {صَفًّا} أيْ: يَصُفُّونَ أنفُسَهم صَفًّا.
{كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}: مُلْتَزِقٌ بعضُه ببعضٍ حتى يَصيرَ كقِطعةٍ واحدةٍ، وهذا مِن شِدَّتِهم وقُوَّتِهم في أمْرِ اللهِ، ليس فيهم عن ذلك تَراخٍ، ولا يَنْفُذُهم العدُوُّ.
حفيدة بني عامر
11-04-2008, 07:26 PM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ}.
تفسيرُ سورةِ الصَّفِّ
وهي مَدَنِيَّةٌ
قولُه تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ}. قدْ بَيَّنَّا معنى هذه الآيةِ.
وفي بعضِ الأخبارِ: أنَّ أحَبَّ الكلامِ إلى اللَّهِ تعالى سُبْحانَ اللَّهِ. ولِحُبِّه هذه الكَلِمَةَ ألْهَمَها أهْلَ السماواتِ والأرْضِ.
وقولُه: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. قدْ بَيَّنَّا.
قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: اجْتَمَعَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وتَذَاكَرُوا البَعْثَ وأمْرَ الآخِرَةِ ثم قالوا: لو عَلِمْنَا ما يُحِبُّهُ اللَّهُ فَفَعَلْنَا ولو نَبْذُلُ نُفوسَنا.
وفي روايةٍ: أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ كانَ يقولُ لِمَن يَلْقَاهُ: تَعالَ نُؤْمِنْ سَاعةً ونَذْكُرِ اللَّهَ تعالى، ويَقولُ: وَدِدْتُ أنْ لو عَرَفْتُ ما يُحِبُّه اللَّهُ فأَفْعَلُه.
فلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ الجهادَ وأمَرَهُم ببَذْلِ النفْسِ والمالِ، وكَتَبَ عليهم القتالَ أحَبُّوا الحياةَ وكَرِهُوا القتالَ؛ فأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى قولَه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}.
وعن قَتادةَ أنَّ أصحابَ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا فَرُّوا يَومَ أُحُدٍ إلاَّ نَفَراً يَسيراً مِنهم؛ أنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ.
والآيةُ وإنْ كانَتْ عامَّةً فإنَّها في بعضِ الصحابةِ دونَ البعضِ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}, وهذا دَليلٌ ظاهِرٌ على أنَّ الآيةَ في هذه السورةِ لم تَرِدْ في حَقِّ جَمِيعِهم على العُمومِ.
وفي التفسيرِ: أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيةُ الجِهَادِ حَبَسْتُ نَفْسِي في سبيلِ اللَّهِ، ثم إنَّه لَمَّا خَرَجَ إلى غَزْوَةِ مُؤْتَةَ, وكانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أمَّرَ زَيدَ بنَ حَارِثةَ, فإنِ استُشْهِدَ فجَعْفَرُ بنُ أبي طالِبٍ، فإنِ اسْتُشْهِدَ فعبدُ اللَّهِ بنُ رَواحةَ, قالَ: فاستُشْهِدَ زيدُ بنُ حارِثَةَ, ثم أَخَذَ الرايةَ جَعفرٌ فاستُشْهِدَ، ثم أَخَذَ الرايةَ عبدُ اللَّهِ بنُ رَواحةَ فاستُشْهِدَ، ثم إنه أخَذَ الرايةَ خالِدُ بنُ الوَلِيدِ وقَاتَلَ حتى رَجَعَ بالمُسلِمِينَ.
وقولُه: {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ}. أيْ: بُغْضاً, {أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ}. والمعنى: أنَّ اللَّهَ تعالى يَبْغُضُ مَنْ يَقُولُ شَيْئاً وَلاَ يَفْعَلُ.
قولُه تعالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ}. أي: مُلْزَقٌ بعضُه ببعضٍ.
وقِيلَ: يَثْبُتُونَ في الحَرْبِ معَ الكُفَّارِ ثَباتَ البُنيانِ الذي وُضِعَ بعْضُه على بعضٍ وسُدَّ بالرَّصاصِ؛ والعَرَبُ إذا بَنَتِ البِناءَ بالْحِجارةِ يَرُصُّونَ الْحِجارةَ, ثم يَجْعَلُونَه في خِلالِ البِناءِ ويُسَمُّونَه البِناءَ المَرْصوصَ.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir