المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة الجمعة (الآيات: 9-11)


عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 03:53 AM
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)}.

حفيدة بني عامر
11-04-2008, 11:22 AM
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}.

(9) يَأمُرُ تعالى عِبادَه المؤمنينَ بالْحُضورِ لصلاةِ الْجُمُعَةِ، والمُبادَرَةِ إليها مِن حِينِ يُنادَى لها، والسَّعْيِ إليها.
والمُرادُ بالسَّعْيِ هنا المُبادَرَةُ إليها، والاهتمامُ لها، وجعْلُها أهَمَّ الأشغالِ، لا العَدْوُ الذي قدْ نُهِيَ عنه عندَ الْمُضِيِّ إلى الصلاةِ.
وقولُه: {وَذَرُوا الْبَيْعَ}؛ أي: اتْرُكُوا البيعَ إذا نُودِيَ للصلاةِ وامْضُوا إليها؛ فإنَّ {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} مِن اشتغالِكم بالبَيْعِ، أو تَفْوِيتِكم الصلاةَ الفريضةَ التي هي مِن آكَدِ الفُروضِ, {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنَّ ما عندَ اللَّهِ خيرٌ وأَبْقَى، وأنَّ مَن آثَرَ الدنيا على الدِّينِ فقدْ خَسِرَ الْخَسارةَ الحقيقيَّةَ، مِن حيثُ يَظُنُّ أنَّه يَربَحُ.

(10) وهذا الأمْرُ بتَرْكِ البيْعِ مُوَقَّتٌ مُدَّةَ الصلاةِ، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ} لطَلَبِ الْمَكاسِبِ والتِّجاراتِ.
ولَمَّا كانَ الاشتغالُ بالتجارةِ مَظِنَّةَ الغَفْلةِ عن ذِكْرِ اللَّهِ، أمَرَ اللَّهُ بالإكثارِ مِن ذِكْرِه؛ ليَنْجَبِرَ بهذا فقالَ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً}؛ أيْ: في حالِ قِيامِكم وقُعُودِكم وعلى جُنُوبِكم، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}؛ فإنَّ الإكثارَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ أكبرُ أسبابِ الفَلاحِ.

(11) {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا}؛ أيْ: خَرَجُوا مِنَ المَسجِدِ حِرْصاً على ذلكَ اللَّهْوِ وتلك التِّجارةِ وتَرَكُوا الخيرَ، {وَتَرَكُوكَ قَائِماً} تَخْطُبُ الناسَ، وذلكَ في يومِ الْجُمُعَةِ.
بينَما النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ يَخطُبُ الناسَ؛ إذ قَدِمَ المدينةَ عِيرٌ تَحمِلُ تِجارةً، فلَمَّا سَمِعَ الناسُ بها وهم في المسجِدِ انفَضُّوا من المسجِدِ، وتَرَكُوا النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ يَخْطُبُ؛ استعجالاً لِمَا لا يَنْبَغِي أنْ يُسْتَعْجَلَ له وتَرْكَ أدَبٍ.
{قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ} مِن الأجْرِ والثوابِ لِمَن لازَمَ الخيرَ وصَبَرَ نفْسَه على عِبادةِ اللَّهِ, {خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ} التي وإنْ حَصَلَ منها بعضُ الْمَقاصِدِ فإنَّ ذلكَ قليلٌ مُنْقَضٍ، مُفَوِّتٌ لخيرِ الآخرةِ، وليسَ الصَّبْرُ على طاعةِ اللَّهِ مُفَوِّتاً للرِّزْقِ؛ فَإِنَّ {اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}, فمَنِ اتَّقَى اللَّهَ رَزَقَه مِن حيثُ لا يَحْتَسِبُ.

وفي هذه الآياتِ فوائدُ عديدةٌ:
منها: أنَّ الْجُمُعَةَ فَريضةٌ على جميعِ المُؤْمنِينَ يَجِبُ عليهم السعْيُ إليها والمُبادَرَةُ والاهتمامُ بشأْنِها.
ومنها: أنَّ الْخُطْبَتَيْنِ يومَ الْجُمُعَةِ فَريضةٌ يَجِبُ حُضورُهما؛ لأنَّه فَسَّرَ الذِّكْرَ هنا بالْخُطْبتَيْنِ فأمَرَ اللَّهُ بالْمُضِيِّ إليهِ والسعْيِ له.
ومنها: مَشروعيَّةُ النِّداءِ للجُمُعَةِ والأمْرُ به.
ومنها: النَّهْيُ عن البيْعِ والشِّراءِ بعدَ نِداءِ الجُمُعَةِ وتحريمُ ذلك، وما ذاكَ إلاَّ لأنَّه يُفَوِّتُ الواجبَ ويَشْغَلُ عنه.
فدَلَّ ذلك على أنَّ كُلَّ أمْرٍ وإنْ كانَ مُباحاً في الأصْلِ، إذا كانَ يَنْشَأُ عنه تَفويتُ واجبٍ؛ فإنَّه لا يَجُوزُ في تلكَ الحالِ.
ومنها: الأمْرُ بحُضورِ الْخُطبتَيْنِ يومَ الْجُمُعَةِ، وذَمُّ مَن لم يَحْضُرْهما، ومِن لازِمِ ذلك الإنصاتُ لهما.
ومنها: أنَّه يَنْبَغِي للعبْدِ الْمُقْبِلِ علَى عِبادةِ اللَّهِ وقتَ دَواعي النفْسِ لحُضورِ اللَّهْوِ والتجاراتِ والشَّهَوَاتِ, أنْ يُذَكِّرَها بما عِندَ اللَّهِ مِن الْخَيراتِ وما لِمُؤْثِرِ رِضاهُ على هَواهُ.
تَمَّ تفسيرُ سورةِ الْجُمُعَةِ بِمَنِّ اللَّهِ وعَوْنِه

والحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمِينَ

حفيدة بني عامر
11-04-2008, 01:33 PM
9-{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ} المرادُ به الأذانُ إذا جلَسَ الإمامُ على الْمِنْبَرِ يومَ الْجُمُعَةِ؛ لأنه لم يكنْ على عهْدِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نِداءٌ سِواهُ أمَّا الأذانُ الأوَّلُ للجُمُعَةِ فقد زَادَه عُثمانُ رَضِيَ اللهُ عنه بِمَحْضَرِ الصحابةِ لَمَّا اتَّسَعَتِ المدينةُ.
{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} أيْ: فاعْمَلُوا على الْمُضِيِّ إلى ذِكْرِ اللهِ وهو الْخُطبةُ وصلاةُ الْجُمُعَةِ في المساجِدِ الجامعةِ واشْتَغِلُوا بأسبابِه مِن الغُسْلِ والوُضوءِ والتوَجُّهِ إليه.
{وَذَرُوا الْبَيْعَ} أي: اتْرُكُوا الْمُعامَلَةَ به، ويُلْحَقُ به سائرُ الْمُعامَلاتِ، فإذا أذَّنَ المؤَذِّنُ يومَ الْجُمُعَةِ لم يَحِلَّ الشراءُ والبيعُ.
{ذَلِكُمْ} السعيُ إلى ذكْرِ اللهِ وترْكُ البَيْعِ.
{خَيْرٌ لَّكُمْ} أيْ: خيرٌ مِن فعْلِ البَيْعِ، وترْكِ السعيِ؛ لِمَا في الامتثالِ مِن الأجْرِ والجزاءِ.

10-{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ} أيْ: إذا فَعَلْتُم الصلاةَ وأَدَّيْتُمُوهَا وفَرَغْتُم منها.
{فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} للتجارةِ والتصَرُّفِ فيما تَحتاجونَ إليه مِن أمْرِ مَعاشِكُمْ {وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ} أيْ: مِن رِزْقِه الذي يَتفضَّلُ به على عِبادِه، مِن الأرباحِ في المعامَلاتِ والمكاسِبِ.
{وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً} أيْ: لا تَنْسَوْا في أثناءِ بَيْعِكم وشِرائِكم أنْ تَذْكُرُوه ذِكْرًا كثيراً، بالشكْرِ له على ما هَدَاكم إليه مِن الْخَيْرِ الأُخْرَوِيِّ والدُّنيويِّ،وكذا اذْكُرُوه بما يُقَرِّبُكم إليه مِن الأذكارِ؛ كالحمْدِ والتسبيحِ والتكبيرِ والاستغفارِ ونحوِ ذلك, {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أيْ: كي تَفوزُوا بخَيْرِ الدارَيْنِ وتَظْفَرُوا به.

11-{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا}؛ سببُ نُزولِ هذه الآيةِأنه كان بأَهْلِ المدينةِ فاقَةٌ وحاجةٌ فأَقْبَلَتْ قافِلَةٌ مِن الشامِ والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَخطُبُ يومَ الْجُمُعَةِ، فانفتَلَ الناسُ إليها حتى لم يَبقَ إلاَّ اثْنَا عشَرَ رَجُلاً في المسجِدِ، وفي روايةٍ: وسَبْعُ نِسوةٍ، ومعنى انْفَضُّوا إليها: تَفَرَّقوا خارِجينَ إليها.
{وَتَرَكُوكَ قَائِماً} أي: على الْمِنْبَرِ.
{قُلْ مَا عِندَ اللهِ} يَعنِي مِن الجزاءِ العظيمِ وهو الجنَّةُ.
{خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ} اللَّذَيْنِ ذَهَبْتُمْ إليهما وتَرَكْتُم البقاءَ في الْمَسجِدِ وسماعَ خُطبةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأَجْلِها, {وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}.

حفيدة بني عامر
11-04-2008, 07:52 PM
قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ}. أيْ: لصلاةِ الْجُمُعَةِ مِن يومِ الْجُمُعَةِ، وسُمِّيَ اليومُ جُمُعَةً؛ لأنَّه جُمِعَ في هذا اليومِ خَلْقُ آدَمَ. وقدْ رَوَى بعضُهم هذا مَرفوعاً إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ.

وقولُه تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}. قَرَأَ عمرُ وابنُ مَسعودٍ وابنُ الزُّبَيْرِ: (فامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ).
قالَ ابنُ مسعودٍ: لو قَرأتُ: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}. لسَعَيْتُ حتى يَسقُطَ رِدائِي.
والمعروفُ: {فاسْعَوْا}. وقد رُوِيَ عن بعضِ التابعِينَ أنَّهم كانوا يَعْدُونَ.
قالَ ثابِتٌ البُنَانِيُّ: كُنْتُ عندَ أنَسِ بنِ مالِكٍ فنُودِيَ لصلاةِ الْجُمُعَةِ, فقالَ: قُمْ نَسْعَ.
والصحيحُ أنَّ السَّعْيَ ههنا بمعنى العمَلِ والفِعْلِ. قالَه مُجاهِدٌ وغيرُه، وحُكِيَ ذلكَ عن الشافعيِّ, واستَشْهَدَ بقولِه تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}. أي: إلاَّ ما عَمِلَ، وكذلكَ قولُهُ تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} وأمثالُ هذا، وقدْ قالَ الشاعرُ:

أَسْعَى عَلى جُلِّ بَنِي مالِكٍ = كُلُّ امْرِئٍ في شَأْنهِ سَاعِي

فالسَّعْيُ ههنا بمعنَى العمَلِ والتصَرُّفِ.
وعن الحَسَنِ وقَتَادَةَ: أنَّ المرادَ مِن قولِه: {فَاسْعَوْا} هو النِّيَّةُ بالقلْبِ والإرادةُ لها.
وقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ الصَّامِتِ: كُنْتُ أَمْشِي معَ أبي ذَرٍّ إلى الجُمُعَةِ فسَمِعْنَا النِّداءَ للصلاةِ، فرَفَعْتُ في مَشْيٍ، فجَذَبَنِي جَذْبَةً، وقالَ: ألَسْنَا نَسْعَى؟
وقولُه: {إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} فيه قَولانِ: أحَدُهما: أنَّه الْخُطْبةُ، والآخَرُ أنَّه الصلاةُ، وهو الأَصَحُّ.

وقولُه تعالى: {وَذَرُوا الْبَيْعَ}. أيْ: واتْرُكُوا البَيْعَ.
ويُقالُ: المرادُ منه: إذا دَخَلَ وقْتُ الصلاةِ, وإنْ لم يُؤَذَّنْ لها بعدُ.
ويُقالُ: إنَّه بعدَ سَماعِ النداءِ. والأوَّلُ أحسَنُ.
ومَن قالَ بالثاني قالَ: النداءُ هو الأذانُ إذا جَلَسَ الإمامُ على الْمِنْبَرِ، وهو الذي كانَ في زَمانِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، وأمَّا الأذانُ الأوَّلُ أحْدَثَه عُثمانُ رَضِيَ اللَّهُ عنه حينَ كَثُرَ الناسُ.
والمرادُ مِن قولِه: {وَذَرُوا الْبَيْعَ}. أي: البَيْعَ والشراءَ وكُلَّ ما يَشْغَلُ عن الْجُمُعَةِ.
واخْتَلَفَ العُلماءُ أنَّه لو باعَ هل يَجوزُ ذلك البَيْعُ؟ فذَهَبَ أكثرُهم إلى أنَّ البيعَ جائزٌ، والنَّهْيَ نَهْيُ كَراهةٍ، وذَهَبَ مالِكٌ وأحمدُ إلى أنَّ البَيْعَ لا يَجوزُ أصْلاً.
وحَكَى بعضُهم عن مالِكٍ أنَّه رَجَعَ مِن التحريمِ إلى الكَراهةِ.
والقوْلُ الأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قالَ: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. جَعَلَ تَرْكَ البيعِ خَيْراً، وهذا يُشيرُ إلى الكَراهةِ في الفعْلِ دُونَ التحريمِ، ولأنَّ النَّهْيَ عن العَقْدِ للاشتغالِ عن الْجُمُعَةِ لا لِعَيْنِ العَقْدِ.

قولُه تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ}. أيْ: فُرِغَ منها.

قولُه تعالى: {فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}. هو أمْرُ نَدْبٍ, لا أمْرُ حَتْمٍ وإيجابٍ، مِثلُ قولِه تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}.
وعن ابنِ مُحَيْرِيزٍ قالَ: يُعجِبُنِي أنْ يَكُونَ لي حَاجةٌ بعدَ الجُمُعَةِ فأَنْصَرِفَ إليها، وأَبتغِيَ مِن فضْلِ اللَّهِ منها.
وعن عبدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ: أنَّه كانَ يَخرُجُ مِن الْمَسجِدِ إذا صَلَّى الْجُمُعَةَ، ثم يَعودُ ويَجلِسُ إلى أنْ يُصَلِّيَ العَصْرَ.
وفي بعضِ الأخبارِ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ في معنَى قولِه تعالى: {فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}. قالَ: ((لَيْسَ هُوَ طَلَبَ دُنْيَا، وَإِنَّمَا هُوَ عِيَادَةُ مَرِيضٍ، أَوْ شُهُودُ جِنَازَةٍ, أَوْ زِيَارَةُ أَخٍ فِي اللَّهِ)). والخبرُ غريبٌ.
وقولُه: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. ظاهِرُ المعنَى.

قولُه تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا}. سببُ نُزولِ هذه الآيةِ: أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ كانَ على الْمِنْبَرِ يَخطُبُ، وقدْ كانَ أصابَ أهْلَ المدينةِ غَلاءٌ ومَجاعةٌ، فقَدِمَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ الطعامَ - ويُقالُ: كانَتْ لدِحْيَةَ بنِ خَلِيفةَ الكَلْبِيِّ - فنَزَلُوا عندَ أحجارِ الزيتِ، وضَرَبُوا بالطبْلِ ليَعلَمَ الناسُ,فسَمِعَ المُسلمِونَ ذلكَ في المسجِدِ فذَهَبُوا إليها, وبَقِيَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ معَ اثْنَيْ عشَرَ نَفَراً, فيهم أبو بَكْرٍ وعُمَرُ.
وأوْرَدَ البُخارِيُّ خَبَراً في هذا, وأَوْرَدَ هذا العددَ, وقيلَ: في ثمانيةِ رِجالٍ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ فأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ.
والتجارةُ معلومةٌ، وهي التجارةُ في الطعامِ وتَحصيلُها, واللَّهْوُ هو الطبْلُ. قالَه مُجاهِدٌ.
ويُقالُ: هو الْمَزامِيرُ, وكانَ الأنصارُ يَستعمِلُونَ ذلك إذا زَفُّوا امْرَأةً إلى زَوْجِها، وذلك مِثلُ الدُّفِّ والطبْلِ وما يُشبِهُه.
فعلى هذا القولِ سَمِعَ المسلمونَ صَوْتَها في السُّوقِ - وكانوا يَزُفُّونَ امرأةً - فذَهَبُوا إليها. والأوَّلُ هو المشهورُ وهو الثابتُ.

وقولُه: {وَتَرَكُوكَ قَائِماً}؛ لأنَّه كانَ يَخطُبُ، وفيهِ دليلٌ على أنَّ السُّنَّةَ أنْ يَخْطُبَ قائماً، وأوَّلُ مَن خَطَبَ قاعداً مُعاويةُ وتَبِعَه على ذلكَ مَرْوَانُ. والسُّنَّةُ ما بَيَّنَّا.
فإنْ قالَ قائلٌ: كيفَ قالَ: {انْفَضُّوا إِلَيْهَا}. وقدْ تَقدَّمَ سَببانِ: التِّجارةُ واللَّهْوُ، ولم يَقُلْ: انْفَضُّوا إليهما؟
والجوابُ: أنَّ مَعناهُ: وإذا رَأَوْا تِجارةً انْفَضُّوا إليها, وإذا رَأَوْا لَهْواً انْفَضُّوا إليه. فاكتَفَى بأَحَدِهما عن الآخَرِ، وقدْ ذَكَرْنا مِن قَبلُ أنَّ العرَبَ قدْ تَذكُرُ شَيئَيْنِ وتَرُدُّ الكنايةَ إلى أحَدِهما، والمرادُ كِلاهُما؛ قالَ الشاعرُ:

نَحْنُ بِمَا عِنْدَنا وأَنْتَ بِمَا = عِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

ويُقالُ: في الآيةِ تَقديمٌ وتأخيرٌ. ومَعناه: وإذا رَأَوْا تِجارةً انْفَضُّوا إليها أو لَهْواً. والانفضاضُ هو الذَّهابُ بسُرعةٍ.

وقولُه: {قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ}. أيْ: ذِكْرُ اللَّهِ تعالى والاشتغالُ في الصلاةِ خيرٌ مِن اللَّهْوِ والتجارةِ.

وقولُه: {وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}. قالَ الزَّجَّاجُ: مَعناه: أنَّه يَرْزُقُكم ولا يُمْسِكُه عنكم, فلا تَشْتَغِلوا بطَلَبِه عن الصلاةِ وعن ذِكْرِ اللَّهِ.
ويُقالُ: الرزْقُ مُسْجَلَةٌ للبَرِّ والفاجِرِ.
ورَوَى الحسَنُ البَصْرِيُّ, أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ حِينَ نَفَرَ الناسُ إلى العِيرِ وبَقِيَ في اثْنَيْ عشَرَ رَجُلاً: ((لَوْ لَحِقَ آخِرُهُمْ أَوَّلَهُمْ لاَضْطَرَمَ الْوَادِي عَلَيْهِمْ نَاراً)).
وقدْ وَرَدَ أخبارٌ كثيرةٌ في فضْلِ الْجُمُعَةِ وَثوابِها؛ منها ما رَوَى سعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، عن جابرٍ, عن عبدِ اللَّهِ, أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمُوتُوا، وَبَادِرُوا بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا، وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ وَالصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلاَنِيَةِ, تُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا وَتُرْزَقُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا, فِي يَوْمِي هَذَا, فِي شَهْرِي هَذَا, فِي عَامِي هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدَ مَوْتِي وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ؛ اسْتِخْفَافاً بِهَا وَجُحُوداً لَهَا, أَلاَ فَلاَ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ، وَلاَ بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ, أَلاَ لاَ.....)).
وروَى مالِكٌ عن سُمَيٍّ, عن أبي صالِحٍ, عن أبي هُريرةَ، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ((مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ, ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشاً أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا شَرَعَ الإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ، وَحَضَرَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ)).
قالَ رَضِيَ اللَّهُ عنه: أخْبَرَنا بذلكَ أبو الحُسَيْنِ بنُ النقورِ، أخْبَرَنا أبو طاهرٍ المُخْلِصُ, أخْبَرَنا يَحْيَى بنُ محمَّدِ بنِ صاعِدٍ، أخْبَرَنا أبو مُصْعَبٍ, عن مالِكٍ الخبرَ.
ووَرَدَ أيضاً بروايةِ عِمرانَ بنِ الْحُصينِ, عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عنه, أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ((مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسِلَتْ ذُنُوبُهُ وَخَطَايَاهُ, فَإِذَا رَاحَ كَتَبَ اللَّهُ بِكُلِّ قَدَمٍ عَمَلَ عِشْرِينَ سَنَةً، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ أُجِيزَ بِعَمَلِ مِائَتَيْ سَنَةٍ)). والخبَرُ غريبٌ جِدًّا.
والخبرُ الثالثُ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ((مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَزِيَادَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ)). ذكَرَه البُخاريُّ في كِتابِه.
ووَرَدَ أيضاً في بعضِ الأخبارِ, أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ((مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ, طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ)). واللَّهُ أعْلَمُ.