المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة التكاثر


حفيدة بني عامر
10-24-2008, 05:51 AM
سورة التكاثُر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7)
ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)}

حفيدة بني عامر
10-24-2008, 05:54 AM
تفسير سورةِ ألهاكمْ التكاثرُ

(1-8){بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثم كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)}

يقولُ تعالى موبخاً عبادَهُ عن اشتغالهمْ عمَّا خلقوا لهُ منْ عبادتهِ وحدهُ لا شريكَ لهُ، ومعرفتهِ، والإنابةِ إليهِ، وتقديمِ محبتهِ على كلِّ شيءٍ: {أَلْهَاكُم} عنْ ذلكَ المذكورِ {التَّكَاثُرُ} ولمْ يذكرِ المتكاثرَ بهِ، ليشملَ ذلكَ كلَّ ما يتكاثرُ بهِ المتكاثرونَ، ويفتخرُ بهِ المفتخرونَ، منَ التكاثرِ في الأموالِ، والأولادِ، والأنصارِ، والجنودِ، والخدمِ، والجاهِ، وغيرِ ذلك ممَا يقصدُ منهُ مكاثرةُ كلِّ واحدٍ للآخرِ، وليسَ المقصودُ بهِ الإخلاصُ للهِ تعالى.

فاستمرتْ غفلتكمْ ولهوتكمْ {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} فانكشفَ لكمْ حينئذٍ الغطاءُ، ولكن بعدمَا تعذَّرَ عليكمُ استئنافُهُ.

ودلَّ قولُهُ: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} أنَّ البرزخَ دارٌ مقصودٌ منهَا النفوذُ إلى الدارِ الباقيةِ، لأنَّ اللهَ سماهمْ زائرينَ، ولمْ يسمهمْ مقيمينَ.

فدلَّ ذلكَ على البعثِ والجزاءِ بالأعمالِ، في دارٍ باقيةٍ غيرِ فانيةٍ، ولهذا توعّدَهمْ بقولِهِ: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثم كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ

عِلْمَ الْيَقِينِ} أي: لو تعلمونَ مَا أمامكمْ علماً يصلُ إلى القلوبِ، لمَا ألهاكم التكاثرُ، ولبادرتمْ إلى الأعمالِ الصالحةِ.
ولكنَّ عدمَ العلمِ الحقيقي، صيَّركمْ إلى ما ترونَ {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} أي: لتردُنَّ القيامةَ، فلترونَ الجحيمَ التي أعدَّهَا اللهُ للكافرينَ.

{ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} أي: رؤيةً بصريّةً، كمَا قالَ تعالى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً}.
{ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}الذي تنعمتمْ بهِ في دارِ الدنيا، هلْ قمتمْ بشكرهِ، وأديتمْ حقَّ اللهِ فيهِ، ولمْ تستعينوا بهِ على معاصيهِ، فينعِّمكمْ نعيماً أعلى منهُ وأفضلَأم اغتررتمْ بهِ، ولمْ تقوموا بشكرهِ؟ بلْ ربما استعنتمْ بهِ على معاصي اللهِ، فيعاقبكمْ على ذلكَ، قالَ تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} الآية.

حفيدة بني عامر
10-24-2008, 06:00 AM
سُورَةُ التَّكَاثُرِ
أَخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} ـ وَفِي لَفْظٍ: وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}ـ وَهُوَ يَقُولُ: ((يَقُولُ ابْنُ آدَمَ:مَالِي مَالِي! وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ)).
1- {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}؛ أَيْ: شَغَلَكُمُ التكاثُرُ بالأموالِ والأولادِ، والتفاخُرُ بِكَثْرَتِهَا وَالتَّغَالُبُ فِيهَا، والاستكثارُ منْ تَحْصِيلِهَا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ والعملِ لِلآخِرَةِ.
2- {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}؛ أَيْ: حَتَّى أَدْرَكَكُمُ الْمَوْتُ وَأَنْتُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ.
3- {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} زَجْرٌ لَهُمْ عَن التكاثُرِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُمْ سَيَعْلَمُونَ عَاقِبَةَ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
4- {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} هَذَا التَّكْرَارُ عَلَى وَجْهِ التغليظِ والتأكيدِ.
5- {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ}؛ أَيْ: لَوْ تَعْلَمُونَ الأَمْرَ الَّذِي أَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ عِلْماً يَقِيناً، كَعِلْمِكُمْ مَا هُوَ مُتَيَقَّنٌ عِنْدَكُمْ فِي الدُّنْيَا، لَشَغَلَكُمْ ذَلِكَ عَن التكاثُرِ والتَّفَاخُرِ، وَلَمَا أَلْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ الأَمْرِ الْعَظِيمِ.
6- {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} فِي الآخِرَةِ.
7- {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ}؛ أَيْ: ثُمَّ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ الرؤيةَ الَّتِي هِيَ نَفْسُ اليَقِينِ، وَهِيَ المشاهدةُ والرؤيةُ بِأَعْيُنِكُمْ، وَقِيلَ: هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ دَوَامِ بَقَائِهِمْ فِي النَّارِ؛ أَيْ: هِيَ رُؤْيَةٌ دَائِمَةٌ مُتَّصِلَةٌ.
8- {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}؛ أَيْ: عَنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا الَّذِي أَلْهَاكُمْ عَن الْعَمَلِ لِلآخِرَةِ. وَقِيلَ: هُوَ السُّؤَالُ عَن الأَمْنِ، والصِّحَّةِ، وَالْفَرَاغِ، وَمَلاذِّ المَأْكُولِ وَالمَشْرُوبِ، وَعَنْ بَارِدِ الشرابِ، وَظِلالِ المَسَاكِنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ.
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وأحمدُ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} فَقَرَأَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَلَغَ: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ عَنْهُ؟! وَإِنَّمَا هُمَا الأَسْوَدَانِ: الْمَاءُ وَالتَّمْرُ، وَسُيُوفُنَا عَلَى رِقَابِنَا، وَالْعَدُوُّ حَاضِرٌ، فَعَنْ أَيِّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ؟! قَالَ: ((أَمَا إِنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ)).
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: ((مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا السَّاعَةَ؟)) قَالا: الجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، فَقُومَا)).
فَقَامَا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَباً.فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَيْنَ فُلانٌ؟)) قَالَت: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ. إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ، فَقَالَ: الحمدُ لِلَّهِ؛ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافاً مِنِّي، فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ،فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذَا.وَأَخَذَ المُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ)).
فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا شَبِعُوا وَرَوُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).

حفيدة بني عامر
10-24-2008, 06:05 AM
المتن :
سورة التكاثُر
1- 2قولُه تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} أي: شغلَكُم أيها الناسُ ما أنعمَ اللهُ عليكُم من كثرةِ المالِ والأولادِ وغيرِهم عن طاعتِه سبحانَه(1)، حتى جاءَكُم الموتُ فصِرْتُم من أهلِ المقابِر(2).
3- 4قولُه تعالى: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي: ما هكذا ينبغي أن تفعلوا في أنْ يلهيَكم التكاثرُ عن طاعةِ الله، وسوفَ تعلمونَ عاقبةَ تشاغُلِكُم بالتكاثر، وكرَّر الجملةَ للتأكيد، ولزيادةِ التهديد.
5-قولُه تعالى: {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ}أعيدَ الزجرُ تأكيداً لإبطالِ ما هم عليه من التشاغُل، وقال: لو أَنكم تعلمونَ علماً يقيناً أنَّ الله سَيَبْعَثُكم(3)، لما شغلَكُم هذا التكاثر.
6- 7قولُه تعالى: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ}يقسِمُ ربُّنا بأنَّ عبادَه سيشاهِدون النارَ بأعينهم، ثمَّ أكَّد هذا الخبرَ بأنه واقعٌ لا محالة، وأنَّهم سيكونونَ متيقِّنين برؤيةِ النار، يقيناً لا شكَّ فيه(4).
8-قولُه تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} أي: ثمَّ ليسألنَّكُم اللهُ يومَ تَرَوْنَ النارَ عن كلِّ نِعَمِهِ التي أنعمَها عليكم؛ كالأمنِ والصِّحَّة، والسمعِ، والبصرِ، والعافيةِ، وما يَطْعَمُهُ الإنسانُ ويَشْرَبُه … إلخ(5).
-
الحاشية :
(1)ورد عن عبد الله بن الشِّخِّير عن أبيه، قال: (انتهيتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالِك إلاَّ ما أكلتَ فأفنيت، أو لبِستَ فأبْلَيتَ، أو تصدَّقتَ فأمضَيت؟)
(2)ورد في تفسير هذه الآية أنَّ قبيلتين افتخرتا وتكاثرتا بما عندهما من العدد، حتى ذهبوا إلى المقابر وتفاخروا بالأموات، وهذا الأثر غيرُ صحيح، ولو صحَّ لجازَ أن يدخلَ في معنى الآية. (انظر في نقدِه: تفسير ابن كثير).
وقد وردَ عن عليٍّ رضي الله عنه: (ما زلنا نشُكُّ في عذابِ القبر، حتى نزلت: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)}).
وفي التعبير بالزيارةِ دلالةٌ على البعث،كما روى ميمون بن مهران، قال: (قرأ عمر بن عبد العزيز هذه الآيات، فلبِثَ هُنيهة، فقال: ياميمون، ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بُدٌّ أنْ يرجِعَ إلى منزله) (انظر: تفسير ابن كثير).
(3)قال قتادة من طريق سعيد: (كنا نحدَّثُ أن علمَ اليقين: أنْ يعلمَ أنَّ الله باعثُهُ بعد الموت).
(4)وردَ عن ابن عباس من طريق العوفي أن هذه الآية في أهل الشرك.
(5)فسَّر السلفُ النعيمَ بأمثلةٍ له، فوردَ عن ابن مسعود من طريق الشعبي، ومجاهد من طريق ليث، والشعبي من طريق عبد العزيز بن عبد الله: (النعيم: الأمن والصحَّة).
وَعنِ ابنِ عبَّاسٍ مِنْ طَريقِ عَليِّ بنِ أَبي طَلْحةَ، وَالحَسنِ مِنْ طَريقِ عُمرَ بن شَاكرٍ: (النَّعيمُ: السَّمْعُ وَالبَصَرُ وَصحَّةُ البَدنِ).
وَقدْ وَردَ في هَذهِ الآيةِ حَديثُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عَليهِ وَسلَّمَ وَصَاحِبيهِ لمَّا خَرجُوا مِن الجُوعِ إِلى حَائِطِِ الأنْصَاريِّ الَّذي ذَبَحَ لهُم الشَّاةَ، فَلمَّا أَكَلوا وَشَرِبُوا، قَالَ: ((لَتُسأَلُنَّ عَنْ هَذا يَومَ القِيامَةِ، أَخرَجَكُم مِنْ بُيوتِكُم الجُوعُ، فَلمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصبتُم هَذَا)) فَهذَا مِنَ النَّعيمِ.
وَعَلَى هَذَا، فَالخلافُ في النَّعيمِ يَرجِعُ إِلى مَعنى وَاحدٍ، وَهوَ كُلُّ مَا يَتنعَّمُ بِه الإنسَانُ في الدُّنيَا، قَالَ الطَّبَريُّ: (وَالصَّوابُ مِنَ القولِ في ذلكَ أنْ يُقالَ: إِنََّّ اللهََ أَخبرَ أَنَّهُ سَائلٌ هَؤلاءِ القَومَ عَنِ النَّعِيمِ، وَلم يُخَصِّصْ في خَبَرهِ أَنَّه سَائلُهمْ عَنْ نَوعٍ مِنَ النَّعِيمِ دونَ نَوعٍ، بَلْ عمَّ بِالخَبرِ في ذَلكَ عَنِ الجَميعِ، فَهوَ سَائِلُهمْ، كَمَا قَالَ عَن جَميعِ النَّعيمِ؛ لا عَنْ بَعضٍ دُونَ بَعضٍ).

حفيدة بني عامر
10-24-2008, 06:16 AM
القارئ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)}
الشيخ:
يقول الله -جل وعلا-: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}يعني: أشغلكم التكاثر، وهذا التكاثر يكون بالمال، ويكون بالولد، ويكون بالجند، ويكون بالجاه، ويكون بالسلطان، ويكون بكل متاع من متاع الحياة الدنيا إذا تكاثر به الإنسان وألهاه عن طاعة الله -جل وعلا-.
فهذه الآية تذم المتكاثرين الذين يتكاثرون بالدنيا؛لأن الدنيا لا ينبغي للمسلم أن يتكاثر بها؛ لأنها متاع زائل، ولهذا ذمها الله -جل وعلا- وذم هذا التكاثر؛ فقال -جل وعلا-: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} فهذا التكاثر مصيره إلى الزوال، والعمل الصالح هو الذي يكون إلى البقاء، فذم الله جل وعلا المتشاغلين بالتكاثر على أي وجهٍ كان هذا التكاثر، ولهذا حذف الله -جل وعلا- المتكاثر به ولم يذكره؛ ليعم كل شيء يتكاثر به الإنسان.
{حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}يعني: حتى متم ودفنتم في المقابر، فهم استمروا على هذا اللهو أواستمروا على هذا التكاثر الذي أغفلهم عن الآخرة حتى وضعوا في قبورهم، وهذا الانشغال عن أمر الآخرة إنما جاء من الغفلة التي أورثها التكاثر، ولهذا قال الله -جل وعلا- مبيناً أن الغفلة تجعلُ الإنسان يُعرض عما أمامه: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ}.
وقوله -جل وعلا-: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} ما قال الله -جل وعلا-: حتى صرتم إلى الآخرة، ولكن قال: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}ليبين للعباد أن هناك رجعةً بعد الموت؛ لأن كل زائر يرجع، فالإنسان إذا زار أحداً بعد هذه الزيارة يرجع إلى أهله، فكذلك هذا الميت إذا مات ووضع في قبره فهو زائر؛ لأن له مثوىً أخيراً وهو الجنة أو النار، ولهذا قال العلماء: لا يصح أن يقال: (دفن في مثواه الأخير) لأن القبر ليس مثوى أخيراً، وإنما المثوى الأخير الجنة أو النار؛ كما قال الله -جل وعلا- عن النار: {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} وقال -جل وعلا-: {فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} فالمثوى الحقيقي: هو ما يردُ إليه العبد في الآخرة، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وأما القبور والوضع فيها والدفن فيها فإنما هو زيارةٌ فقط، بعدها يرجع العبد إما إلى الجنة وإما إلى النار.
و هذه الآيات خرجت مخرج الذم،يعني: أن الانسان الذي يصنع ذلك هو مذموم؛ لأنه انشغل بما لا ينفعه عما ينفعه، ولهذا ذم الله -جل وعلا- الاشتغال بالدنيا مع تضييع الآخرة.
فقال -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}، وقال -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}.
ثم بعد ذلك توعد الله -جل وعلا- من صنع هذا، يعني: من انشغل بالدنيا عن الآخرة؛ فقال سبحانه: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثم كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} وهاتان الكلمتان أو الآيتان فيهما تهديد، وهذا أسلوب عربي معروف، فقوله -جل وعلا-: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} هذا تهديد، ثم أكده -جل وعلا- بقوله: {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ}.
ثم قال -جل وعلا-: {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} أي: أنكم لو كنتم تعلمون ما أمامكم علماً يقينياً جازماً لما ألهاكم التكاثر عما أمامكم، وهذا كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولخرجتم إلى الصَّعُدات تجأرون إلى الله)) فلكون النبي -صلى الله عليه وسلم- عنده من العلم اليقين ما يكون يوم القيامة لو علمه أصحابه -صلى الله عليه وسلم- ورضي عنهم لخرجوا إلى الطرقات يجأرون إلى الله -جل وعلا-؛ لأن ما أمامهم أمرٌ عظيم.
ثم قال الله -جل وعلا-:{لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} وهذا قسم من الله -جل وعلا- أن العباد سيرون الجحيم وهي النار، وهذا اسم من أسمائها، وسميت بالجحيم: لأن نارها تتأجج، والعباد كلهم سيرون هذه النار.
قال الله -جل وعلا- بعد ذلك:{ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} أي: لترون النار بأم أعينكم، تشاهدونها بأبصاركم يقيناً لا يتطرق إليه أي شك؛ لأن الخبر قد يتطرق إليه الشك أو لا يدركه الإنسان على وجهه كاملاً، وأما إذا عاين ذلك بعينه فإنه يوقن يقيناً جازماً، ولهذا لم يكن المخبر كالمعاين أبداً.
وقوله -جل وعلا-: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7)} هذا في جميع الخلق سيرون النار يوم القيامة، ويرونها بأم أعينهم، كما قال الله جل وعلا: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى} لكن أهل التوحيد والإيمان يصرفهم الله -جل وعلا- عنها، وأهل النار يأمر الله -جل وعلا- بهم فيلقون فيها.
قال الله -جل وعلا-: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} هذا تأكيد من الله -جل وعلا- بأن العباد سيسألون عن النعيم الذي هم فيه، ففي أول السورة قال: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}والذي يلهي الإنسان ويتكاثر به إنما هو النعيم، فأخبر -جل وعلا- أن العباد سيسألون عن هذا النعيم، وهذا السؤال من الله -جل وعلا- لعباده أجمعين، ليس مختصاً بالكافر دون المؤمن، وإنما العبادُ كلهم سيسألون، فيسأله ربه -جل وعلا- عن هذا النعيم من أين اكتسبه؟ وفيما صرفه؟ وعلى أي وجه صرفه؟ وبماذا قابل هذا النعيم؟.
فمن اكتسب هذا النعيم من وجهه، وأنفقه وصرفه فيما أباح الله له، وصرفه على الوجه الذي أباح الله من غير إسراف ولا مخيلة ولا تبذير، وقابل هذه النعم بشكر الله -جل وعلا- فإنه ينجو من مغبة هذا السؤال، ومن لم يجب الله -جل وعلا- فإنه يطرحُ إلى النار إن لم يكن ممن سبقت له مغفرة الله -جل وعلا- من الموحدين.
وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه خرج ذات ليلة أو ذات يوم، فوجد أبا بكر وعمر فقال لهما: ((ما أخرجكما هذه الساعة؟)) قالا: أخرجنا الجوع، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الذي أخرجكما)) ثم اصطحبهما -صلى الله عليه وسلم- إلى رجلٍ من الأنصار؛ فأضافهم وقدّم للنبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه ماءً عذباً وعِذقاً فيه بُسرٌ ورطبٌ وتمر، وذبح لهم الشاة، فأكلوا منها، فلما انتهوا قال -صلى الله عليه وسلم-: ((والله لتسألن عن هذا النعيم)).

فدل ذلك على أن المؤمن يسأل عن النعيم، وأن هذا النعيم يسأل عنه المؤمن قل أو كثر، فمن أخذه من وجهه ووضعه في وجهه وقابله بشكر الله -جل وعلا- فهو إلى خير، وإن لم يكن كذلك فلا يلومنّ إلا نفسه.

حفيدة بني عامر
10-24-2008, 06:20 AM
http://www.afaqattaiseer.com/vb/uploaded/115_1234226848.rm

http://www.afaqattaiseer.com/vb/uploaded/115_1234227440.ram

نورة آل رشيد
02-11-2009, 09:22 PM
تفسير قول الله تعالى : ( ألهاكم التكاثر ، حتى زرتم المقابر )
فائدة التعبير بقوله: (زرتم)
تفسير قول الله تعالى : ( كلا سوف تعلمون ، ثم كلا سوف تعلمون )
تفسير قول الله تعالى : ( كلا لو تعلمون علم اليقين ، لترون الجحيم )
تفسير قول الله تعالى : ( ثم لترونها عين اليقين ، ثم لتسألن يومئذٍ عن النعيم )
تفسير السلف (النعيم) بأمثلةٍ له

نورة آل رشيد
02-11-2009, 09:25 PM
الأسئلة
سورة التكاثر
س1: لِمَن الخطاب في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}؟

س2: ما هو الملهى عنه؟ وما سبب عدم ذكره؟
س3: لِمَ لَمْ يذكر الله تعالى المتكاثر به؟
س4: كيف تستدل على ثبوت البعث من قوله تعالى: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}؟
س5: ما رأيك في العبارة المشهورة بين الناس في قولهم لمن دُفِنَ: انتقل إلى مثواه الأخير؟
س6: ما فائدة التكرار في قوله تعالى: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ}؟
س7: ما جواب "لو" في قوله تعالى: {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ}؟
س8: ما حكم الوقف عند قوله تعالى: {كلا لو تعلمون علم اليقين}؟
س9: لِمَن الخطاب في قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}؟
س10: فسر السورة تفسيراً إجمالياً مبيناً ما تضمَّنته من الفوائد السلوكية.