المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : باب المرور بين يدي المصلي


عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 07:57 AM
بَابُ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي

عن أبِي جُهَيمٍ - عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ الصِّمَّةِ- الأنصاريِّ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: ((لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيْ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِن الإِثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِن أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ)).
قالَ أبو النَّضْرِ: لاَ أَدْرِي؟ قَالَ: ((أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أو شَهْرًا، أو سَنَةً)).
عن أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يقولُ: ((إِذَا صلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيءٍ يَسْتُرُهُ مِن النَّاسِ، فأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)).
عن عبدِ اللهِ بنِِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا قالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ –وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلاَمَ –ورَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ فأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ.
عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنهَا قالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وَرِجْلاَيَ فِي قِبْلَتِه، فإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ)).

محمد أبو زيد
11-10-2008, 07:55 AM
حديثُ أبي الْجَهْمِ (( لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ )).
هكذا وَقَعَ في نُسَخِ العُمدَةِ أعْنِي ذكْرَ الإثمِ وليسَ في الصحيحين ذلك لكن قيلَ : إنها وقَعَتْ في بعضِ طُرُقِ البخارىِّ من راويةِ أبي الهيثمِ ذكَرَه عبدُ الحقِّ في ( الجمْعِ بينَ الصحيحين ).
حديثُ ابنِ عبَّاسٍ (( أَقْبَلْتُ رَاكِباً على حِمَارٍ أَتَانٍ )) .
هي روايةُ البخاريِّ ولمسلِمٍ روايتان إحداهُما (( أَتَانٍ )) والأخرى (( حِمَارٍ )) .

محمد أبو زيد
11-10-2008, 07:57 AM
قولُه : أن يَقِفَ أربعين خيراً له قالَ ابنُ العربيِّ : هو بالنصبِ على أنه الخبرُ ويُروَى بالضمِّ على أنه اسمُ كان .
قولُه : على حمارٍ أَتَانٍ هو بفتْحِ الهمزةِ وكسْرِها ذكَرَه ابنُ عُدَيْسٍ في (الْمُثَنَّى) والمشهورُ الفتْحُ وبعدَها تاءٌ مثنَّاةٌ من فوقَ الأنثى من الْحُمُرِ قالَ في (الصِّحاحِ) :ولا يقالُ أتانَةٌ وذَكَرَ صاحبُ ( الْمَطالِعِ ) روايةَ أتانةٍ وفي ضبْطِه مع الحِمارِ وجهان أحدُهما: تنوينُهما فتكونُ أتانٌ نعتاً أو بَدَلاً قالَه الأصيليُّ وقالَ سِرَاجُ بنُ عبدِ الملِكِ: بدَلُ غلَطٍ أو بدَلُ تبعيضٍ لأن الحِمارَ يَشمَلُ الذكَرَ والأنثى كالبعيرِ وقالَ السُّهيليُّ في ( أَمَالِيهِ ) : بدَلُ كلٍّ من كلٍّ وهو بدَلُ نكرةٍ من نكرةٍ أعمُّ منها كما تقولُ: شجرةٌ زيتونةٌ قالَ : وأما النعتُ فأنا إليه أَمِيلُ لأن الأتانَ هي الأنثى والعربُ تقولُ : حيَّةٌ ذكَرٌ وغرابٌ أنثي الثاني : على الإضافةِ حِمارتان .
جَوَّزَه ابنُ سِراجٍ قالَ : وجَدْتُه مضبوطاً كذلك في بعض الأصولِ ومَنَعَه السُّهيليُّ وقالَ : لا يَجوزُ إلا عندَ من جوَّزَ إضافةَ الشيءِ إلى نفسِه إذا اختلَفَ اللفظان .
قالَ : وعندي لا يَجوزُ هذا إلا بشرطين.

أحدُهما: أن يكونَ الثاني معرفةً نحوُ طهِّرْنِي بماءِ الورْدِ ومثلُ شهْرَ رمضانَ .

والثاني: أن يُؤْمَنَ فيه اللَّبْسِ وهذان الشرطان مفقودان هنا فهذه الروايةُ عندي منكَرَةٌ .
بَقِيَ أن يقالَ : ما الحكمَةُ في استدراكِ الحِمارِ بالأتَانِ وجوابُه ليُنَبِّهَ على أن الأنثى من الحُمُرِ لا تَقطَعُ الصلاةَ فكذلك لا تَقطعُها المرأةُ ذكَرَه أبو موسى المدِينِيُّ في ( الْمُغِيثِ ) وتَبِعَه ابنُ الأثيرِ وفيه نظَرٌ لأنه ليس العلَّةُ مجرَّدَ الأنوثةِ فقط بل الأنوثةُ بقيدِ البشريَّةِ لأنها مظَنَّةُ الشهوةِ .
قولُه : وأنا يومئذٍ أي في تلك المدَّةِ وليس المرادُ به اليومُ الواحدُ .
قولُه : ناهَزْتُ الاحتلامَ أي قاربْتُه ومنه نهزتَ الشيءَ إذا تناولتَه بيدِك .
قولُه : بِمِنًى هو بالصرْفِ وتَرْكِه .
قولُه : وأرسلْتُ الأتانَ تَرتَعُ هو بضمِّ العينِ أي تَرْعَى .
قالَ في(الصِّحاحِ): رَتَعَت الماشيةُ أكَلَت ما شاءتْ ويُقالُ : تَرْتَعِ بالكسْرِ يَفْتَعِلُ من الرعْيِ ويُقالُ : رَتَعَتْ إذا أسْرَعَتْ في المشيِ وتَرْتَعُ في موضِعِ نصبٍ على الحالِ، وتُسَمَّى حالاً مقدَّرةً لأنه لم يُرسلْها في حالِ رتوعِها وإنما أَرسلَها قبلَ ذلك .
وجَوَّزَ ابنُ السيِّدِ فيه أن يُريدَ لتَرْتَعَ أو لكي تَرْتَعَ فلما حذَفَ الناصبَ رفَعَ كقولُه : { قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ }.

محمد أبو زيد
11-10-2008, 07:58 AM
بابُ المُرُورِ بينَ يَدَي المُصَلِّي

الْحَدِيثُ الثالثُ بَعْدَ الْمِائَةِ
عنْ أبِي جُهَيمٍ- عبدِ اللَّهِ بنِ الحارثِ بنِ الصِّمَّةِ- الأنصاريِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُمَا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِن الإِثْمِ؟ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ)).
قالَ أبو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي؟ قَالَ: ((أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أوْ شَهْرًا، أوْ سَنَةً)).

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَحْرِيمُ المرورِ بينَ يَدَي المُصَلِّي إذا لم يَكُنْ لهُ سُتْرَةٌ، أو المرورِ بينَهُ وبينَهَا إذا كانَ لهُ سُتْرَةٌ.
الثَّانِيَةُ: أنَّ الأَوْلَى لِلْمُصَلِّي أنْ يَبْتَعِدَ عنْ طُرُق الناسِ والأمكنةِ التي لا بُدَّ لهم من المرورِ بها.
الثَّالِثَةُ: شَكُّ الراويِ في الأَرْبَعِينَ، هلْ يُرَادُ بها اليومُ أو الشهرُ أو العامُ؟ ولكنْ ليسَ المُرَادُ بهذا العددِ الحَصْرَ، وإنَّمَا المرادُ بهِ المبالغةُ في النهيِ.
***

الْحَدِيثُ الرابعُ بَعْدَ الْمِائَةِ
عنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيءٍ يَسْتُرُهُ مِن النَّاسِ، فأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: اسْتِحْبَابُ السُّتْرَةِ للمُصَلِّي، وأنْ يكونَ قريبًا منها، لِيَقِيَ صلاتَهُ من النَّقْصِ.
الثَّانِيَةُ: تحريمُ المرورِ بينَ المُصَلِّي وسُتْرَتِهِ؛ لأنَّهُ منْ عَمَلِ الشيطانِ.
***

الْحَدِيثُ الخامسُ بَعْدَ الْمِائَةِ
عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُمَا قالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارِ أَتَانٍ –وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ –ورَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ فأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ.

المُفْرَدَاتُ:
قَوْلُهُ: (الأَتَانُ). أُنْثَى الحَمِيرِ.
قَوْلُهُ: (نَاهَزْتُ الحُلُمَ). قَارَبْتُ البُلُوغَ.
قَوْلُهُ: (تَرْتَعُ). تَرْعَى.

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: أنَّ مرورَ الحمارِ بينَ يَدَي المُصَلِّي لا يَقْطَعُ الصلاةَ، وجاءَ حديثٌ في مسلمٍ: (لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ شَيْءٌ).
الثَّانِيَةُ: اسْتَدَلَّ البُخَارِيُّ بهذا الحديثِ فقالَ: (بابُ سُتْرَةِ الإمامِ سُتْرَةُ المأمومِ) فساقَ الحديثَ.
***

الْحَدِيثُ السادسُ بَعْدَ الْمِائَةِ
عنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهَا قالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِه، فإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ.

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: جوازُ اعتراضِ النائمِ – ولو امْرَأَةً – بينَ يَدَي المُصَلِّي إذا كانَ هناكَ حاجةٌ كَضِيقِ المكانِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَسَّ المـرأةِ ولوْ بلا حائلٍ لا يَنْقُضُ الوضوءَ؛ لأنَّ النبيَّ عَلَيْهِ السلامُ يَغْمِزُهَا وَلَا يُعَرِّضُ صلاتَهُ للبطلانِ، لوْ كانَ مَسُّهَا بلا حائلٍ يَنْقُضُ الوضوءَ لكنْ ما لم يكن المَسُّ بشهوةٍ فحينئذٍ يَنْقُضُ الوضوءَ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ مثلَ هذهِ الحركةِ في الصلاةِ لا تَضُرُّ للحاجةِ.

محمد أبو زيد
11-10-2008, 08:03 AM
بابُ المرورِ بين يديِ المُصلِّي
الحديثُ الثالثُ بعدَ المائةِ
103- عن أبي جهمٍ عبدِ اللَّهِ بنِ الحارثِ بنِ الصِّمَّةِ الأنصاريِّ رضيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ:" لو يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المَصَلِّي مَاذَا عَلَيْه مِنَ الإِثْمِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، خَيْراً لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يدَيِ المصلِّي " .
قال أبو النضْرِ: لا أدري قالَ:" أربعينَ يوماً، أو شهراً، أو سنةً "؟.

(103) المعنَى الإجماليُّ:
الْمُصَلِّي واقفٌ بينَ يديِ ربِّه يُناجِيه ويُنادِيه. فإذا مرَّ بينَ يَديهِ في هذِهِ الحالِ مَارٌّ، قَطعَ هذهِ المُناجاةَ وشَوَّشَ عَلَيْهِ عِبادتَه. لذا عَظُم ذنبُ مَنْ تَسبَّبَ في الإخلالِ بصَلاَةِ الْمُصَلِّي، بِمُرورِه.
فأخبرَ الشَّارِعُ: أنَّه لو عَلِم ما الذي تَرتَّبَ علَى مُرورِهِ، مِنَ الإثمِ والذنبِ، لَفضَّل أنْ يقفَ مَكانَه الآمادَ الطويلةَ علَى أنْ يَمرَّ بينَ يديِ الْمُصَلِّي، مما يُوجبُ الحذَرَ مِنْ ذلك، والابتعادَ مِنْهُ.

ما يُؤخذُ مِنَ الْحَدِيثِ:
1ـ تحريمُ المرورِ بينَ يديِ الْمُصَلِّي، إذا لم يكن لَهُ سُترةٌ، أو المرورِ بينه وبينهَا إذا كانَ لَهُ سُترةٌ.
2ـ وجوبُ الابتعادِ عَنِ المرورِ بينَ يديهِ، لهذا الوعيدِ الشديدِ.
3ـ أنَّ الأولىَ للمُصلِّي أنْ لا يُصَلِّيَ في طُرقِ الناسِ، وفي الأمكنةِ التي لا بُدَّ لهم مِنَ المرورِ بهَا، لئلا يُعرِّضَ صَلاَتَه للنقصِ، ويُعرِّضَ المارّةَ للإثمِ.
4ـ شَكَّ الراوي في الأربعِينَ: هلْ يُرادُ بهَا اليومَ أو الشهرَ أو العامَ؟
ولكن ليس الْمُرَادُ بهذا العددِ المذكورِ الحصْرَ، وإنَّما الْمُرَادُ المُبالغةُ في النَّهْيِ.
فقد كانت العربُ تُجري ذلك مَجرَى المَثلِ في كَلاَمِهَا، عندَ إرادةِ التكثيرِ كقولِه تَعَالَى: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ).
ولهذا ورَدَ في صحيحِ ابنِ حِبانَ، وسننِ ابنِ ماجَهْ، مِنْ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ : " لَكَانَ أنْ يَقِفَ مِائَةَ عَامٍ خَيْراً مِنَ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا ".
5ـ أمَّا في مكَّةَ، فقد قَالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ: لو صَلَّى الْمُصَلِّي في المسجدِ والناسُ يطوفونَ أمامَه لم يُكرَهْ سواءٌ مَرَّ مِنْ أمامِهِ رجلٌ أو امرأةٌ.
***

الحديثُ الرابعُ بعدَ المائةِ
104- عن أبي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ رضيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ يقولُ:" إِذَا صَلَّى أَحَـدُكُمْ إِلَى شَيءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فأَرَادَ أَحَـدٌ أَنْ يَجتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فإنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فإِنَّما هُوَ شَيْطَانٌ" .

(104) المعنَى الإجماليُّ:
إذا دخلَ الْمُصَلِّي في صَلاَتِهِ، وقد وضَعَ أمامَهُ سُترةً لِتستُرَه مِنَ الناسِ، حتَّى لا يُنقِصوا صَلاَتَهُ بمرورِهم بينَ يديهِ، وأقبلَ يُناجي رَبَّه، فأراد أحدٌ أنْ يجتازَ بينَ يديهِ، فليدْفَعْه بالأسهلِ فالأسهلِ. فإِنْ لَمْ يَندفِعْ بسهولةٍ ويُسرٍ، فقد أسْقطَ حُرمتَه، وأصبحَ مُعتدِياً. والطريقُ لِوقفِ عَداوتِه المُقاتلَةُ بِدفْعِه باليدِ، فإنَّ عَمَله هذا مِنْ أعمالِ الشياطينِ، الذين يُريدون إفسادَ عِباداتِ الناسِ، والتلبيسَ عليهم في صَلاَتِهم.

الأحكامُ التي في الْحَدِيثِ:
1ـ مشروعيَّةُ السُّترةِ للمصَلِّي ليقيَ صَلاَتَه مِنَ النقصِ أو القطعِ.
2ـ مشروعيَّةُ قُرْبهِ منهَا، ليتمَكَّنَ مِنْ رَدِّ مَنْ يَمرُّ بينَه وبينهَا، ولئلا يُضيِّقَ علَى المارَّةِ.
3ـ تحريمُ المرورِ بينَ المُصلي وبين سُترتِه؛ لأنَّه مِنْ عملِ الشيطانِ. ويكونُ بإشارةٍ أو تسبيحٍ أوَّلاً، فإِنْ لَمْ يندفعْ، مُنِعَ ولو بدفْعِه، لأنَّه مُعتدٍ. قَالَ: القاضيَ عِياضٌ: والاتفاقُ علَى أنَّه لا يجوزُ لَهُ المَشْيُ في مقامِهِ إلَى ردِّهِ؛ لأنَّ ذلك في صَلاَتِهِ أشدُّ مِنْ مرورِهِ عَلَيْهِ.
4- مَنْعُ مَنْ يريدُ المرورَ بينَ المصلي وبينَ سُترتِه.
5ـ أنَّ المدفوعَ لو تَسبَّبَ مَوتُه مِنَ الدفعِ، فليس علَى الدافعِ ذنبٌ ولا قَوَدٌ. لأنَّ دَفْعَه مأذونٌ فِيهِ، وما تَرتَّب علَى المأذونِ فِيهِ، غيرُ مضمونٍ.
6ـ الحِكْمةُ في ردِّهِ ألا يقعَ في الصَّلاَةِ خَللٌ، ولئلا يقَعَ المارُّ في الإثمِ.
7ـ ما تقدَّمَ مِنْ دفعِ المارِّ ومُقاتلتِه، وعدمِ الضَّمانِ في ذلك لمَن جعلَ أَمامَه سُترةً. فأما مَنْ لَمْ يجعلْ سُترةً، فليس لَهُ حُرمةٌ، لأنَّه المُفرِّطُ في ذلك، كما هو مفهومُ الْحَدِيثِ.
8ـ أنَّ مُدافَعةَ كلِّ صائلٍ، تكونُ بالأسهلِ فالأسهلِ. فلا يجوزُ مُبادرَتُه بالشدَّةِ، حتَّى تَنفدَ وسائلُ اللِّينِ.
9ـ ذهبَ الْجُمْهُورُ إلَى أنَّه لو مَرَّ ولم يَدفَعْه فلا ينبغي لَهُ أنْ يَرُدَّه؛ لأنَّ فِيهِ إعادةً للمرورِ.
10ـ وَذكرَ ابنُ دقيقِ العيدِ أنَّ الْمُصَلِّيَ يَختصُّ بالإثمِ دونَ المَارِّ إذا لم يكن للمَارِّ مَندوحةٌ عَنِ المرورِ، وقالَ: يشتركانِ في الإثمِ إذا كانَ للمارِّ مندوحةٌ وتَعرَّض لَهُ الْمُصَلِّي.
11ـ إذا كانَ العملُ في الصَّلاَةِ لِمصلحَتِهَا فإنَّه لا يُنْقِصُهَا ولا يُبطلُهَا: لأنَّه شيءٌ جائزٌ.
***

الحديثُ الخامسُ بعدَ المائةِ
105- عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ رضيَ اللَّهُ عنهُما قالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ - وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلاَمَ - ورسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بمنىً إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ فأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عليَّ أَحَدٌ .

(105) غريبُ الْحَدِيثِ:
" الأتانُ ": أُنثَى الحمارِ، وهو بفتحِ الهمزةِ وكَسرِهَا، والفتحُ أشهرُ، وبَعْدَهَا تاءٌ مُثناةٌ وهي نَعتٌ للحِمارِ.
" نَاهَزْتُ الحُلُمَ ": قَاربتُ البلوغَ، مُرادُه في تلكِ المدَّةِ.
" تَرْتَعُ ": بضمِّ العينِ، يعنِي: تَرعَى.
قَالَ في الصِّحاحِ: رَتَعتِ الماشيةُ، أكَلتْ ما شاءت.

المعنَى الإجماليُّ:
أخبرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ما أنَّه لمَّا كانَ مع النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في (مِنًى) في حجَّةِ الوداعِ، أقبل رَاكباًِ علَى أتانٍ، فمرَّ علَى بعضِ الصَّفِّ، والنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بأصحابِه، فَنزلَ عَنِ الأتانِ وترَكهَا تَرعَى، ودخلَ هو في الصَّفِّ.
وأخبرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أنَّه في ذلك الوَقْتِ قد قاربَ البلوغَ، يعنِي: في السِّنِّ التِي يُنكرُ عَلَيْهِ فيهَا لو كانَ قد أتَى مُنكَراً يُفْسِدُ علَى المُصلِّينَ صَلاَتَهم، ومع هذا فلم يُنْكِرْ عَلَيْهِ أحدٌ، لا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا أحدٌ مِنْ أصحابِهِ.

ما يُؤخذُ مِنَ الْحَدِيثِ:
1ـ أنَّ مرورَ الحمارِ بينَ يديِ الْمُصَلِّي لا يُنْقِصُ صَلاَتَه ولا يَقطعُهَا. ويأتي الخلافُ في هذا، في الْحَدِيثِ الذي بعدَ هذا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
2ـ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ حين توفِّي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كانَ قد بَلغَ أو قاربَ البلوغَ؛ لأنَّ هذهِ القضيَّةَ وقَعتْ في حَجَّةِ الوداعِ، قبلَ وفاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بْنَحوِ ثمانينَ يوماً.
3ـ أنَّ إقرارَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سُنَّتِهِ، لأنَّه لا يُقرُّ أحداً علَى باطلٍ. فعدَمُ الإنكارِ علَى ابْنِ عَبَّاسٍ يدلُّ علَى أمْرينِ، صحَّةِ الصَّلاَةِ، وعدمِ إتيانِه بما يُنكرُ عَلَيْهِ.
4ـ اسْتُدِلَّ بالْحَدِيثِ علَى أنَّ سُترةَ الإمامِ هي سترةٌ للمأمومِ، وقد عَنونَ لَهُ الإمامُ البُخاريُّ بقولِهِ:" بابُ سُترةِ الإمامِ سُترةُ مَنْ خَلْفَهُ ".
***

الحديثُ السادسُ بعدَ المائةِ
106- عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنهُا قالتْ:" كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ، وَرِجْلاَيَ فِي قِبْلَتِهِ، فإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابيحُ ".

(106) المعنَى الإجماليُّ:
كانت عَائِشَةُ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا إذا أُورِدَ عليهَا حَدِيثُ قطْعِ الصَّلاَةِ بالحمارِ والكلبِ والْمَرْأَةِ، تُنكرُ عليهم وتقولُ: كنتُ أنامُ بينَ يديِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولِضيقِ بُيوتِنا، تكونُ رِجْلاي في قِبلتِهِ فما دامَ واقفاً يتهجَّدُ بَسطْتُهما، فإذا سَجدَ، غَمَزني فقَبضْتُهما لِيسجُدَ. ولو كنتُ أراهُ إذا سجَدَ لَقبضْتُهما بلا غَمزٍ مِنْهُ، ولكن ليس في بُيوتِنا مَصابيحُ، فكيفَ تُقرِنوننا ـ معشرَ النساءِ ـ مع الحميرِ والكلابِ، في قطعِ الصَّلاَةِ، وهذهِ قِصَّتي مع النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

ما يُؤخذُ مِنَ الْحَدِيثِ:
1ـ جوازُ اعتراضِ النائمِ بينَ يديِ الْمُصَلِّي إذا كانَ بحاجةٍ كَضيقِ المكانِ.
2ـ أنَّ اعتراضَ الْمَرْأَةِ أمامَ الْمُصَلِّي، لا يقطعُ الصَّلاَةَ ولا يُنقصُهَا.
3ـ أنَّ مسَّ الْمَرْأَةِ ولو بلا حائلٍ لا يُنقضُ الوضوءَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغمزُهَا بظلامٍ، فلا يُعلمُ، أَيمسُّهَا مِنْ وراءِ حائلٍ أم لا؟
ولا يُعرِّضُ صَلاَتَه للإبطالِ لو كانَ مَسَّهَا بلا حائلٍ يُنقضُ الوضوءَ، ولكن قيَّده الْعُلَمَاءُ بأَنْ لا يكونَ لشهوةٍ.
4ـ ما كانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأهلُه عَلَيْهِ مِنْ ضيقِ الحياةِ، رَغبةً فيما عندَ اللَّهِ، وزُهداً في هذِهِ الحياةِ الفانيةِ
5ـ جوازُ مِثلِ هذهِ الحركةِ في الصَّلاَةِ، وأنَّهَا لا تُخِلُّ بهَا.

اختلافُ الْعُلَمَاءِ:
اختلفَ الْعُلَمَاءُ، في الْمَرْأَةِ، والحمارِ، والكلبِ الأسودِ، أَتقطعُ الصَّلاَةَ أم لا؟
فذهبَ الإئِمَّةُ الثلاثةُ إلَى عدمِ القطعِ، وتأوَّلوا حَدِيثَ أبي ذرٍّ الذي في صحيحِ مُسْلِمٍ:" يَقْطَعُ صَلاَةَ الرَّجُلِ المُسْلِمِ إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ: الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الإسْوَدُ " تأوَّلوا القطعَ هنا، بمعنَى نقصِ الصَّلاَةِ بما يَشغلُ القلبَ بهذهِ الأشياءِ.
أما الإمامُ أحمدُ فعنْهُ روايتانِ، والمشهورُ مِنْ مذهبِهِ أنَّه لا يقطعُ، إلا الكلبُ الأسودُ البَهيمُ. وقالَ: في قلبيِ شيءٌ مِنَ الْمَرْأَةِ والحمارِ. أمَّا الْمَرْأَةُ فلحَدِيثِ عَائِشَةَ الذي تقدَّمَ. وأما الحمارُ، فلحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الذي قَبلَه، فالحَدِيثانِ عَارَضا حَدِيثَ أبي ذرٍّ.
وأمَّا الكلبُ، فلم يَتوقَّفْ فِيهِ، لأنَّه ليس لَهُ مُعارِضٌ.
والروايةُ الثانيةُ عَنِ الإمامِ أحمدَ أنَّ الثلاثةَ كُلَّهَا تقطعُ الصَّلاَةَ لحَدِيث أبي ذرٍّ المذكورِ. وعلَى قطعِ الثلاثةِ: ذهبَ ابنُ حزمٍ، واختارَه الشيخُ تَقِيُّ الدينِ وقالَ: إنَّه مذْهَبُ الإمامِ أحمدَ.

فائدةٌ:
إنَّما خُصَّ الكلبُ الأسودُ بذلك دونَ سائرِ الكلابِ؛ لأنَّه شيطانٌ، كما في الْحَدِيثِ. قَالَ أبو ذرٍّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ما بالُ الكلبِ الأسودِ مِنَ الأحمرِ مِنَ الأصفِرِ؟.
فقالَ: " الْكَلْبُ الإسْوَدُ شَيْطَانٌ ".

محمد أبو زيد
11-10-2008, 08:04 AM
بابُ المرورِ بَيْنَ يديِ المُصلِّي

108 - الحديثُ الأوَّلُ: عَنْ أَبي جُهيمِ بْنِ الحارثِ بنِ الصِّمَّةِ الأنصاريِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعيِنَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ)). قَالَ أَبُو النضرِ: لاَ أَدْرِي قَالَ: ((أَربعينَ يومًا، أَوْ شَهرًا، أَوْ سَنةً؟)).

((أبو جُهيمٍ)) عبدُ اللهِ بنُ الحارثِ بنِ جُهَيْمٍ الأنصاريُّ، سمَّاهُ ابنُ عيينةَ فِي روايتهِ، والثوريُّ.
فِيْهِ دليلٌ عَلَى منعِ المُرورِ بَيْنَ يديِ المصلِّي إِذَا كَانَ دونَ سُترةٍ، أَوْ كانتْ لَهُ سترةٌ فمرَّ بينَهُ وبينهَا، وَقَدْ صرَّحَ فِي الحديثِ ((بالإِثمِ)).

وبعضُ الفقهاءِ قسَّمَ ذَلِكَ عَلَى أربعِ صُورٍ:
الأُولَى: أنْ يكونَ للمارِّ مندوحةٌ عن المرورِ بَيْنَ يديِ المُصلِّي، ولمْ يتعرَّض المصلِّي لذلكَ، فيخصُّ المارَّ بالإِثمِ، إنْ مرَّ.
الصورةُ الثانيةُ: مقابلتُها، وَهُوَ أنْ يكونَ المصلِّيَ تعرَّضَ للمرورِ، والمارُّ لَيْسَ لَهُ مندوحةٌ عن المرورِ، فيختصُّ المصلِّي بالإِثمِ دونَ المارِّ.
الصورةُ الثالثةُ: أنْ يتعرَّضَ المصلِّي للمرورِ، ويكونَ للمارِّ مندوحةٌ، فيأثمانِ، أمَّا المصلِّي فلتعرُّضِه، وَأَمَّا المارُّ فلِمُرُورِهِ مَعَ إمكانِ أنْ لاَ يفعلَ.
الصُّورةُ الرَّابعةُ: أنْ لاَ يتعرَّضَ المُصلِّي، وَلاَ يكونَ للمارِّ مندوحةٌ، فَلاَ يأثَمُ واحدٌ منهمَا.
***

109 - الحديثُ الثَّانِي: عَنْ أَبِي سعيدٍ الخدريِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)).

((أبو سعيدٍ الخدريُّ)) سعدُ بنُ مالكِ بنِ سنانٍ، خُدْريٌّ، وَقَدْ تقدَّمَ الكلامُ فِيْهِ.
والحديثُ يتعرَّضُ لمنعِ المارِّ بَيْنَ يدِيِ المُصلِّي وبينَ سترتِه، وَهُوَ ظاهرٌ.
وفيهِ دليلٌ عَلَى جوازِ العملِ القليلِ فِي الصَّلاةِ لمصلحتِهَا.
ولفظةُ ((المُقاتَلَةِ)) محمولَةٌ عَلَى قوَّةِ المنعِ، مِن غيرِ أنْ تنتهيَ إِلَى الأعمالِ المنافيةِ للصَّلاةِ، وأطلقَ بعضُ المصنِّفينَ مِن أصحابِ الشَّافعيِّ القولَ بالقتالِ، وَقَالَ: ((فليُقاتِلْهُ)) عَلَى لفظِ الحديثِ. ونقلَ القاضِي عياضٌ الاتِّفاقَ عَلَى أنَّهُ لاَ يجوزُ المشيُ مِن مقامِه إِلَى ردِّهِ، والعملُ الكثيرُ فِي مدافعتِه، لأنَّ ذَلِكَ فِي صلاتِه أشدُّ مِن مُرورِه عَلَيْهِ.
وَقَدْ يُستدلُّ بالحديثِ عَلَى أنهُ إِذَا لمْ يكنْ سترةٌ لم يثبتْ هَذَا الحكمُ من حَيْثُ المفهومُ، وبعضُ المصنِّفينَ مِن أصحابِ الشَّافعيِّ نصَّ عَلَى أنَّهُ إِذَا لَمْ يستقبلْ شَيْئًا أَوْ تباعَدَ عن السُّترةِ، فإنْ أرادَ أن يَمُرَّ وراءَ موضعِ السُّجودِ لم يُكرَهْ، وإنْ أرادَ أن يَمُرَّ فِي موضعِ السُّجودِ كُرهَ، ولكنْ لَيْسَ للمُصلِّي أنْ يُقاتِلَه، وعلَّل ذَلِكَ بتقصيرِه، حَيْثُ لم يقرُبْ منَ السُّترةِ، أَوْ مَا هَذَا معناهُ.
وَلَوْ أُخِذَ مِن قولِه: ((إِذَا صلَّى أحدُكم إِلَى شيءٍ يستُره)) جوازُ التَّستُّرِ بالأشياءِ عمومًا، لكانَ فِيْهِ ضعفٌ؛ لأنَّ مُقْتَضَى العمومِ جوازُ المقاتلةِ عندَ وجودِ كلِّ شيءٍ ساترٍ، لاَ جوازُ السِّترِ بكلِّ شيءٍ، إلاَّ أنْ يُحملَ السِّترُ عَلَى الأمرِ الحِسِّيِّ، لاَ الأمرِ الشرعيِّ. وبعضُ الفقهاءِ كَرِهَ التَّستُّرَ بآدميٍّ أَوْ حيوانٍ غيرهِ، لأنَّهُ يصيرُ فِي صورةِ المصلَّى إِلَيْهِ، وكرههُ مالكٌ فِي المرأةِ.
وَفِي الحديثِ دليلٌ عَلَى جوازِ إطلاقِ لفظِ ((الشَّيطانِ)) فِي مثلِ هَذَا، واللهُ أعلمُ.
***

110 - الحديثُ الثَّالثُ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عباسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلاَمَ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَي بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ.

قوله: ((حِمَارٍ أَتَانٍ)) فِيْهِ استعمالُ لفظِ ((الحمارِ)) فِي الذَّكرِ والأُنثى، كلفظِ ((الشاةِ)) وكلفظِ ((الإِنسانِ)) وَفِي روايةِ مُسلمٍ ((عَلَى أتانٍ)) ولمْ يذكرْ لفظةَ ((حمارٍ)).
وقولهُ: ((نَاهَزْتُ الاحْتِلاَمَ)) أي: قاربتُهُ، وَهُوَ يُؤنسُ لقولِ مَن قَالَ: إنَّ ابنَ عباسٍ وُلِدَ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ، وقولِ مَن قَالَ: إنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماتَ وابنُ عباسٍ ابنُ ثلاثَ عشرةَ سنةً، خلافًا لمنْ قَالَ غيرَ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُقاربُ البلوغَ، ولعلَّ قولَهُ: ((قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلاَمَ)) ههنَا تأكيدٌ لِهَذَا الحكمِ، وَهُوَ عدمُ بطلانِ الصَّلاةِ بمرورِ الحمارِ، لأنَّهُ استدلَّ عَلَى ذَلِكَ بعدمِ الإِنكارِ، وعدمُ الإِنكارِ عَلَى منْ هُوَ فِي مثلِ هَذَا السِّنِّ أدلُّ عَلَى هَذَا الحكمِ، لأنَّهُ لَوْ كَانَ فِي سنِّ الصِّغَرِ وعدَمِ التَّمييزِ - مثلاً - لاحتملَ أنْ يكونَ عدمُ الإِنكارِ عَلَيْهِ لعدمِ مؤاخذتِه بسببِ صغرِ سِنِّهِ وعدمِ تمييزِه، وَقَدْ استدلَّ ابنُ عباسٍ بعدمِ الإِنكارِ عَلَيْهِ، ولمْ يستدلَّ بعدمِ استئنافِهم للصَّلاةِ، لأنَّهُ أكثرُ فائدةً، فإنَّه إِذَا دلَّ عدمُ إنكارِهم عَلَى أنَّ هَذَا الفعلَ غيرُ ممنوعٍ مِن فاعلِه، دلَّ ذَلِكَ عَلَى عدمِ إفسادِ الصلاةِ، إذ لَوْ أفسدَها لامتنعَ إفسادُ صلاةِ النَّاسِ عَلَى المارِّ، وَلاَ ينعكسُ هَذَا، وَهُوَ أنْ يقالَ: وَلَوْ لم يُفسدْ لمْ يمتنعْ عَلَى المارِّ، لجوازِ أن ْلاَ تَفسُدَ الصلاةُ ويمتنعَ المرورُ، كَمَا تقولُ فِي مرورِ الرَّجلِ بَيْنَ يديِ المُصلِّي، حَيْثُ يكونُ لَهُ مندوحةٌ إنهُ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ المرورُ، وإنْ لَمْ يُفسدِ الصلاَةَ عَلَى المُصلِّي، فثبتَ بِهَذَا أنَّ عدَمَ الإِنكارِ دليلٌ عَلَى الجوازِ، والجوازُ دليلٌ عَلَى عدمِ الإِفسادِ، وأنهُ لاَ ينعكسُ، فَكَانَ الاستدلالُ بعدمِ الإِنكارِ أكثرَ فائدةً مِن الاستدلالِ بعدمِ استئنافِهم الصَّلاةَ.
ويُسْتَدَلُّ بالحديثِ عَلَى أنَّ مرورَ الحمارِ بَيْنَ يديِ المُصلِّي لاَ يُفسدُ الصلاةَ، وَقَدْ قَالَ فِي الحديثِ ((بغيرِ جدارٍ)) وَلاَ يلزمُ مِن عدمِ الجدارِ عدمُ السُّترةِ، فإنْ لمْ يكنْ ثَمَّةَ سُترةٌ غيرُ الجدارِ فالاستدلالُ ظاهرٌ، وإنْ كَانَ وَقفُ الاستدلالِ عَلَى أحدِ أمرين :
إمَّا أنْ يكونَ هَذَا المرورُ وقعَ دونَ السُّترةِ، أعني بَيْنَ السُّترةِ والإِمامِ .
وَإمَّا أنْ يكونَ الاستدلالُ وقعَ بالمرورِ بَيْنَ يديِ المأمومينَ أَوْ بعضِهمْ، لكنْ قَدْ قالُوا: إنَّ سترةَ الإِمامِ سترةٌ لمنْ خلفَهُ، فَلاَ يتمُّ الاستدلالُ إلاَّ بتحقيقِ إحدى هَذِهِ المقدِّماتِ التي مِنْهَا أنَّ سُتْرَةَ الإِمامِ ليستْ سترةً لمنْ خلفَهُ، إن لمْ يكن مجمَعًا عليهَا.
وَعَلَى الجملةِ فالأكثرونَ مِن الفقهاءِ عَلَى أنهُ لاَ تفسدُ الصَّلاةُ بمرورِ شيءٍ بَيْنَ يديِ المُصلِّي، ووردتْ أحاديثُ مُعَارِضَةٌ لذلكَ.
فَمِنْهَا مَا دلَّ عَلَى انقطاعِ الصَّلاةِ بمرورِ الكلبِ والمرأةِ والحمارِ، وَمِنْهَا مَا دلَّ عَلَى انقطاعِهَا بمرورِ الكلبِ الأسودِ والمرأةِ والحمارِ، وهذانِ صحيحانِ، وَمِنْهَا مَا دلَّ عَلَى انقطاعِها بمرورِ الكلبِ الأسودِ والمرأةِ والحمارِ واليهوديِّ والنصرانيِّ والمجوسيِّ والخنزيرِ، وَهَذَا ضعيفٌ، فذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ إِلَى أنَّ مرورَ الكلبِ الأسودِ يقطعُها، ولمْ نجدْ ذلك مُعارِضًا، قَالَ: وَفِي قلبِي مِن المرأةِ والحمارِ شيءٌ.
وَإِنَّمَا ذهبَ إِلَى هَذَا - واللهُ أعلمُ - لأنَّه تركَ الحديثَ الضعيفَ بمرَّةٍ، ونظرَ إِلَى الصحيحِ، فحملَ مُطْلَقَ ((الكلبِ)) فِي بعضِ الرِّواياتِ عَلَى تقييدهِ بالأسودِ فِي بعضِها، ولمْ يجدْ لذلكَ معارضًا، فَقَالَ بِهِ، ونظرَ إِلَى المرأةِ والحمارِ، فوجدَ حديثَ عائشةَ - الآتِي - يعارضُ أَمْرَ المرأةِ، وحديثَ ابنِ عباسٍ - هَذَا - يعارضُ أَمْرَ الحمارِ، فتوقَّفَ فِي ذَلِكَ، وَهَذِهِ العبارةُ - التي حكيناهَا عَنْهُ - أجودُ مِمَّا دلَّ عَلَيْهِ كلامُ الأثرمِ مِن جزمِ القولِ عَنْ أحمدَ بأنَّه لاَ يقطعُ المرأةُ والحمارُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لأنَّ جزمَ القولِ بِهِ يتوقَّفُ عَلَى أمرينِ:
أحدهما: أنْ يتبيَّنَ تأخُّرُ المُقْتَضِِي لعدمِ الفسادِ عَلَى المقتضِي للفسادِ، وَفِي ذَلِكَ عُسرٌ عندَ المبالغةِ فِي التَّحقيقِ.
والثَّاني: أن يتبيَّنَ أنَّ مرورَ المرأةِ مساوٍ لمَا حكتهُ عائشةُ، رضيَ اللهُ عنهَا، مِنَ الصَّلاةِ إليهَا وهيَ راقدةٌ، وليستْ هَذِهِ المقدِّمةُ بالبيِّنةِ عندنَا لوجهينِ:
أحدُهما: أنَّها رضيَ اللهُ عنهَا ذكرَتْ أنَّ البُيوتَ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فيهَا مصابيحُ فلعلَّ سببَ هَذَا الحكمِ عدمُ المشاهدةِ لَهَا.
والثاني: أنَّ قائلاً لَوْ قَالَ: إنَّ مرورَ المرأةِ ومشيَها لاَ يساويهِ فِي التَّشويشِ عَلَى المصلِّي اعتراضُهَا بَيْنَ يديهِ، فَلاَ يساويهِ فِي الحكمِ لم يكنْ ذَلِكَ بالممتنعِ، وَلَيْسَ يَبعدُ مِن تصُّرفِ الظاهريَّةِ مثلُ هَذَا.
وقولُهُ: ((فأرسلتُ الأتانَ ترتَعُ)) أي: تَرعَى، وَفِي الحديثِ دليلٌ عَلَى أنَّ عدمَ الإِنكارِ حُجَّةٌ عَلَى الجوازِ، وَذَلِكَ مشروطٌ بأنْ تنتفِيَ الموانعُ من الإِنكارِ، ويُعلمَ الاطلاعُ عَلَى الفعلِ، وَهَذَا ظاهرٌ، ولعلَّ السَّببَ فِي قولِ ابنِ عباسٍ ((ولمْ يُنكِرْ ذَلِكَ عليَّ أحدٌ)) ولم يقلْ: ولمْ ينِكرِ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلَّم عَلَىَّ ذَلِكَ، أنَّه ذكرَ أنَّ هَذَا الفعلَ كَانَ بَيْنَ يديْ بعضِ الصَّفِّ، وَلَيْسَ يلزمُ من ذَلِكَ اطِّلاعُ النَّبيِّ صلى اللهُ عليه وسلَّم عَلَى ذَلِكَ، لجوازِ أن يكونَ الصَّفُّ ممتدًّا، فَلاَ يطَّلعُ عَلَيْهِ، لِفقدِ شرطِ الاستدلالِ بعدمِ الإِنكارِ عَلَى الجوازِ، وَهُوَ الاطِّلاعُ مَعَ عدمِ المانعِ، أما عدمُ الإِنكارِ ممَّنْ رأى هَذَا الفعلَ، فَهُوَ متيقَّنٌ، فتركَ المشكوكَ فيهِ، وَهُوَ الاستدلالُ بعدمِ الإِنكارِ مِنَ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلَّم، وأخذَ المتيقَّنَ، وَهُوَ الاستدلالُ بعدمِ إنكارِ الرَّائينَ للواقعةِ، وإنْ كَانَ يُحتملُ أنْ يقالَ: إنَّ قولَه: ((ولمْ يُنكرْ ذَلِكَ عليَّ أحدٌ)) يشملُ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلَّم وغيرَه، لعمومِ لفظةِ ((أحدٍ)) إلاَّ أنَّ فيهِ ضعفًا، لأنَّهُ لاَ معنَى للاستدلالِ بعدمِ إنكارِ غيرِ الرَّسولِ صلى اللهُ عليه وسلَّم بحضرتِه، وعدمِ إنكارهِ إلاَّ عَلَى بُعدٍ.
***

111 - الحديثُ الرَّابعُ: عَنْ عَائشةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وَرِجْلاَيَ فِي قِبْلتِهِ - فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْليَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيْهَا مَصَابِيحُ.

وحديثُ عائشةَ - هَذَا - استُدلَّ بِهِ عَلَى مَا قدَّمناهُ مِن عدمِ إفسادِ مرورِ المرأةِ صلاةَ المصلِّي، وَقَدْ مرَّ مَا فيهِ وَمَا يعارضُه.
وفيهِ دليلٌ عَلَى جوازِ الصَّلاةِ إِلَى النَّائمِ، وإن كَانَ قَدْ كرهَهُ بعضُهمْ، ووَرَدَ فيهِ حديثٌ.
وفيهِ دليلٌ عَلَى أنَّ اللَّمسَ - إمَّا بغيرِ لذَّةٍ أَوْ منْ وراءِ حائلٍ - لاَ ينقُضُ الطَّهـارةَ، أعنِي أنَّه يدلُّ عَلَى أحدِ الْحُكْمَيْنِ، وَلاَ بأسَ بالاستـدلالِ بِهِ عَلَى أنَّ اللَّمسَ من غيرِ لذةٍ لاَ ينقُضُ، من حَيْثُ إنَّهَا ذكرتْ ((أنَّ الْبُيُوتَ لَيْسَ فِيْهَا مَصَابِيحُ))، وربَّما زالَ السَّاترُ، فيكونُ وضعُ اليدِ - مَعَ عدمِ العلمِ بوجودِ الحائلِ - تعريضًا للصَّلاةِ للبطلانِ، ولمْ يكنِ النَبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ليعرِّضَها لذلكَ.
وفيهِ دليلٌ عَلَى أنَّ العملَ اليسيرَ لاَ يُفسدُ الصَّلاةَ.
وقولُها: ((وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيْهَا مَصَابِيحُ)) إمَّا لتأكيدِ الاستدلالِ عَلَى حكمٍ منَ الأحكامِ الشَّرعيةِ كَمَا أشرنَا إِلَيْهِ .
وَإمَّا لإِقامةِ العُذرِ لنفسِها حَيْثُ أَحْوجَتْهُ إِلَى أنْ يَغمزَ رجلَها، إذ لَوْ كَانَ ثَمَّةَ مصابيحُ لعلمتْ بوقتِ سجودِه بالرُّؤيةِ، فلمْ تكنْ لتُحوجَه إِلَى الغمزِ، وَقَدْ قدَّمنَا كراهيةَ أنْ تكونَ المرأةُ سترةً للمصلِّي عندَ مالكٍ، وكراهةَ أنْ تكونَ السُّترةُ آدميًا أَوْ حيوانًا عندَ بعضِ مصنِّفِي الشَّافعيَّةِ، مَعَ تجويزِه للصَّلاةِ إِلَى المُضطَجِعِ، واللهُ أعلمُ.

محمد أبو زيد
11-10-2008, 08:05 AM
المتن:
باب المرور بين يدي المصلي

113- عن أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه)
قال أبو النضر: لا أدري قال أربعين يوما أو شهرا أو سنة.

114- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان).
115- عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أقبلت راكبا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد.

116- عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما،والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
***

الشرح:

الحديث الأول والثاني: فيما يتعلق بالمرور بين يدي المصلي، ومن المعلوم أنه لا يجوز المرور بين يدي المصلي قريبا منه، ولا بينه وبين السترة التي وضعها، فالأحاديث المذكورة في الباب وغيرها من الأحاديث الدالة على أنه لا يجوز المرور بين يديه لما فيه من التشويش عليه أو قَطْع صلاته إن كان المار مما يقطعها، ومن أدلة التحريم قوله عليه الصلاة والسلام: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه) ماذا عليه؟ أي: من الإثم، ذكر المؤلف كلمة(من الإثم) وهي ليست في الرواية في الصحيحين، وإنما ذكرها بالمعنى، والصواب أنها غير مذكورة في الحديث، وإنما ذلك يعرف من السياق.
ويدل ذلك على تحريم المرور بين يديه، كان لو يعلم ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين، سواء كانت شهورا أو أعواما أو أياما، كله عظيم، وهو يدل على شدة التحريم، وأنه لا يجوز للمسلم أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي قريبا منه. أو بين يديه وبين السترة التي وضعها من جدار أو سارية أو عنزة أو غير ذلك، واخُتلف فيما إذا كان ليس بين يديه سترة، متى يكون بين يديه؟ والأرجح أنه إذا كان في مساحة ثلاثة أذرع فأقل فهو بين يديه، فإذا كان بعيدا فإنه لا يضره ذلك، ومن أدلة ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار الذي أمامه ثلاثة أذرع. قال بعض أهل العلم: فهذا يدل على أنه يكون بين يديه إذا كان ثلاثة أذرع فأقل، أما إذا كان بعيدا فإنه لا يكون بين يديه، ولا يضره مروره، سواء كان المار رجلا أو امرأة، أو دابة، أما الذي يقطع الصلاة فهو ما رواه مسلم في صحيحه أنه (( يقطع صلاة المرء المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل: المرأة والحمار والكلب الأسود. هكذا رواه مسلم في الصحيح من حديث أبي ذر، وروى معناه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بغير ذكر الأسود)). وروى بعضه أيضا الإمام النسائي بسند صحيح عن ابن عباس في المرأة والحمار.
وهذا يدل على أنه إذا مر بين يديه امرأة يعني بالغة كما في حديث ابن عباس أو حمار أو كلب أسود، قطع صلاته. وهكذا بينه وبين السترة، وقد استنكرت عائشة ذلك رضي الله عنها فيما يتعلق بالمرأة، وقالت: كنت أنام بين يديه ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما، قالت: بئسما شبهتمونا بالحمير والكلاب، وهذا منها رضي الله عنها اجتهاد ورأي، ولم تعلم السنة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس مد الرجلين مثل المرور، مد الرجلين أمام المصلي لا يقطع صلاته، وإنما يقطعها المرور من جانب إلى جانب، إذا كان المار امرأة أو حمارا أو كلبا أسود، هذا هو الذي يقطعها، أما مرور الرجل أو الدابة غير الكلب الأسود أو كلب ليس بأسود هذا لا يقطع الصلاة، والمصلي ينبغي أن يمنع المار، ولا يدع شيئا يمر بين يديه، ولهذا جاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس وأراد أحد أن يجتاز يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنه شيطان). معنى يقاتله: يدافعه بقوة، المقاتلة: المدافعة بقوة، ليس المراد أن يضربه بالسيف أو بشيء يقتله، بل، المراد أنه يدافعه بقوة، لأنه من شياطين الإنس، ولهذا وجب أن يُدفع حتى لا يشوش على المصلي صلاته، ولو كان رجلا، أما إن كان المار امرأة فيحصل التشويش والقطع أيضا، وهكذا الحمار مطلقا، والكلب الأسود خاصة، لأنه شيطان، وشيطان كل جنس متمرده، فشيطان بني آدم المتمرد المؤذي الذي يؤذي الناس ويضرهم، وشيطان الكلاب هو الأسود منها، وشيطان كل جنس ما فيه الأذى والضرر والتعدي.

وفي حديث ابن عباس دلالة على أن المرور بين يدي المأمومين لا يضر، إنما هذا بين يدي الإمام أوالمنفرد، وذلك لأنهم تبع لإمامهم، وسترته سترة لهم، فلا يضر المرور بين يديهم، ولو مر حمار أو كلب أو امرأة لا يقطع صلاة المأمومين اكتفاء بسترة الإمام، ولهذا تركت الأتان ترتع ولم يُنكر ذلك لأنها لا تقطع صلاتهم، وهكذا لو مرت امرأة بينهم أو كلب لم يقطع صلاتهم، فالمأموم مربوط بإمامه، ولا يضره من مر بين يديه. ولكن ينبغي للمؤمن إذا كان له مندوحة ألا يشوش عليهم، أما إذا لم تكن له مندوحة، بأن رأى فرجة ليذهب إليها يسدها، أو ليس له طريق إلا بالمرور عليهم فلا يضر ولا بأس بذلك، ولا يقطع صلاتهم.

س/ هل الطفل الصغير يقطع الصلاة؟
ج/ يُمنع من المرور ولا يقطع الصلاة حتى الرجل الكبير والمرأة الصغيرة لا يقطعان الصلاة لكن يمنعون من المرور.

حفيدة بني عامر
12-14-2008, 07:54 PM
القارئ:

عن أبي جهم بن الصمة الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يدي المصلي ))، قال أبو النضر لاأدري قال: أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة. رواه البخاري.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان)).

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أقبلت راكبًا على حمار أتان وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك عليَّ أحد.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجليَّ، وإذا قام بسطتهما والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح.
***

الشيخ:
هذه الأحاديث تتعلق بالمرور بين يدي المصلي، وفيها ما يدل على أنه ذنب وأنه كبيرة من الكبائر؛ وذلك لأن المصلي عندما يكبر فإنه يشتغل بمناجاة ربه ويقبل على صلاته بقلبه وينظر إلى موضع سجوده ويفرغ لذلك باله، ويتأمل فيما يقوله وفيما يفعله، فلأجل ذلك يُندب أن يكون حاضر القلب خاشعًا ذليلاً مقبلاً على عبادته...

الوجـه الثانـي

...مبعدًا عن كل شيء يشغله عن العبادة، ولأجل هذا نُهي أن يستقبل أشياء تصرف قلبه عن العبادة، قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي مرة وأمامه ستر يعني كِساء فيه شيء من النقوش، فقال لعائشة: (( أميطي عني قرامك؛ فإنه إذا نظرته ذكرت الدنيا)) يعني إذا نظرت ذلك القرام وما فيه من تلك النقوش ونحوها مرة صلى وعليه حُلة أو كِساء، فلما صلى وانصرف قال لبعض أصحابه: ((اذهبوا بسترتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي)) فجعل العلة أنها ألهته عن صلاته، يعني كأنه نظر إليها فاشتغل قلبه بها، والمطلوب أن المصلي لا يشتغل قلبه بغير ما هو فيه حتى يُكتب له أجر صلاته كاملاً. وبعد الأذان نكمل القول فيها إن شاء.

ففي الحديث الأول أن الذي يمر بين يدي المصلي عليه إثم، هذا الإثم ما صُرَّح به ولكنه دل عليه كونه لو وقف هذه المدة لكان خيرًا له من المرور، لم يحفظ الراوي تحديد المدة إلا أنها أربعين يقول:((لو يعلم ماعليه)) يعني من الإثم، ما عليه من الوزر، ما عليه من الذنب لوقف ولو أن يقف أربعين خيرًا لـه من أن يمر بين يديه لم يقل أربعين يعني لا يدري هل قال: أربعين سنة أو أربعين شهرًا أو أربعين يومًا، يعني كأنه يقول واحدة منها، لو وقف أربعين يومًا ماذا تكون حالته؟ يقول: لو علم أنه يأثم هذا الإثم لآثر أن يقف في مكانه أربعين يومًا ينتظر فراغ هذا المصلي، لو وفق أربعين ساعة لتحسَّر من ذلك، ليته يقف ولو أربعين دقيقة، ليته يقف ولو عشر دقائق حتى يفرغ هذا المصلي، ليته يقف ولو أقل من ذلك بقدر ما يفرغ المصلي من صلاته.
وبكل حال فعليك أن تنبئ من يريد المرور بين يدي المصلي أو يمر بين يديه بأن عليه إثم وأن وقوفه أفضل لـه، قل له: قف قليلاً بضع دقائق لا يفوت عليك شيء حتى يفرغ أخوك من صلاته ولا تمر بينه وبين سترته، ولا تمر بين يديه فتشغل قلبه وتقطع عليه تفكيره وتقطع عليه إقباله على ربه، دعه يكمل صلاته وانتظر قليلاً إما أن تصلي كما يصلي حتى تفرغ مع فراغه وإما أن تنتظر حتى ينتهي من صلاته.
هؤلاء الذين يتخللون الصفوف كثيرًا ويمرون بين يدي المصلي ساعة ما ينصرف أحدهم من صلاته أو ساعة ما يفرغ من راتبته يتسلل أمام الناس، فيجد هذا يتم صلاته كمسبوق ويجد هذا قد شرع في النافلة فيمر بين هذا وبين موضع سجوده وبين هذا وبين موضع سترته، ويأثم، يلحقه هذا الإثم الذي وجد في هذه الأحاديث، يلحقه هذا الإثم الكبير وهو أنه يأثم حتى أنه لو علم هذا الإثم وعلم مبلغه ومقداره لآثر هذا الوقوف، لفضل أن يقف أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة، ولكنه لم يتصور.
فالحاصل عليه أنه إثم كبير. وبذلك يكون هذه المرور كبيرة من كبائر الذنوب التي يعاقب عليها ولا تكفر باجتناب الصغائر.. لا تكفر مع الصغائر، قال الله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}, وقد ذكر العلماء تعريف الكبيرة فقالوا: الكبيرة ما ورد فيها وعيد، وهذا قد ورد فيه وعيد، وعيد بلعنة أو وعيد بغضب أو وعيدبعذاب أو وعيد بنفي إيمان أو وعيد بإثم أو ما أشبه ذلك، فهذا أورد فيه هذا الوعيد الذي هو إثم فيكون بذلك من كبائر الذنوب.
المرور هنا هو كونه يمر بينه وبين موضع سجوده، والمطلوب من المصلي أن يجعل لـه شيئًا يستر بصره، أن يجعل أمامه سترة تستره، حتى إذا مر الناس وراء السترة لم يردهم ولم يضروه، والمطلوب منه أن ينظر إلى موضع جبهته حتى يكون ذلك أجمع إلى قلبه وإذا لم يكن تيسَّر لـه سترة قرب مثلاً من الحائط الذي أمامه، وإذا اتخذ سترة دنا منها كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدنو منها ولا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين)) يعني معه الشيطان.
ووقع ذلك أيضًا في حديث أبي سعيد الذي ذُكر في هذا الباب وهو أنه صلى الله عليه وسلم أمر المصلي إذا كبر في الصلاة أن يتخذ له شيئًا يستره، فإذا أراد أحد أن يمر بين يديه فعليه أن يدفعه، عليه أن يدفعه بقوة ولو أدى ذلك الدفع إلى أنه يسقط ولو أدى إلى قتاله، يقول: ((فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان)) أو((فإن معه القرين))، القرين: هو الشيطان {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً} يعني الشيطان هو الذي يدفعه، هو الذي يدفعه إلى أن يمر فلذلك شبهه بأنه شيطان وقال:
((إنما هو شيطان))، لو قيل لهذا المار: إنك شيطان أو إن معك شيطان لغضب، والنص وارد بأن معه الشيطان الذي يدفعه حتى يخل بصلاة المصلين وحتى ينقصها.
فعلينا أن ننبه هؤلاء الذين يمرون بين يدي المصلي ونأخذ على أيديهم. وقد ابتلي هؤلاء بعدم صبرهم وبكثرة مرورهم، فيحصل على هذا الإثم، والناس قد غفلوا عنه، فلا يغير أحد على من يمر بين يديه بل يتركه يمر بين يديه يمر بينه وبين مسجده موضع سجوده ولا يبالي، وكأنه لم يمتثل هذا الحديث، أنت مأمور بأن تدفعه، مأمور بأن تدفعه وبأن تدرأه ما استطعت حتى لا ينقص عليك صلاتك، ومأمور بأن تخبره بأنه شيطان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال العلماء: لو قُدَّر أنك دفعته بقوة فسقط فتعيب مثلاً أو انكسر منه عضو فلا إثم عليك؛ وذلك لأنك مأمور بهذا الدفع حتى لو حصل منه تلف لم يكن عليك بأس مأمور بأن تقاتله، المقاتلة هي المضاربة، ((فليقاتله)) يعني فليضاربه، ولو مشى المصلي قليلاً ولو تحرك قليلاً وكل ذلك لإنكار المنكر وللزجر عن اقتراف هذا الفعل الذي يخل بالصلوات.
أما بالنسبة إلى الأحاديث الأخرى فهي فيما لا يقطع الصلاة، قد ورد حديث عن عمر وحديث عن ابن عمر وحديث عن جابر وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود)) فسأله أبو ذر: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأبيض؟ فقال: ((الكلب الأسود شيطان))، فأخبر بأن هذه الثلاثة تقطع الصلاة، وقد ورد في بعض الروايات تقييد المرأة بأنها المرأة الحائض هي التي تقطع الصلاة، كما قُيد الكلب بأنه أسود فالمرأة قيدت بأنها حائض ولكن قال بعضهم: المراد بالمرأة الحائض يعني المرأة البالغة التي قد بلغت سن المحيض كما قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)) يعني صلاة بالغة، صلاة امرأة قد حاضت يعني قد بلغت سن المحيض، فعلى هذا ذكر بأن المرأة تقطع الصلاة وأن الحمار يقطع الصلاة، وأن الكلب الأسود يقطع الصلاة.
وقد اختلف ما المراد بهذا القطع فقال بعضهم: القطع هو الإبطال، فمن مرَّ بين يديه شيء من هذه الثلاثة بطلت صلاته فعليه أن يعيدها، وقال آخرون: القطع هنا هو التنقيص معناه أن ثواب صلاته يكون أنقض حيث أنه مرَّ بين يديه ما يخلَّ بإقباله على صلاته وما يكون سببًا في انشغاله عن الإقبال عليها. ولعل هذا هو الأرجح أن المراد بالقطع هنا هو النقص، يقطع الصلاة يعني ينقص الصلاة وينقض أجرها وثوابها، وكأنه أراد بذلك الحث على التحفظ على الصلاة والإقبال عليها والزجر الشديد عن التهاون بمن يمر بين يدي المصلي، التهاون بالمرور والتهاون بعدم رد المار من رجل أو امرأة أو نحو ذلك.
والدليل على أن الحمار لا يقطع الصلاة ما ورد في حديث ابن عباس، فقد ذكر فيه أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم بمنى يعني في حجة الوداع وكان يصلي بالناس ولم يكن أمامهم جدار، بل كان أمام النبي صلى الله عليه وسلم سترة، يعني عصا قد غرسها في الأرض واتخذها سترة، وأما الجماعة فلم يكن أمامهم جدار يسترهم بل هم يصلون صفوفًا وقد جعلوا سترتهم سترة إمامهم وجعل بعضهم الصف الذي أمامه كسترة لـه فبذلك قالوا: من كان لـه إمام فسترة الإمام سترة له، والصف الثاني سترته الصف الأول، فلا يمر أحد بين الصفين فإنه يمر بين يدي الصف، بينه وبين سترته. وكذلك المأمومون الذين يمر المار بينهم وبين إمامهم أو بينهم وبين سترة إمامهم.
والحاصل أن ابن عباس ذكر أنه كان راكبًا على حمار أتان، الحمار الأتان هو الأنثى، على حمارٍ أتان، يقول: وكان قد ناهز الاحتلام يعني كان عمره قريبًا من أربعة عشرة سنة في ذلك العام، قد قارب الاحتلام ولما يحتلم راكبًا على تلك الحمار، فمر بين يدي الصف، يحتمل أنه مر بينهم وبين موضع سجودهم، ويحتمل أنه مر أمامهم، مرَّ قدام الصف وإن كان بعيدًا فإنه يصدق عليه أنه مرَّ بين يديه. وهذا هو الأقرب والأليق به، لا يليق بابن عباس أن يقرب من الصف وهو على ذلك الحمار، بل
مر قدامهم، ولو كان بينه وبين الصف مثلاً ثلاثة أمتار أو أكثر يصدق عليه أنه مرَّ بين يديهم، فلما حاذاهم نزل وأرسل الأتان ترتع يعني ترعى ودخل في الصف وصلى مع المصلين، ولم ينكروا عليه لما مر قدامهم.
فاستُدل بهذا على أن الحمار لا يقطع الصلاة؛ لأن ابن عباس مرَّ أمامهم، وأجيب بأن هذا المرور ليس هو بينهم وبين موضع سجودهم بل قدامهم بكثير أي نحو ثلاثة أمتار أو أكثر. وأجيب أيضًا بأن سترة الإمام سترة لهم فهم قد اكتفوا بسترة إمامهم والذي يمر بين يديهم لم يكن بينهم وبين السترة.
وعلى كل حال فالمرور حتى ولو كان على الأرجل ممنوع كما دلت عليه الأحاديث، ولكن من هذا أخذوا بأنه لا يقطع الصلاة، لا يقطع الصلاة المرور، مرور الحمار ونحوه، ولكن مع ذلك ينقص الصلاة.
أما الحديث بعده ذكرت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل، وهي نائمة وكانت إذ ذاك صغيرة, يعني ابنة ثنتي عشر أو ثلاث عشرة سنة أو نحوها؛ لأنها كانت صغيرة في أول الأمر، وكان الصغير يغلبه النوم، فتستغرق في النوم والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فلما كان يكبر كانتالبيوت ليس فيها مصابيح ليس فيها أنوار، لا أنوار السرج ونحوها، المصابيح هي السرج التي كانوا يضيئونها، ليس عندهم مصباح حتى تعرف متى يسجد أو حتى تراه، فكانت تمد رجليها في قبلته، وذلك أيضًا لضيق المكان، لم تجد بدًا من أن تنام معترضة قدامه على الأرض وهو يصلي، فإذا أراد أن يسجد كانت رجلاها في موضع سجوده فغمز رجليها فقبضتها، وإذا قام بعد السجود مدت رجليها وبسطتها.
فاستدلت بذلك على أن المرأة لا تقطع الصلاة حيث أنها اعترضت قدامه كاعتراض الجنازة كما في بعض الروايات, أو مدت رجليها في قبلته كما في هذه الرواية، فأفاد أن المرأة لا تقطع الصلاة إذا مرت، ولكن ليس في هذا الحديث المرور إنما فيه اعتراضها أو إنما فيه مدّ رجليها قدامه.
وعلى كل حال حتى لو قيل مثلاً: إنها مرت بين يديه، ما دام أن المكان مظلم وأنها لم تمر مرورًا تامًا فإن ذلك لا يدل على أنها لا تقطع الصلاة، والقول الأرجح أنه لا يقطع الصلاة شيء، ولكن ينقصها.
ورد ذلك أيضاً في حديث عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم)) يعني ادفعوا المار مهما تستطيعون، مهما كنت مستطيعًا فادفع حتى من يمر يديك، ولو كان لا يقطع الصلاة يعني لا يبطل ثوابها كليًا بحيث تستأنف، ولكن ينقصها ((ادفعوا ما استطعتم من يمر بين يديكم)).
وأما استثناء الحرم المكي أو نحوه فلم يرد فيه حديث باستثناء الحرم، الحرم المكي ولا الحرم المدني أنها لا تقطع الصلاة فيه، ولكن في المطاف وما قَرُب من المطاف معلوم أن الزحام شديد وأن الناس يكثرون، وأنهم لا يقلون بل كلما مر كلما كبر أحد جاء آخرون، فلو وقف الإنسان لطال وقوفه دون أن يفرغ المكان، فلذلك رخصوا في المرور بين يديه إذا كان قريبًا من المطاف.
واستدلوا بحديث روي أنه صلى الله عليه وسلم كان مرة يصلي عند المقام والناس يمرون بين يديه، وعُلِل ذلك بأنه كان لأجل ضيق المطاف وكثرة الطائفين، فلم يردهم. وأما بقية أركان المسجد التي غير المطاف فإن حكمها كحكم سائر المساجد، فإذا كنت مثلاً في المصابيح أو كنت في الرحبة بعيداً عن المطاف، فإياك أن تمر بين يدي أحد، وإياك أن تترك أحدًا يمر بين يديك،بل اعمل معه كما تعمل في سائر البلاد،رده كما ترده إذا مر بين يديك في كل مكان؛ لأن الأوامر عامة. هذه الأحاديث التي سمعنا ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير لـه من أن يمر بين يديه))لم يقل إلا في المسجد الحرام أو إلا في المسجد النبوي، ما قال ذلك بل أطلق فدل على أن الحكم واحد وأن المساجد كلها واحد، إنما استثني المطاف لكثرة الطائفين ولاستمرارهم.