مشاهدة النسخة كاملة : باب الوتر
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 08:00 AM
بَابُ الْوِتْرِ
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا قالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم –وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: مَا تَرَى فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ؟ قالَ: ((مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ: صلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صلَّى))، وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ: ((اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا)).
عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنهَا قالَتْ: مِن كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: مِن أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، فانْتَهى وِتْرُهُ إلى السَّحَرِ.
عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنهَا قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يُصَلِّي مِن اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِن ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلاَّ في آخِرِهَا.
محمد أبو زيد
11-10-2008, 08:46 AM
حديثُ عائشةَ (( كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُصلِّي من الليلِ ثلاثَ عشرةَ ركعةً يُوتِرُ من ذلك بخمْسٍ لا يَجلِسُ في شيءٍ إلا في آخِرِها )) .
قال عبدُ الحقِّ في ( الجمْعِ بينَ الصحيحين ): إن البخاريَّ لم يُخرِّجْ هذا اللفظَ وأما الحُمَيْدِيُّ فجَعلَه من المتَّفَق عليه والأوَّلُ أَوْلى .
محمد أبو زيد
11-10-2008, 08:48 AM
قولُه : (ما تَرَى في صلاةِ الليلِ) قالَ : مَثْنَى مَثْنَى هو بالفتحِ لا بتنوينٍ لأنه غيرُ معرَّبٍ واستَشْكَلَ بعضُه التَّكرارَ فإن القاعدةَ فيما عُدِلَ من أسماءِ العددِ أن لا يُكرَّرَ فلا يقالُ : جاءَ القومُ مَثْنَى مَثْنَى وأُجيبَ : لأنه تأكيدٌ لفظيٌّ لا لقَصْدِ التكريرِ فإن ذلك مُستفادٌ من الصيغةِ وأقولُ : أصلُ السؤالِ فاسدٌ بل لابدَّ من التَّكرارِ إذا كان العَدْلُ في لفظٍ واحدٍ كمَثْنَى مَثْنَى وثلاثٌ ثلاثٌ قالَ الشاعرُ :
هَنيئاً لأَربابِ البيوتِ بيوتُهم وللآكلين التمْرَ مَخْمَس مَخْمَسَا
ومنه الحديثُ مَثْنَى مَثْنَى فإن وَقَعَتْ بينَ لفظين أو ألفاظٍ مختلِفةٍ لم يَجُزْ التَّكرارُ كمَثْنَى وثُلاثَ ورُباعٍ والحكمَةُ في ذلك أن ألفاظَ العدَدِ المعدولةَ مشروطةٌ لسبْقِ ما يَقعُ فيه التفصيلُ تحقيقاً نحوُ أُولِي أَجْنِحَةٍ أو تقديراً نحوُ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فإذا أُريدَ تفصيلُه من نوعٍ واحدٍ وَجَبَ تَكَرُّرُه لأن وقوعَه بعدَه إما على جهةِ الخبريَّةِ أو الحاليَّةِ أو الوصفيَّةِ .
فحَمْلُه عليه يَقتضي مطابَقتَه له فلابدَّ من تَكَرُّرِه ليَحصُلَ الموافَقَةُ إذ لا يَحْسُنُ وصْفُ الجماعةِ باثنين وإن كان من ألفاظٍ متعدِّدةٍ فالمجموعُ تفصيلٌ للمجموعِ فكان وافياً به فلأجْلِ ذلك لم يُكَرَّرْ نحوُ قولِه تعالى : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } وإنما كان العِدْلُ في هذه الألفاظِ من غيرِ تَكرارٍ ليُصيبَ كلُّ ناكحٍ ما شاءَ من هذه الأعدادِ إذ لو كان من لفظٍ واحدٍ لاقتَصَرَ الناكحون على ذلك العددِ .
محمد أبو زيد
11-10-2008, 08:49 AM
بابُ الوترِ
الْحَدِيث الحادي والعشرونَ بَعْدَ الْمِائَةِ
عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُمَا قالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ- مَا تَرَى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ قالَ: ((مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ: صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى))، وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ: ((اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِترًا)).
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: أنَّ صلاةَ الليلِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ بلا زيادةٍ ولا نقصٍ.
الثَّانِيَةُ: أنَّ الوترَ يكونُ آخرَ صلاةِ الليلِ، وَيَنْتَهِي وَقْتُهُ بطلوعِ الفجرِ.
الثَّالِثَةُ: الأفضلُ أنْ يكونَ الوترُ بعدَ صلاةِ شَفْعٍ.
الرَّابِعَةُ: اسْتِحْبَابُ الوترِ، وأنَّهُ من النوافلِ المُؤَكَّدَاتِ.
***
الْحَدِيثُ الثاني والعشرونَ بَعْدَ الْمِائَةِ
عنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهَا قالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ. فانْتَهى وِتْرُهُ إلى السَّحَرِ.
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوترُ في أَوَّلِ الليلِ وآخرِهِ، ولكنَّ آخِرَهُ أَفْضَلُ لِمَنْ وَثِقَ من القيامِ.
***
الْحَدِيثُ الثالثُ والعشرونَ بَعْدَ الْمِائَةِ
عنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهَا قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِن اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا في آخِرِهَا.
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: قدْ تكونُ صلاةُ النبيِّ عَلَيْهِ السلامُ في الليلِ ثلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.
الثَّانِيَةُ: وقدْ يكونُ وِتْرُهُ منْ صلاةِ الليلِ بخمسِ رَكَعَاتٍ لا يَجْلِسُ إلَّا في آخرِهَا.
الثَّالِثَةُ: أنَّ صلاةَ الوترِ يَجُوزُ أَلَّا تَكُونَ مَثْنَى، وإنْ كانتْ لَيْلِيَّةً.
محمد أبو زيد
11-10-2008, 08:51 AM
بابُ الوِتْرِ
الحديثُ الحادي والعشرونَ بعدَ المائةِ
121- عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهُما قالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ -: مَا ترى فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ؟ قالَ: “ مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصبُّحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى “.
وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ: “ اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً “ .
(121) غريبُ الْحَدِيثِ:
ـ " مَثْنَى مثنَى " تأكيدٌ لفظيٌّ، لا لِقَصدِ التكرارِ، فإنَّ ذلك مُستفادٌ مِنَ الصيغةِ، أي: اثْنتينِ اثْنتينِ، وهو غيرُ مُنصرفٍ للعَدْلِ والوصفيَّة، قَالَ الزَّمَخْشَريُّ: وإعادةُ مَثْنَى للمبالغَةِ في التأكيدِ.
ـ " الْوِتْرُ ": بكسرِ الراءِ أو فتحهَا يعنِي: الفَرْدَ.
المعنَى الإجماليُّ:
سألَ رجلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يَخطبُ علَى المِنبرِ، عَنْ عددِ رَكَعَاتِ صَلاَةِ اللَّيْلِ، والفصلِ فيهَا، أو الوصلِ.
فمِن حِرصِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَى نَفْعِ الناسِ، ونَشْرِ الْعِلْمِ فيهم أجَابَه وهو في ذاك المكانِ. فقالَ: "صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا خَشِيَ الْمُصَلِّي طُلُوعَ الصُّبْحِ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى قَبْلَهَا مِنَ اللَّيْلِ".
ولكونِ الوترِ خَاتمةَ صَلاَةِ اللَّيْلِ. فالأحسنُ أنْ يكونَ صَلاَةُ آخرِ اللَّيْلِ، هي الوترُ.
اختلافُ الْعُلَمَاءِ:
ظاهرُ الْحَدِيثِ يقتضي عدمَ الزيادةِ في الصَّلاَةِ النَّافِلَةِ علَى الرَكْعَتَيْنِ، وعدمَ النقصِ عنهما، فإنَّ مقاديرَ العباداتِ أمرٌ يَغلبُ عَلَيْهِ التَّعبَّدُ، فالصَّلاَةُ أمْرُهَا تَوقِيفيٌّ، لا يتجاوزُ فيهَا ما أورَدَه الشرعُ.
ولكن ورَدَ أنَّ الوترَ قد يكونُ بركعةٍ واحدةٍ لم يسبِقْهَا شيءٌ، فقد روَى الأربعةُ إلا التِّرمذيَّ، وصحَّحه الحاكمُ وابنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أبي أيُّوبَ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ أَحَبَّ أنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاَثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ ) ورجَّح النَّسَائِيُّ وَقفَ هذا الْحَدِيثِ.
كمَا صحَّ عَنْ جماعةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أنهم أَوْتروا بركعَةٍ واحدةٍ لم يَتقدَّمْهَا صَلاَةُ شَفْعٍ، فهذا تخصيصٌ للحَدِيث في نَقْصِ النَّافِلَةِ عَنْ رَكْعَتَيْنِ في ركعةِ الوترِ. أمَّا الاقتصارُ علَى ركعةٍ واحدةٍ في النَّافِلَةِ في غيرِ الوترِ فعن أحمدَ فِيهِ روايتانِ، والروايةُ التي عليهَا المذْهَبُ هي الجوازُ، أمَّا الروايةُ الأخرَى فهي المنعُ في التنَفُّلِ بركعةٍ واحدةٍ، وهذا ظاهرُ ما يَراه الخِرَقِيُّ وقد قَوَّاه ابنُ قُدامةَ في " المُغني " بقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ) أمَّا الزيادةُ علَى رَكْعَتَيْنِ في النَّافِلَةِ، فعلَى الوترِ مِنَ اللَّيْلِ جاءَ في الصَّحِيحَينِ حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوترُ بخمسٍ لا يَجلسُ في شيءٍ إلا في آخرِهنَّ " وأخرجَ أصحابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( صَلاَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى ) ولكنْ قَالَ الصنعانيُّ: أكثرُ الأَئِمَّةِ أعَلُّو زيادةَ [والنَّهارِ] وقالوا: إنَّ الحُفَّاظَ مِنْ أصحابِ ابْنِ عُمَرَ لم يَذكُروهَا عَنْهُ، وحَكمَ النَّسَائِيُّ علَى رَاوِيهَا بأنه أَخْطَأ فيهَا، وهي مِنْ روايةِ عَلِيٍّ الأزْدِيِّ، قَالَ ابْنُ مَعينٍ: مَنْ عَلِيٌّ الأزْدِيُّ؟.
أما الزيادةُ في صَلاَةِ النهارِ فقد وَرد " أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يُصَلِّي عندَ زوالِ الشَّمْسِ أربَعاً ثم أربعاً " أخرجَهُ التِّرمذيُّ.
أمَّا أقوالُ الأَئِمَّةِ في ذلك: فالإمامُ أحمدُ أجازَ الزيادةَ في النَّافِلَةِ إلَى أربعٍ لهذا الْحَدِيثِ , والشَّافعيُّ أجازَ الزيادةَ بلا حدٍّ، ومالكٌ لم يُجِزِ الزِّيادةَ علَى رَكْعَتَيْنِ عملاً بحَدِيثِ ( صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ). وقد جَمعَ الْعُلَمَاءُ بينَ حَدِيثِ عَائِشَةَ الذي في الصَّحِيحَينِ وحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الواردِ في الصَّحِيحَينِ أيضاً، وذلك بالفصلِ بينَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بتشَهُّدٍ وسلامٍ. ويجوزُ الزيادةُ إلَى القدْرِ الواردِ فقط.
ما يُؤخذُ مِنَ الْحَدِيثِ:
1ـ يُستدلُّ بِهِ علَى أنَّ صَلاَةَ اللَّيْلِ ركعتانِ ركعتانِ بلا زيادةٍ ولا نُقصانٍ.
2ـ أنَّ الوترَ يكونُ آخرَ صَلاَةِ اللَّيْلِ لمَن وَثقَ مِنْ نفسِهِ بالقيامِ.
3ـ أنَّ وَقْتَ الوترِ يَنتهِي بطلوعِ الفجرِ.
4ـ الأَفْضَلُ أنَّ الوترَ يكونُ بعدَ صَلاَةِ شَفعٍ. فتقديمُ شفعٍ قبلَ الوترِ هو السُّنَّةُ.
والاقتصارُ في الوترِ علَى ركعةٍ واحدةٍ لم يَتقدَّمْهَا شَفْعٌ جائزٌ، فقد جاءَ في حَدِيثِ أبي أيوبَ مرفُوعاً " وَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ " رواه أبو داودَ والنَّسَائِيُّ وصحَّحه ابنُ حِبَّانَ والحاكمُ. وصحَّ عَنْ جماعةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أنهم أَوْتروا بواحدةٍ مِنْ غيرِ تقدُّمِ نَفْلٍ قَبلَهَا.
5ـ إجابةُ السائلِ علَى مَشهدٍ مِنَ الناسِ لِتعميمِ الفائدةِ.
6ـ استحبابُ الوترِ، وقد قِيلَ: بوجوبِهِ، والراجِحُ أنَّه ليس بواجبٍ، لكنَّه مِنْ أَفْضَلِ التطوعاتِ، لكثرةِ النصوصِ في الأمرِ بِهِ وفَضلِه، وكونِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَم يَتركْهُ في حَضَرٍ ولا سَفَرٍ.
***
الحديثُ الثاني والعشرونَ بعدَ المائةِ
122- عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنهُا قالتْ:" مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ، مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ. فانْتَهى وِتْرُهُ إلى السَّحَرِ " .
(122) المعنَى الإجماليُّ:
يدخلُ وَقْتُ الوترِ مِنَ الفراغِ مِنْ صَلاَةِ الْعِشَاءِ، ويَنتهي بطلوعِ الفجرِ، ولذا فإنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَد أوترَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وأوسطَه، وآخِرَه ,
ولكونِ إيقاعِه في آخرِ اللَّيْلِ أَفْضَلَ، استقَرَّ وِترُه في السحَرِ، لِيختِمَ بِهِ صَلاَةَ اللَّيْلِ.
الأحكامُ:
1ـ جوازُ صَلاَةِ الوترِ في أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأوسطِه، وآخرِه؛ لأنَّ الجميعَ وَقْتُهَا.
2ـ أنَّ الأَفْضَلَ أنْ يكونَ وِترُه في آخِرِ اللَّيْلِ، لمَن وَثقَ مِنْ نفسِهِ بالقيامِ.
اختلافُ الْعُلَمَاءِ:
اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ أنَّ ابتداءَ وَقْتِه بعدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ واخْْتَلَفُوا في نهايتِه، فذهبَ مالكٌ والشَّافعيُّ وروايةٌ عَنْ أحمدَ، إلَى أنَّ نِهايتَهُ صَلاَةُ الصُّبْحِ. وذهبَ الإمامُ أحمدُ في المشهورِ مِنْ مَذهبِهِ إلَى أنَّ وَقْتَه ينتهي بطلوعِ الفجرِ، وجزَمَ بهَا في " المُغْني"، وعليهَا الْحَنَابِلةُ المتأخِّرونَ، وقالَ في " المُغْنِي ": إنَّه يكونُ بعدَ الفجرِ قَضاءً، وممَّن ذهبَ إلَى هذا صاحبا أبي حنيفةَ، والثَّوريُّ، وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ: مَنْ نامَ عَنْ صَلاَةِ وِترِه يُصلِّيه ما بينَ طلوعِ الفجرِ وصَلاَةِ الصُّبْحِ، كما فَعل ذلك ابْنُ عُمَرَ وعَائِشَةُ وغيرُهما. وقد روَى أبو داودَ بِسندِهِ عَنْ أبيِ سعيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ ).
***
الحديثُ الثالثُ والعشرونَ بعدَ المائةِ
123- عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنهُا قالتْ: " كانَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِن اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلا في آخِرِهَا " .
(123) المعنَى الإجماليُّ:
تَصفُ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا، صَلاَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في اللَّيْلِ، بأنَّه يُصَلِّي ثلاثَ عَشْرَةَ ركعةً .فيُصَلِّي الثمانِ الأُولَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثم يُصَلِّي خمساً في سلامٍ واحدٍ، لا يَجلسُ إلا في آخرِهَا، وَيجعلُهَا وِترَه.
فائدةٌ:
اختلفتِ الرواياتُ عَنْ عَائِشَةَ في كيفيَّةِ صَلاَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقد رُوِي: سَبعاً، وتِسعاً، وإحدَى عَشْرَةَ، وثلاثَ عَشْرَةَ، وغيرُ ذلكَ.
وروي عنهَا في الصَّحِيحَينِ أنَّه: " ما كَانَ يزيدُ علَى إحدَى عَشَرَةَ ركعةً ".
وأحسنُ ما يَجمعُ بينهُنَّ، أنَّ الروايةَ بعدمِ الزيادةِ علَى إحدَى عَشْرَةَ ركعةً هو الأغلبُ مِنْ صَلاَتِهِ، وقد يزيدُ وقد ينقصُ، حَسبَ النشاطِ وعدَمِه، أو لقصدِ التعليمِ وبيانِ الجوازِ.
الأحكامُ المُستنبطةُ مِنَ الْحَدِيثِ:
1ـ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد يَجعلُ صَلاَتَه في اللَّيْلِ ثلاثَ عَشْرَةَ ركعةً، مِنْ دونِ رَكعتي الفجرِ.
2ـ وأنه يُوترُ في بعضِ الأحيانِ مِنْ صَلاَتِهِ، بخمسِ ركعاتٍ، لا يجلسُ إلا في آخرِ ركعةٍ منهَا.
3ـ أنَّ الْمُرَادَ، بكونِ صَلاَةِ اللَّيْلِ مَثنَى مثنَى في غيرِ الوترِ.
فإنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قد يُصَلِّي سبعاً، لا يجلسُ إلا في آخرِهَا، وقد يُصَلِّي خمساً، لا يجلسُ إلا في آخرِهَا، وقد يُصَلِّي تسعاً يتشَهَّدُ في الثامنةِ منهَا بلا سلامٍ، ثم يُصَلِّي التاسعةَ، ويتشَهَّدُ، ويُسلِّمُ.
4ـ قَالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ: أَفْضَلُ الصَّلاَةِ بعدَ المكتوبةِ قيامُ اللَّيْلِ، وأوْكدُ ذلك الوترُ وركْعَتا الفجرِ.
5ـ وقالَ بعدَ أنْ ذَكرَ وُجوهَ الوترِ الواردةَ في السُّنَّةِ: والصوابُ أنَّ الإمامَ إذا فَعل شيئاً مما جاءت بِهِ السُّنةُ، وأوتَرَ علَى وجْهٍ مِنَ الوجُوهِ المذكورةِ يَتبعهُ المأمومُ في ذلك.
6ـ قَالَ المَحامِليُّ: صَلاَتُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الوترَ سِتَّةُ أنواعٍ:
أـ ركعةٌ واحدةٌ.
ب ـ ثلاثُ ركعاتٍ مفصولةٍ.
ج ـ خمسُ ركعاتٍ لا يَقعدُ إلا في آخِرِهنِ ويُسلِّمُ.
د ـ سبعُ ركعاتٍ يَقعدُ في السادسةِ ولا يُسلِّمُ ثم يَقُومُ إلَى السابعةِ ويُتِمُّهَا.
هـ ـ تسعُ ركعاتٍ يتشَهَّدُ في الثامنةِ ولا يُتمُّهَا، ثم يَقُومُ إلَى التاسعةِ فيُتمُّهَا.
و ـ إحدَى عَشْرَةَ ركعةً، يُسلِّمُ في كُلِّ ركْعَتَيْنِ، ثم يأتي بواحدةٍ.
محمد أبو زيد
11-10-2008, 08:52 AM
بابُ الـوتـرِ
126 - الحديثُ الأوَّلُ: عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى المنْبَرِ -: مَا تَرَى فِي صَلاَةِ الْلَيلِ؟ قَالَ: ((مَثْنَى، مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُم الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صلَّى)) وَإِنَّهُ كَانَ يقولُ: ((اجْعَلُوا آخِرَ صلاتِكُمْ بِالْلَيلِ وِتْرًا)).
الكلامُ عَلَى هَذَا الحديثِ من وجوهٍ:
أحدُها: قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((صَلاَةُ الْلَيلِ مَثْنَى مَثْنَى)) أخذَ بِهِ مالكٌ، رحمهُ اللهُ، فِي أنهُ لاَ يُزادُ فِي صلاةِ النَّفلِ عَلَى ركعتينِ، وَهُوَ ظاهرُ هَذَا اللَّفظِ فِي صلاةِ الْلَيلِ، وَقَدْ وردَ حديثٌ آخرُ: ((صلاةُ الْلَيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى))، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنه ظاهرُ اللفظِ، لأنَّ المبتدأَ محصورٌ فِي الخبرِ، فيقتضِي ذَلِكَ حَصْرَ صلاةِ الْلَيلِ فيمَا هُوَ مَثْنَى، وَذَلِكَ هُوَ المقصودُ، إذ هُوَ ينافِي الزِّيادةَ، فَلَوْ جازتِ الزِّيادةُ لَمَا انحصرتْ صلاةُ الْلَيلِ فِي المثنَى، وَهَذَا يعارضُه ظاهرُ حديثِ عائشةَ الآتِي، وَقَدْ أخذَ بِهِ الشَّافعيُّ، وأجازَ الزيادَة عَلَى ركعتينِ مِن غيرِ حصرٍ فِي العددِ، وذكرَ بعضُ مصنِّفي أصحابهِ شرطينِ فِي ذَلِكَ، وحاصلُ قولهِ: إِنَّه متَى تنفَّلَ بأزيدَ مِن ركعتينِ، شفعًا أَوْ وِترًا، فَلاَ يزيدُ عَلَى تشهُّدينِ، ثُمَّ إنْ كَانَ المتنفَّلُ بِهِ شفعًا، فَلاَ يزيدُ بَيْنَ التشهدينِ عَلَى ركعتينِ، وإنْ كَانَ وِترًا، فَلاَ يزيدُ بَيْنَ التشهُّدينِ عَلَى ركعةٍ، فَعَلَى هَذَا إِذَا تنفَّلَ بعشرٍ، جلسَ بعدَ الثامنةِ، وَلاَ يجلسُ بعدَ السَّابعةِ، وَلاَ بعدَ مَا قبلَها من الرَّكعاتِ، لأنهُ حينئذٍ يكونُ قَدْ زادَ عَلَى ركعتينِ بَيْنَ التَّشهدينِ، فَإِذَا تنفَّلَ بخمسٍ - مثلاً - جلسَ بعدَ الرَّابعةِ، وبعدَ الخامسةِ إنْ شَاءَ، أَوْ بسبعٍ، فبعدَ السَّادسةِ والسَّابعةِ، وإن اقتصرَ عَلَى جلوسٍ واحدٍ فِي كلِّ ذَلِكَ جازَ، وَإِنَّمَا ألجأَهُ إِلَى ذَلِكَ تشبيهُ النَّوافلِ بالفرائضِ، والفريضةُ الوترُ هيَ صلاةُ المغربِ، وَلَيْسَ بَيْنَ التَّشهُّدينِ فيهَا أكثرُ من ركعةٍ، والفرائضُ الشَّفعُ لَيْسَ بَيْنَ التَّشهدينِ فيهَا أكثرُ من ركعتينِ، ولمْ يتَّفقْ أصحابُ الشَّافعيِّ عَلَى هَذَا الَّذِي ذكرهُ.
الوجهُ الثَّانِي من الكلامِ عَلَى الحديثِ: أنهُ كَانَ يقتضِي ظاهرُهُ عدمَ الزِّيادةِ عَلَى ركعتينِ، فَكَذَلِكَ يقتضِي عدمَ النُّقصانِ منهُمَا، وَقَد اختلفُوا فِي التنفُّلِ بركعةٍ فَردةٍ، والمذكورُ فِي مذهبِ الشَّافعيِّ جوازُهُ، وعن أبي حنيفةَ منعُه، والاستدلالُ بِهِ لِهَذَا القولِ كَمَا تقدَّمَ، وَهُوَ أولَى مِن استدلالِ مَن استدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بأنهُ لَوْ كانتِ الرَّكعةُ الفَردةُ صلاةً لَمَا امتنعَ قصرُ صلاةِ الصُّبحِ والمغربِ، فإنَّ ذَلِكَ ضعيفٌ جدًّا.
الوجهُ الثَّالثُ: يقتضِي الحديثُ تقديمَ الشَّفعِ عَلَى الوِترِ من قولهِ: ((صلاةُ الْلَيلِ مَثْنَى مَثْنَى))، وقولُهِ: ((توترُ لَهُ مَا صلَّى)) فَلَوْ أوترَ بعدَ صلاةِ العشاءِ مِنْ غيرِ شفعٍ، لمْ يكنْ آتيًا بالسُّنَّةِ، وظاهرُ مذهبِ مالكٍ أنهُ لاَ يوترُ بركعةٍ فردةٍ هكذَا مِنْ غيرِ حاجةٍ.
الوجهُ الرَّابعُ: يُفهمُ مِنْهُ انتهاءُ وقتِ الوترِ بطلوعِ الفجرِ مِن قولهِ: ((فَإِذَا خشيَ أحدُكم الصُّبحَ)) وَفِي مذهبِ الشَّافعيِّ وجهانِ: أحدُهما: أنَّهُ ينتهي بطلوعِ الفجرِ. والثَّانِي: ينتهِي بصلاةِ الصُّبحِ.
الوجهُ الخامسُ: قَدْ يَستدلُّ بصيغةِ الأمرِ مَنْ يَرى وجوبَ الوترِ، فإنْ كَانَ يرَى بوجوبِ كونهِ آخرَ صلاةِ الْلَيلِ، فاستدلالٌ قريبٌ، وَلاَ أعلمُ أحدًا قَالَ ذَلِكَ، وإنْ كَانَ لاَ يرَى بِذَلِكَ، فيحتاجُ أنْ يَحْمِلَ الصيغةَ عَلَى النَّدبِ، وَلاَ يستقيمُ الاستدلالُ بِهَا عَلَى وجوبِ أصلِ الوترِ عندَ مَنْ يمنعُ مِنِ استعمالِ اللفظِ الواحدِ فِي الحقيقةِ والمجازِ، وَإلاَّ كَانَ جمعًا بَيْنَ الحقيقةِ والمجازِ فِي لفظةٍ واحدةٍ، وهيَ صيغةُ الأمرِ.
الوجهُ السادسُ: يقتضِي الحديثُ أن يكونَ الوترُ آخرَ صلاةِ الْلَيلِ، فَلَوْ أوترَ ثُمَّ أرادَ التنفُّلَ، فهل يشفعُ وترَه بركعةٍ أُخرى ثُمَّ يصلِّي؟ فِيْهِ وجهانِ للشافعيَّةِ وإنْ لمْ يشفعْهُ بركعةٍ ثُمَّ تنفَّلَ، فهلْ يعيدُ الوترَ أخيرًا؟ فِيْهِ قولانِ للمالكيَّةِ، فيمكنُ كلُّ واحدٍ من الفريقينِ أنْ يَستدلَّ بالحديثِ بعدَ تقديمِ مقدمةٍ لكلِّ واحدٍ منهمَا يُحتاجُ إِلَى إثباتِها، أمَّا مَنْ قَالَ: إنهُ يشفعُ وترَهُ فيقولُ: الحديثُ يَقتضِي أن يكونَ آخرُ صلاةِ الْلَيلِ وترًا، وَذَلِكَ يتوقَّفُ عَلَى أنْ لاَ يكونَ قبلهُ وترٌ، لِمَا جَاءَ فِي الحديثِ: ((لاَ وترانِ فِي الْلَيلةِ)) فلزمَ عن ذَلِكَ أن يشفعَ الوتْرَ الأوَّلَ، فإنهُ إن لمْ يشفعْهُ وأعادَ الوترَ، لزمَ وِترَانِ فِي ليلةٍ، وإن لمْ يُعِدِ الوترَ، لم يكنْ آخرُ صلاةِ الْلَيلِ وِترًا، وَأَمَّا منْ قَالَ: لاَ يشفعُ وَلاَ يعيدُ الوترَ، فلأنهُ منعَ أنْ ينعطفَ حكمُ صلاةٍ عَلَى أُخرَى بعدَ السَّلامِ والحديثِ، وطولِ الفصلِ إن وقعَ ذَلِكَ، فَإِذَا لمْ يجتمعَا فالحقيقةُ أنَّهمَا وِترانِ، وَلاَ وترانِ فِي ليلةٍ، فامتنعَ الشَّفعُ، وامتنعَ إعادةُ الوترِ أخيرًا، ولم يبقَ إلاَّ مخالفةُ ظاهرِ قولهِ عَلَيْهِ الصلاَةُ والسَّلاَمُ: ((اجعلُوا آخرَ صلاتِكم بالْلَيلِ وِترًا))، وَلاَ يحتاجُ إِلَى الاعتذارِ، وَهُوَ محمولٌ عَلَى الاستحبابِ، كَمَا أنَّ الأمرَ بأصلِ الوترِ كَذَلِكَ، وتركُ المستحبِّ أولَى مِن ارتكابِ المكروهِ، وَأَمَّا مَن قَالَ بالإِعادةِ، فَهُوَ أَيْضًا مانعٌ من شفعِ الوترِ للأوَّلِ محافظةً عَلَى قولهِ عَلَيْهِ الصلاَة والسَّلاَمُ: ((اجعلُوا آخرَ صلاتِكمْ بالْلَيلِ وترًا)) ويحتاجُ إِلَى الاعتذارِ عن قولهِ: ((لاَ وترانِ فِي ليلةٍ)).
واعلمْ أنهُ رُبَّمَا يحتاجُ فِي هَذِهِ المسألةِ إِلَى مقدِّمةٍ أُخرَى، وَهُوَ أنْ التَّنفُّلَ بركعةٍ فَردةٍ، هل يشرعُ؟ فعليكَ بتأمُّلهِ.
***
127 - الحديثُ الثَّانِي: عَنْ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: مِنْ كلِّ الْلَيلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوَّلِ الْلَيلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ.
اختلفُوا فِي أنَّ الأفضلَ تقديمُ الوترِ فِي أوَّلِ الْلَيلِ، أَوْ تأخيرُه إِلَى آخرِه؟
عَلَى وجهينِ: لأصحابِ الشافعيِّ، مَعَ الاتِّفاقِ عَلَى جوازِ ذَلِكَ، وحديثُ عائشةَ يدلُّ عَلَى الجوازِ فِي الأوَّلِ والوسطِ والآخرِ، ولعلَّ ذَلِكَ كَانَ بحسبِ اختلافِ الحالاتِ َوطُروِّ الحاجاتِ. وَقِيلَ: بالفرقِ بَيْنَ مَنْ يرجُو أنْ يقومَ فِي آخرِ الْلَيلِ، وَبَيْنَ مَنْ يخافُ أنْ لاَ يقومَ، والأولُ تأخيرُهُ أفضلُ،
والثاني: تقديمُه أفضلُ، وَلاَ شكَّ أنَّا إِذَا نظرنَا إِلَى آخرِ الْلَيلِ منْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ كانت الصَّلاةُ فِيْهِ أفضلَ مِنْ أوَّلهِ، لكنْ إِذَا عارضَ ذَلِكَ احتمالُ تفويتِ الأصلِ قدمناهُ عَلَى فواتِ الفضيلةِ، وَهَذِهِ قاعدةٌ قَدْ وقعَ فيهَا خلافٌ، ومِنْ جملةِ صُورِهَا: مَا إِذَا كَانَ عادمُ الماءِ يرجُو وجودَهُ فِي آخرِ الوقتِ، فهل يُقدَّمُ التيمُّمُ فِي أوَّلِ الوقتِ إِحرازًا للفضيلةِ المحقَّقةِ أم يؤخِّرُه إِحرازًا للوضوءِ؟ فِيْهِ خلافٌ، والمختارُ فِي مذهبِ الشافعيِّ أنَّ التقديمَ أفضلُ، فعليكَ بالنظرِ فِي التنظيرِ بَيْنَ المسألتينِ، والموازنةِ بَيْنَ الصُّورتينِ.
128 - الحديثُ الثَّالثُ: عَنْ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ الْلَيلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لاَ يَجْلِسُ فِي شيءٍ إلاَّ فِي آخِرِهَا.
هَذَا كَمَا قدمناهُ - يُتمسَّكُ بِهِ فِي جوازِ الزِّيادةِ عَلَى ركعتينِ فِي النَّوافلِ، وتأوَّلهُ بعضُ المالكيَّةِ بتأويلٍ لاَ يتبادرُ إِلَى الذِّهنِ، وَهُوَ أنَّ حملَ ذَلِكَ عَلَى أنَّ الجلوسَ فِي محلِّ القيامِ لمْ يكنْ إلاَّ فِي آخرِ ركعةٍ، كأنَّ الأربعَ كانتِ الصَّلاةُ فيهَا قيامًا، والأخيرةُ كانتْ جلوسًا فِي محلِّ القيامِ، ورُبَّمَا دلَّ لفظهُ عَلَى تأويلِ أحاديثَ قدَّمها - هَذَا مِنْهَا - بأنَّ السَّلامَ وقعَ بَيْنَ كلِّ ركعتينِ، وَهَذَا مخالفةٌ للفظِ، فإنهُ لاَ يقعُ السَّلامُ بَيْنَ كلِّ ركعتينِ إلاَّ بعدَ الجلوسِ، وَذَلِكَ ينافيهِ قولُها: لاَ يجلسُ فِي شيءٍ إلاَّ فِي آخرِها. وَفِي هَذَا نظرٌ.
واعلمْ أنَّ مَحَطَّ النَّظرِ هُوَ الموازنةُ بَيْنَ الظَّاهرِ مِن قولِهِ عَلَيْهِ الصلاَةُ والسَّلاَمُ: ((صلاةُ الْلَيلِ مَثْنَى مَثْنَى)) فِي دلالتهِ عَلَى الحصرِ، وَبَيْنَ دلالةِ هَذَا الفعلِ عَلَى الجوازِ، والفعلُ يتطرَّقُ إِلَيْهِ الخُصوصُ، إلاَّ أنه بعيدٌ لاَ يُصَارُ إِلَيْهِ إلاَّ بدليلٍ، فتبقَى دلالةُ الفعلِ عَلَى الجوازِ معارضةً بدلالةِ اللفظِ عَلَى الحصرِ، ودلالةُ الفعلِ عَلَى الجوازِ عندنَا أقوَى، نعمْ يبقَى نظرٌ آخرُ، وَهُوَ أنَّ الأحاديثَ دلتْ عَلَى جوازِ أعدادٍ مخصوصةٍ، فَإِذَا جمعناهَا ونظرنَا أكثرَها، فَمَا زادَ عَلَيْهِ - إِذَا قُلْنَا بجوازِه - كَانَ قولاً بالجوازِ مَعَ اقتضاءِ الدَّليلِ منعَهُ منْ غيرِ معارضةِ الفعلِ لَهُ.
فلقائلٍ أنْ يقولَ: يُعملُ بدليلِ المنعِ حَيْثُ لاَ مُعَارِضَ لَهُ مِن الفعلِ، إلاَّ أنْ يصدَّ عن ذَلِكَ إجماعٌ، أَوْ يقومَ دليلٌ عَلَى أنَّ الأعدادَ المخصوصةَ ملغاةٌ عن الاعتبارِ، ويكونُ الحكمُ الَّذِي دلَّ عَلَيْهِ الحديثُ مطلقَ الزِّيادةِ، فهنا يمكنُ أمرانِ:
أحدُهما: أنْ نقولَ: مقاديرُ العباداتِ يغلبُ عليهَا التعبُّدُ، فَلاَ يُجزمُ بأنَّ المقصودَ مطلقُ الزِّيادةِ.
وَالثَّانِي: أنْ يقولَ: المانعُ المُخلُّ هُوَ الزِّيادةُ عَلَى مقدارِ الركعتينِ، وَقَدْ أُلْغِيَ بِهَذِهِ الأحاديثِ، وَلاَ يقوَى كثيرًا، واللهُ عَزَّ وَجَلَّ أعلمُ.[/align]
محمد أبو زيد
11-10-2008, 08:53 AM
المتن
130- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم – وهو على المنبر -: ما ترى في صلاة الليل؟ قال: ( مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى واحدة فأوترت له ما صلى ) وإنه كان يقول: ( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ).
131- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أول الليل، وأوسطه، وآخره، وانتهى وتره إلى السحر.
132- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها.
الشرح:
هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالوتر، والوتر سنة مؤكدة، فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بها وبين فضلها عليه الصلاة والسلام، فهي سنة مؤكدة ووقتها ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر كما في حديث خارجة بن حذافة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال:
( إن الله أمدكم بصلاة، هي خير لكم من حمر النعم، ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر ).
هذا وقتها، حين الفراغ من صلاة العشاء ولو جمعت مع المغرب جمع تقديم في المطر أو في السفر أو المرض فوقت الوتر بعد صلاة العشاء؛ وينتهي بطلوع الفجر وانتهاء الليل.
يقول عليه الصلاة والسلام لما سئل على المنبر: ما ترى في صلاة الليل؟ قال: (مثنى مثنى ) أي صلوها ثنتين ثنتين، تسلم من كل ثنتين، ( فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة توتر له ما صلى).
هذا هو السنة: أن تصلي ثنتين ثنتين،ثم توتر بواحدة
وقال عيه الصلاة والسلام: ( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ) فيجعل الركعة الأخيرة هي آخر صلاته، يختم بها تهجده بالليل. وفي حديث عائشة الثاني تقول: - رضي الله عنها -: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل عشر ركعات، يسلم من كل ثنتين ثم يوتر بواحدة ) عليه الصلاة والسلام، وربما صلى ثنتين بعد الوتر وهو جالس؛ ليعلم الناس أنه لا حرج بأن يصلي بعد الوتر، لكن الأفضل أن يكون الوتر هو الآخر، لكن لو صلى في أول الليل، ثم يسر الله له القيام في آخر الليل، صلى ما شاء ويكفيه الوتر الأول وليس بعد الوتر وقت نهي فيصلي ركعتين أو أربع أو ست أو ما أشبه ذلك، لكن دون وتر ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا وتران في ليلة ) لكن الأفضل أن يكون آخر الوتر هو الآخر الذي يختم به في الركعة الأخيرة صلاته بالليل.
وتقول رضي الله عنها: من كل الليل قد أوتر رسول الله من أوله وآخره وأوسطه وانتهى وتره إلى السحر.
ففي بعض الأحيان أوتر في أول الليل، وفي بعض الأحيان أوتر في جوف الليل، وفي بعض الأحيان أوتر في آخر الليل، ثم انتهى وتره إلى السحر في آخر حياته وقت التنزل الإلهي، لأنه ثبت في الأحاديث الصحيحة عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له حتى ينفجر الفجر ).
فإذا تيسر أن يكون التهجد والوتر في الثلث الأخير فهذا أفضل، وإن كان في جوف الليل أو في أوله فلا بأس والأمر واسع والحمد لله.
وفي الحديث الأخير تقول رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يتم إنهاؤها بخمس يسردها، هذا في بعض الأحيان وربما صلى ثنتين ثنتين وأوتر بواحدة كما تقدم في حديث عائشة في الصحيحين: ( أنه يصلي عشر ركعات يسلم من كل ثنتين ثم يوتر بواحدة ) وهذا موافق لحديث ابن عمر: ( صلاة الليل مثنى مثنى )، وربما أوتر بثلاث عشرة يصلي ثمان ركعات ركعتين ركعتين، ثم يأتي بخمس يسردها سردا ولا يجلس إلا في آخرها، وربما أوتر بثلاث يسردها سردا، ولكن الأغلب والأكثر والأفضل أن يسلم من كل ثنتين ثم يوتر بواحدة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة، فأوترت له ما صلى) لكن إذا سرد خمسا، أو سرد سبعا، أو سرد تسعا، أو سرد ثلاثا في بعض الأحيان فلا بأس، والأفضل إذا سرد سبعا أو تسعا أن يجلس في السادسة ويأتي بالتشهد الأول ثم يأتي بالسابعة، ويجلس الثامنة ويأتي بالتشهد الأول ثم يأتي بالتاسعة، وإن سلم من كل ثنتين فهذا الأفضل؛ فليس هذا بمشروع، بل يكره وينهى عنه.
وفي لفظ آخر: ( صلاة الليل والنهار ) زيادة: النهار، في لفظ صحيح لا بأس به؛ فيدل على أن النهار كذلك الأفضل ثنتين ثنتين.
الأفضل إذا صلى الضحى: يصلي ثنتين ثنتين، تسليمة تسليمة، صلى أربع يصلي تسليمتين، وإذا صلى ستاً صلاها بثلاث تسليمات وإذا صلى ثمان صلاها بأربع تسليمات هذا هو الأفضل، لقوله في الحديث الآخر: ( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى )، وكان يصلي ثنتين ثنتين عليه الصلاة والسلام، يصلي ركعتي الضحى، وتحية المسجد ثنتين، وسنة الضحى ثنتين، وأربع قبل الظهر يسلم من كل ثنتين، هكذا عليه الصلاة والسلام. فالأفضل ثنتين ثنتين حتى في النهار.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir