مشاهدة النسخة كاملة : باب الاستسقاء
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 08:10 AM
بَابُ الاسْتِسْقَاءِ
عن عبدِ اللهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ المازِنِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلى الْقِبْلَةِ يَدْعُو وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ.
وفي لفظٍ: إلى المُصلَّى.
عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ مِن بَابٍ كانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتقْبَلَ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قَائِمًا ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوالُ، وَانْقَطَعَت السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِثْنَا، قالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَدَيْهِ، ثُمَّ قَال: ((اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا))، قالَ أنسٌ: ولاَ وَاللهِ، مَا نَرَى في السَّمَاءِ مِن سَحَابٍ وَلاَ قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِن بَيْتٍ وَلاَ دَارٍ، قالَ: فَطَلَعَتْ مِن وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أمْطَرَتْ، قالَ: فَلاَ وَاللهِ، مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا، قالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِن ذَلِكَ الْبَابِ في الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَت الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَت السُّبُلُ، فادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا، قالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَدَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الأوْدِيةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ))، قالَ: فأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ.
قالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أنسَ بنَ مالكٍ، أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قالَ: لاَ أَدْرِي.
((الظِّرَابُ)) الْجِبَالُ الصِّغَارُ.
وَ((الآكَامُ)) جَمْعُ أكَمَةٍ، وهي أَعْلَى مِن الرَّابِيَةِ، ودونَ الْهَضْبَةِ، وَ((دَارُ الْقَضَاءِ)) دَارُ عمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، سُمِّيَتْ بذلكَ لأَنَّهَا بِيعَتْ في قَضَاءِ دَيْنِِهِ.
محمد أبو زيد
11-10-2008, 11:08 AM
حديثُ (( عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ في صلاةِ الاستسقاءِ وجَهَرَ فيها بالقراءةِ )) هذا من أفرادِ البخاريِّ كما قاله النوويُّ في شرْحِ مسلِمٍ .
محمد أبو زيد
11-10-2008, 11:10 AM
قولُه : فادْعُ اللهَ يُغثْنَا .
هو بالجَزْمِ ويَجوزُ أن يكونَ من أغاثَ يُغيثُ ويَجوزُ أن يكونَ من الغَيْثِ الذي هو المطَرُ .
القَزَعُ قالَ في ( المحكَمِ ) : قِطَعٌ من السحابِ رِقاقٌ كأنها ظِلٌّ إذا فَرَّتْ من تحتِ السحابةِ الكبيرةِ وقيلَ : السحابُ المتفرِّقُ وأكثرُ ما يكونُ ذلك في الخريفِ ويُقالُ : ما في السماءِ قَزْعَةٌ وقِزاعٌ أي لَطخَةُ غَيْمٍ .
سَلْعٍ بفتْحِ السين وإسكانِ ثانيه .
جَبَلٌ متَّصِلٌ بالباديةِ وأغَرَبَ ابنُ أسيدٍ في ( غريبِ الموطأِ ) فزَعَمَ أنه يُروَى بفتْحِ اللامِ .
قولُه : من بابِ كان نحوُ دارِ القضاءِ.
الجمهورُ على أن المرادَ بها دارٌ كانت لعمرَ فبيعتْ بعد وفاتِه في قضاءِ دَيْنِه وقيلَ : لأنها كانت دارَ الإمامةِ فيَقضي فيها بينَ الناسِ وصرَّحَ البخاريُّ بأن الداخلَ ثانياً هو الداخلُ أوَّلَ مَرَّةٍ .
قولُه : ما رأينا الشمسَ سَبْتاً .
يروى بكسْرِ السين ويروى بفتْحِ السينِ بعدَها باءٌ موحَّدةٌ ساكنَةٌ أي جُمُعَةً .
قولُه : يُمسِكْها هو بالجزْمِ أيضاً .
قولُه : ((حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا)).
هي في موضِعِ نصْبٍ على الظرْفِ أو على المفعولِ قالَه ابنُ الأثيرِ في شرْحِ (الأحاديثِ الطُّوالِ) .
قولُه : الإكامُ بكسْرِ الهمزةِ .
جمْعُ أَكَمَةٍ كجِبالٍ في جَمْعِ جَبَلٍ .
قالَ القاضي عِياضٌ : هو ما غَلَظَ من الأرضِ ولم يَبلُغْ أن يكونَ جَبَلاً وكان أكبرَ ارتفاعاً مما حولَه من الطيورِ والظِّرابُ جَمْعُ ظَرِبٍ بفتْحِ الظاءِ وكسْرِ الراءِ وهو من صِغارِ الْجِبالِ .
محمد أبو زيد
11-10-2008, 11:11 AM
بابُ الاسْتِسْقَاءِ
الْحَدِيثُ السابعُ والأربعونَ بَعْدَ الْمِائَةِ
عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ المازِنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: ((خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلى الْقِبْلَةِ يَدْعُو وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ)).
وفي لفظٍ: ((إلى المُصَلَّى)).
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: مَشْرُوعِيَّةُ صلاةِ الاستسقاءِ عندَ الحاجةِ إليها.
الثَّانِيَةُ: أنَّهُ يُشْرَعُ لها خطبةٌ تُقَالُ في الحالِ من الاستغفارِ والتوبةِ والتَّطَوُّعِ، وتكونُ قبلَ الصلاةِ.
الثَّالِثَةُ: استقبالُ القبلةِ عندَ الدعاءِ، وتحويلُ الرداءِ منْ جانبٍ لآخرَ تَفَاؤُلًا بِتَحَوُّلِ حالِهِم من الجدبِ إلى الخصبِ.
الرَّابِعَةُ: الجَهْرُ في صلاةِ الاستسقاءِ بالقراءةِ وأنْ تكونَ في الصَّحْراءِ.
الْحَدِيثُ الثامنُ والأربعونَ بَعْدَ الْمِائَةِ
عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأَمْوالُ، وَانْقَطَعَت السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِثْنَا، قالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَال: ((اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا))، قالَ أنسٌ: ولَا وَاللَّهِ، مَا نَرَى في السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، قالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهَ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أمْطَرَتْ، قالَ: فَلَا وَاللَّهِ، مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا، قالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ في الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَت الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَت السُّبُلُ، فادْعُ اللَّهَ يُمْسِكُهَا عَنَّا، قالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الأوْدِيةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ))، قالَ: فأَقْلَعَتْ. وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ.
قالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أنسَ بنَ مالكٍ، أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قالَ: لَا أَدْرِي. الظِّرَابُ: الجِبَالُ الصِّغَارُ
المُفْرَدَاتُ:
قَوْلُهُ: (الظِّرَابِ). الجبالُ الصِّغَارُ.
وقَوْلُهُ: (الآكَامُ). جَمْعُ أَكَمَةٍ، وهيَ أَعْلَى من الرَّابِيَةِ ودونَ الهضبةِ.
وقَوْلُهُ: (دارِ القضاءِ). دَارِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، سُمِّيَتْ بذلكَ؛ لِأنَّها بِيعَتْ في قضاءِ دَيْنِهِ.
قَوْلُهُ: (قَزَعَةٍ). القطعةُ الرقيقةُ من السحابِ.
قَوْلُهُ: (سَلْعٍ). بفتحِ السينِ وسكونِ اللامِ: جَبَلٌ قربَ المدينةِ.
قَوْلُهُ: (التُّرْسِ). صفيحةٌ منْ حديدٍ مستديرةٌ على صفةِ (الصَّاجِ) يَتَّقُونَ بها ضربَ السيوفِ في الحربِ.
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: مَشْرُوعِيَّةُ الخطبةِ قائمًا، وإباحةُ مخالطةِ الخطيبِ.
الثَّانِيَةُ: مَشْرُوعِيَّةُ الاستسقاءِ في الخطبةِ.
الثَّالِثَةُ: مُعْجِزَةٌ منْ معجزاتِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدالَّةِ على نُبُوَّتِهِ.
الرَّابِعَةُ: رَفْعُ اليَدَيْنِ في الدعاءِ.
الْخَامِسَةُ: اسْتِحْبَابُ الدعاءِ بهذا الدعاءِ النَّبَويِّ الجامعِ.
السَّادِسَةُ: جوازُ الاسْتِصْحَاءِ وَطَلَبِ كَفِّ المطرِ عندَ التَّطَوُّرِ بالمَطَرِ.
السَّابِعَةُ: جوازُ طَلَبِ الدعاءِ مِمَّنْ يُظَنُّ فيهم الصلاحُ والتُّقَى.
محمد أبو زيد
11-10-2008, 11:13 AM
بابُ الاستسقاءِ
هو لُغةً: طَلَبُكَ السُّقْيَا لنفسِكَ أو لغيرِكَ، وشرعاً: طَلَبُها من اللَّهِ تعالى عند حصولِ الجدْبِ على وجهٍ مخصوصٍ.
صلاةُ الاستسقاءِ من ذواتِ الأسبابِ التي تُشرعُ عندَ وجودِ سببِها، كالكسوفِ، وصلاةِ الجنازةِ.
وسببُها: تضرُّرُ الناسِ بالقحطِ من: انقطاعِ الأمطارِ، أو تغوُّرِ الآبارِ، أو جفافِ الأنهارِ.
***
الحديثُ السابعُ والأربعونَ بعدَ المائةِ
147- عن عبدِ اللَّهِ بنِ عاصمٍ المازنيِّ رضيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: خَرَجَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهمَا بِالْقِرَاءَةِ.
وفي لفظٍ: أَتَى المُصَلَّى .
(147) المعنَى الإجماليُّ:
لما أجْدَبتِ الأرضُ في عهدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خرجَ بالناسِ إلَى الصحراءِ لِيطلبَ السُّقْيا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
فتوجَّه إلَى الْقِبْلَةِ، مَظِنةَ قبولِ الدُّعَاءِ، وأخذَ يدعو اللَّهَ أنْ يُغيثَ الْمُسْلِمِينَ، ويُزيلَ ما بهم مِنْ قَحْطٍ.
وتفاؤلاً بتحَوُّلِ حَالِهم مِنَ الجدبِ إلَى الخصبِ، ومِنَ الضيقِ إلَى السَّعةِ، حوّلَ رِداءَه مِنْ جانبٍ إلَى آخرَ، ثم صَلَّى بهم صلاةَ الاستسقاءِ رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فيهما بالقراءةِ لأنَّهَا صَلاَةٌ جامعةٌ.
ما يُؤخذُ مِنَ الْحَدِيثِ:
1ـ مشروعيَّةُ صَلاَةِ الاستسقاءِ، وأجمعَ الْعُلَمَاءُ علَى استحبابِهَا إلا أبا حنيفةَ فإنَّه يَرَى أنَّ الاستسقاءَ يُشرعُ بمجرَّدِ الدُّعَاءِ، وخالفَهُ أصحابُه.
2ـ أنَّه يُشرعُ لهَا خُطبةٌ، تَشتملُ علَى ما يُناسبُ الحالَ مِنَ الاستغفارِ، والتضَرُّعِ، والدُّعَاءِ، والزَّجرِ عَنِ المظالمِ، والأمرِ بالتوبةِ.
3ـ أنْ تَكُونَ الخطبةُ قبلَ الصَّلاَةِ، وقد وَرَدَ في بعضِ الأحاديثِ.
ففي مسندِ الإمامِ أحمدَ أنَّه يَبدأُ بالصَّلاَةِ قبلَ الخطبةِ، وهو مذْهَبُ جمهورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الشَّافعيَّةِ والْحَنَابِلةِ وغيرِهم.
وعَنِ الإمامِ أحمدَ في ذلك ثلاثُ رواياتٍ:
أـ تقديمُ الصَّلاَةِ ب ـ وعَكسُهَا ج ـ وجوازُ الأمريْنِ.
4ـ استقبالُ الْقِبْلَةِ عندَ الدُّعَاءِ لأنَّهَا مظنَّةُ الإجابةِ.
5ـ مشروعيَّةُ تحويلِ الرِّداءِ أثناءَ الدُّعَاءِ، تفاؤلاً بتحَوُّلِ حالِهم مِنَ القحطِ والجدْبِ إلَى الرخاءِ والخصبِ.
6ـ الجهرُ في صَلاَةِ الاستسقاءِ بالقراءةِ، وهذا شَأنُ كلِّ صَلاَةٍ تكونُ جامِعةً، كالجمُعةِ، والعيدينِ، والكسوفِ.
7ـ أنْ تَكُونَ صَلاَتُهَا في الصحراءِ، لتَتَّسِعَ للناسِ، ولِيبرُزوا بضَعفِهم وعَجْزِهم أمامَ اللَّهِ تَعَالَى، مادِّينَ يدَ الافتقارِ والذُّلِّ.
***
الحديثُ الثامنُ والأربعونَ بعدَ المائةِ
148- عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ، أَن رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، ورسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ قائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتقْبَلَ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ قَائماً ثم قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، هَلَكَت الأَمْوالُ، وَانْقَطَعَت السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِثْنَا، قالَ: فَرَفَعَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثمَّ قَالَ: ( اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا )، قالَ أنسٌ: فَلاَ وَاللَّهِ، مَا نَرَى في السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلاَ قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلاَ دَارٍ، قالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهَ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَت السَّماءَ انْتَشَرَتْ، ثمَّ أمْطَرَتْ، قالَ: فَلاَ وَاللَّهِ، مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتاً، قالَ: ثمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ في الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، ورسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فاستقبلَه قائماً، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، هَلَكَت الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَت السُّبُلُ، فادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا، قالَ: فَرَفَعَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثمَّ قالَ: ( اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الأوْدِيةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ )، قالَ: فأَقْلَعَتْ. وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ ) (148).
قال شَرِيكٌ: فسألتُ أنسَ بنَ مالكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قالَ: لاَ أَدْرِي.
" الظِّرَابُ ": الجبالُ الصِّغارُ.
و" الآكامُ ": جمعُ أكَمَةٍ، وهي أعلَى من الرابيةِ، ودونَ الهضْبةِ. .
" دارُ القضاءِ ": دارُ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللَّهُ عنهُ، سُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّها بِيعتْ في قضاءِ دَينهِ.
(148) الغريبُ:
" دارُ القضاءِ ": دارٌ لعُمَرَ بنِ الخطابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ بِيعتْ لقضاءِ دَيْنِه بعدَ وفاتِه، غَرْبِيَّ المسجدِ.
" يُغِثْنَا ": هو بالجزمِ لأنَّه جوابُ الطلبِ.
"ولا قَزَعَةٍ ": [القَزعُة] القِطعةُ الرقيقةُ مِنَ السحابِ، بِفَتحِ القافِ والزَّاي والعَينِ.
" سَلْعٍ ": بفتحِ السينِ وسكونِ اللامِ، جَبلٌ قُربَ المدينةِ وهو في الجهةِ الغربيَّةِ الشماليَّةِ منهَا، وقد دخلَ الآن في العُمَرانِ.
" التِّرْسُ ": صَفيحةٌ مستديرةٌ مِنْ حَدِيدٍ، يَتَّقون بهَا في الحربِ ضَربَ السيوفِ.
" و الآكامُ والظِّرابُ ": [الآكامُ] التُّلولُ المُرتفعةُ مِنَ الأرضِ، [الظِّرابُ] الرَّوابي والجبالُ الصِّغارُ، ومُفردُ[الآكامِ] أَكَمَةٌ. و[الظِّرابُ] جَمْعُ ظَرِبٍ بفتحِ الظاءِ وكسرِ الرَّاءِ.
ما رَأيْنا الشَّمْسَ سَبْتاً بكسرِ السينِ وفَتْحِهَا، يعنِي: أسبوعاً، مِنْ بابِ تسميةِ الشيءِ بِبعضِه.
" يُمْسِكُهَا ": يجوز فيهَا الرفعُ، ويجوزُ الجزمُ في جوابِ الطلبِ.
المعنَى الإجماليُّ:
كان النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائماً يخطبُ في مسجدِهِ يومَ الجمعةِ، ودخلَ رَجلٌ فاستقبلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ـ مُبيِّناً للنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسلامُ ما فِيهم مِنَ الشدَّةِ والضِّيقِ، بسببِ انحباسِ المطرِ الذي جُلُّ مَعيشتهم عَلَيْهِ وطلَبَ مِنْهُ الدُّعَاءَ لهم بتفريجِ هذهِ الكُربةِ ـ
هلكَتِ الحيواناتُ مِنْ عدمِ الكلأِ وانقطَعتِ الطُّرقُ، فهزلَتِ الإبلُ التي نُسافِرُ ونَحمِلُ عليهَا.
ولكونِك القريب مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، مُستجابَ الدُّعَاءِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يُغيثَنا، فبالغيثِ يزولُ عنا الضَّررُ، ويرتفعُ القحْطُ.
فرفعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديْهِ، ثم قَالَ: ( اللَّهم أَغِثْنَا ) ثلاثَ مرَّاتٍ، كعادَتِه في الدُّعَاءِ، والتفهيمِ في الأمرِ المُهِمِّ.
ومع أنهم لم يَرَوْا في تلكِ الساعةِ في السَّمَاءِ مِنْ سحابٍ ولا ضبابٍ إلا أنَّه في أثرِ دعاءِ المصطفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، طَلعتْ مِنْ وراءِ جبلِ [سَلْعٍ] قِطعةٌ صغيرةٌ، فأخذتْ تَرتفعُ.
فلما تَوسَّطتِ السَّمَاءَ، توسَّعتْ وانتشرَتْ، ثم أمطَرتْ، ودامَ المطرُ عليهم سبعةَ أيَّامٍ.
حتَى إذا كانتِ الجمعةُ الثانيةُ، دخَلَ رجلٌ، ورَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسلم قَائمٌ يخطبُ الناسَ: فقالَ ـ مبيناً أنَّ دوامَ المطرِ، حَبسَ الحيواناتِ في أماكِنهَا عَنِ الرَّعيِ، حتَّى هَلكتْ، وحَبس الناسَ عَنِ الضربِ في الأرضِ والذهابِ والإيابِ في طلبِ الرِّزقِ ـ فادْعُ اللَّهَ أنْ يُمِسكَهَا عنَّا.
فرفعَ يدَيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قَالَ: ما مَعناه: اللَّهُمَّ إِذَا قَدَّرْتَ بِحِكْمَتِكَ اسْتِمْرَارَ هذا الْمَطَرِ، فَلْيَكُنْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ لاَ عَلَيْهَا، لِيَضْرِبَ النَّاسُ في معاشِهم وتَسيرُ بَهائِمُهم إلَى مَراعيهَا، وليكونَ نُزولُ هذا المطرِ في الأمكنةِ التيِ يَنفعُهَا نُزولُهُ، مِنَ الجبالِ، والرَّوابي والأودِيةِ، والْمَرَاعي.
وأقلعتِ السَّمَاءُ عَنِ المطرِ فخَرجوا مِنَ المسجدِ يَمشونَ، وليس عليهم مطرٌ.
فصلواتُ اللَّهِ وسلامُه عَلَيْهِ.
ما يُؤخذُ مِنَ الْحَدِيثِ:
1ـ مشروعيَّةُ الخطبةِ قائماً وإباحةُ مُكالمةِ الخطيبِ، وتَقدَّم في الجمعةِ هذا البحثُ.
2ـ مشروعيَّةُ الاستسقاءِ في الخطبةِ، واقتصرَ عليهَا أبو حنيفةَ، بدونِ صَلاَةٍ، والْجُمْهُورُ علَى أنَّ الاستسقاءَ يكونُ بصَلاَةٍ خاصَّةٍ، وخطبةِ الجمعةِ وفي الدُّعَاءِ وَحْدَه.
3ـ رفعُ اليدينِ في الدُّعَاءِ؛ لأنَّ فِيهِ معنَى الافتقارِ وتحرِّي معنى الإعطاءِ فيهما وقد أجمعَ العلماءُ على رفعِهما في هذا الموقفِ، واخْْتَلَفُوا فيما عَداه، فبعضُهم عدّاه إلَى كُلِّ حالةِ دعاءٍ وبَعضُهم قَصَره علَى المواطنِ الواردِ فيهَا. قَالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ: إنَّ في رفعِ اليدينِ في الدُّعَاءِ مُطلقاً أحاديثُ كثيرةٌ عندَ البُخاريِّ والمُنذريِّ والنوويِّ.
4ـ معجزةٌ مِنْ معجزاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكرامةٌ مِنْ كراماتِهِ، الدالَّةِ علَى نُبُوَّتِهِ، فقد اسْتُجيبَ دُعاؤُه في الحالِ، في جَلْبِ المطرِ ورَفْعِه.
5ـ أنَّ فِعلَ الأسبابِ لطلبِ الرزقِ، مِنَ الدُّعَاءِ، والضربِ في الأرضِ، لا يُنافي التَّوكُّلَ علَى اللَّهِ تَعَالَى.
6ـ استحبابُ الدُّعَاءِ بهذا الدُّعَاءِ النَّبِويِّ لطلبِ الغيثِ.
7ـ جوازُ الاستصحاءِ عندَ الضررِ بالمطرِ. وخُصَّ بقاءُ المطرِ علَى الآكامِ والظرابِ وبطونِ الأوديةِ لأنَّهَا أوْفقُ للزراعةِ والرَّعيِ في شواهقِ الجبالِ التي لا َتُنالُ إلا بمشقَّةٍ.
8ـ جوازُ طلبِ الدُّعَاءِ ممَنْ يُظنُّ فيهم الصَّلاَحُ والتُّقَى، وهذا التوَسُّلُ جائزٌ.
وقد قَسَّمَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ التوسُّلَ إلَى ثلاثةِ أقسامٍ، اثنانِ جائزانِ.
الأَوَّلُ: طلبُ دعاءِ اللَّهِ مِنَ الحَيِّ الذي يُظنُّ فِيهِ الخيرُ.
الثاني: التوسُّلُ بِفعلِ الأعمالِ الصالحةِ فهذانِ القِسمانِ مَشروعانِ.
أما الثالثُ فَممنوعٌ: وهو التوسُّلُ بِجاهِ أحدٍ مِنَ المخلوقِينَ، حياًّ أو مَيِّتاً. فهذا لا يجوزُ، لأنَّه مِنْ وسائلِ الشِّرْكِ.
محمد أبو زيد
11-10-2008, 11:14 AM
بابُ الاستسقاءِ
152 - الحديثُ الأولُ: عن عبدِ اللهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ المازنيِّ، قَالَ: خَرَجَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صلَّى رَكْعَتْينِ، جَهَرَ فيهما بِالْقِراءَةِ.
وَفِي لفظٍ: ((إِلَى المُصَلَّى)).
فيه دليلٌ عَلَى استحبابِ الصلاةِ للاستسقاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ جمهورِ الفقهاءِ، وعندَ أبي حنيفةَ: لاَ يصلَّى للاستسقاءِ، ولكن يُدعَى، وخالفهُ أصحابُه، فوافقُوا الجماعةَ، وقالوا: تُصلَّى فيه ركعتانِ بجماعةٍ، واستدلَّ لأبي حنيفةَ باستسقاءِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المنبرِ يَوْمَ الجمعةِ، ولم يُصلِّ للاستسقاءِ، قالوا: لَوْ كانتْ سُنَّةً لمَا تركها.
وفيه دليلٌ عَلَى أنَّ سُنَّةَ الاستسقاءِ البروزُ إِلَى المصلَّى.
وفيه دليلٌ عَلَى استحبابِ تحويلِ الرِّداءِ فِي هَذِهِ العبادةِ، وخالفَ أبو حنيفةَ فِي ذَلِكَ، وقيلَ: إنَّ سببَ التَّحويلِ التفاؤُلُ بتغييرِ الحالِ، وَقَالَ مَن احتجَّ لأبِي حنيفةَ: إِنَّمَا قلبَ رداءَهُ ليكونَ أثبتَ عَلَى عاتقِه عندَ رفعِ اليدينِ فِي الدُّعاءِ، أَوْ عرفَ مِن طريقِ الوحيِ تغيُّرَ الحالِ عندَ تغييرِ ردائه.
قُلْنَا: القلبُ مِن جهةٍ إِلَى أخـرَى، أَوْ مِن ظهـرٍ إِلَى بطنٍ، لاَ يقتضِي الثبـوتَ عَلَى العاتقِ، بل أيُّ حالةٍ اقتضت الثبوتَ أَوْ عدمَه فِي إحـدَى الجهتينِ، فَهُوَ موجودٌ فِي الأُخرَى، وإن كَانَ قَدْ قربَ مِنَ السُّقـوطِ فِي تلكَ الحالِ، فيُمكنُ أن يثبتَهُ مِن غيرِ قلبٍ، والأصـلُ عدمُ مَا ذُكرَ من نزولِ الوحيِ بتغيِّرِ الحالِ عندَ تغييرِ الرِّداءِ، والاتباعُ لفعلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولَى من تركهِ لمجردِ احتمالِ الخصوصِ، مَعَ مَا عُرفَ فِي الشَّرعِ من محبةِ التفاؤلِ.
وفيه دليلٌ عَلَى تقديمِ الدُّعاءِ عَلَى الصَّلاةِ، ولمْ يُصرِّحْ بلفظِ الخطبةِ، والخطبةُ عندَ مالكٍ والشَّافعيِّ بعدَ الصَّلاةِ، وفيه حديثٌ عن أبي هريرةَ يقتضيهِ.
وفيه دليلٌ عَلَى استقبالِ القبلةِ عندَ الدُّعاءِ مُطلقًا.
وفيه دليلٌ عَلَى الجهرِ فِي هَذِهِ الصَّلاةِ، والتحويلُ المذكورُ فِي الحديثِ يُكتفَى فِي تحصيلِ مسمَّاهُ بمجرَّدِ القلبِ من اليمينِ إِلَى اليسارِ، واللهُ أعلمُ.
***
153 - الحديثُ الثَّاني: عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ المسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعِة مِنْ بابٍ كَانَ نَحْو دَارِ القَضَاءِ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السّبُلُ، فَادْعُ اللهَ تَعَالَى يُغِثْنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا))، قَالَ أنَسٌ: فَلاَ وَاللهِ مَا نَرَى فِي السَّماءِ مِنْ سَحَابٍ وَلاَ قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وبين سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلاَ دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فلمَّا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: فَلاَ واللهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمعةِ المُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السّبُلُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((اللهُمَّ حَوَاليْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللهُمَّ عَلَى الآكامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ))، قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ، قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأوَّلُ؟ قَالَ: لاَ أَدْرِي.
قَالَ رحمهُ اللهُ: ((الظِّرَابُ)) الْجِبَالُ الصِّغَارُ.
هَذَا هُوَ الحديثُ الَّذِي أشرنَا إِلَيْهِ أنهُ استُدلَّ بِهِ لأبي حنيفةَ فِي تركِ الصَّلاةِ، وَالَّذِي دلَّ عَلَى الصَّلاةِ واستحبابِها لاَ يُنافي أنْ يقعَ مجرَّدُ الدُّعاءِ فِي حالةٍ أُخرَى، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الَّذِي جرَى فِي الجمعةِ مجرَّدَ دعاءٍ، وَهُوَ مشروعٌ، حيثمَا احتيجَ إِلَيْهِ، وَلاَ ينافِي شرعيةَ الصلاةِ فِي حالةٍ أُخرَى إِذَا اشتدَّتِ الحاجةُ إليها.
وَفِي الحديثِ علَمٌ من أَعْلاَمِ النُّبوَّةِ فِي إجابةِ اللهِ تَعَالَى دُعاءَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقيبَهُ أَوْ مَعَهُ، وأرادَ بالأموالِ الأموالَ الحيوانيَّةَ، لأنهَا التي يؤثِّرُ فيهَا انقطاعُ المطرِ، بخلافِ الأموالِ الصَّامتةِ، و((السُّبلُ)) الطُّرقُ, وانقطاعُها إِمَّا بعدمِ المياهِ التي يعتادُ المسافرُ ورودَها، وَإِمَّا باشتغالِ الناسِ وشدَّةِ القَحْطِ عَنِ الضَّربِ فِي الأرضِ.
وفيه دليلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ رفعِ اليدينِ فِي دُعاءِ الاستسقاءِ, فمِن النَّاسِ مَن عَدَّاه إِلَى كلِّ دعاءٍ، ومنهمْ من لم يُعدِّهِ، لحديثٍ عن أنسٍ يقتضي ظاهرُه عدمَ عمومِ الرفعِ لِمَا عدَا الاستسقاءِ، وَفِي حديثٍ آخرَ استثناءُ ثلاثةِ مواضعَ،
مِنْهَا: الاستسقاءُ، ورؤيةُ البيتِ، وَقَدْ أُوِّلَ ذَلِكَ عَلَى أنْ يكونَ المرادُ رفعاً تامًّا فِي هَذِهِ المواضعِ، وَفِي غيرِها دونهُ، بدليلِ أنه صحَّ رفعُ اليدينِ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غيرِ تلكَ المواضعِ، وصنَّفَ فِي ذَلِكَ شيخُنا أبو محمدٍ المنذريُّ، رحمه اللهُ، جُزءًا قرأتُه عَلَيْهِ.
((والقَزَعُ)) سحابٌ متفرِّقٌ، ((والقَزَعَةُ)) واحدتُه، وَمِنْهُ أُخذَ القَزَعُ فِي الرأسِ، وَهُوَ أن يُحلقَ بعضُ رأسِ الصَّبيِّ ويتركَ بعضُه، و((سَلْعٌ)) جبلٌ عندَ المدينةِ.
وقولهُ: وَمَا بَيْنَنَا وبين سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلاَ دَارٍ, تأكيدٌ لقولهِ: وَمَا نَرَى فِي السَّماءِ مِنْ سَحَابٍ وَلاَ قَزَعَةٍ؛ لأنه أخبرَ أنَّ السحابةَ طلعتْ من وراءِ سلعٍ، فَلَوْ كَانَ بينهمْ وبينَهُ لأمكنَ أن تكونَ القزَعَةُ موجودةً، لكنْ حالَ بينهمْ وبين رؤيتِها مَا بينهمْ وبين سَلْعٍ من دارٍ لَوْ كانَتْ.
وقولهُ: مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا, أي: جُمعةً، وَقَدْ بُيِّنَ فِي روايةٍ أُخرَى.
وقولُهُ فِي الجمعةِ الثانيةِ: هَلَكَتِ الأَمْوَالُ أي: بكثرةِ المطرِ، وفيه دليلٌ عَلَى الدُّعاءِ لإِمساكِ ضررِ المطرِ، كَمَا استُحبَّ الدُّعاءُ لنزولِه عندَ انقطاعِهِ، فإنَّ الكلَّ مُضِرٌّ، و((الآكامُ)) جمع أُكُمٍ، كأعناقٍ جمع عُنُقٍ، والأكُمُ جمع إكامٍ مثلُ كُتُبٍ جمع كتابٍ، والإِكامُ جمعُ أَكَمٍ، مثلُ جبالٍ جمعُ جَبَلٍ، والأُكُمُ والأكماتُ، جمعُ الأكْمةِ، وهيَ التلُّ المرتفعُ من الأرضِ، و((الظِّرابُ)) جمعُ ظَرِب - بفتح الظاء وكسر الراءِ - وهيَ صغارُ الجبالِ.
وقوله: ((وَبُطُونِ الأَوْدِيةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ)) طلبٌ لما يُحصِّل المنفعةَ ويدفَعُ المضرَّةَ. وقولهُ: وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ , علَمٌ آخرُ من أعلامِ النُّبوَّةِ فِي الاستصحاءِ كَمَا سبقَ مثلُه فِي الاستسقاءِ، واللهُ أعلمُ.
محمد أبو زيد
11-10-2008, 11:15 AM
المتن
باب صلاة الاستسقاء
156- عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة. وفي لفظ: أتى المصلى.
157- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلى الله فيه وسلم قائما ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا، قال: ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: ((اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا))، قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انقشعت ثم أمطرت، قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، قال: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس)). قال شريك: فسألت أنس بن مالك أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري.
الشرح:
هذان الحديثان الصحيحان الثابتان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاهما يدل على شرعية الاستسقاء، وهو طلب السقيا، وطلب الغيث، ويقال له الاستغاثة أي طلب الغوث، والغوث يكون في طلب إزالة الشدة بسبب الجدب والقحط وقلة المياه، يقال: استسقى طلب السقيا، واستغاث طلب الغوث لإزالة الشدة، ويقال: الغيث هو المطر، طلب الغيث أي طلب المطر، وهذا سنة مؤكدة، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام فعلها، فدل ذلك على سنيتها وتأكدها، وفيها فوائد:
- منها الضراعة إلى الله باللجوء إليه، وإظهار العبودية والمسكنة والانكسار، والله يحب من عباده أن ينكسروا إليه وأن يعبدوه وأن يعظموه، وأن يذلوا له، وأن يسألوه من فضله حيث قال سبحانه: ( ادعوني أستجب لكم ) وقال: (واسألوا الله من فضله ).
وفيه من الفوائد أنه ينبغي للأمة أن تفعل ذلك، إذا وجد الجدب والقحط فينبغي لها أن تستغيث وتسأل الله من فضله، لأن السراء والضراء امتحان من الله يختبر بهما عباده، فالمؤمنون يشكرون عند السراء ، و يصبرون عند الضراء ، ويسألون ربهم الغيث والهداية والرحمة والإحسان.
في الحديث الأول حديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بالناس إلى الصحراء، وصلى بهم في المصلى واستغاث، فرفع يديه ودعا وطلب السقيا، وحول وقلب رداءه، الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، وتوجه لربه يدعو بعدما قلب رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة. وفي حديث ابن عباس في السنن أنه صلى كما يصلي العبد، فدل ذلك على أنه عند الجدب والقحط يشرع لولي الأمر والمسلمين جميعاً أن يستغيثوا ويستسقوا، ويشرع للعامة أن يطلبوا من ولي الأمر ذلك إذا تأخر حتى يستغيث لهم كما فعل المسلمون مع نبيهم عليه الصلاة والسلام. فإذا عزموا على ذلك خرجوا صباحا ويبلغون الناس ويعلمونهم، ويحددون لهم وقتا حتى يجتمعوا، فإذا طلعت الشمس وارتفعت خرج وصلى بهم، وخطب فيهم، وصلى بهم ركعتين، وهو مخير إن شاء صلى أولا ثم خطب كما في حديث عبد الله ابن زيد، وإن شاء قدم الصلاة كما في العيد ثم خطب بعد ذلك كما في الرواية الأخرى، بدأ بالصلاة ثم خطب، وهما سنتان، ولعه فعلها صلى الله عليه وسلم تارة وتارة، فتارة بدأ بالصلاة وتارة بدأ بالخطبة وفي حديث ابن عباس أنه صلاهما كما يصلي في العيد، فإنه صلى ثم خطب، وفي هذه الصلاة والدعاء يستغيث الله، ويحث الناس على الاستغفار والتوبة والاستقامة على طاعة الله، والحذر من المعاصي، ويذكر الله ويمجده سبحانه وتعالى، ويطلب لهم الغيث من الله جل وعلا، ويجهر بالقراءة في الصلاة كالعيد، لأنه يصلي صلاة جهرية، فيصلي ركعتين يكبر في الأولى سبعا بتكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمسا من غير تكبيرة النقل، ثم يقرأ بعد التكبيرات كالعيد، وله أن يستسقي في الجمعة كما في حديث أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم استسقى في خطبة الجمعة لما جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، وكان يخطب في الجمعة، فرفع يديه ودعا: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، فالسماء خالية ليس فيها شيء، وليس بينهم وبين سلع – جبل معروف هناك – بيت ولا دار، يعني يشاهدون الجبل، فبينما هم كذلك إذ طلعت سحابة من وراء الجبل مثل الترس، يعني صغيرة، ثم انتشرت في السماء، ثم أمطرت بإذن الله عز وجل، والناس في مسجدهم، لم يخرجوا وهذا فيه آية من آيات الله، قال سبحانه: ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) وكانت الإغاثة بسرعة بأمر الله سبحانه وتعالى، في حالة الدعاء والصلاة.
وفيه أيضا دلالة على أنه رسول الله عليه الصلاة والسلام فهذا من معجزاته لأنه دعا فأجيب في الحال بما ينفع العباد، ولم يخرج الناس من المسجد إلا وهم يمشون في المطر، هذه من آيات الله ونعمه العظيمة، ومن الدلائل على قدرته العظيمة، وأنه رب العالمين، وأنه القادر على كل شيء، وأن محمدا هو رسوله عليه الصلاة والسلام، حيث أجاب دعوته في الحال وأرسل المطر في الحال على عباده المسلمين.
وفيه من الفوائد أنه لا مانع أن يتكلم الإنسان مع الإمام في حاجة وهو يخطب، كأن يقول: يا فلان، يا أبا فلان، يا إمامنا ادع الله لنا، استغث لنا، حصل كذا وكذا مما يحتاج إلى التنبيه في الخطبة، لا بأس أن يتقدم بعض المأمومين ويقول له ذلك في الخطبة ولا بأس أن يتكلم الإمام بما يرى في الخطبة من نصيحة أو توجيه أو تنبيه أحد، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلا دخل المسجد ولم يصل ركعتين: قم فصل ركعتين، تحية المسجد والواجب على المسلمين الإنصات.
وفيه أن المطر استمر معهم سبتا: أسبوعا، والسماء تمطر، فدخل رجل من ذلك الباب في الحجة التي بعدها وقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، ادع الله يمسكها عنا أي: يمسك المطر، فرفع يديه صلى الله عليه وسلم ودعا: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر، قال فأقلعت، أي أقلعت السحب في الحال، وخرج الناس يمشون في الشمس، وهذه آية من آيات الله جل وعلا، ومن الدلائل العظيمة على قدرته العظيمة، وأنه يقول للشيء كن فيكون سبحانه وتعالى. ومن الدلائل على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم وأنه رسول الله حقا، حيث أجاب الله دعوته في الحال عليه الصلاة والسلام في الأولى والثانية.
في بعض الروايات أنه تبسم عليه الصلاة والسلام لما رأى من جزع الناس وعدم تحملهم، لما جاءه من يقول له: ادع الله يكشفها عنا، ففي الجمعة الأولى، يطلب المطر، وفي الجمعة الأخرى يطلب الإمساك، وهذا يدل على ضعف بني آدم وأنهم لا يتحملون الشيء الكثير، لأنه قد يخرب بيوتهم ويضر أنعامهم.
وفيه أنه لا مانع من طلب اللهم حوالينا ولا علينا، ولم يقل: اللهم أمسكها عنا، بل قال: اللهم حوالينا ولا علينا، فدل على أن هذا هو السنة، أن يقول: اللهم حوالينا ولا علينا، ولا يقول: أمسكها، قد يكون في بقاء المطر خير، لكن يقول: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر، والآكام: الأشياء المرتفعة، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، الأراضي التي يحصل فيها النبات حتى ينفعها المطر.
وفيه من الفوائد أنه ينبغي تكرار الدعاء والإلحاح فيه، لأنه يكرر ثلاثا: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، فيشرع للخطيب أن يكرر الدعاء، ويلح فيه، كما كرر النبي صلى الله عليه وسلم دعائه.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir