المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : باب المياه (4/4)


عبد العزيز الداخل
11-06-2008, 04:58 AM
13- وعن ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ)). أَخرَجَهُ أحمدُ، وابنُ مَاجَهْ وفيهِ ضعفٌ.
14- وعن أبي هُرَيْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لْيَنْزَعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً)). أَخرَجَهُ البخاريُّ. وأبو دَاوُدَ وزادَ: ((وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ)).
15- وعن أبي واقدٍ الليثيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ – وَهِيَ حَيَّةٌ – فَهُوَ مَيِّتٌ)). أَخرَجَهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ واللفظُ لَهُ.

محمد أبو زيد
11-20-2008, 01:51 PM
11/11- وَعَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا المَيْتَتَانِ: فَالجَرَادُ وَالحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ وَالكَبِدُ)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ .
(وَعَنِ " ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ) أَيْ بَعْدَ تَحْرِيمِهِمَا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَاتُ (وَدَمَانِ) كَذَلِكَ (فَأَمَّا المَيْتَتَانِ: فَالجَرَادُ) أَيْ مَيْتَتُهُ (وَالحُوتُ) أَيْ: مَيْتَتُهُ.
(وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ) بِزِنَةِ: كِتَابٍ (.: وَالْكَبِدُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ)؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ " ابْنِ عُمَرَ، قَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ. وَصَحَّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، كَمَا قَالَ " أَبُو زُرْعَةَ " " وَأَبُو حَاتِمٍ "، وَإِذَا فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ " فَلَهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ: أُحِلَّ لَنَا كَذَا وَحُرِّمَ عَلَيْنَا كَذَا، مِثْلُ قَوْلِهِ: أُمِرْنَا وَنُهِينَا فَيَتِمُّ بِهِ الِاحْتِجَاجُ، .
وَيَدُلُّ عَلَى حِلِّ مَيْتَةِ الجَرَادِ عَلَى أَيِّ حَالٍ وُجِدَتْ، فَلا يُعْتَبَرُ فِي الجَرَادِ شَيْءٌ، سَوَاءٌ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِسَبَبٍ. وَالحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى مَن اشْتَرَطَ مَوْتَهَا بِسَبَبٍ آدَمِيٍّعَادِيٍّ، أَوْ بِقَطْعِ رَأْسِهَا، وإلَّا حَرُمَتْ. وَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حِلِّ مَيْتَةِ الحُوتِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ وُجِدَ، طَافِياً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ؛ لِهَذَا الحَدِيثِ وَحَدِيثِ: ((الحِلُّ مَيْتَتُهُ)).
وَقِيلَ: لا يَحِلُّ مِنْهُ إلَّا مَا كَانَ مَوْتُهُ بِسَبَبِ آدَمِيٍّ، أَوْ جَزْرِ المَاءِ، أَوْ قَذْفِهِ، أَوْ نُضُوبِهِ، وَلا يَحِلُّ الطَّافِي؛ لِحَدِيثِ: ((مَا أَلْقَاهُ البَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوا، وَمَا مَاتَ فِيهِ فَطَفَا فَلا تَأْكُلُوهُ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهُوَ خَاصٌّ فَيُخَصُّ بِهِ عُمُومُ الحَدِيثَيْنِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثُ " جَابِرٍ " هذا ضعيفٌ باتِّفاقِ أئمَّةِ الحديثِ، لا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ، كَيْفَ وَهُوَ مُعَارَضٌ؟ اهـ .
فَلا يُخَصُّ بِهِ العَامُّ؛ {وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ مِن العَنْبَرَةِ الَّتِي قَذَفَهَا البَحْرُ لِأَصْحَابِ السَّرِيَّةِ }، وَلَمْ يَسْأَلْ: بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ مَوْتُهَا؟ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ الحَدِيثِ وَالسِّيَرِ، وَالكَبِدُ حَلالٌ بِالإِجْمَاعِ وَكَذَلِكَ مِثْلُهَا الطِّحَالُ، فَإِنَّهُ حَلالٌ، إلَّا أَنَّهُ فِي (البَحْرِ): قَالَ:أنه يُكْرَهُ؛ لِحَدِيثِ " عَلِيٍّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "{إنَّهُ لُقْمَةُ الشَّيْطَانِ"} أَيْ إنَّهُ يُسَرُّ بِأَكْلِهِ، إلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ لا يُعْرَفُ مَنْ أَخْرَجَهُ.

(12)12/12 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ شِفَاءً)). أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ: ((وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ))
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ) وَهُوَ كَمَا أَسْلَفْنَاه مِنْ أَنَّ الإِضَافَةَ مُلْغَاةٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ((إذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ)). وفِي لَفْظٍ: ((فِي طَعَامِ)).
(فَلْيَغْمِسْهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ ((كُلَّهُ)) تَأْكِيداً.
وَفِي لَفْظِ أَبِي دَاوُدَ ((فَامْقُلُوهُ)) وَفِي لَفْظِ ابْنِ السَّكَنِ: ((فَلْيَمْقُلْهُ))،
(ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ) فِيهِ أَنَّهُ يُمْهَلُ فِي نَزْعِهِ بَعْدَ غَمْسِهِ، (فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ شِفَاءً) هَذَا تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِغَمْسِهِ.
وَفِي لَفْظِ البُخَارِيِّ: ((ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الآخَرِ دَاءً)) وَفِي لَفْظٍ ((سُمًّا))، (أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَزَادَ: (لِأَنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ) وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ: ((إنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ)).
وَالحَدِيثُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِ دَفْعاً لِضَرَرِهِ، وَأَنَّهُ يُطْرَحُ وَلا يُؤْكَلُ، وَأَنَّ الذُّبَابَ إذَا مَاتَ فِي مَائِعٍ فَإِنَّهُ لا يُنَجِّسُهُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِغَمْسِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ، وَلا سِيَّمَا إذَا كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا، فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُهُ لَكَانَ أَمْراً بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ، وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَمَرَ بِإِصْلاحِهِ، ثُمَّ عَدَّى هَذَا الحُكْمَ إلَى كُلِّ مَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، كَالنَّحْلَةِ، وَالزُّنْبُورِ، وَالعَنْكَبُوتِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ؛ إذ الحُكْمُ يَعُمُّ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وَيَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ، فَلَمَّا كَانَ سَبَبُ التَّنْجِيسِ هُوَ الدَّمَ المُحْتَقِنَ فِي الحَيَوَانِ بِمَوْتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَفْقُوداً فِيمَا لا دَمَ لَهُ سَائِلٌ، انْتَفَى الحُكْمُ بِالتَّنْجِيسِ؛ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ ، وَالأَمْرُ بِغَمْسِهِ لِيَخْرُجَ الشِّفَاءُ مِنْهُ كَمَا خَرَجَ الدَّاءُ مِنْهُ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ فِي الذُّبَابِ قُوَّةً سُمِّيَّةً كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا الوَرَمُ وَالحَكَّةُ الحَاصِلَةُ مِنْ لَسْعِهِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السِّلاحِ، فَإِذَا وَقَعَ فِيمَا يُؤْذِيهِ اتَّقَاهُ بِسِلاحِهِ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ)).
فأَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُقَابَلَ تِلْكَ السُّمِّيَّةُ بِمَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِ مِن الشِّفَاءِ فِي جَنَاحِهِ الآخَرِ بِغَمْسِهِ كُلِّهِ، فَتُقَابِلُ المَادَّةَ السُّمِّيَّةَ المادَّةُ النَّافِعَةُ، فَيَزُولُ ضَرَرُهَا. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الأَطِبَّاءِ أَنَّ لَسْعَةَ العَقْرَبِ وَالزُّنْبُورِ إذَا دُلِّكَ مَوْضِعُهَا بِالذُّبَابِ نَفَعَ مِنْهُ نَفْعاً بَيِّناً، وَيُسَكِّنُهَا، وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِلْمَادَّةِ الَّتِي فِيهِ مِن الشِّفَاءِ.

(13)13/13 - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا قُطِعَ مِن البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ)) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ ..
(وَعَنْ " أَبِي وَاقِدٍ) " بِقَافٍ مَكْسُورَةٍ، وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ، اسْمُهُ: " الحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ "، فِيهِ أَقْوَالٌ؛ قِيلَ: إنَّهُ شَهِدَ بَدْراً. وَقِيلَ: إنَّهُ مِنْ مُسْلِمَةِ الفَتْحِ. وَالأَوَّلُ أَصَحُّ. مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ بِمَكَّةَ " (اللَّيْثِيِّ) " بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فمُثَلَّثَةٍ؛ نِسْبَةً إلَى لَيْثٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي " عَامِرِ بْنِ لَيْثٍ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(قَالَ: [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا قُطِعَ مِن البَهِيمَةِ)] فِي القَامُوسِ: البَهِيمَةُ: كُلُّ ذَاتِ أَرْبَعِ قَوَائِمَ وَلَوْ فِي المَاءِ، وَكُلُّ حَيٍّ لا يُمَيِّزُ، وَالبَهِيمَةُ أَوْلادُ الضَّأْنِ وَالمَعْزِ. وَلَعَلَّ المُرَادَ هُنَا الأَخِيرُ أَو الأَوَّلُ؛ لِمَا يَأْتِي بَيَانُهُ (إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى [وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ)] أَي المَقْطُوعُ ([مَيِّتٌ ]. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَاللَّفْظُ لَهُ) أَيْ: قَالَ: إنَّهُ حَسَنٌ. وَقَدْ عُرِّفَ مَعْنَى الحَسَنِ فِي تَعْرِيفِ الصَّحِيحِ فِيمَا سَلَفَ، (وَاللَّفْظُ له) أي: لِلتِّرْمِذِيِّ.
وَالحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ مِنْ أَرْبَعِ طُرُقٍ عَنْ أَرْبَعَةٍ مِن الصَّحَابَةِ؛ عَنْ " أَبِي سَعِيدٍ "، وَأَبِي وَاقِدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ. وَحَدِيثُ " أَبِي وَاقِدٍ " هَذَا رَوَاهُ أَيْضاً أَحْمَدُ وَالحَاكِمُ بِلَفْظِ: {قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ وَبِهَا نَاسٌ يَعْمِدُونَ إلَى أَلِيَاتِ الغَنَمِ وَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ فَقَالَ: ((مَا قُطِعَ مِن البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ)) }.
وَالحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا قُطِعَ مِن البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ مُحَرَّمٌ. وَسَبَبُ الحَدِيثِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِالبَهِيمَةِ ذَاتُ الأَرْبَعِ، وَهُوَ المَعْنَى الأَوَّلُ؛ لِذِكْرِهِ الإِبِلَ فِيهِ، لا المَعْنَى الأَخِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَامُوسُ، لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا أُبِينَ مِن السَّمَكِ وَلَوْ كَانَتْ ذَاتَ أَرْبَعٍ، أَوْ يُرَادُ بِهِ المَعْنَى الأَوْسَطُ، وَهُوَ كُلُّ حَيٍّ لا يُمَيِّزُ فَيُخَصُّ مِنْهُ الجَرَادُ وَالسَّمَكُ وَمَا أُبِينَ مِمَّا لا دَمَ لَهُ. وَقَدْ أَفَادَ قَوْلُهُ: (([فَهُوَ مَيِّتٌ))] أَنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَحِلَّ المَقْطُوعَ الحَيَاةُ؛ لِأَنَّ المَيِّتَ هُوَ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ حَيًّا.

محمد أبو زيد
11-20-2008, 01:53 PM
11 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ.
درجةُ الحديثِ:
الحديثُ صحيحٌ موقوفاً. وأمَّا المرفوعُ ففيه ضعفٌ؛ لأنه من وروايةِ عبدِ الرحمنِ وأخوَيْه أبناءِ زيدِ بنِ أَسْلَمَ، عن أبيهم، عن ابنِ عمرَ، وقدْ ضَعَّفَهم ابنُ مَعِينٍ.
قالَ أبو زُرْعَةَ وأبو حاتِمٍ: إنه موقوفٌ. وصَحَّحَهُ موقوفاً كلٌّ مِن الدَّارَقُطْنِيِّ (4/271) والحاكِمِ، والبَيْهَقِيِّ (1/254) وابنِ القَيِّمِ.
وقالَ ابنُ حَجَرٍ: هي في حُكْمِ المرفوعِ؛ لأنَّ قولَ الصحابِيِّ: (أُحِلَّ لنا كذا) و(حُرِّمَ علينا كذا.) مثلُ قولِه: (أُمِرْنَا بكذا) و (نُهِينَا عن كذا)، فيَحْصُلُ الاستدلالُ بهذه الروايةِ؛ لأنها في معني معنى المرفوعِ.
مفرداتُ الحديثِ:
- مَيْتَتَانِ: مُفْرَدُها مَيْتَةٌ بالتخفيفِ، وأما بالتشديدِ: فهي التي لم يَلْحَقْها ذكاه ذَكَاةٌ ممَّا ماتَ حَتْفَه أَنْفِه، أو ذُكِّيَ ذكاةً غيرَ شَرْعِيَّةٍ، وقالَ ابنُ دَقِيقٍ: المَيتَةُ بالتشديدِ والتخفيفِ بمعنًى واحدٍ في مواردِ الاستعمالِ.
- دَمَانِ: مُفْرَدُه دَمٌ، وهو غيرُ الدمِ السائلِ الذي يَتَدَفَّقُ من القلبِ إلى جميعِ أعضاءِ الجسمِ عن طريقِ الشرايينِ، ويعودُ إلى القلبِ بواسطةِ الأوردةِ، ولونُه اصفر أصفرُ، لولا وجودُ الكُرَيَّاتِ الحَمْرَاءِ فيه، فهو نَجِسٌ محرَّمٌ، وإنما المرادُ به هنا نفسُ الكَبِدِ والطِّحَالِ.
- أَمَّا: حرفُ تفصيلٍ مُتَضَمِّنٌ معنى الشرطِ، جَعَلَه سِيبَوَيْهِ بمعني ى "(مهما يَكُ مِن شيءٍ")، ويَجِبُ اقترانُ جوابِه بالفاءِ.
- الكَبِدُ: مؤنَّثَةٌ، وقدْ تُذَكَّرُ: عضوٌ في الجانبِ الأيمنِ من البطنِ تحتَ الحِجابِ الحاجِزِ، له وظائفُ عِدَّةٌ، اظهرها أَظْهَرُها إفرازُ الصَّفْرَاءِ، وهو مخزنٌ هامٌّ للدَّمِ، يَتَزَوَّدُه من طريقى طَرِيقَيِ الشِّرْيَانِ والوريدِ البابِيِّ، ويُغَادِرُ الدمُ الكَبِدَ إلى الوريدِ الأجوفِ بنِسَبٍ منتظَّمةٍ بحكمةِ اللَّهِ تعالى وقُدْرَتِه، فهذا الدمُ الموجودُ في الكَبِدِ مستثني مُسْتَثْنًى من الدمِ المحرَّمِ، فهو حلالٌ طاهرٌ.
- الطِّحَالُ: بزنه بزِنَةِ كِتَابٍ، جَمْعُه: طُحُلٌ وأَطْحِلَةٌ، هو عضوٌ يَقَعُ بينَ المَعِدَةِ والحِجابِ الحاجزِ في يَسارِ البطنِ، وظيفتُه تكوينُ الدَّمِ، وإتلافُ القديمِ من كُرَيَّاتِه.
فهذانِ الدمانِ طاهرانِ مباحانِ، وسيأتي بحثُه في فِقْهِ الحديثِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
ما يُؤْخَذُ مِنَ الحَدِيثِ:
1- تحريمُ الدمِ المسفوحِ؛ أخذاً مِن إباحةِ الدميْنِ المذكوريْن في الحديثِ، فاستثناه فاستثناءُ حِلِّ بعضِ الشيءِ دليلٌ على حُرْمَةِ الباقِي، وله أدلَّةٌ أُخْرَى معروفةٌ.
2- تحريمُ المَيْتَةِ، وهي ما ماتَتْ حَتْفَ أنفِها أو ذُكِّيَتْ تَذْكِيَةً غيرَ مشروعةٍ.
3- أنَّ الكَبِدَ والطِّحَالَ حلالانِ وطاهرانِ.
4- أنَّ مَيْتَةَ الجرادِ والحوتِ طاهِرَةٌ وحلالٌ. ومعنى مَيْتَةِ الجرادِ: هو أنْ يموتَ بغيرِ صُنْعِ آدَمِيٍّ في إماتتِه، وإنما يموتُ حَتْفَ أنفِه بأيِّ سببٍ مِن أسبابِ الموتِ؛ من بردٍ أو غَرَقٍ أو غيرِ ذلكَ، فإنْ ماتَ بصنعِ آدميٍّ فهو ما جاءَتِ النصوصُ بحِلِّه، وأَجْمَعَتْ عليه الأمَّةُ.
أمَّا من ما ماتَ بشيءٍ مِن المُبِيدَاتِ السامَّةِ فهذا يَحْرُمُ؛ لِمَا فيه مِن السُّمِّ القاتلِ المحرَّمِ، وكذلك ميتَةُ الحوتِ: هو أنْ تُوجَدَ ميتةً إما بسببِ جَزْرِ المياهِ عنه أو نُضُوبِ الأنهارِ، أو بسببِ قذفِ الأمواجِ له، أو أصابَتْه آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ.
4- والقصدُ: أنه إذا وُجِدَتْ ميْتةٌ بأيِّ وسيلةٍ من وسائلِ الموتِ فهي حلالٌ طاهرةٌ.
أما ما ماتَ بسببِ ما يُسَمَّى بتلوُّثِ البحارِ بموادَّ سامَّةٍ أو نُفاياتٍ قاتلةٍ، فهذا يَحْرُمُ، لا لذاتِه، وإنما لِمَا تَسَمَّمَ به من موادَّ مُضِرَّةٍ أو قاتلةٍ.
5- الحديثُ دليلٌ على أنَّ السمَكَ والجَرَادَ إذا ماتا في ماءٍ، فإنه لا يَنْجُسُ؛ قليلاً كانَ الماءُ أو كثيراً، ولو تَغَيَّرَ طعمُه أو لونُه أو رِيحُه؛ فإنه لم يَتَغَيَّرْ بنجاسةٍ وإنما تَغَيَّرَ بشيءٍ طاهرٍ، وهذا وجهُ سياقِ الحديثِ في بابِ المياهِ.
12 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً)). أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَزَادَ: ((وَإِنَّهُ يتقى يَتَّقِي بِجَنَاحِيهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ)).
درجةُ الحديثِ:
زيادةُ أبي داودَ جاءَتْ بإسنادٍ حَسَنٍ.
مفرداتُ الحديثِ:
- الذُّبَابُ: بضمِّ الذالِ المعجمةِ اسمٌ يُطْلَقُ على كثيرٍ مِن الحشراتِ المُجَنَّحَةِ، ومنها الذبابةُ المنزليَّةُ ذاتُ الأجنحةِ الشفَّافةِ، صاحبةُ الأرجلِ المغطَّاةِ بالشَّعَرِ، التي تنتهي بوسَائِلَ ماصَّةٍ تُمَكِّنُها من حملِ الجراثيمِ والقاذوراتِ التي تَهْبِطُ عليها، قالَ ابنُ بَطَّالٍ: سُمِّيَ ذباباً لأنه كلَّمَا ذُبَّ لاسْتِقْذارِه آبَ.
- الشرابُ: ما شُرِبَ مِن أيِّ نوعٍ من السوائلِ، جَمْعُه أَشْرِبَةٌ.
- فَلْيَغْمِسْهُ: في الشرابِ، ثمَّ لْيَنْزِعْه مِنه، يقالُ: انْغَمَسَ في الماءِ: إذا غَابَ كلُّه فيه.
- ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ: أي: لِيَجْذِبْهُ ويَقْلَعْه من إناءِ الشرابِ.
- جَنَاحَيْهِ: الجَناحُ: هو ما يَطِيرُ به الطائرُ ونحوُه، وهما جَناحانِ، جمعُه أَجْنِحَةٌ وأَجْنُحٌ.
- الدَّاءُ: هو المرضُ ظاهراً أو باطناً، يقولون: داءَ الرجلُ داءً؛ أي: نزَلَ به داءٌ، جَمْعُه أدواءٌ، والمرادُ هنا: وُجُودُ سببِ الداءِ في أحدِ جَنَاحَيِ الذبابَةِ.
- شِفَاءً: الْبَرْءُ مِن المرضِ، والمرادُ هنا: وجودُ سببِ الشفاءِ في أحدِ جَنَاحَيِ الذبابِ.
ما يُؤْخَذُ مِنَ الحَدِيثِ:
1- طهارةُ الذبابِ في حالِ حياتِه ومماتِه، وانه وأنه لا يُنَجِّسُ ما وَقَعَ فيه من سائلٍ أو جامدٍ.
2- اسْتِحْبابُ غَمْسِه كلِّه فيما وَقَعَ فيه من سائلٍ، ثمَّ نَزْعِه وإخراجِه والانتفاعِ بما وَقَعَ فيه، فهو باقٍ على طهارتِه ومالِيَّتِه، وإنْ كانَ ما وَقَعَ فيه جامداً أَلْقَاهُ وما حَوْلَه؛ لعَدَمِ سَرَيانِ مَضَرَّتِه في بقِيَّةِ أجزاءِ الجامدِ.
3- أنَّ في أحدِ جَناحَيِ الذبابِ داءً، وفي الجَناحِ الآخَرِ شفاءً، فإذا وَقَعَ في الشرابِ رَفَعَ الجَناحَ الذي فيه الشفاءُ وغَمَسَ في الشرابِ الجَناحَ الذي فيه الداءُ؛ ليُحَافِظَ على السلام السلاحِ الذي أَوْدَعَه اللَّهُ بجَناحِه مِن العَطَبِ، فيبقي فيَبْقَى ذَخِيرَةً له في حياتِه عندَن حاجتِه إليه، فكانَ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ تعالى أنْ أَمَرَ أنْ يُغْمَسَ جَناحُه الذي فيه الشفاءُ حتى يُقَابَلَ داؤُه بدوائِه، فيكونَ مضادًّا له وتَزُولَ مَضَرَّتُه، أما إراقتُه: ففيها إضاعةُ مالٍ وإفسادٌ، والشرعُ ليسَ لعصرٍ من العصورِ أو شعبٍ من الشعوبِ؛ فقد يكونُ لهذا الشرابِ قيمتُه الكبيرةُ في زمنٍ من الأزمنةِ ومكانٍ من الأمكنةِ وشعبٍ من الشعوبِ.
4- في الحديثِ إعجازٌ عِلْمِيٌّ؛ فقد جاءَ العلمُ الحديثُ بمُبْتَكَرَاتٍ واكتشافاتٍ فأَثْبَتَتْ وجودَ حقيقةٍ علميَّةٍ في وجودِ داءٍ ضارٍّ في أحَدِ جَنَاحَيِ الذبابِ، بينَما أَثْبَتَتْ وجودَ دواءٍ مضادٍّ له في الجناحِ الآخَرِ، وللهِ في شَرْعِهِ أسرارٌ!!.
5- قاسَ العلماءُ على طهارةِ الذبابِ كلَّ ما ليسَ له نَفْسٌ سائلةٌ من الحشراتِ، فحَكَمُوا بطهارتِها، وأنها لا تُنَجِّسُ ما سَقَطَتْ فيه من أطعمةٍ أو أشربةٍ؛ قليلةً كانَتْ تلكَ الأطعمةُ أو الأشربةُ أو كثيرةً؛ ذلك أن سببَ التنجُّسِ هو الدمُ المُحْتَقِنُ في الحيوانِ بعدَ موتِه، وهذا السببُ غيرُ موجودٍ فيما ليسَ له دمٌ سائلٌ، كالنحلةِ والزُّنْبُورِ والبعوضةِ وأمثالِ ذلكَ.
بحثٌ فيه ردٌّ لمطاعِنِ الزنادقةِ في هذا الحديثِ:
طَعَنَ بعضُ الزنادقةِ في هذا الحديثِ، بل تَعَدَّاه الطعنُ إلى الطعنِ في أبي هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومن هؤلاء (محمودٌ أبو رَيَّةَ) في كتابِه الذي أَسْمَاه (أضواءٌ على السنَّةِ المُحَمَّديَّةِ)، ورَدَّ عليه الشيخُ العلاَّمَةُ عبدُ الرحمنِ بنُ يَحْيَى المعلميُّ في كتابِه (الأنوارُ الكاشفةُ) وقالَ: وَقَعَ إلى إليَّ كتابٌ جَمَعَه أبو رَيَّةَ، فطَالَعْتُه وتَدَبَّرْتُه؛ فوَجَدْتُه جمعاً وترتيباً وتكميلاً للمطاعنِ في السنَّةِ النبويَّةِ. والجوابُ عن الطعنِ في هذا الحديثِ نُلَخِّصُها في الفِقْرَاتِ التاليةِ:
أولاً: الحديثُ الذي معَنا من الأحاديثِ التي انْتَقَاها واخْتَارَها الإمامُ البُخَارِيُّ لصِحَّتِها، ووَضَعَها في صحيحِه، وحَسْبُكَ بهذا الإمامِ الجليلِ وبكتابِه الذي أَجْمَعَتِ الأمَّةُ على قَبولِه، فتَلَقَّتْه بالقَبولِ والرضا والاعتمادِ والعملِ بما فيه.
ثانياً: حديثُ الذبابِ لم يَنْفَرِدْ بروايتِه أبو هُرَيْرَةَ، وإنما رَوَاه أيضاً أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ، وأنسُ بنُ مَالِكٍ، كما جاءَ ذلك في مُسْنَدِ الإمامِ أَحْمَدَ (3/24).
ثالثاً: مَن هو الذي يَتَطاوَلُ حتى يَنَالَ مِن طَرَفِ صحابِيٍّ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتى يَصِلَ إلى أَحْفَظِهِم لأحاديثِ رسولِه وأكثرِهم لها نقلاً، الذي دَعَا له النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحفظِ وبُطْءِ النسيانِ، والذي فَرَّغَ نفسَه لحفظِ الحديثِ، فلا زِرَاعَةَ تَشْغَلُه، ولا تجارةَ تُلْهِيه، وإنما ليلَه ونهارَه يُتَابِعُ ما يَلْفِظُ به النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الحكمةِ، ثمَّ يَسْهَرُ عليها ليلَه لحِفْظِها ويُثَبِّتُها في قلبِه.
رابعاً: قالَ الشيخُ عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى المعلميُّ: علماءُ الطبيعةِ يَعْتَرِفُونَ بأنهم لم يُحِيطُوا بكلِّ شيءٍ عِلماً، ولا يزالونَ يَكْتَشِفُونَ الشيءَ بعدَ الشيءِ، فبأيِّ إيمانٍ يَنْفِي أبو رَيَّةَ وأَضْرَابُه أنْ يكونَ اللَّهُ تعالى أَطْلَعَ رسولَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أَمْرٍ لم يَصِلْ إليه علمُ الطبيعةِ بعدُ، هذا وخالقُ الطبيعةِ ومدَبِّرُها هو واضعُ الشريعةِ.
خامساً: أَثْبَتَ الأطبَّاءُ الحديثونَ أن في أحدِ جَنَاحَيِ الذبابِ داءً، وفي الآخَرِ شفاءً، وبهذا – والحمدُ للهِ – وضع وَضَحَ الحقُّ {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً} [النساء: 87].
13 - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتٌ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ.
درجةُ الحديثِ:
الحديثُ حسنٌ.
فقدْ رُوِيَ من أربعِ طرقٍ عن أربعةٍ من الصحاحبةِ؛ عن أبي سعيدٍ، وابى وأبي واقدٍ اللَّيْثِيِّ، وابنِ عمرَ، وتَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وحديثُ أبو أبي واقدٍ هذا رَوَاه أيضاً أَحْمَدُ (21396)، والحاكمُ (4/137) وصَحَّحَهُ.
قالَ الشَّوْكَانِيُّ: روَاه الحاكمُ عن أبي سعيدٍ مرفوعاً. قالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: والمُرْسَلُ أصحُّ.
وأما حديثُ ابنِ عمرَ: فأَخْرَجَه الطَّبَرَانِيُّ في الأوسطِ، وفيه عاصمُ بنُ عمرَ، و هو ضعيفٌ.
وأما حديثُ تَمِيمٍ: فقد رَوَاه ابنُ ماجَهْ والطَّبَرَانِيُّ، وإسنادُه ضعيفٌ.
مفرداتُ الحديثِ:
- مَا قُطِعَ: (ما) موصولةٌ، والفعلُ بعدَها مبنيٌّ للمجهولِ.
- الْبَهِيمَةِ: كلُّ ذاتِ أربعِ قوائمَن مِن دوابِّ البرِّ والبحرِ ما عدا السِّباعَ، جَمْعُها بَهَائِمُ.
- وَهِيَ حَيَّةٌ: الواوُ للحالِ، أي: والحالُ أن هذه البهيمةَ في حالِ الحياةِ.
- مَيْتٌ: بإسكانِ الياءِ؛ لأنه قد لَحِقَها الموتُ حقيقةً.
ما يُؤْخَذُ مِنَ الحَدِيثِ:
1- أن أنَّ ما أُبِينَ من بهيمةٍ في حالِ حياتِها فهو كَمَيْتَتِتها؛ طهارةً أو نجاسةً، حِلاًّ أو حرمهحُرْمَةً، فإنْ قُطِعَ من بهيمةِ الأنعامِ ونحوِها، من معَ بقاءِ حياتِها فهو نَجِسٌ حرامُ الأكلِ، أما لو أُبِينَ من سمكةٍ وبَقِيَتْ حيَّةً فما أُبِينَ فهم هو طاهرٌ مباحٌ.
2- قالَ شيحُ الإسلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ: وهذا مُتَّفَقٌ عليه بينَ العلماءِ.
3- ما يستثني يُسْتَثْنَى من ذلك: فأرةُ المِسْكِ التي تُقْطَعُ وتُبانُ من غَزالِ السمِسكِ وهي باقيةٌ حيَّةٌ، فهي طاهرةٌ بالسنَّةِ والإجماعِ؛ لأنَّ ما أُبِينَ منها بمنزلةِ البَيْضِ والوَلَدِ والشَّعَرِ ونحوِها.
ويستثني ويُسْتَثْنَى من ذلك أيضاً: (الطَّرِيدَةُ) وهو الصيدُ يَقَعُ بينَ القومِ ولا يَقْدِرُونَ على ذَكاتِه، فَيَقْطَعُه هذا مِنه بسيفِه قطعةً، ويَقْطَعُ الآخرُ قطعةً، حتى يُؤْتَى عليه فيموتَ.
ومثلُه النادُّ من الإبلِ ونحوِها إذا تَوَحَّشَتْ ولم يُقْدَرْ على تَذْكِيَتِها؛ فقد كانَ الصحابةُ يَفْعَلون هذا في مَغَازِيهم، فقد جاءَ في البُخَارِيِّ من حديثِ رافعِ ابنِ خَدِيجٍ، قالَ: كنَّا معَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذي الحُلَيْفَةِ فنَدَّ بَعِيرٌ، فطَلَبَه الصحابةُ فأَعْيَاهُم، فأَهْوَى إليه رجلٌ بسهمٍ فحَبَسَه اللَّهُ تعالى، فقالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا)).
فائدةٌ:
قالَ في حياةِ الحيوانِ والموسوعةِ العربيَّةِ ما خُلاصتُه:
غَزالُ المِسْمكِ: لونُه أسودُ، له نابانِ أبيضانِ بارزانِ، تُفْرِزُ غُدَّةٌ مِنه في سُرَّتِه دماً في أوقاتٍ معلومةٍ من السنَةِ، فيَمْرَضُ مِنه، فإذا تَكَامَلَ سَقَطَ جِلْدُه الذي هو وعاؤُه، فيكونُ منه أحسنُ العطورِ، وقد قالَ المُتَنَبِّي يَمْدَحُ سيفَ الدَّوْلَةِ:
فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ = فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ