مشاهدة النسخة كاملة : باب الهبة والعطية
عبد العزيز الداخل
04-19-2010, 09:36 PM
بابُ الْهِبةِ والعَطِيَّةِ
وهي التَّبَرُّعُ بتَمليكِ مالِه المعلومِ الموجودِ في حياتِه غيرَه فإن شَرَطَ فيها عِوَضًا مَعلومًا فبَيْعٌ، ولا يَصِحُّ مَجهولاً إلا ما تَعَذَّرَ عِلْمُه، وتَنْعَقِدُ بالإيجابِ والقَبولِ والْمُعاطاةِ الدالَّةِ عليهما وتَلْزَمُ بالقَبضِ بإذنِ واهبٍ إلا ما كان في يدِ مُتَّهِبٍ، ووارثُ الواهبِ يَقومُ مَقامَه ومَن أَبْرَأَ غَريمَه من دَيْنِه بلَفْظِ الإحلالِ أو الصدَقَةِ أو الْهِبةِ أو نحوِها بَرِئَتْ ذِمَّتُه ولو لم يَقْبَلْ ويَجوزُ هِبةُ كلِّ عينٍ تُباعُ وكَلبٍ يُقْتَنَى.
محمد أبو زيد
05-10-2010, 12:48 PM
.............................
محمد أبو زيد
05-10-2010, 12:50 PM
بابُ الهِبَةِ والعَطِيَّةِ
الهِبَةُ مِن هُبُوبِ الريحِ؛ أي: مُرُورِهِ، يُقالُ: وَهَبْتُ له شَيْئاً وَهَْباً - بإسكانِ الهاءِ وفَتْحِها - وهِبَةً. والاتِّهَابُ: قَبُولُ الهِبَةِ. والاسْتِيهَابُ: سُؤَالُ الهِبَةِ. والعَطِيَّةُ هنا: الهِبَةُ في مرضِ الموتِ. (وهي التَّبَرُّعُ) من جائِزِ التصرُّفِ (بِتَمْلِيكِ مالِهِ المعلومِ الموجودِ في حَيَاتِهِ غَيْرَه) - مفعولُ تَمْلِيكٍ - بما يُعَدُّ هِبَةً عُرْفاً، فخَرَجَ بالتبَرُّعِ عُقُودُ المُعَاوَضَاتِ؛ كالبيعِ والإجارةِ، وبالتمليكِ الإباحةُ؛ كالعَارِيَّةِ، وبالمالِ نحوُ الكلبِ، وبالمعلومِ المجهولُ، وبالموجودِ المعدومُ، فلا تَصِحُّ الهِبَةُ فيها، وبالحياةِ الوَصِيَّةُ، (وإنْ شَرَطَ) العاقدُ (فيها عِوَضاً معلوماً، فـ) هي (بَيْعٌ)؛ لأنَّه تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ معلومٍ، ويَثْبُتُ الخيارُ والشُّفْعَةُ، فإنْ كانَ العِوَضُ مجهولاً، لم يَصِحَّ، وحُكْمُها كالبيعِ الفاسدِ، فيَرُدُّها بِزِيَادَتِها مُطلقاً، وإنْ تَلِفَتْ رَدَّ قِيمَتَها، والهِبَةُ المُطْلَقَةُ لا تَقْتَضِي عِوَضاً، سواءٌ كانَتْ لِمِثْلِهِ أو دُونَه، أو أعلى مِنه، وإنِ اخْتَلَفَا في شرطِ عِوَضٍ فقولُ مُنْكِرٍ بِيَمِينِهِ.
(ولا يَصِحُّ) أنْ يَهَبَ (مَجْهُولاً)؛ كالحَمْلِ في البطنِ، واللبنِ في الضَّرْعِ، (إلاَّ ما تَعَذَّرَ عِلْمُه)؛ كما لو اخْتَلَطَ مالُ اثنَيْنِ على وجهٍ لا يَتَمَيَّزُ، فوَهَبَ أَحَدُهما لِرَفِيقِهِ نَصِيبَه مِنه، فيَصِحُّ للحاجةِ؛ كالصُّلْحِ، ولا يَصِحُّ أيضاًً هِبَةُ ما لا يُقْدَرُ على تَسْلِيمِهِ؛ كالآبِقِ والشارِدِ، (وتَنْعَقِدُ) الهِبَةُ (بالإيجابِ) والقَبُولِ؛ بأنْ: وَهَبْتُكَ، أو أَهْدَيْتُكَ، أو أَعْطَيْتُكَ. فيقولُ: قَبِلْتُ. أو رَضِيتُ. ونحوُه، (أو) بـ (المُعَاطَاةِ الدالَّةِ عليها)؛ أي: على الهبةِ؛ لأنَّه عليه السلامُ كانَ يُهْدِي ويُهْدَى إليه، ويُعْطِي ويُعْطَى، ويُفَرِّقُ الصدَقَاتِ، ويَأْمُرُ سُعَاتَه بأَخْذِها وتَفْرِيقِها، وكانَ أصحابُه يفعَلُون ذلكَ، ولم يُنْقَلْ عنهم إيجابٌ ولا قَبُولٌ، ولو كانَ شرطاً لَنُقِلَ عنهم نَقْلاً مُتَوَاتِراً أو مُشْتَهِراً.
(وتَلْزَمُ بالقبضِ بإذنِ واهِبٍ)؛ لِمَا رَوَى مالِكٌ عن عَائِشَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ نَحَلَهَا جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقاً مِن مالِهِ بالعَالِيَةِ، فلَمَّا مَرِضَ قالَ: (يا بُنَيَّةُ، كُنْتُ نَحَلْتُكِ جُذَاذَ عِشرينَ وَسْقاً، ولو كُنْتِ حُزْتِيهِ أو قَبَضْتِيهِ كانَ لَكِ، فإنما هو اليومَ مالُ وارِثٍ، فاقْتَسِمُوه على كتابِ اللَّهِ تعالَى).
ورَوَى ابنُ عُيَيْنَةَ عن عُمَرَ نحوَه، ولم يُعْرَفْ لهما في الصحابةِ مخالِفٌ.
(إلاَّ ما كانَ في يَدِ مُتَّهِبٍ) وديعةً أو غَصْباً ونحوَهما؛ لأنَّ قَبْضَه مُسْتَدَامٌ، فأَغْنَى عن الابتداءِ. (ووَارِثُ الواهِبِ) إذا ماتَ قبلَ القبضِ (يقومُ مَقَامَه) في الإذنِ والرجوعِ؛ لأنَّه عقدٌ يَؤُولُ إلى اللزومِ، فلم يَنْفَسِخْ بالموتِ كالبيعِ في مُدَّةِ الخيارِ، وتَبْطُلُ بموتِ المُتَّهِبِ. ويَقْبَلُ ويَقْبِضُ للصغيرِ ونحوِهِ وَلِيُّهُ، وما اتَّهَبَهُ عبدٌ غيرُ مُكَاتَبٍ وقَبِلَه، فهو لِسَيِّدِهِ، ويَصِحُّ قَبُولُه بلا إذنِ سَيِّدِهِ.
(ومَن أَبْرَأَ غَرِيمَه مِن دَيْنِهِ) ولو قَبْلَ وُجُوبِه (بلفظِ الإحلالِ أو الصدقةِ أو الهبةِ ونَحوِها) كالإسقاطِ أو التَّرْكِ أو التَّمْلِيكِ أو العَفْوِ، (بَرِئَتْ ذِمَّتُه، ولو) رَدَّهُ، ولو (لم يَقْبَلْ)؛ لأنَّه إسقاطُ حَقٍّ، فلم يَفْتَقِرْ إلى القَبُولِ؛ كالعِتْقِ، ولو كانَ المُبْرَأُ مِنه مجهولاً، لكِنْ لو جَهِلَه رَبُّه وكَتَمَه المَدِينُ خَوْفاً من أنه لو عَلِمَه لم يُبَرِئْهُ لم تَصِحَّ، ولو أَبْرَأَ أَحَدَ غَرِيمَيْهِ، أو مِن أَحَدِ دَيْنَيْهِ لم يَصِحَّ؛ لإبهامِ المَحَلِّ.
(وتجوزُ [البراءة]([1] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30587#_ftn1)) هِبَةُ كلِّ عينٍ تُباعُ) وهِبَةُ جُزْءٍ مُشاعٍ مِنها إذا كانَ مَعْلُوماً، (و) هبةُ (كَلْبٍ يُقْتَنَى) ونجاسةٍ يُباحُ نَفْعُها؛ كالوَصِيَّةِ، ولا تَصِحُّ مُعَلَّقَةً ولا مُوَقَّتَةً، إلاَّ نحوُ: جَعَلْتُها لَكَ عُمُرَكَ، أو حَيَاتَكَ، أو عُمُرِي أو ما بَقِيتُ. فتَصِحُّ، وتكونُ لموهوبٍ له ولِوَرَثَتِهِ بعدَه، وإنْ قال:َ سُكْنَاهُ لَكَ عُمُرَكَ. أو: غَلَّتُهُ، أو خِدْمَتُه لكَ. أو: مَنَحْتُكَهُ فعَارِيَّةٌ؛ لأنَّها هِبَةُ المنافِعِ. ومَن باعَ أو وَهَبَ فاسداً ثمَّ تَصَرَّفَ في العينِ بعقدٍ صحيحٍ صحَّ الثانِي؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في مِلْكِهِ.
-
([1]) كذا بالأصل ولعلها زائدة .
محمد أبو زيد
05-10-2010, 01:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
باب الهبة والعطية([1] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn1))
الهبة من هبوب الريح، أي مروره([2] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn2)) يقال: وهبت له شيئًا وهبا. بإِسكان الهاء وفتحها، وهبة([3] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn3)) والإِتهاب قبول الهبة([4] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn4)) والاستيهاب سؤال الهبة([5] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn5))«والعطية» هنا الهبة في مرض الموت([6] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn6)) (وهي التبرع) من جائز التصرف([7] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn7)).
(بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره) مفعول تمليك([8] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn8)) بما يعد هبة عرفا([9] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn9)) فخرج بـ «التبرع» عقود المعاوضات كالبيع والإِجارة([10] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn10)) وبـ «التميك» الإِباحة كالعارية([11] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn11)) وبـ «المال» نحو الكلب([12] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn12)) وبـ «المعلوم»: المجهول([13] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn13)) وبـ «الموجود»: المعدوم([14] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn14)).
فلا تصح الهبة فيها([15] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn15)) وبـ «الحياة» الوصية([16] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn16)) (وإن شرط) العاقد (فيها عوضا معلوما فـ) ـهي (بيع) لأَنه تمليك بعوض معلوم([17] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn17)) ويثبت الخيار والشفعة([18] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn18)) فإِن كان العوض مجهولا لم تصح([19] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn19)) وحكمها كالبيع الفاسد، فيردها بزيادتها مطلقا([20] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn20)) وإن تلفت رد قيمتها([21] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn21)) والهبة المطلقة لا تقتضى عوضا([22] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn22)) سواء كانت لمثله، أَو دونه، أَو أَعلى منه([23] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn23)).
وإن اختلفا في شرط عوض فقول منكر بيمينه([24] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn24)) (ولا يصح) أن يهب (مجهولا) كالحمل في البطن، واللبن في الضرع([25] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn25)) (إلا ما تعذر علمه) كما لو اختلط مال اثنين على وجه لا يتميز، فوهب أَحدهما لرفيقه نصيبه منه، فيصح للحاجة كالصلح([26] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn26)) ولا يصح أَيضا هبة ما لا يقدر على تسليمه كالآبق والشارد([27] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn27)) (وتنعقد) الهبة (بالإِيجاب والقبول) ([28] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn28)).
بأن يقول: وهبتك؛ أَو: أَهديتك؛ أَو: أَعطيتك([29] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn29)). فيقول: قبلت؛ أَو: رضيت؛ ونحوه([30] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn30)) (و) بـ (المعاطاة الدالة عليها) أي على الهبة([31] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn31)) لأَنه عليه السلام كان يهدي ويهدى إليه([32] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn32)) ويعطى ويعطي([33] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn33)) ويفرق الصدقات([34] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn34)) ويأْمر سعاته بأَخذها، وتفريقها([35] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn35)) وكان أَصحابه يفعلون ذلك([36] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn36)). ولم ينقل عنهم إيجاب ولا قبول([37] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn37)).
ولو كان شرطا لنقل عنهم نقلا متواترا أَو مشهورا([38] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn38)) (وتلزم بالقبض([39] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn39)) بإِذن واهب)([40] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn40)) لما روى مالك عن عائشة أَن أَبا بكر نحلها جذاذ عشرين وسفا من ماله بالعالية([41] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn41)).
فلما مرض قال: يا بنية كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا، ولو كنت حزتيه أَو قبضتيه كان لك([42] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn42)) فإنما هو اليوم مال وارث([43] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn43)) فاقتسموه على كتاب الله تعالى([44] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn44)). وروى ابن عيينة عن عمر نحوه([45] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn45)) ولم يعرف لهما في الصحابة مخالف([46] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn46)) (إلا ما كان في يد متهب) وديعة، أَو غصبًا، أَو نحوهما([47] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn47)) لأَن قبضه مستدام، فأَغنى عن الاِبتداء([48] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn48)).
(ووارث الواهب) إذا مات قبل القبض (يقوم مقامه) في الإِذن والرجوع([49] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn49)) لأَنه عقد يؤول إلى اللزوم، فلم ينفسخ بالموت، كالبيع في مدة الخيار([50] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn50)) وتبطل بموت المتهب([51] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn51)) ويقبل ويقبض للصغير ونحوه وليه([52] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn52)) وما اتهبه عبد غير مكاتب وقبله فهو لسيده([53] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn53)) ويصح قبوله بلا إِذن سيده([54] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn54)).
(ومن أَبرأَ غريمه من دينه) ولو قبل وجوبه([55] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn55)) (بلفظ الإِحلال، أَو الصدقة، أَو الهبة ونحوها) كالإسقاط، أَو الترك أَو التمليك، أَو العفو([56] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn56)) (برئت ذمته([57] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn57)) ولو) رده و(لم يقبل)([58] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn58)) لأَنه إسقاط حق، فلم يفتقر إلى القبول كالعتق([59] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn59)) ولو كان المبرأ منه مجهولا([60] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn60)).
لكن لو جهله ربه، وكتمه المدين خوفا من أَنه لو علم لم يبرئه لم تصح البراءَة([61] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn61)) ولو أَبرأَ أَحد غريمه([62] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn62)) أَو من أَحد دينيه لم تصح، لإِبهام المحل([63] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn63)) (وتجوز هبة كل عين تباع)([64] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn64)) وهبة جزء مشاع منها إذا كان معلوما([65] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn65)) (و) هبة (كلب يقتنى)([66] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn66)).
ونجاسة يباح نفعها كالوصية([67] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn67)) ولا تصح معلقة، ولا مؤقتة([68] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn68)) إلا نحو: جعلتها لك عمرك؛ أَو: حياتك([69] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn69))؛ أَو: عمري؛ أَو: ما بقيت؛ فتصح([70] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn70)) وتكون لموهوب له، ولورثته بعده([71] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn71)).
وإن قال: سكناه لك عمرك([72] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn72)) أَو غلبته؛ أَو: خدمته لك([73] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn73))، أَو: منحتكه؛ فعارية([74] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn74)) لأَنها هبة المنافع([75] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn75)) ومن باع أَو وهب فاسدا([76] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn76)) ثم تصرف في العين بعقد صحيح([77] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn77)) صح الثاني، لأَنه تصرف في ملكه([78] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=30588#_ftn78)).
-
(1) أي باب بيان أحكام الهبة، والعطية، وتصرفات المريض، وغير ذلك.
(2) أي أصل الهبة من هبوب الريح، مصدر مشتق من الهبوب، وهو المرور.
(3) أي إعطاء المال بلا عوض، وهو واهب ووهاب ووهوب ووهابة، والاسم الموهوب، والموهبة من وهب.
(4) وتواهبوا وهب بعضهم لبعض.
(5) أن يهبها له، وأوهب الشيء له. أعده له.
(6) أي والعطية في هذا الباب المراد بها الهبة في مرض الموت، لا مطلق العطية.
(7) وهو الحر، المكلف، الرشيد، قال ابن رشد: أما الواهب فإنهم اتفقوا على أنه تجوز هبته إذا كان مالكا للموهوب، صحيح الملك، وذلك إذا كان في حال الصحة، وحال إطلاق اليد.
(8) وكذا العطية، تمليك في الحياة بغير عوض .
(9) من لفظ هبة، وتمليك. ونحوهما من كل قول وفعل دل عليها، كإرسال هدية، ودفع دراهم لفقير ونحوه.
(10) فلا يدخل في مسمى الهبة ولا العطية .
(11) أي وخرج بالتمليك الإباحة للعين كإعارتها، فلا تعطى أحكام الهبة، وفي الاختيارات: وللمبيح أن يرجع فيما قال قبل التملك، وهذا نوع من الهبة يتأخر القبول فيه عن الإيجاب كثيرا، وليس بإباحة.
(12) وجلد الميتة المدبوغ، والنجاسة المباحة الانتفاع، وجوزه الموفق وغيره، قال أحمد: هذا خلاف الثمن، هذا عوض من شيء، فأما الثمن فلا، ولأنه تبرع أشبه الوصية .
(13) كعبد في ذمته، سوى ما تعذر علمه فيجوز للحاجة، كأن اختلط مال اثنين على وجه لا يتميز، فوهب أحدهما الآخر ماله .
(14) أي وخرج بـ « الموجود » و« المقدور على تسليمه » المعدوم والمعجوز عن تسليمه .
(15) أي فيما تقدم، كما تحمل به أمته ونحوه.
(16) أي وخرج بالتبرع في الحياة الوصية، وغير الواجب في الحياة، كنفقة الزوجة والقريب، لوجوبها في الحياة.
(17) بلفظ الهبة، فيعتبر لها أحكام البيع، نص عليه أحمد وغيره.
(18) أي يثبت فيها خيار مجلس ونحوه، وتثبت فيها الشفعة إن كان الموهوب شقصا مشفوعا، وكالرد بالعيب، واللزوم قبل التقابض، وضمان الدرك، وغير ذلك.
(19) أي الهبة، لأنه عوض مجهول في معاوضة.
(20) أي متصلة أو منفصلة، لأنها ملك للواهب.
(21) أي وإن تلفت ضمنها الموهب له إن قبضها بمثلها إن كانت مثلية، وقيمتها إن كانت متقومة.
(22) أي والهبة التي لم يشترط لها عوض لا تقتضى عوضا، ولو دلت قرينة على عوض، كقضاء حاجة، وشفاعة ونحو ذلك.
(23) لأنها عطية على وجه التبرع، ولمثله أو دونه هو قول الأكثر، وأعلى منه أحد القولين، ومذهب أبي حنيفة، وقول عمر: من وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته، خالفه ابنه، وابن عباس، فإن عوضه كانت هبة مبتدأة، لا عوضا، أيهما أصاب عيبا لم يكن له الرد.
(24) لأن الأصل عدمه، وبرئت ذمته.
(25) للجهالة، ولتعذر التسليم، وفي الاختيارات: تصح هبة المعدوم كالثمر واللبن بالسنة، واشتراط القدرة على التسليم هنا فيه نظر، بخلاف البيع، وتصح هبة المجهول، كقوله: ما أخذت من مالي فهو لك. أو: من وجد من مالي شيئا فهو له. وفي جميع هذه الصور يحصل الملك بالقبض ونحوه، وقال الشيخ: ويظهر لي صحة هبة الصوف على الظهر قولا واحدا، وقاسه أبو الخطاب على البيع.
(26) أي كما يصح الصلح عنه للحاجة، فيصح هبة المشاع، والتصدق به، وهو مذهب مالك والشافعي.
(27) وطير في هواء، وسمك في ماء، ومرهون، لأن ذلك لا يتأهل للقبض ونظره الشيخ.
(28) أي تصح وتملك، فيصح تصرفه قبل قبض، وإذا وهب الأب لولده الصغير لم يحتج إلى قبول، قال في الإنصاف على الصحيح من المذهب.
(29) أو: ملكتك. أو: هذا لك؛ ونحوه من الألفاظ الدالة على هذا المعنى.
(30) بأي لفظ دل على القبول، وأما القبض فمعتبر للزومها كما يأتي.
(31) أي وتصح الهبة وتملك بمعاطاة بفعل يقترن بما يدل على الهبة، وإن لم يحصل إيجاب ولا قبول، فتجهيز ابنته أو أخته ونحوهما بجهاز إلى بيت زوجها تمليك لها، لوجود المعاطاة الفعل.
(32) وثبت أنه يقبل الهدية، ويثيب عليها.
(33) كما هو مستفيض عنه صلى الله عليه وسلم، وقال الشيخ: من العدل الواجب من له يد أو نعمة أن يجزيه بها.
(34) بنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم.
(35) يعنى الصدقات، سواء كانت من بادية أو حاضرة.
(36) أي يهدون ويهدى إليهم، ويعطون ويعطون، ويفرقون الصدقات، وتبعث الخلفاء السعاة لقبض الصدقات، ويأمرونهم بأخذها وتفريقها، كما هو مشهور عنهم y.
(37) ولا أمر به، ولا تعليمه لأحد.
(38) فكان ترك ذلك دالاًّ على تملك الهبة بدون إيجاب وقبول، وكان ابن عمر على بعير لعمر، فقال صلى الله عليه وسلم لعمر «بعنيه» فقال: هو لك يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم «هو لك يا عبد الله، فاصنع به ما شئت» ولم ينقل قبول منه صلى الله عليه وسلم ولا من ابن عمر، ولأن دلالة الرضى بنقل الملك تقوم مقام الإيجاب والقبول.
وقال الموفق: لا خلاف بين العلماء في أن تقديم الطعام بين الضيفان، والإذن في أكله، أن ذلك لا يحتاج إلى إيجاب ولا قبول. وقال ابن عقيل: إنما يشترط الإيجاب مع الإطلاق وعدم العرف القائم من المعطي والمعطى، لأنه إذا لم يكن عرف يدل على الرضى فلا بد من قول دال عليه، أما مع قرائن الأحوال والدلالة فلا وجه لتوقفه على اللفظ.
(39) عند جمهور العلماء، قال الوزير: اتفقوا على أنها تصح بالإيجاب والقبول والقبض، وتلزم به عند أبي حنيفة، والشافع، وأحمد، وعند مالك: لا تفتقر صحتها ولزومها إلى القبض، ولكنه شرط في نفوذها وتمامها، لا في صحتها ولزومها.
(40) فلا تصح بدونه، لأنه قبض غير مستحق عليه، فلم يصح إلا بإذنه كأصل العقد، ولا يتوقف الإذن على اللفظ، بل المناولة والتخلية، وله الرجوع فيها وفي الإذن قبل القبض مع الكراهة.
(41) موضع معروف بأعالي المدينة.
(42) فدل على أنها تلزم بالقبض.
(43) أخواك وأختاك، حيث لم تقبضه قبل مرضه.
(44) فيما أخبر به في كتابه من قسمة المواريث.
(45) أي روى ابن عيينه، عن الزهرى، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القاريِِّّ نحو أثر أبي بكر، ولفظه: أن عمر قال: ما بال قوم ينحلون أولادهم فإذا مات أحدهم قال: مالي وفي يدى، فإذا مات هو قال: كنت نحلت ولدى لا نحلة، إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد، فإن مات ورثه.
(46) حكاه الموفق وغيره، وقال المروزى: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلى على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة، كما لو مات الواهب، وهو قول أكثر أهل العلم.
(47) كعارية وشركة، فيلزم عقد الهبة فيه بمجرد عقد، ولا يحتاج إلى مدة يتأتى قبضه فيها، ولا إلى إذن واهب في القبض.
(48) كما لو باعه سلعة بيده، وإذا تفاسخا عقد الهبة صح، ولا يفتقر إلى قبض الموهوب، وتكون العين أمانة في يد المتهب.
(49) أي في إذن في القبض، وفي الرجوع في الهبة.
(50) يقوم الوارث فيه مقام مورثه، بخلاف نحو الوكالة.
(51) أي وتبطل الهبة بموت المتهب بعد العقد وقبل القبض، فلو أنفذها واهب مع رسوله ثم مات موهوب له قبل وصوله بطلت، لقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة «إنى قد أهديت إلى النجاشى حلة، وأواقي مسك، ولا أراه إلا قد مات، ولا أرى هديتى إلى مردودة، فإن ردت فهو لك» بخلاف ما لو كانت الهبة مع رسول موهوب له، لأن قبضه كقبضه، وإن مات الواهب أو المتهب قبل القبول أو ما يقوم مقامه، بطل العقد.
(52) أي ويقبل ويقبض للصغير، ونحوه - كمجنون وسفيه وهب لهم شيء - وليه، وهو أب، أو وصيه، أو الحاكم، أو أمينه، لأنه قبول، للمحجور فيه حظ، فكان إلى الولي كالبيع، قال الوزير: اتفقوا على أنه يقبض للطفل أبوه ووليه. اهـ. وإن وهب الولي لموليه وكَّل من يقبل له الهبة منه إن كان غير الأب، وصحح الموفق أن الأب وغيره في هذا سواء لانتفاء التهمة.
(53) لأنه مال لسيده، وماله مال لسيده.
(54) لأنه تحصيل للمال، لسيده، فلم يعتبر إذنه فيه، كالالتقاط ولاصطياد ونحوه.
(55) أيى قبل حلول الدين، كما عبر به بعضهم، لأن تأجيله لا يمنع ثبوته في الذمة، وفي بعض النسخ: قبل استقراره، كثمن المبيع في مدة الخيار، والأجرة قبل مضي المدة؛ وفي الإنصاف: ولا يصح الإبراء من الدين قبل وجوبه، ذكره الأصحاب، وكذا لو اعتقد عدمه، اعتبارا بما في نفس الأمر، وقال بعضهم: لا إن علقه بموته، وقال ابن القيم: إن كان له عليه دين فقال: إن مت قبلي فأنت في حل، وإن مت قبلك فأنت في حل، صح وبريء في الصورتين، ولا يدفعه نص، ولا قياس، ولا قول صاحب، والصواب صحة الإبراء في الموضعين.
(56) أو غير ذلك من الصيغ الدالة على إبراء غريمه مما في ذمته، ولو قال: أعطيتكه. ونحوه.
(57) بإبراء رب الحق له بأي لفظ دل عليه منجزا، ولفظ الهبة، والصدقة، والعطية، ونحو ذلك ينصرف إلى معنى الإبراء، لأنه عين موجودة يتناولها اللفظ.
(58) أي ولو رد المدين الإبراء، ولو لم يقبله صح الإبراء.
(59) وكإسقاط القصاص والشفعة، ولأنه لو ارتد بالرد للزم وجوب الاستيفاء، أو إبقاء الحق، وهو ممتنع.
(60) قدره وصفته، قال الموفق: إذا لم يكن لهما سبيل إلى معرفته، لخبر «اقتسما وتوخيا، ثم استهما، ثم تحالا» ولأنه إسقاط، فصح في المجهول كالطلاق ولأن الحاجة داعية إلى تبرئة الذمة، ولا سبيل إلى العلم بما فيها، ولو لم تصح لكان سدا لباب عفو الإنسان عن أخيه وتبرئة ذمته.
(61) لأن فيه تغريرًا لمبرئ، وقد أمكن التحرز منه، لأنه هضم للحق، وكالمكره لأنه غير متمكن من المطالبة والخصومة فيه.
(62) لم يصح الإبراء مع إبهام المحل.
(63) الوارد عليه الإبراء كرهبت أحد هذين العبدين.
(64) لأنها تمليك في الحياة، فصحت فيما صح فيه البيع، وما لا يصح بيعه لا تصح هبته كأم الولد.
(65) جائز، وهو مذهب مالك، والشافعي، وسواء في ذلك ما أمكن قسمته أو لم يمكن، لقوله لوفد هوزان «ما كان لي ولبني عبد المطلب فلكم» وغير ذلك، وقال أحمد: إذا كان سهم من كذا، جاز.
(66) أي وتجوز هبة كلب يقتنى، لأنه تبرع، جزم به الموفق وغيره.
(67) أي وتجوز هبة نجاسة يباح نفعها، كدهن متنجس للاستصباح به، لأن نقل اليد في هذه الأعيان ونحوها جائز، كما يجوز في الوصية.
(68) أي ولا تصح الهبة معلقة على شرط مستقبل، كإذا جاء رأس الشهر فقد وهبتك كذا؛ غير الموت، وتكون وصية ولا تصح الهبة مؤقتة، كوهبتك هذا سنة أو شهرا؛ لأنها تمليك عين، فلا توقت كالبيع، ورجح ابن القيم تعليق الهبة والإبراء على شرط، واحتج له.
(69) أي إلا توقيت العمري والرقبى فيصحان، وهما نوعان من أنواع الهبة، كقوله: جعلت لك هذه الدار عمرك؛ أو: أعمرتك هذه الدار؛ أو: أرقبتك هذه الجارية؛ أو: جعلتها لك حياتك؛ فتصح.
(70) أي أو: جعلتها لك عمري؛ أو: جعلتها لك ما بقيت؛ أو: ما عشت؛ ونحو ذلك فتصح.
(71) كتصريحه بأن يقول: هي لك ولعقبك من بعدك، فإن لم يكن له ورثة فلبيت المال، لقول جابر: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمري لمن وهبت له. متفق عليه، ولمسلم «من أعمر عمرى فهي للذى أعمرها حيا وميتا» وقال «لا ترقبوا ولا تعمروا، فمن أرقب شيئا أو أعمره فهو لورثته» وغير ذلك مما يدل على ملك المعمر والمرقب، قال الشيخ: تصح العمري، وتكون للمعمر ولورثته إلا أن يشترط المعمر عودها إليه، فيصح الشرط، وهو رواية عن أحمد، وقول طائفة من العلماء.
(72) أو: خدمة هذا العبد لك عمرك؛ لم يصح.
(73) أي أو قال: غلة هذا البستان لك، أو: خدمة هذا العبد لك؛ لم يصح الإعمار.
(74) أي أو قال: منحتك غلة هذا البستان؛ أو: خدمة هذا العبد؛ فعارية، له الرجوع فيها متى شاء، في حياته وبعد موته.
(75) وهبة المنافع إنما تستوفي شيئا فشيئا بمضي الزمان، فلا تلزم إلا في قدر ما قبضه منه، قال الموفق: وهو قول أكثر أهل العلم.
(76) أي باع بيعا فاسدا.
(77) مع علمه بفساد العقد الأول.
(78) عالما بأنه ملكه، وإن اعتقد صحة العقد الأول فوجهان، «أحدهما» يصح، لأنه تصرف صادف ملكه، وتم بشروطه فصح، كما لو علم فساد الأول.
ريحانة الجنان
05-25-2010, 06:08 PM
بابُ الْهِبةِ والعَطِيَّةِ(1)
وهي التَّبَرُّعُ بتَمليكِ مالِه المعلومِ الموجودِ في حياتِه غيرَه(2) فإن شَرَطَ فيها عِوَضًا مَعلومًا فبَيْعٌ(3)، ولا يَصِحُّ مَجهولاً(4) إلا ما تَعَذَّرَ عِلْمُه(5)، وتَنْعَقِدُ بالإيجابِ والقَبولِ (5)والْمُعاطاةِ الدالَّةِ عليهما(6) وتَلْزَمُ بالقَبضِ بإذنِ واهبٍ(7) إلا ما كان في يدِ مُتَّهِبٍ(8)، ووارثُ الواهبِ يَقومُ مَقامَه(9) ومَن أَبْرَأَ غَريمَه من دَيْنِه بلَفْظِ الإحلالِ أو الصدَقَةِ أو الْهِبةِ أو نحوِها بَرِئَتْ ذِمَّتُه(10) ولو لم يَقْبَلْ(11) ويَجوزُ هِبةُ كلِّ عينٍ تُباعُ (12)وكَلبٍ يُقْتَنَى(13).
-
(1) أي : بيان أحكام الهبة والعطية ، وتصرفات المريض . والهبة لغة : مأخوذة من هبوب الريح أي : مروره ، والعطية هنا هي الهبة في مرض الموت .
(2) هذا تعرفها شرعاً : وقوله : ( غيره ) منصوب على أنه مفعول تمليك وخرج بقوله ( التبرع ) عقود المعاوضات كالبيع والإجارة ، وخرج بقوله : ( تمليك ) ما فيه إباحة من غير تمليك كالعارية ، وخرج بقوله : ( المال ) ما ليس بمال كالكلب وجلد الميتة ، وخرج بقوله : ( الموجود ) المعدوم فلا تصح الهبة في هذه الأشياء ، وخرج بقوله :( في الحياة ) الوصية لأﻧﻬا تبرع بعد الموت .
(3) أي : إن شرط الواهب في الهبة عوضًا معلومًا فهي بيع بلفظ الهبة فيعتبر لها أحكام البيع من خيار مجلس وشفعة وغيرهما .
(4) أى : لا يصح أن يهب شيئاً مجهولاً كالحمل في البطن واللبن في الضرع للجهالة وتعذر التسليم .
(5) أي : فتجوز هبته كما لو اختلط مال اثنين على وجه لا يتميز فوهب أحدهمالرفيقه نصيبه منه فيصح ذلك للحاجة .
(6) أي : تنعقد الهبة بالإيجاب وهو اللفظ الصادر من الواهب والقبول وهو اللفظ الصادر من الموهوب له بأن يقول مثلاً : وهبتك أو أعطيتك . فيقول : قبلت أو رضيت .
(7) أى : وتنعقد الهبة أيضاً بالمعاطاة الدالة عليها , والمعاطاة هنا : فعل يدل على الهبة وإن لم يحصل إيجاب ولا قبول ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهدي ويهدى إليه ، ويعطي ويعطى ، ويفرق الصدقات ويأمر سعاته بأخذها وتفريقها ، وكان الصحابة يفعلون ذلك ، ولم ينقل عنهم إيجاب ولا قبول , ولو كان شرطاً لنقل عنهم .
(8) أي : تلزم الهبة إذا قبضها الموهوب له أو نائبه بشرط أن يكون القبض بإذن الواهب ، وقبل القبض بإذن الواهب ليست لازمة فللواهب الرجوع فيها لما روى مالك عن عائشة - رضي الله عنها - أن أبا بكر رضى الله عنه نحلها جذاذ عشرين وسقاً من ماله بالعالية فلما مرض قال : يا بنية كنت نحلتك جذاذ عشرين سقياً ولو كنت حزتيه أو قبضتيه كان لك ، فإنما هو اليوم مال وارث فاقتسموه على كتاب الله تعالى .
(9) أي : إلا ما كان من الهبة في يد متهب كوديعة وعارية فيلزم عقد الهبة فيه بمجرد العقد ، ولا يحتاج إلى إذن واهب لأن قبضه مستدام فأغنى عن الابتداء .
(10) أي : إذا مات الواهب قبل القبض فوارثه يقوم مقامه في إمضاء الهبة والرجوع فيها.
(11) من الدين الذي أبرئ منه .
(12) أي : ولو رد الإبراء ولم يقبله صح الإبراء وبرئت ذمته من الدين لأنه إسقاط حق فلم يفتقر إلى القبول .
(13) لأن الهبة تمليك في الحياة فصحت فيما يصح فيه البيع .http://www.afaqattaiseer.com/vb/images/greennejom/misc/progress.gif
ساجدة فاروق
03-28-2011, 12:45 PM
بَابُ الهِبَةِ وَالعَطِيَّةِ
وَهِيَ التَّبَرُّعُ بِتَمْلِيكِ مَالِهِ المَعْلُومِ المَوْجُودِ فِي حَيَاتِهِ غَيْرَهُ، ........
قوله: «الهبة والعطية» ، الهبة مصدر وَهَبَ يَهَبُ هِبَةً، وأصلها وِهْبَةٌ من وهب الشيء إذا أعطاه، مثل وعد يَعِدُ عِدة وأصلها وِعدة.
واعلم أن خروج المال بالتبرع يكون هبة، ويكون هدية، ويكون صدقة، فما قصد به ثواب الآخرة بذاته فهو صدقة، وما قصد به التودد والتأليف فهو هدية، وما قصد به نفع المعطَى فهو هبة، فهذا هو الفرق بينها، والتودد والتأليف من الأمور المقصودة شرعاً ويقصد بها ثواب الآخرة، لكن ثواب الآخرة لم يقصد فيها قصداً أولياً، ولهذا يخصها بشخص معين، أما الصدقة فلا يخصها بشخص معين، بل أي فقير يواجهه يعطيه، وكلها تتفق في أنها تبرع محض لا يطلب الباذل عليها شيئاً.
والعطية معطوفة على الهبة من باب عطف الخاص على العام؛ لأن العطية هي التبرع بالمال في مرض الموت المخوف، فهي أخص من الهبة، والهبة أن يتبرع بالمال في حال الصحة، أو في مرضٍ غير مخوف، أو في مخوف لم يمت به.
قوله: «وهي التبرع بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره» ، فقوله: «في حياته» متعلق بالتبرع، والتبرع تطوع، ولهذا لا يجوز من شخص عليه دَين ينقص الدينَ، فلو كان إنسان ليس عنده إلا عشرة ريالات وعليه عشرة ريالات، فلا يجوز له التبرع بهذه العشرة لا بصدقة ولا غيرها؛ لأن الدين واجب القضاء، وهذه التبرعات ليست بواجبة، والواجب مقدم.
وقوله: «غيرَهُ» مفعول لقوله: «تمليك» يعني هي أن يتبرع في الحياة بتمليك غيره ماله المعلوم، بمعنى أن الإنسان يتبرع بتمليك ماله لشخص في حال الحياة، ومعنى التبرع أنه لا يأخذ عليه مقابلاً.
وقوله: «ماله» المال كل عين مباحة النفع بلا حاجة.
وقوله: «تمليك» خرج به العارية؛ لأن العارية وإن كانت تبرعاً، لكنها ليست تمليكاً.
وقوله: «تمليك» يؤخذ منه شرط، وهو أن يكون الموهوب له ممن يصح تملكه، فلا يصح أن يهب جبريل عليه السلام؛ لأنه لا يصح تملكه.
وقوله: «ماله» خرج به مال غيره؛ لأنه لا يمكن أن يتبرع الإنسان بملك غيره.
وقوله: «المعلوم» خرج به المجهول، ولكن هذا غير صحيح، فالصحيح جواز هبة المجهول؛ لأنه لا يترتب عليه شيء؛ لأن الموهوب له إن وجد الموهوب كثيراً فهو غانم، وإن وجده قليلاً فلا ضرر عليه وهو غانم أيضاً، فلو وهب لشخص حملاً في بطن صح على القول الذي اخترناه، وهو صحة هبة المجهول.
وقوله: «الموجود» خرج به المعدوم.
وقوله: «في حياته» خرج به الوصية.
وقوله: «غيره» بيان للواقع.
مثال ذلك: شخص أعطى إنساناً كتاباً بدون قيمة، فإننا نسمي هذا هبة، فإن قصد بها ثواب الآخرة سمَّيناها صدقة، وإن قصد بها التودد إلى هذا الشخص فهي هدية، والغالب أن الهدية تكون من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن الأدنى لا يريد أن ينفع الأعلى وإنما يريد التودد إليه.
والهبة تكون مع المساوي، ومع من دونه، لكنه لا يقصد بها ثواب الآخرة قصداً أولياً.
وهذه العقود الأربعة[(27)] ـ أيضاً ـ أوسع من عقود المعاوضات من وجه، وأضيق من وجه، فعقود المعاوضات كالبيع والإجارة تجوز حتى ممن عليه الدَّين، أما التبرعات فلا، وعقود التبرعات تجوز في الأشياء المجهولة، والمعاوضات لا تجوز.
وَإِنْ شَرَطَ فِيهَا عِوَضاً مَعْلُوماً فَبَيْعٌ ............
قوله: «وإن شرط فيها» ، أي: في الهبة.
قوله: «عوضاً معلوماً فبيع» ، يعني فلها حكم البيع، مثال ذلك: قال رجل لأخيه: وهبتك هذا على أن تعطيني عشرة ريالات، فنقول: هذه بيع ويثبت لها أحكام البيع، فيكون فيها خيار المجلس، ولا بد فيها من إيجاب وقبول، وسائر الشروط، ولهذا لو قلت لإنسان وأنت ذاهب معه إلى الجامع، وقد أذَّن الأذان الثاني يوم الجمعة: أعطيتك هذا القلم تبرعاً فإنه يجوز، ولو قلت: أعطيتك هذا القلم بشرط أن تعطيني خمسة ريالات فلا يجوز؛ لأنه بيع.
وَلاَ يَصِحُّ مَجْهُولاً، إِلاَّ مَا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ وَتَنْعَقِدُ بالإِيجَابِ وَالقَبُولِ وَالمُعَاطَاةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا وَتَلْزَمُ بِالقَبْضِ بِإِذْنِ وَاهِبٍ، إِلاَّ مَا كَانَ فِي يَدِ مُتَّهِبٍ،......
قوله: «ولا يصح مجهولاً» يعني لا يصح أن يهب شيئاً مجهولاً، وليس المراد لا يصح مجهولاً فيما شرط فيه العوض، وعلى هذا فلو أن شخصاً له جَمَلٌ شارد، وقال لآخر: وهبتك جملي الشارد، فإنه لا يجوز؛ لأنه مجهول وغير مقدور عليه فلا يصح، أو قال: وهبتك ما في هذا الكيس من الدراهم، فإنه لا يصح؛ لأنه مجهول، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ هو المذهب.
والقول الثاني وهو الصواب: أنه يصح أن يهب المجهول؛ وذلك لأن الهبة عقد تبرع، والإنسان فيها إما غانم وإما سالم، فليس هذا من باب الميسر الدائر بين غرم وغنم، بل بين غنم وسلامة، فإذا وهبته شيئاً مجهولاً وقبل فلا ضرر عليه؛ لأنه إما أن يحصل على شيء يريده، أو شيء لا يريده، فإن حصل على شيء يريده فهذا هو المطلوب، وإلا فلا ضرر عليه.
قوله: «إلا ما تعذر علمه» فتصح هبته، مثل أن يختلط ماله بمال شخص على وجه لا يُدرى عن كميته، ولا يتميز بعينه، فيقول: وهبتك مالي الذي اختلط في مالك، فهذا مجهول يتعذر علمه، فعلى المذهب يصح لدعاء الضرورة لذلك.
والصواب: أنه يصح هبة المجهول، سواء تعذر علمه أم لم يتعذر.
قوله: «وتنعقد» أي: الهبة.
قوله: «بالإيجاب» وهو اللفظ الصادر من الواهب.
قوله: «والقبول» وهو اللفظ الصادر من الموهوب له، فيقول: وهبتك هذا الكتاب، ويقول الثاني: قبلت، فالأول إيجاب والثاني قبول.
قوله: «والمعاطاة الدالة عليها» أيضاً تنعقد بالمعاطاة، أي بدون أن يتلفظ، بشرط أن تكون هذه المعاطاة دالة على الهبة، مثل أن يكون عند شخص وليمة، فأرسل إليه أخوه شاةً ولم يقل شيئاً، فأخذ الشاة وذبحها وقدمها للضِيفان، فتصح الهبة؛ لأن هذا دال عليها؛ لأن المرسل صديقه وأراد أن يساعده، فأرسل إليه الشاة ولم يقل: هبة؛ لأنه يخشى إذا قال: هبة، أن يكون فيها نوع من المنة، ورجل آخر بيده كتاب فرآه صاحبه، فلما رآه ينظر إليه أعطاه إياه بدون أن يقول: وهبتك، وبدون أن يقول ذاك: قبلت، فهذه المعاطاة الظاهر أنها تدل على الهبة، لا سيما إذا كان الواهب ممن عرف بالكرم، وإلا فقد يقال: إن الأصل بقاء ملكه، ولا تصح هذه الهبة؛ لأنه ربما أعطاه إياه من أجل أن ينظر فيه ويستفيد منه، والدليل على انعقادها بالمعاطاة أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يعطي الصدقات ويعطي من الفيء ولا يقول للمعطى: أعطيت، ولا يقول المعطى: قبلت؛ ولأن جميع العقود تنعقد بما دل عليها.
إذاً صيغتها نوعان: قولية، وفعلية، فالقولية هي الإيجاب والقبول، والفعلية هي المعاطاة الدالة عليها.
قوله: «وتلزم بالقبض بإذن واهب» إذا تمت الهبة بالإيجاب والقبول فليس فيها خيار مجلس، لكن فيها خيار مطلقاً حتى تقبض؛ لأنها لا تلزم إلا بالقبض، فلو قال: وهبتك كتابي الفلاني، فقال: قبلت، ولم يسلمه له، ثم رجع، فرجوعه جائز؛ لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فإذا قبضها فليس فيها خيار مجلس؛ لأن هذا عقد تبرع، والذي فيه خيار المجلس هو عقد المعاوضة.
والفرق بينهما ظاهر، ففي عقد المعاوضة أعطى الشارع المتعاقدين مهلة ما داما في المجلس؛ لأن الإنسان قد يرغب في السلعة، وإذا بيعت عليه نزلت من عينه، وهذا شيء مشاهد، فجعل له النبي صلّى الله عليه وسلّم الخيار إذا أحب أن يردها[(28)].
لكن الهبة ليس فيها معاوضة، فهو أعطيها مجاناً، حتى لو كان في الأول يحبها ثم أعطيها ونزلت من عينه، فهذا لا يضره شيء، والدليل على أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ وهب عائشة ـ رضي الله عنها ـ ثمرة نخل، ثم لما مرض رجع فيها، وقال لها: لو أنك جذذتيه كان لك، أما الآن فهو ميراث[(29)]، فدل هذا على أنها لا تلزم إلا بالقبض، والمسألة خلافية، لكن هذا المذهب في هذه المسألة ونحن نمشي عليه.
ولا بد ـ أيضاً ـ من إذن الواهب بذلك، فلو قال رجل: وهبتك بعيري الذي في حظيرتي، فقال: قبلت، ثم ذهب الموهوب له مسرعاً وأخذ البعير، فهل تلزم الهبة؟ المؤلف يقول: لا تلزم إلا إذا قال: اذهب فاقبضها، أو ذهب معه وأقبضه إياها، أما أن يقبض بدون إذنه فلا، فإذا قال قائل: أليس يلزم من الهبة الإذن في القبض؟ قلنا: لا يلزم؛ لأنه قد يندم الواهب فيرجع قبل القبض، وأنت إذا بادرت وقبضت بدون إذنه سددت عليه الباب، وهو له الحق أن يرجع حتى يسلمك إياها، أو يأذن لك بالقبض، فلهذا اشترط ذلك المؤلف فقال: «بإذن واهب» .
قوله: «إلا ما كان في يد متَّهب» ، فما كان في يد متَّهب لا يحتاج إلى إذن، كشخص استعار كتاباً من آخر والكتاب في يده، فقال له مالك الكتاب: قد وهبتك كتابي الذي استعرته مني، فلا يحتاج أن يقول: وهل تأذن لي في قبضه؟ لأنه في يده، فصار بعد الهبة مقبوضاً.
فإن قال قائل: إن قبضه هنا يختلف، فقبضه قبل الهبة على أن يده يد أمانة لا يد مالك، وبعد الهبة صارت يده يد مالك، نقول: هذا الفرق لا يؤثر؛ لأن العبرة هل الموهوب وصل إلى الموهوب له أو لا؟ وحينئذٍ نقول: إنه قد وصل، ومثل العارية الوديعة، كما إذا أعطيت شخصاً كتاباً، وقلت له: خذ هذا الكتاب احفظه عندك حتى أطلبه منك، ثم وهبته إياه، فهذا لا يحتاج إلى إذن في القبض، حتى المغصوب، فالعلماء يقولون: لو أن رب المال قال للغاصب: قد وهبتك ما غصبت، لزمت بمجرد القول؛ لأنها عنده.
ولو أن الواهب مات بعد أن وهب الهبة ولم يقبضها الموهوبُ له، فهل تلزم الهبة؟ لا تلزم؛ لأن الموهوب له لم يقبضها، والمال يرجع إلى الورثة؛ لأنها هبة لم تلزم، ولو وهب شيئاً ولم يُقبِضه ثم باعه فإن البيع يصح؛ لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فإذا لزمت بالقبض فإن الملك يكون من عقد الهبة، ونظيره إذا بعت عليك سلعة، فما دمنا في مجلس العقد فلكل واحد منا الخيار، فإذا تفرقنا لزم البيع، ويكون دخول ملك المبيع للمشتري من حين العقد لا من حين التفرق، وعلى هذا فإذا قلنا: إن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فإنه ما دام لم يقبضها الموهوب له فللواهب الرجوع، فإذا قبضها فهي ملك الموهوب له، وملكه من العقد، فصارت تملك بالعقد، ولا تلزم إلا بالقبض.
وعلى هذا فلو نَمَتْ فالنماء من نصيب الموهوب له، ويجب على الواهب أن يرده إلى الموهوب له.
وَوَارِثُ الوَاهِبِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَمَنْ أَبْرَأَ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ بِلَفْظِ الإِحْلالِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَوِ الهِبَةِ وَنَحْوِهَا بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ وَتَجُوزُ هِبَةُ كُلِّ عَيْنٍ تُبَاعُ، وَكَلْبٍ يُقْتَنَى......
قوله: «ووارث الواهب يقوم مقامه» يعني في الإقباض وعدمه، فإذا مات الواهب بعد الإيجاب والقبول قبل أن يسلمها، فلورثته الحق في أن يمنعوا التسليم ولهم أن ينفذوها ويسلموها.
وعلم من قوله: «ووارث الواهب» أن وارث المتَّهب لا يقوم مقامه، وعلى هذا فلو وهب شيئاً لشخص ثم مات الموهوب له قبل القبض، بطلت الهبة؛ لأنه تعذر قبضه بعد أن مات.
فإن قال قائل: ما الفرق بين هذا وهذا؟
نقول: لأنه في مسألة الواهب عقد يؤول إلى اللزوم فلم ينفسخ بالموت، أما المتهب إذا مات ولم يقبض شيئاً فليس هنا شيء حتى يرجع إلى ورثته، ولذلك فرَّقوا ـ رحمهم الله ـ بين موت الواهب فقالوا: لا تبطل الهبة به ويقوم وارثه مقامه، وبين موت المتهب فقالوا: إن الهبة تبطل لتعذر القبض حينئذٍ.
قوله: «ومن أبرأ غريمه من دينه» ، «من» شرطية عامة، فتشمل الغني والفقير، والمحجور عليه والطليق، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، ولكن هذا ليس على عمومه، فمراد المؤلف: من أبرأ غريمه بشرط أن يكون ممن يصح تبرعه، فهو عام أريد به الخاص، وعليه لو أبرأ المحجور عليه غريمه من دَينه لم يبرأ؛ لأن المحجور عليه لا يصح تصرفه في ماله.
ولو أبرأ ولي اليتيم غريم اليتيم من دَينه لم يبرأ؛ لأن ولي اليتيم لا يصح منه الإبراء.
ولو أبرأ الوكيل غريم الموكل من دينه لا يبرأ؛ لأن الوكيل يتصرف وليس له أن يتبرع، وهلم جرًّا، فكل من يتصرف في مال غيره لا يمكن أن يتبرع به.
وقوله: «غريمه» ، أي: الذي يطلبه، فلدينا طالب ومطلوب، فالمدين يسمى غريماً.
وقوله: «من دينه» ، ظاهره أنه لا فرق بين أن يكون كثيراً أو قليلاً.
وعُلِم من كلمة «دَينه» أنه لا بد أن يكون الدَّين معيَّناً، فإن كان له على شخص دَينان أحدهما (بُرٌّ) والآخر (شعير) فأبرأه من أحدهما، فظاهر كلام المؤلف أنه لا يبرأ؛ لأنه لم يعين الدَّين الذي أبرأه منه.
والصواب: أنه يبرأ من أحدهما، ويرجع في التعيين إلى المبرئ؛ لأن المبرَأ لم يملك ذلك إلا من قبل المبرِئ، ولأن هذا من جهته وهو أعلم بما أراد.
فلو أن رجلاً له على شخص مائة دينار ومائة درهم، ثم قال له: أبرأتك من أحد دَينيك، ولم يعين لا الدنانير ولا الدراهم، فقال المدين: هي الدنانير، وقال المبرِئ: هي الدراهم، فنرجع هنا إلى قول المبرئ؛ لأنه أعلم بنيته، والمال ماله فيبرئه مما شاء، لكن على المذهب لا يجوز إلا ديناً معيناً لقوله: «من دَينه» .
وقوله: «من دَينه» ، لو أبرأه من دَين غيره، وقال للمدين: إني أبرأتك من دين فلان وأنا أقضيه، فلا يصح ولا يبرأ، وقوله: وأنا أقضيه، هذا وعد والوعد لا يُلزِم، فلا بد أن يكون من دينه لا من دَين غيره.
قوله: «بلفظ الإحلال أو الصدقة أو الهبة ونحوها» ، هذه مسألة لا بد أن نعرفها تماماً، فقوله: «بلفظ» احترازاً مما لو أبرأه بقلبه، كرجل له في ذمة فلان ألف ريال، فنوى بقلبه أنه أبرأه لكن لم يقل: إني أبرأته، أو لم يقل له: أبرأتك، أو أحللتك، أو سامحتك أو تصدقت عليك أو وهبته لك، فلا يبرأ، وهذا مثل إنسان يعين دراهم للصدقة بها، وقبل أن يتصدق منعها، فلا حرج عليه.
قوله: «برئت ذمته» ، أي ذمة الغريم، وبقي حراً طلقاً ليس عليه دين.
قوله: «ولو لم يقبل» ، أي: فإن الدَّين يسقط ولو لم يقبل؛ لأن الدين وصف في الذمة، فإبراؤه منه إزالة وصف عن المدين، وليس إدخال ملك عين عليه كالهبة، ولهذا لم يشترط في الإبراء قبول المبرَأ، بخلاف الموهوب له فإنه يشترط قبوله، وهذه هي قاعدة المذهب: أن الأوصاف لا يشترط فيها القبول، ولهذا لو كان في ذمة زيد لعمرو مائة صاع بر وسط، فأعطاه زيد مائة صاع من البر الجيد، فقال صاحب الدين: أنا لا أقبل إلا الوسط، فلا يشترط قَبول صاحب الدين؛ لأن هذا وصف، فإنه لم يعطه أكثر من مائة بل زاده خيراً في الوصف، لكن لو أراد أن يزيده صاعاً واحداً، فلا يصح إنشاء الزيادة إلا بقبول ممن له الدَّين.
وقال بعض أهل العلم: لا تبرأ ذمته إلا بالقبول؛ لأن المبرأ ربما يلاحظ شيئاً آخر وهو المِنَّة.
والصحيح في هذا التفصيل: أنه إن رد الإبراء دفعاً للمنَّة عليه فإنه لا يُلزَم بذلك؛ لأن المبرَأ قد يقول: لو أنني قبلت لأصبح هذا الرجل يتحدث بين الناس: إني أبرأت فلاناً، أو كلما حصل شيء قال: هذا جزائي حين أبرأتك من دينك! فهنا إذا لم يقبل فله الحق؛ لأنه يقول: أنا لم أقبل خوفاً من المنة، ولا شك أن هذا وصف كل إنسان يحب أن يدفعه عن نفسه.
مسألة: إذا أبرأ غريمه من الدين فهل تجب عليه الزكاة؟ بمعنى أنه لو كان له دين عند شخص وتمت عليه السنة فأبرأه منه، فهل تجب عليه زكاته؛ لأن إبراءه كقبضه أو لا تجب؟
الجواب: فيه تفصيل: إن وجبت الزكاة في هذا الدين لم يسقطها الإبراء، وإن لم تجب فإنه يسقطها الإبراء، فهذا هو الضابط، مثل أن يبرئ فقيراً أو ما أشبه ذلك فهنا لا تجب، وأما القول بأنه إذا أبرأه منه فإن الزكاة واجبة على كل حال؛ لأن الإبراء كالقبض، والدين إذا قبض ـ سواء على غني أو على فقير ـ فإن الزكاة فيه واجبة، فهو ضعيف.
قوله: «وتجوز هبة كل عين تباع» ، أفادنا ـ رحمه الله ـ أن الهبة إنما تكون في الأعيان، وأما الدين فيسمى إبراءً.
وقوله : «تباع» أي: يصح بيعها، فخرج بذلك ما لا يصح بيعه.
وظاهر كلامه أن ما لا يصح بيعه ولو لجهالته، أو عدم القدرة عليه لا تصح هبته، والصحيح في هذا أن ما لا يصح بيعه لجهالته، أو الغرر فيه، فإن هبته صحيحة، كما لو أبق عبد لشخص فقال لصاحبه: إني قد وهبتك عبدي الآبق، فقبل، فالصواب جواز هذا؛ لأن الموهوب له إن أدركه فهو غانم وإن لم يدركه فهو سالم، بخلاف البيع، وكذلك المجهول تصح هبته على القول الراجح؛ لأن الموهوب له إما سالم وإما غانم، فلا يكون ذلك من باب الميسر الذي حرمه الله ـ عزّ وجل ـ في كتابه.
ولو وهب موقوفاً فإنه لا تصح هبته؛ لأن الموقوف لا يصح بيعه، ولو وهب مرهوناً لم يصح؛ لأن المرهون لا يصح بيعه، ولو وهب مؤجَّراً صحت الهبة؛ لأن المؤجر يصح بيعه، ولكن لا يملك الموهوب له منافعه حتى تتم مدة الأجرة، فلو أجَّر بيته لمدة سنة، ووهبه آخر بعد مضي ستة أشهر فالهبة صحيحة، ولكن الموهوب له لا يملك المنافع إلا إذا تمت المدة، بمعنى أن حق المستأجر ثابت على ما هو عليه، أما ما يستحقه من الأجرة فإنه للموهوب له من حين ما وُهِبَ له بقسطه.
قوله: «وكلب يقتنى» يعني وتصح هبة الكلب الذي يقتنى، أي: يجوز اقتناؤه، مع أن الكلب لا يصح بيعه؛ لأن المحرم هو أخذ العوض عليه، فإن وهبه بلا عوض فلا بأس به، وهبته ـ أيضاً ـ ليست هبة حقيقة، ولكنها عبارة عن تنازل عن اختصاص بهذا الكلب، وإلا فالكلب لا يصح بيعه، وما لا يصح بيعه لا تصح هبته.
وقوله: «وكلب يقتنى» أفادنا ـ رحمه الله ـ أن الكلب الذي لا يقتنى لا تصح هبته؛ وذلك لأن الواهب في هذه الحال لا حق له فيه حتى يهبه.
والذي يُقتنى هو ما كان لثلاثة أمور: إما الحرث، وإما الماشية، وإما الصيد[(30)]، فهذه ثلاثة أشياء يجوز اقتناء الكلب لها بشرط ألا يكون أسود، فإن كان أسود فإنه لا يجوز اقتناؤه؛ لأنه لا يحل صيده؛ ولأنه شيطان[(31)] فلا يحل اقتناؤه، لكن الكلب الذي يجوز اقتناؤه يجوز للمقتني أن يهبه؛ وذلك لأن هبته حقيقتها التنازل عن حقه في هذا الكلب.
فإن اقتنى كلباً في حال لا يباح اقتناؤه فيها ووهبه، فهذا لا يصح؛ وذلك لأن هذا الواهب لهذا الكلب ليس له حق فيه، إذ أنه لا يجوز له أن يقتنيه، فكيف يتنازل عن شيء لا حق له فيه؟!
-
[27] الوقف والهبة والعطية والهدية.
[28] أخرجه البخاري في البيوع/ باب إذا خيَّر أحدهما صاحبه (2112)؛ ومسلم في البيوع/ باب ثبوت خيار المجلس (1531) (44) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
[29] أخرجه مالك (2/752) وعبد الرزاق (16507)؛ والبيهقي (6/169) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ. انظر: نصب الراية (4/122) وصححه الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف كما في موسوعة الحافظ ابن حجر الحديثية (2/518) ومثله في الإرواء (1619).
[30] لما أخرجه البخاري في الوكالة/ باب اقتناء الكلب للحرث (2322)؛ ومسلم في المساقاة/ باب الأمر بقتل الكلاب... (1575) (58).
[31] لما أخرجه مسلم في الصلاة/ باب ما يستر المصلي (510) عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir