مشاهدة النسخة كاملة : باب نواقض الوضوء(1/12) [النعاس لا ينقض الوضوء]
عبد العزيز الداخل
11-06-2008, 06:36 AM
بابُ نواقضِ الوُضوءِ
67 - عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ - علَى عَهْدِهِ – يَنتظرونَ العِشاءَ حتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهم، ثُمَّ يُصَلُّونَ ولا يَتَوَضَّؤُونَ. أَخرَجَهُ أبو دَاوُدَ وصَحَّحَهُ الدارَقُطْنِيُّ. وأَصْلُهُ في مسلِمٍ.
محمد أبو زيد
11-23-2008, 09:50 AM
بابُ نواقضِ الوُضوءِ
النَّوَاقِضُ: جَمْعُ نَاقِضٍ، وَالنَّقْضُ فِي الأَصْلِ: حَلُّ المُبْرَمِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي إبْطَالِ الوُضُوءِ بِمَا عَيَّنَهُ الشَّارِعُ مُبْطِلاً مَجَازاً، ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً؛ وَنَاقِضُ الوُضُوءِ: نَاقِضٌ لِلتَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ بَدَلٌ عَنْهُ.
1/61 - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَهْدِهِ يَنْتَظِرُونَ العِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّؤُونَ.
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ.
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَهْدِهِ يَنْتَظِرُونَ العِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ؛ أَيْ: تَمِيلَ (رُؤُوسُهُمْ) أَيْ: مِن النَّوْمِ.
(ثُمَّ يُصَلُّونَ ولاَ يَتَوَضَّؤُونَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ) وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِيهِ: يُوقِظُونَ لِلصَّلاَةِ. وَفِيهِ: حَتَّى إنِّي لَأَسْمَعُ لِأَحَدِهِمْ غَطِيطاً، ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّؤُونَ.
وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِن العُلَمَاءِ عَلَى نَوْمِ الجَالِسِ، وَدُفِعَ هَذَا التَّأْوِيلُ بِأَنَّ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ: "يَضَعُونَ جُنُوبَهُمْ" رَوَاهَا يَحْيَى القَطَّانُ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ: يُحْمَلُ عَلَى النَّوْمِ الخَفِيفِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لاَ يُنَاسِبُهُ ذِكْرُ الغَطِيطِ وَالإِيقَاظِ، فَإِنَّهُمَا لاَ يَكُونَانِ إلاَّ فِي نَوْمٍ مُسْتَغْرِقٍ.
وإذَا عَرَفْتَ هَذَا: فَالأَحَادِيثُ قَد اشْتَمَلَتْ عَلَى خَفْقَةِ الرَّأْسِ، وَعَلَى الغَطِيطِ، وَعَلَى الإِيقَاظِ وَعَلَى وَضْعِ الجُنُوبِ، وَكُلُّهَا وَصَفَتْ بِأَنَّهُمْ كانوا لا يَتَوَضَّؤُونَ مِنْ ذَلِكَ.
فَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ ثَمَانِيَةٍ:
الأَوَّلُ: أَنَّ النَّوْمَ نَاقِضٌ مُطْلَقاً عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ بِدَلِيلِ إطْلاَقِهِ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الَّذِي سَلَفَ فِي مَسْحِ الخُفَّيْنِ، وَفِيهِ: "مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ نَوْمٍ".
قَالُوا: فَجَعَلَ مُطْلَقَ النَّوْمِ كَالغَائِطِ وَالبَوْلِ فِي النَّقْضِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ بِأَيِّ عِبَارَةٍ رُوِيَ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ قَرَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ، وَلاَ رَآهُمْ، فَهُوَ فِعْلُ صَحَابِيٍّ لاَ يُدْرَى كَيْفَ وَقَعَ، وَالحُجَّةُ إنَّمَا هِيَ فِي أَفْعَالِهِ، وَأَقْوَالِهِ وَتَقْرِيرَاتِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ.
القَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يَنْقُضُ مُطْلَقاً لِمَا سَلَفَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَحِكَايَةُ نَوْمِ الصَّحَابَةِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَاتِ، وَلَوْ كَانَ نَاقِضاً لَمَا أَقَرَّهُم اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلأَوْحَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ كَمَا أَوْحَى إلَيْهِ فِي شَأْنِ نَجَاسَةِ نَعْلِهِ، وَبِالأَوْلَى صِحَّةُ صَلاَةِ مَنْ خَلْفَهُ، وَلَكِنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِمْ حَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ".
القَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّوْمَ نَاقِضٌ كُلُّهُ، إنَّمَا يُعْفَى عَنْ خَفْقَتَيْنِ وَلَوْ تَوَالَتَا، وَعَن الخَفَقَاتِ المُتَفَرِّقَاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الهَادَوِيَّةِ، وَالخَفْقَةُ: هِيَ مَيَلاَنُ الرَّأْسِ مِن النُّعَاسِ، وَحَدُّ الخَفْقَةِ أَنْ لاَ يَسْتَقِرَّ رَأْسُهُ مِن المَيْلِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَمَنْ لَمْ يَمِلْ رَأْسُهُ، عُفِيَ لَهُ عَنْ قَدْرِ خَفْقَةٍ، وَهِيَ مَيْلُ الرَّأْسِ فَقَطْ حَتَّى يَصِلَ ذَقَنُهُ صَدْرَهُ قِيَاساً عَلَى نَوْمِ الخَفْقَةِ، وَيَحْمِلُونَ أَحَادِيثَ أَنَسٍ عَلَى النُّعَاسِ الَّذِي لاَ يَزُولُ مَعَهُ التَّمْيِيزُ، وَلاَ يَخْفَى بُعْدُهُ.
القَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِنَاقِضٍ بِنَفْسِهِ، بَلْ هُوَ مَظِنَّةٌ لِلنَّقْضِ لاَ غَيْرُ، فَإِذَا نَامَ جَالِساً، مُمَكِّناً مَقْعَدَتَهُ مِن الأَرْضِ، لَمْ يَنْتَقِضْ، وَإِلاَّ انْتَقَضَ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: ((العَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ)) حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ إلاَّ أَنَّ فِيهِ مَنْ لاَ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَهُوَ بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ، وَقَدْ عَنْعَنَهُ، وَحَمَلَ أَحَادِيثَ أَنَسٍ عَلَى مَنْ نَامَ مُمَكِّناً مَقْعَدَتَهُ؛ جَمْعاً بَيْنَ الأَحَادِيثِ، وَقَيَّدَ حَدِيثَ صَفْوَانَ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ هَذَا، وقالَ: معنى حديثِ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، أن النومَ مَظِنَّةٌ لخروجِ شيءٍ مِن غيرِ شعورٍ، فالنومُ ناقضٌ لا بنفسِه.
الخَامِسُ: أَنَّهُ إذَا نَامَ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ المُصَلِّي رَاكِعاً أَوْ سَاجِداً أَوْ قَائِماً، فَإِنَّهُ لاَ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلاَةِ أَوْ خَارِجَهَا، فَإِنْ نَامَ مُضْطَجِعاً أَوْ عَلَى قَفَاهُ نُقِضَ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ: ((إذَا نَامَ العَبْدُ فِي سُجُودِهِ بَاهَى اللَّهُ بِهِ المَلاَئِكَةَ، يَقُولُ: عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي، وَجَسَدُهُ سَاجِدٌ بَيْنَ يَدَيْ)). رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ ضُعِّفَ. قَالُوا: فَسَمَّاهُ سَاجِداً وَهُوَ نَائِمٌ، وَلاَ سُجُودَ إلاَّ بِطَهَارَةٍ. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ سَمَّاهُ بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ أَمْرِهِ أَوْ بِاعْتِبَارِ هَيْئَتِهِ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ يَنْقُضُ إلاَّ نَوْمَ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ؛ لِلْحَدِيثِ الَّذِي سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالسُّجُودِ فَقَدْ قَاسَ عَلَيْهِ الرُّكُوعَ، كَمَا قَاسَ الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى سَائِرِ هَيْئَاتِ المُصَلِّي.
السَّابِعُ: أَنَّهُ لاَ يَنْقُضُ النَّوْمُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى أَيِّ حَالٍ، وَيَنْقُضُ خَارِجَهَا، وَحُجَّتُهُ الحَدِيثُ المَذْكُورُ؛ فإنه حُجَّةُ هَذِهِ الأَقْوَالِ الثَّلاَثَةِ.
الثَّامِنُ: أَنَّ كَثِيرَ النَّوْمِ يَنْقُضُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلاَ يَنْقُضُ قَلِيلُهُ، وَهَؤُلاَءِ يَقُولُونَ: إنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِنَاقِضٍ بِنَفْسِهِ، بَلْ مَظِنَّةُ النَّقْضِ، وَالكَثِيرُ مَظِنَّةٌ بِخِلاَفِ القَلِيلِ، وَحَمَلُوا أَحَادِيثَ أَنَسٍ " عَلَى القَلِيلِ، إلاَّ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا قَدْرَ القَلِيلِ وَلاَ الكَثِيرِ، حَتَّى يُعْلَمَ كَلاَمُهُمْ بِحَقِيقَتِهِ، وَهَلْ هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ أَحَدِ الأَقْوَالِ أَمْ لاَ؟
فَهَذِهِ أَقْوَالُ العُلَمَاءِ فِي النَّوْمِ اخْتَلَفَتْ أَنْظَارُهُمْ فِيهِ لِاخْتِلاَفِ الأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَفِي البَابِ أَحَادِيثُ لاَ تَخْلُو عَنْ قَدْحٍ، أَعْرَضْنَا عَنْهَا.
وَالأَقْرَبُ القَوْلُ بِأَنَّ النَّوْمَ نَاقِضٌ لِحَدِيثِ صَفْوَانَ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالخَطَّابِيُّ، وَلَكِنَّ لَفْظَ النَّوْمِ فِي حَدِيثِهِ مُطْلَقٌ، وَدَلاَلَةُ الِاقْتِرَانِ ضَعِيفَةٌ، فَلاَ يُقَالُ قَدْ قُرِنَ بِالبَوْلِ والغَائِطِ وَهُمَا نَاقِضَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَلَمَّا كَانَ مُطْلَقُ وُرُودِ حَدِيثِ أَنَسٍ " بِنَوْمِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَتَوَضَّؤُونَ وَلَوْ غَطُّوا غَطِيطاً، وَبِأَنَّهُمْ يَضَعُونَ جُنُوبَهُمْ، وَبِأَنَّهُمْ كَانُوا يُوقَظُونَ، وَالأَصْلُ جَلاَلَةُ قَدْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لاَ يَجْهَلُونَ مَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ، سِيَّمَا وَقَدْ حَكَاهُ أَنَسٌ عَن الصَّحَابَةِ مُطْلَقاً، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِيهِم العُلَمَاءَ العَارِفِينَ بِأُمُورِ الدِّينِ، خُصُوصاً الصَّلاَةَ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الإِسْلاَمِ وَسِيَّمَا الَّذِينَ كَانُوا مِنْهُمْ يَنْتَظِرُونَ الصَّلاَةَ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُمْ أَعْيَانُ الصَّحَابَةِ.
وَإِذَا كَانُوا كَذَلِكَ فَيُقَيَّدُ مُطْلَقُ حَدِيثِ صَفْوَانَ بِالنَّوْمِ المُسْتَغْرِقِ الَّذِي لاَ يَبْقَى مَعَهُ إدْرَاكٌ،، وَيُؤَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَسٌ مِن الغَطِيطِ وَوَضْعِ الجُنُوبِ وَالإِيقَاظِ بِعَدَمِ الِاسْتِغْرَاقِ، فَقَدْ يَغُطُّ مَنْ هُوَ فِي مَبَادِئِ نَوْمِهِ قَبْلَ اسْتِغْرَاقِهِ، وَوَضْعُ الجَنْبِ لاَ يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِغْرَاقَ، فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضَعُ جَنْبَهُ بَعْدَ رَكْعَتَي الفَجْرِ وَلاَ يَنَامُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُومُ لِصَلاَةِ الفَجْرِ بَعْدَ وَضْعِ جَنْبِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ لاَ يَنْقُضُ نَوْمُهُ وُضُوءَهُ على أنَّ عَدَمَ مُلاَزَمَةِ النَّوْمِ لِوَضْعِ الجَنْبِ مَعْلُومَةٌ، وَالإِيقَاظُ قَدْ يَكُونُ لِمَنْ هُوَ فِي مَبَادِئِ النَّوْمِ، فَيُنَبَّهُ لِئَلاَّ يَسْتَغْرِقَهُ النَّوْمُ.
هَذَا وَقَدْ أُلْحِقَ بِالنَّوْمِ الإِغْمَاءُ، وَالجُنُونُ، وَالسُّكْرُ بِأَيِّ مُسْكِرٍ، بِجَامِعِ زَوَالِ العَقْلِ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهُم اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ نَاقِضَةٌ، فَإِنْ صَحَّ كَانَ الدَّلِيلُ الإِجْمَاعَ.
محمد أبو زيد
11-23-2008, 09:52 AM
بابُ نواقِضِ الوُضُوءِ
مقدِّمةٌ
النواقِضُ: جمعُ ناقضٍ، والنقْضُ في الأجسامِ: إبطالُ تركيبِها، وفي المعاني: إخراجُها عن إفادةِ ما هو المطلوبُ منها.
فنواقِضُ الوُضُوءِ هي العِلَلُ المؤثِّرَةُ في إخراجِ الوضوءِ عمَّا هو المطلوبُ منه، ثمَّ اسْتُعْمِلَ في إبطالِ الوُضُوءِ بما عَيَّنَه الشارِعُ مُبْطِلاً.
والنواقِضُ قِسمانِ:
أحدُهما: أحداثٌ تَنْقُضُ الوُضوءَ بنفسِها.
الثاني: أسبابٌ، وهي ما كانَ مَظِنَّةً لخروجِ الحدثِ، كالنومِ والمَسِّ.
والنواقِضُ من حيثُ الدليلُ كالآتي:
الغائِطُ: ثَبَتَ نَقْضُه بالكتابِ والسنَّةِ والإجماعِ.
البَوْلُ: ثَبَتَ نقضُه بالسنةِ والإجماعِ والقياسِ على الغائطِ.
المَذْيُ: ثَبَتَ نقضُه بالسنةِ والإجماعِ والقياسِ على البوْلِ.
دَمُ الاسْتِحَاضَةِ: ثَبَتَ نَقْضُه بما رَوَاهُ أبو داودَ (286) من حديثِ عائشةَ في قصَّةِ استحاضةِ فاطمةَ بِنْتِ أبي حُبَيْشٍ: ((فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ)). ورِجالُ إسنادِه ثِقاتٌ، وقالَ بذلكَ عامَّةُ أهلِ العلمِ.
النومُ: تعارَضَتْ فيه الآراءُ، واخْتَلَفَتْ فيه المذاهبُ: فبعضُهم يَرَى النقضَ مِن قليلِه وكثيرِه، وبعضُهم لا يَرَى النقضَ منه أصلاً، والجمهورُ سَلَكُوا مَسْلَكَ الجمْعِ، وهو النقضُ بالكثيرِ دونَ القليلِ، ولهم في النومِ الناقضِ وغيرِ الناقضِ تفصيلٌ.
أمَّا ما عدا هذه الأشياءَ فقد قَوِيَ فيها خلافُ العلماءِ، وستأتي إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
61 - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَهْدِهِ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّؤُونَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ.
درجةُ الحديثِ:
الحديثُ صحيحٌ: فأَصْلُه في صحيحِ مسلمٍ: كانوا يَنْتَظِرُونَ العشاءَ فينامُونَ، ثمَّ يُصَلُّونَ ولا يَتَوَضَّؤُونَ. وقد صَحَّحَهُ الترمذيُّ والدَّارَقُطْنِيُّ، قالَ البَيْهَقِيُّ: رِجالُه رِجالُ الصحيحِ. وقالَ ابنُ حَجَرٍ: إسنادُه صحيحٌ.
مفرداتُ الحديثِ:
- عَهْدِهِ: العهدُ: الزمنُ، يُقالُ: كانَ ذلكَ على عهدِ فلانٍ؛ أي: على زمانِه، جَمْعُه: عُهُودٌ وعِهَادٌ.
- يَنْتَظِرُونَ: يَتَرَقَّبُونَ حُضُورَه لأداءِ الصلاةِ.
- الْعِشَاءَ: بكسرِ العينِ والمَدِّ، وأولُ دخولِ وقتِه بعدَ غيابِ الشَّفَقِ الأحمرِ، سُمِّيَتِ الصلاةُ به؛ لأنها تُفْعَلُ فيه، ويُقالُ لها: العشاءُ الآخِرَةُ.
- حَتَّى: حرفٌ يأتي لعِدَّةِ معانٍ؛ منها أنه يكونُ للغايةِ والانتهاءِ، وهو المرادُ هنا.
- تَخْفِقَ: بكسرِ الفاءِ، فهو من بابِ ضَرَبَ، أي: تَمِيلُ من النُّعاسِ، قالَ في المِصباحِ: خَفَقَ برأسِه، إذا أَخَذَتْهُ سِنَةٌ مِن النُّعاسِ فمالَ رأسُه دونَ سائرِ جسدِه.
- رُؤُوسُهُمْ: جمعُ رأسٍ، ورأسُ كلِّ شيءٍ أعلاه، ومنه سُمِّيَ الرأسُ في الإنسانِ.
ما يُؤْخَذُ مِنَ الحَدِيثِ:
1- النومُ اليسيرُ من الجالسِ لا يَنْقُضُ الوضوءَ.
2- النومُ الكثيرُ ناقضٌ للوضوءِ؛ لِمَا تَقَرَّرَ في نفسِ الصحابيِّ الراوي، أن النومَ ناقضٌ للوضوءِ إلاَّ هذا القَدْرَ الذي شاهَدَه.
3- الطهارةُ من الحَدَثِ شرطٌ لصحَّةِ الصلاةِ، فنفيُ الوُضوءِ في هذه الحالةِ دليلٌ على وُجُوبِها في غيرِها ممَّا يُوجِبُ نقضَ الطهارةِ.
4- استحبابُ تأخيرِ صلاةِ العشاءِ عن أوَّلِ وقتِها؛ فقدْ جاءَ في الصحيحيْنِ أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يَسْتَحِبُّ أنْ يُؤَخِّرَ العشاءَ ويقولُ: ((إِنَّهُ لَوَقْتُهَا، لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي)).
5- حِرْصُ الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم على البقاءِ في المسجدِ؛ انتظاراً للصلاةِ، وفضلُ انْتِظارِها؛ فقدْ جاءَ في البُخَارِيِّ (647)، ومسلمٍ (362) من حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((لاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا دَامَتِ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ)).
6- جوازُ النُّعَاسِ والرُّقُودِ في المسجدِ، لا سيَّما لانتظارِ الصلاةِ.
خلافُ العلماءِ:
اخْتَلَفَ العلماءُ في النومِ هل يَنْقُضُ الوضوءَ؟ على ثلاثةِ أقوالٍ:
فذَهَبَ بعضُهم إلى أنَّ قليلَه وكثيرَه ناقِضٌ؛ بِناءً مِنهم على أنَّ نفسَ النومِ حَدَثٌ يَنْقُضُ الوضوءَ.
وذَهَبَ بعضُهم إلى أنه لا يَنْقُضُ قليلُه ولا كثيرُه، ما لم يَتَحَقَّقْ خروجُ حَدَثٍ؛ بِناءً منهم على أن النومَ ليسَ بناقضٍ، ولكنه مَظِنَّةُ الحَدَثِ.
وذهَبَ جمهورُ العلماءِ إلى أن الكثيرَ المُسْتَثْقَلَ ناقضٌ دونَ النومِ اليسيرِ، ولهم تفاصيلُ في تحديدِ القليلِ من الكثيرِ، وصفاتُه الناقضةُ مذكورةٌ في كُتُبِ الأحكامِ. وهذا القولُ هو الراجِحُ الذي تَجْتَمِعُ فيه الأدلَّةُ:
فإن حديثَ صفوانَ بنِ عَسَّالٍ: كانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنا إذا كنَّا في سَفَرٍ أنْ لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيامٍ وليالِيَهُنَّ، إلاَّ مِن جَنابةٍ، ولكن مِن غائطٍ وبوْلٍ ونومٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (3352)، والنَّسائيُّ (127) – أَثْبَتَ نقضَ الوضوءِ من النومِ، كالغائطِ والبوْلِ.
وحديثَ أَنَسٍ: كانَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على عهدِه يَنْتَظِرُونَ العشاءَ حتى تَخْفِقَ رُؤُوسُهم ثمَّ يُصَلُّون ولا يَتَوَضَّؤُونَ- دليلٌ على أنَّ يَسِيرَ النومِ لا يَنْقُضُ.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir