مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة الإخلاص
حفيدة بني عامر
10-24-2008, 11:37 AM
سورة الإخلاص
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)}
حفيدة بني عامر
10-24-2008, 11:39 AM
تفسيرُ سورةِ الإخلاصِ
(1-4){بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)}
أي: {قُلْ} قولاً جازماً بهِ، معتقداً لهُ، عارفاً بمعناهُ {هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أي: قدِ انحصرتْ فيهِ الأحديةُ، فهوَ الأحدُ المنفردُ بالكمالِ، الذي لهُ الأسماءُ الحسنى، والصفاتُ الكاملةُ العليا، والأفعالُ المقدسةُ، الذي لا نظيرَ لهُ ولا مثيلَ.
{اللَّهُ الصَّمَدُ}أي: المقصودُ في جميعِ الحوائجِ، فأهلُ العالمِ العلوي والسفلي مفتقرونَ إليهِ غايةَ الافتقارِ، يسألونهُ حوائجهمْ، ويرغبونَ إليهِ في مهماتهمْ؛ لأنَّهُ الكاملُ في أوصافهِ، العليمُ الذي قدْ كَمُلَ في علمهِ، الحليمُ الذي قدْ كملَ في حلمهِ، الرحيمُ الذي [كملُ في رحمتهِ الذي] وسعتْ رحمتهُ كلَّ شيءٍ، وهكذا سائرُ أوصافهِ.
ومنْ كمالهِ أنَّهُ {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} لكمالِ غناهُ.
{وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}لا في أسمائهِ ولا في أوصافهِ، ولا في أفعالهِ، تباركَ وتعالى.
فهذهِ السورةُ مشتملةٌ على توحيدِ الأسماءِ والصفاتِ.
حفيدة بني عامر
10-24-2008, 11:41 AM
سُورَةُ الإِخْلاصِ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ والبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَصْحَابِهِ: ((أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟)) فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: (({قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثُلُثُ الْقُرْآنِ)).
1- {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} قَالَ الْمُشْرِكُونَ: يَا مُحَمَّدُ، انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ. أَي: اذْكُرْ لَنَا نَسَبَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، فَالْمَعْنَى: إِنْ سَأَلْتُمْ تَبْيِينَ نِسْبَتِهِ فَهُوَ اللَّهُ أَحَدٌ؛ أَيْ: وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.
2- {اللَّهُ الصَّمَدُ} الصَّمَدُ: هُوَ الَّذِي يُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي الحاجاتِ؛أَيْ: يُقْصَدُ؛ لِكَوْنِهِ قَادِراً عَلَى قَضَائِهَا.
عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الصَّمَدُ: السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ، وَالشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي شَرَفِهِ، وَالعظيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ، والحليمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِلْمِهِ، وَالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ، وَالْجَبَّارُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي جَبَرُوتِهِ، والعالِمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ، والحكيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَتِهِ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، هَذِهِ صِفَةٌ لا تَنْبَغِي إِلاَّ لَهُ، لَيْسَ لَهُ كُفُوٌ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الصَّمَدُ: السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ السُّؤْدَدُ، فَلا سَيِّدَ فَوْقَهُ.
3- {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}؛ أَيْ: لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ وَلَدٌ، وَلَمْ يَصْدُرْ هُوَ عَنْ شَيْءٍ؛ لأَنَّهُ لا يُجَانِسُهُ شَيْءٌ، ولاستحالةِ نِسْبَةِ العدمِ إِلَيْهِ سَابِقاً وَلاحِقاً؛ فَإِنَّ المولودَ كَانَ مَعْدُوماً قَبْلَ أَنْ يُولَدَ؛ أَيْ: فَلَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى أبٌ يُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَوْلادٌ فَيُنْسَبُونَ إِلَيْهِ.
قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ قَالُوا: الْمَلائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ.وَقَالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وَقَالَتِ النَّصَارَى: المسيحُ ابْنُ اللَّهِ. فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ فَقَالَ: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}.
4- {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}: لا يُسَاوِيهِ أَحَدٌ وَلا يُمَاثِلُهُ وَلا يُشَارِكُهُ فِي شَيْءٍ.
حفيدة بني عامر
10-24-2008, 11:47 AM
المتن :
سورة الإخلاص
ذُكِرَ أنَّ الكفَّارَ قالوا: (يا محمد انسِبْ لنا ربَّكَ) فنزلَت هذه السُّورة(1).
ومِنْ فَضْلِ هذه السُّورةِ:
أنها تعدِلُ ثُلُثَ القرآن، وأنها تُقرأُ في صلاة الوتر، وسُنَّة الفجر، وسنَّة الطَّواف، وفي أذكارِ الصبَاح والمساء، وأذكارِ دُبُر الصَّلَوات.
1-قولُه تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أي: قُلْ يا محمد: ربي هو اللهُ الذي له العِبادة، لا تنبغي إلاَّ له، ولا تصلُحُ لغيرِه، المتَّصِفُ بالأحَدِيَّة دون سِواه، لا مثيلَ له، ولا نِدَّ، ولا صاحبةَ ولا ولد(2).
2-قولُه تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ} أي: الله الموصوفُ بالأَحَدِيَّة، هو السيِّدُ الذي قد انتهى في سُؤدَدِه، والغني الذي قد كَمُلَ في غِناه، فلا يَحْتَاجُ ما يحتاجُهُ خلقُه من الصَّاحِبةِ والولدِ، ولا من المأكلِ والمَشْرَبِ، ولا من غيرِها، فهو الذي قد كَمُلَ في أنواعِ الشَّرَفِ والسُّؤْدَدِ، وهو الله هذه صِفته، لا تنبغي إلاَّ له(3).
3- 4 قولُه تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} أي: هذا المعبودُ بحقٍّ ليس ممن يولَد فَيَفْنَى، ولا هو بمُحدَثٍ لم يكن فكان، بل هو الأولُ الذي ليس قبلَه شيء، والآخِرُ الذي ليس بعدَه شيء. ولم يكن له مثيلٌ يكافِئه في أسمائِه وصفاتِه وأفعالِه.
-
الحاشية :
(1)ورد ذلك عن أُبي بن كعب من طريق أبي العالية، وعكرمة من طريق يزيد، وأبي العالية من طريق الربيع بن أنس، وجابر من طريق الشعبي.
وورد عن سعيدِ بن جُبير وقتادة أن السائلَ همُ اليهود، والله أعلم.
(2)لا يُطلقُ لفظ (أحد) مُنَكَّراً وعلى الإثباتِ إلا على الله سبحانه، أما إذا دخلَه نفيٌ أو استفهامٌ أو شرطٌ أُطلِقَ على غيره؛ كقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الصمد: 4].
-وقوله: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِنْ أَحَدٍ} [مريم: 98].
-وقوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6].
وهو أخصُّ من اسمِه (الواحِد) الذي يرِدُ في الإثبات وغيره، ويرد منكَّراً ومُعَرَّفاً.
(3)اختلفَت عبارةُ السلفِ في تفسير الصَّمد على أقوال:
الأول: الذي لا جَوْفَ له، ورد ذلك عن بريدة الأسلمي من طريق ابنه عبد الله، وابن عباس من طريق عطية العوفي من غير طريقِهِ المشهور، ومجاهد من طريق منصور وابن أبي نجيح، والحسن من طريق الربيع بن مسلم، وسعيد بن جبير من طريق إبراهيم بن ميسرة، والشعبي من طريق إسماعيل بن أبي خالد، والضحَّاك من طريق سلمة بن نبيط وعبيد المكتّب، وسعيد بن المسيب من طريق المستقيم بن عبد الملك، وعكرمة من طريق معمر.
الثاني:الذي لا يخرجُ منه شيء، وردَ ذلك عن عكرمة من طريق أبي رجاء محمد بن يوسف.
الثالث:الذي لم يلد ولم يولد، ورد ذلك عن أبي العالية من طريق الربيع بن أنس.
الرابع:السيِّدُ الذي قد انتهى في سُؤدَدِه، ورد ذلك عن أبي وائل شقيق من طريق الأعمش، وابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة.
الخامس:الباقي الذي لا يفنَى، ورد ذلك عن الحسن وقتادة من طريق سعيد، وقتادة من طريق معمر: الدائم.
وقد وردت عباراتٌ في تفسير بعضِهم؛ كالمُصْمَتِ الذي لا جوفَ له، والذي لا يأكلُ ولا يشربُ، والذي لا حَشْوَةَ له.
وهذا الاختلافُ من اختلافِ التنوع الذي يكونُ في العبارةِ لا المعنى؛ لأنَّ هذه الأقوال ترجع إلى معنىً واحد، وهو غِنى الله عن ما يحتاجه خلقه، لكمالِ سُؤدَدِه.
ولا يَهُولَنَّكَ إنكارُ بعض الخَلَفِ لبعض هذه المعاني الوارِدة عن السلف،وزعمُهم أن هذه الأقوال لا تساعدُ عليها اللغة، وهذا قولُ من لم يفهم تفسيرَ السلفِ، ولا استفادَ منه في ثبوتِ معاني ألفاظ اللغة من تفسيراتهم، والله أعلم.
حفيدة بني عامر
10-24-2008, 11:53 AM
القارئ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (4) وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (5)}
الشيخ:
هذه السورة يسميها بعض العلماء (نسبَ) الله جل وعلا، وقد جاء في حديثٍ حسنه بعض العلماء بمجموع طرقه: (أن المشركين قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: انسب لنا ربك) وفي رواية: (صف لنا ربك) فأنزل الله -جل وعلا- هذه السورة.
وهذه السورة تشتمل على توحيد الله -جل وعلا- في أسمائه وصفاته،ولهذا كان بعض العلماء يشرح قول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذه السورة بأنها تعدل ثلث القرآن، يقول: (إن القرآن أحكام، ووعد ووعيد، وتوحيد في الأسماء والصفات) وهذه السورة توحيد في الأسماء والصفات، إذن فهي ثلث القرآن.
فأمر الله -جل وعلا- نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقول لهم:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يعني: أن الله -جل وعلا- أحدٌ لا يشاركه شيءٌ من خلقه، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في أسمائه، ولا في أحكامه وتدبيره، فهو -جل وعلا- واحدٌ لا مثيل له، ولا نظير له جل وعلا.
فهو المتفرد بالألوهية، فلا يستحق العبادة سواه، وهو المتفرد بالربوبيه، فلا يخلق ولا يدبر إلا هو جل وعلا.
وهو -جل وعلا- الواحد في أسمائه وصفاته، فلا أحد من خلقه يشبهه، كما أنه -جل وعلا- لا يشبه أحداً من خلقه، بل هو -جل وعلا- المتفرد بصفات الكمال، ونعوت الجلال، والأسماء البالغة غاية الحُسن والجمال.
ثم قال -جل وعلا-:{اللَّهُ الصَّمَدُ} يعني: أنه -جل وعلا- السيد الذي قدكمل سؤدده، وأنه الصمد الذي تصمد إليه الخلائق في حاجاتهم؛ لأن شريف القوم وسيدهم يلجأ إليه أهل قبيلته وأهل عشيرته في حوائجهم، والله -جل وعلا- هو الذي له السؤدد الكامل على خلقه، فلذلك الخلق أجمعون يصمدون إليه -جل وعلا- لحوائجهم.
وكذلك -جل وعلا- لمَّا كان الخلق يصمدون إليه ويلجأون إليه وهو المتفرد بكمال السؤدد، كان -جل وعلا- هو الباقي، فخلقه يهلكون، وهو -جل وعلا- يبقى.
وهذا ما يدور عليه معنى الصمد في تفاسير العلماء، وكلها حق ثابتة لله جل وعلا.
ويزيد بعضهم بأن الصمد هو الذي لاجوف له، بمعنى: أنه لا يحتاج إلى طعام ولا إلى شراب، وهذا أيضاً حق، كما قال الله -جل وعلا-: {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} فالله -جل وعلا- لكونه متفرداً بصفات الكمال كان له السؤدد المطلق، وكانت الخلائق تلجأ إليه، وكان -جل وعلا- لا يحتاج إلى خلقه، بل الخلق هم المحتاجون إليه، والطعام والشراب من خلق الله؛ فلذلك لا يحتاج ربنا -جل وعلا- إلى طعام ولا إلى شراب.
ثم قال -جل وعلا-:{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} أي: أن الله -جل وعلا- لم يلد أحداً؛ لأنه -جل وعلا- ليست له صاحبة، كما قال -جل وعلا-: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}وفي هذه الآية ردٌّ على المشركين، وعلى اليهود والنصارى، الذين زعموا أن لله ولداً.
كما قال الله -جل وعلا- إخباراً عن اليهود والنصارى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} وقال -جل وعلا- في شأن المشركين: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فهذه الآية ردٌّ عليهم؛ لأن الولد يخرج من شيئين متماثلين أو متقاربين، والله -جل وعلا- لا يماثله شيء ولا يقاربه شيء، فلهذا لم تكن له صاحبة، ولم يكن له ولد.
ثم أخبر -جل وعلا- أنه لم يولد؛ بل هو -جل وعلا- الخالق للخلائق، والمولود مخلوق، والله -جل وعلا- هو الخالق؛ فلهذا لم يولد جل وعلا.
{وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}أي: أن الله -جل وعلا- ليس له نظير، ولا مماثل ولا شبيه، لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في خلقه، ولا في تدبيره، ولا في حكمته، ولا في مشيئته، ولا في علمه، ولا في ألوهيته، ولا ربوبيته، ولا في أي شيءٍ من صفاته أو أسمائه، بل له -جل وعلا- الكمال المطلق:
-كما قال الله -جل وعلا-: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
-وقال -جل وعلا-: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}.
-{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
وهذه السورة تضمنت إثبات الكمال لله جل وعلا، ونفي النقائص عنه جل وعلا، وهذا هو مدار توحيد الأسماء والصفات، فتوحيد الأسماء والصفات أن يثبت العبد الكمال لله، وأن ينفي النقص عن الله جل وعلا.
فقوله -جل وعلا-: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1) اللَّهُ الصَّمَدُ(2)} هذا فيه إثبات الكمال لله.
وقوله -جل وعلا-: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُواً أَحَدٌ(4)} هذا فيه نفي النقائص والعيوب عن الله جل وعلا؛ ولهذا أهل السنة مستمسكون بهذه السورة في باب توحيد الأسماء والصفات، فيثبتون لله -جل وعلا- ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، إثباتاً يليق بجلاله، وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، على حدِّ هذه السورة وما يماثلها من الآيات.
فأهل السنة والجماعة يلتزمون هذه السورة وغيرها من آيات الصفات، ويثبتون لله -جل وعلا- ما أثبته لنفسه، ويأخذون بظاهر هذه النصوص، لأن الأصل في خطاب الله -جل وعلا- لخلقه أن يخاطبهم بلغتهم.
وقد خاطب الله -جل وعلا- العرب بهذا القرآن العظيم والأصل في هذه الألفاظ أن يراد بها ظاهرها، لا يراد بها معنىً آخر، ولا يجوز لنا أن نصرفها عن معناها الظاهر لغيره إلا بدليلٍ صحيح من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
فمن أوَّل شيئاً من صفات الله جل وعلا وقال: إن اليد بمعنى النعمة، أو أن الرحمة يراد بها: إرادة الإنعام، أو أن الغضب يراد به الانتقام، فيقال له: أأنت أعلم أم الله؟ وهل الله -جل وعلا- يخاطب عباده بما لا يفقهون؟ أو يخاطبهم -جل وعلا- بما لا يريده منهم.
ولهذا كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-والتابعون لهم بإحسان يسمعون آيات الصفات تتلى عليهم فلا يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن تأويلها؛ لأن تأويلها هو تلاوتها عليهم، فهم يفقهونها من ظواهرها.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- أنه قرأ من التفاسير ما يزيد على مائة من صغير وكبير، وقرأ في كتب الأحاديث، وما أُثر عن السلف في باب الاعتقاد، فلم يجد بينهم اختلافاً في تأويل نصوص الصفات من آيات الكتاب أو أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، بل كلهم متفقون على إثباتها لله جل وعلا.
لكن هذه الصفات كما قال سلف هذه الأمة: (أمروها على ظاهرها) بمعنى: أننا نعلم ظاهرها ونفهمه من لغة العرب، وهذا الظاهر لا ينزل على ما ظهر لنا، ولكن ينزل على الظاهر من لغة القرآن التي بُعث بها نبينا صلى الله عليه وسلم.
فإذا قالوا: (يراد بهذه النصوص ظاهرها) إنما يعنون بذلك ما ظهر منها باللسان العربي المبين الذي أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، والذي يتبادر إلى فهم السامع أول ما يسمع هذه النصوص تتلى عليه، ثم إن هذه الظواهر النصوص لها معاني ليست مجردة عن المعاني، كما يصنعه أهل التفويض، يفوضون هذه النصوص ويقولون: (نثبت ألفاظاً دون معاني) وهذا غلط، بل لها معاني، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- بيَّن ذلك في سنته لما تلا: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} وضع -صلى الله عليه وسلم- إبهاميه على أذنيه ووضع السبابتين على العينين.
ولما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- قَبض الله جل وعلا، وطي السماوات، بيَّن ذلك -صلى الله عليه وسلم- بيده، وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أن الرب -جل وعلا- يتكفأ السماوات يوم القيامة كالخبزة في يده، وأشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس مراده -صلى الله عليه وسلم- ذكر الكيفية؛ لأن الله -جل وعلا- ليس له مثيل، ولكن ليبين أن هذه لها معاني، وأنها تدل على معاني؛ ولهذا يُفهم من هذه الظواهر معانيها المعروفه في لغة العرب.
وهذه المعاني لا تُستفاد من اللفظ مجرداً، وإنما تستفاد من النص في سياقه، وتستفاد من القرائن،سواءً كانت القرائن المنفصلة أو المتصلة، فيفهم الإنسان أن لهذه النصوص معاني، وهذه المعاني معروفة في لغة العرب.
فإذا قال قائل:(إن الله -جل وعلا- أخبرنا أن له يداً) فيقال:هذه اليد لا يجوز للعبد أن يقول: المراد بها نعمة الله؛ لأن هذا صرف عن اللفظ عن ظاهره لغير دليل، وإنما يُراد بها يدٌ حقيقية لله جل وعلا، يفهم معناها من لغة العرب.
فاليد في لغة العرب معروفة،لكن هذه اليد بحسب من أُضيفت إليه، فإذا قيل: يد الله، فالمراد بها يدٌ تليق بجلاله، ويد الإنسان: الإنسان له يد تليق به، ويد الشاة: الشاة لها يد تماثلها من جنسها، وإذا قيل: يد البعوضة فلها يد تماثلها، والعرب تفهم مِنَ اليد مثل هذه الأشياء، لكن القرآئن هي التي تقطع بذلك، لكن في حق الله -جل وعلا- نقول: كيفية هذه اليد مجهولة لنا، لا ندري كيفية يد الله جل وعلا؛ لأن الله -جل وعلا- قال: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}.
فلا أحد من العباد يحيط بالله جل وعلا،ولا يدرك هذه الكيفية، وإنما نعلم هذه المعاني، ولهذا كان السلف يثبتون اللفظ، فلا يثبتون من الألفاظ إلا ما أثبته الله، أو أثبته رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا أخبرنا الله -جل وعلا- أنه له يداً، أثبتوا هذه اللفظة وأن الله له يد، وإذا أخبرنا -جل وعلا- أن له رحمة أثبتوا هذه الرحمة.
وإذا أثبت لنا -صلى الله عليه وسلم- أن لربنا رجلاً، أثبتوا له رجلاً، وإذا أثبت قدماً، أثبتوا قدماً، ثم إنهم يعلمون أن هذه القدم لها معنىً معروف، هو المتبادر عند الذهن إذا أُطلق وهو معروف، لكن هذه المعرفة تُعرف بلسان العرب، وبحسب القرائن، وبحسب من أضيف إليه.
ثم إنهم يقولون: (إن كيفيتها مجهولةٌ لنا) كما نقل عن كثير منهم: أن الكيف غير معلوم، لكنَّ الإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة، ولعظمة الله -جل وعلا- لا يستطيع العباد أن يدركوا هذه الكيفيات؛ ولهذا موسى -عليه السلام- لما سأل ربه أن ينظر إليه، قال ربه: {لَنْ تَرَانِي} والنبي -صلى الله عليه وسلم- لما سُئل هل رأيت ربك؟ قال: ((نورٌ أنى أراه)).
لكن في الآخرة يرى العباد ربهم بحسب ما يعطيهم الله جل وعلا، أما في الدينا فلن يراه أحد حتى يموت، فهذه الكيفيات تُثبت، ونصوص الصفات تُثبت كما جاءت في كتاب الله جل وعلا.
لكن أحياناً يرد عن بعض السلف تفسير آية الصفة بلازمها، فإذا قال الله -جل وعلا-: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}وقال بعض السلف: (بمرأى منا) فهذا يعني: أنه فسرها باللازم، ولا يدل على أنه ينفي صفة العين عن الله جل وعلا؛ لأن من لازم العين الرؤية.
وإذا نقل عن بعضهم تفسير اليد بأن الله -جل وعلا- إذا قيل {بِيَدِهِ الْمُلْكُ} يعني: بقدرته وسلطانه، فهذا لا يعني أنه لا يُثبت اليد لله -جل وعلا- في هذه الآية.
ولكن من لازم اليد القدرة على الشيء، ويدل على صحة هذا وهو أن السلف يثبتون بهذه الآيات نصوص الصفات بمثل:
-قوله -جل وعلا-: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}.
-{بِيَدِكَ الْخَيْرُ}.
-{يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}.
-{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}.
-{تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}.
وغيرها من الصفات التي ذكرها الله -جل وعلا- في كتابه، أو رسوله -صلى الله عليه وسلم-، مما يدل على أنهم يثبتون، أنهم في كتبهم التي ألفوها في ذكر صفات الله -جل وعلا- يستدلون بهذه الآيات.
ثم إن هذه الآيات لو سأل سائل فقيل: هل يجوز لنا إذا قال قائل:{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} أن نقول: ليس بيده الملك؟
هذا لا يجوز لأحد، لا يحل لأحدٍ أن ينفيَ هذا مطلقاً.
وإذا قال الله -جل وعلا-: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} فهل يجوز لأحد أن يقول في مثل هذه الآية: لا يبقى وجه الله؛ لأنه ليس المراد الوجه، هذا لا يقوله أحد مطلقاً، فدل ذلك على أن الشيء إذا لم يجز أن ينفى فإنه حقيقة.
الشيء الذي لا يجوز نفيه يدل على أنه حقيقة وليس بمجاز،ولهذا لا يجوز في مثل هذه الآيات أن ننفيها، لا يجوز لنا إذا أخبرنا الله -جل وعلا- أن له رحمة، أن ننفي عن الله جل وعلا الرحمة.
وإذا لم يجز أن ننفي مثل هذه الأشياء، دل ذلك على أنها حقيقة، ولكن مثل هذه الآيات {بِيَدِهِ الْمُلْكُ}، {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}هذه نثبت بها الصفة التي وردت فيها، ولهذا السلف يستدلون بها على إثبات آيات الصفات، ولكن المعنى العام للآية يكون أوسع أحياناً؛ لأن لوازم الصفة أحياناً يستدل بها، فاليد مثلاً هي يد لله جل وعلا، ونثبت لله -جل وعلا- بالآيات بأن له يداً.
فإذا قال: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ}فنثبت أن لله جل وعلا يداً، ومن لازم هذه اليد أنها تفعل الخير، ثم إنه في لغة العرب أن مثل هذه الآيات إذا قيل: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ}،{بِيَدِهِ الْمُلْكُ}، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} هذه لا يجوز إضافتها إلا لمن كانت هذه الأشياء تضاف إليه حقيقة، وأما إذا لم تضف إليه حقيقة فلا بد من وجود القرينة الدالة، أو الدليل الدال على أنها لا تراد حقيقة في حق هذا الذي أضيفت له مثل هذه الصفات.
فالشاهد:أن مثل الآيات التي وردت فيها الصفات مذهب السلف الصالح أنهم يثبتون الصفات الواردة فيها، ويستدلون بها على إثبات الصفات.
وأن ما جاء عن بعض السلف من تفسير بعض آيات الصفات باللازم، فهذا لا ينفي أنهم يثبتون هذه الصفات لله جل وعلا، وما نقل عن بعض السلف من نفي بعض الصفات فهو:
- إما لوجود الدليل الدال الصريح من الكتاب والسنة على أن هذا غير مراد.
-أو لأن الخبر بها لم يثبت إذا كان حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو يكون النقل عن ذلك الإمام لم يثبت إليه.
فدلت هذه السورة - سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} - على أن الله جل وعلا يجب أن يثبت له الكمال المطلق، وأن ينفى عنه جميع ما فيه عيب أو نقص.
حفيدة بني عامر
10-24-2008, 12:01 PM
http://www.afaqattaiseer.com/vb/uploaded/115_1234301640.ram
نورة آل رشيد
02-11-2009, 11:51 PM
تفسير سورة الإخلاص
من فضائل سورة الإخلاص
ما قيل في وجه كون هذه السورة تعدل ثلث القرآن
سبب نزول سورة الإخلاص
تفسير قول الله تعالى: ( قل هو الله أحد )
متى يطلق لفظ (أحد) على الله وحده ومتى يطلق على غيره ؟
تفسير قول الله تعالى : ( الله الصمد )
أقوال السلف في تفسير الصَّمد
ما يدل عليه قوله تعالى: ( قل هو الله أحد . الله الصمد )
منهج أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته
منهج الصحابة والتابعين في آيات الصفات
معنى قول السلف: ( أمروها على ظاهرها )
تفسير الصفة بلازمها لا يدل على نفي الصفة مع الأمثلة
المثال الأول : إثبات السمع والبصر .
المثال الثاني : إثبات اليد .
المثال الثالث : إثبات الرجل .
مثال عدم إدراك العباد الكيفيات
تفسير قول الله تعالى : ( لم يلد ولم يولد )
تفسير قول الله تعالى : ( ولم يكن له كفواً أحد )
ما يدل عليه قوله تعالى: ( لم يلد ولم يولد . ولم يكن له كفواً أحد )
بيان ما تضمنته سورة الإخلاص
دلالة هذه السورة على ثبوت الكمال المطلق لله جل وعلا
سبب نزول المعوذتين
من فضائل المعوذتين
نورة آل رشيد
02-11-2009, 11:52 PM
الأسئلة
سورة الإخلاص
س1: ما سبب نزول سورة الإخلاص؟
س2: لم سميت سورة الإخلاص بهذا الاسم؟
س3: اذكر شيئاً من فضائل سورة الإخلاص.
س4: ما المواضع التي يسنُّ فيها قراءة سورة الإخلاص؟
س5: فسر السورة تفسيراً إجمالياً.
س6: اذكر ما يستفاد من هذه السورة العظيمة.
س7: من أسماء الله الحسنى(الصمد)، اذكر أقوال السلف في بيان معنى هذا الاسم العظيم، ثم اذكر ما يقتضيه من أنواع العبودية لله تعالى.
س8: تحدث باختصار عن دلائل التوحيد في هذه السورة العظيمة.
س9: في قوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ردٌّ على ثلاث طوائف، اذكرها، وبيِّن وجه الرد عليها.
س10: ما وجه كونِ سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ؟
س11: اذكر مع الأمثلة: منهج الصحابة والتابعين في آيات الصفات.
س12: هل يفهم من تفسير الصفة بلازمها عدم إثبات الصفة؟
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir