المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [إعطاء المؤلفة قلوبهم]


عبد العزيز الداخل
11-07-2008, 12:15 PM
عن عبدِ اللهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ في النَّاسِ، في المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكأَنَّهُمْ وَجَدُوا، إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ فَخَطَبَهُمْ، فقالَ: ((يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمْ اللهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فأَلَّفَكُمُ اللهُ بِي؟ وَعَالَةً فأَغْنَاكُمُ اللهُ بي؟)) - كُلَّما قالَ شَيْئًا قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قالَ: ((مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم؟)) قَالُوا: اللهُ ورَسُولُهُ أَمَنُّ، قالَ: ((لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا، أَلاَ تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بالنَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم إِلى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرءًا مِن الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حتَّى تَلْقَوْنِي عَلى الْحَوْضِ)).

محمد أبو زيد
11-11-2008, 08:47 AM
قولُه : إذ لم يُصِبْهُم ما أصابَ الناسَ .
يَجوزُ رفْعُ الناسِ ونصبُها .
قولُه : ((سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً)) .
هو بفتْحِ الهمزةِ والثاءِ ويَجوزُ ضَمُّ الهمزةِ وإسكانُ الثاءِ وعنِ ابنِ القوطيَّةِ أنه حَكَى تثليثَ الهمزةِ .
الإقْطُ :
بتثليثِ الهمزةِ مع سكونِ القافِ ثلاثُ لغاتٍ وبفتْحِ الهمزةِ وكسْرِ القافِ وهو شيءٌ يُعمَلُ من اللبنِ المخيضِ .
قالَ ابنُ الأعرابيِّ : يُعمَلُ من ألبانِ الإبلِ خاصَّةً كلُّه عن ابنِ سِيدَه .

محمد أبو زيد
11-11-2008, 08:48 AM
الْحَدِيثُ السبعونَ بَعْدَ الْمِائَةِ
عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: ((لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ في النَّاسِ، في المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكأَنَّهُمْ وَجَدُوا، إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسُ، فَخَطَبَهُمْ، فقالَ: ((يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُم اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بي؟))- كُلَّما قالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قالَ: ((مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟)) قَالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمَنُّ، قالَ: ((لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا، أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءًا مِن الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حتَّى تَلْقَوْنِي عَلى الْحَوْضِ)).

المُفْرَدَاتُ:
قَوْلُهُ: (حُنَيْنٍ). وادٍ بينَ مكَّةَ والطائفِ.
قَوْلُهُ: (المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ). هم الزُّعَمَاءُ الذينَ لم يَدْخُل الإيمانُ قلوبَهُم، يُعْطَوْنَ من الصدقةِ لِيُسْلِمُوا، وَيُسْلِمَ مَعَهُم قومُهُم.
قَوْلُهُ: (عَالَةً). فُقَرَاءً.
قَوْلُهُ: (أَمَنُّ). أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ، أيْ: أكثرُ مِنَّةً علينا وأعْظَمُ.
قَوْلُهُ: (شِعَارٌ). هوَ الثوبُ الذي يَلِى الجسدَ.
قَوْلُهُ: (والدِّثَارُ). الذي فَوْقَهُ.
قَوْلُهُ: (أَثَرَةً). بفتحِ الهمزةِ: الاستئثارُ بالشيءِ المُشْتَرَكِ.

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: إعطاءُ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم من الغنيمةِ والصدقةِ، وجوازُ حِرْمَانِ غيرِهِم ثقةً بِدِينِهِم.
الثَّانِيَةُ: أنَّ الرغبةَ بالمالِ لا يُخِلُّ بالإيمانِ إذا لم يكن المَقْصِدُ هوَ المالَ.
الثَّالِثَةُ: مَشْرُوعِيَّةُ الموعظةِ في المناسباتِ، وكونُ النبيِّ عَلَيْهِ السلامُ رحمةً على الأُمَّةِ.
الرَّابِعَةُ: فضلُ الأنصارِ وما لَهُم منْ سابقِ الإيمانِ ونصرةِ الحقِّ.
الْخَامِسَةُ: علامةٌ منْ علاماتِ نُبُوَّةِ الرسولِ عَلَيْهِ السلامُ، حيثُ وَقَعَ على الأنصار ما أَنْبَأَهُم بهِ من الأثرةِ.
السَّادِسَةُ: أنَّ الصبرَ الجميلَ منْ أسبابِ ورودِ الحوضِ معَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

محمد أبو زيد
11-11-2008, 08:50 AM
الحديثُ الحادي والسبعونَ بعدَ المائةِ
عن عبدِ اللهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ المَازِنِيِّ رَضِي اللهُ عَنْهُ قال: لَمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ في النَّاسِ، وَفي المُؤلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئاً، فَكأَنَّهُمْ وَجَدُوا في أَنْفُسِهِمْ؛ إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ، فقال: ((يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمْ اللهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فأَلَّفَكُمُ اللهُ بِي؟ وَعَالَةً فأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي؟))
كُلَّمَا قالَ شَيْئاً، قالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ.
قال: ((مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟)).
قالُوا: اللهُ ورَسُولُهُ أَمَنُّ.
قال: ((لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ: جِئْتَنَا بِكَذَا وَكَذَا، أَلاَ تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ , وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ , وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِياً وَشِعْباً لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ)) .
(171) الغَريبُ:
" حُنَيْنٌ ": وادٍ في طريقِ مكَّةَ الطّائفِ المتَّجِهِ مع السَّيلِ الكبيرِ , وحنينٌ واقعٌ بينَ الشّرائعِ وقريةِ الزِّيمةِ ، ويُسمَّى الآن وادِي يدعانَ.
وقد وقعت فيه معركةٌ ضاريةٌ بينَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبينَ [هَوَازِنَ] , ومعهم [ثقيفٌ] في شوَّالٍ من السَّنةِ الثَّامنةِ من الهجرَةِ.
" الْمُؤلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ ": هم قوَّةٌ يُتألَّفونَ على الإسلامِ، بإعطائِهم من الغنائمِ أو الصَّدقاتِ، ليتمكَّنَ الإسلامُ من قلوبِهم، أو لكونهم زعماءَ ذَوِي نفوذٍ وأتباعٍ يُسلِمونَ بإسلامِهم، أو ليَدفَعوا بجاهِهم وقوَّتِهم عن الإسلامِ.
" عَالَةً " : فقراءَ.
" أَمَنُّ " : أفعلُ تفضيلٍ من المَنِّ: معناه أكثرُ مِنَّةً علينا وأعظمُ. وما أظنُّ التَّفضيلَ مقصوداً، وإنما هو صفةٌ مشبَّهةٌ باسمِ الفاعلِ.
" شِعَارٌ ": هو الثَّوبُ الذي يلي الجسدَ، وهو بِكسرِ الشِّينِ المُعجمَةِ.
" دِثَارٌ ": هو الثَّوبُ الذي فوقَ الشِّعارِ، وهو بِكسرِ الدَّالِ المُهمَلَةِ.
" أَثَرَةً " : بفتحِ الهمزةِ والثَّاءِ، والأثَرَةُ: الاستئثارُ بالشيءِ المُشترَكِ.
ومعناه: أنه سيأتي مَن يستأثِرُ بالدُّنيا عنكم مع حقِّكُمْ فيها، فاصبِروا.
الشِّعْبُ: اسمٌ لِمَا انفرجَ بينَ جبليْنِ.
المعنَى الإجماليُّ:
الْتقَى المسلمونَ بالمشركينَ في [حُنَيْنٍ] , فكانت الهزيمةُ على المشركينَ، فغنِم المسلمونَ أموالَهم.
وكان قد صَحِبَ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الغَزَاةِ، قومٌ من ساداتِ العربِ، الذين أسلموا , ولمَّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قلوبِهم.
فأعطاهم صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الغنيمةِ عطيةً جَزِلَةً ليتألَّفَهم على الإسلامِ , فَيَنْكَفَّ بسببِ ذلك شرٌّ كبيرٌ عن المسلمينَ , وليَرْغَبُوا في الإسلامِ، فيدخلَ معهم عشائرُهم.
ولم يُعطِ الأنصارَ شيئاً منها؛ اتِّكالاً إلى ما زيَّنَ اللهُ به قلوبَهم من الإيمانِ الذي لا يَزِيدُهُ عطاءُ الدُّنيا، ولا يَنقُصُه الحرمانُ منها.
ولكنْ محبَّةٌ كمَا أُبيحَ لهم منها، وما حصَّلوه بسيوفِهم وجِهَادِهِمْ ، أوْجَدَ فى قلوبِهم شيئاً؛ إذ رَأَوْا غنائمَهم تُقْسَمُ على غيرِهم ، ولا يُعطَوْنَ منها، ولم يَفْطَنوا للحِكمةِ الرَّشيدةِ المقصودةِ.
فلمَّا عَلِمَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما في نُفوسِهم جمعهم فخطَبَهم ، وقال:
((يَا مَعْشرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي؟
وكُلَّما قال شيئاً قالوا: اللهُ ورسولُه أَمَنُّ.
فلما ذَكَّرَهم نعمتَه التي جاءتهم على يدِه من الهِدايَةِ التي هي أعظمُ مطلوبٍ، والأُلْفَةِ بعدَ حُروبِهم الطَّاحنَةِ، ومُشاجَراتِهم المُهلِكَةِ، ونعمةِ الغِنى بعدَ الفقرِ، وذلك بالغنائمِ، وعَمَارِ أسواقِ المدينةِ وذلك بالتِّجارةِ والزِّراعةِ ؛ لأنها صارت عاصمةَ الإسلامِ، وذلك بعدَ الفقرِ، الذي كانوا فيه أيامَ الجاهليَّةِ.
ومن كرمِ خُلُقِهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحُبِّهِ للعدْلِ، ذَكَّرَهم بما لهم من أيادٍ بيضٍ على الإسلامِ والمسلمينَ؛ إذ آوَوُا المهاجرينَ، ونصَروهم بعدَ أن عاداهم وتَجَهَّم لهم أقربُ النَّاسِ إليهم، وأخرجوهم من ديارِهم وأموالِهم، فوجدوا عندَهم المأوى والنُّصرَةَ، وكرمَ الضِّيافَةِ، حتَّى أنْسَوهُم بمُواساتِهم بلادَهم وأهلِيهم.
ثم أراد صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُسَلِّيَهُمْ عن حُطامِ الدُّنيا، بما فيه خيرُ الدُّنيا والآخرةِ فقال: ((أَلاَ تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ إِلَى رِحَالِكُمْ؟)).
فما كان منهم رَضِي اللهُ عَنْهُم إلا أنْ رَضُوا، وأعيُنُهم مُغْرَوْرَقَةٌ بدموعِ الفرحِ بهذا الفضلِ الكبيرِ والبِشارةِ العُظْمى، وبدموعِ النَّدمِ والعَتْبِ على أنفُسِهم، وتلاقت أرواحُهم الصَّافيةُ بروحِ نبيِّهم الطَّاهرةِ.
ثم أراد النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُطَمْئِنَ قلوبَهم، ويَشْرَحَ صدورَهم، ويُعلِنَ على النَّاسِ فضائلَهم ومناقبَهم الكريمةَ، لِمَا لهم من فضلِ السَّبْقِ بالإيمانِ والإيواءِ والنُّصرَةِ لرسولِ اللهِ ودينِ اللهِ فقال:
((لَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِياً وَشِعْباً لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا)) الأنصارُ شِعارٌ بالنِّسبةِ للرسولِ والدِّينِ ، والنّاسُ من ورائِهم دِثارٌ، فهم أولى به.
وبهذه الموعظةِ البليغةِ، والشرفِ العظيمِ، الذي نَوَّه به في حقِّ الأنصارِ عَلِمُوا وعَلِمَ غيرُهم من النَّاسِ أن النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يَحْرِمْهم من الغنائمِ ، ويُعْطِهَا مَن هو دونَهم إيماناً وسابقةً وفضلاً، إلا اتِّكالاً على ما وقَرَ في قلوبِهم من الإيمانِ الرّاسخِ، وإيثارِ الآخرةِ على الدُّنيا.
ثم ذكر علامةً من علاماتِ النُّبُوَّةِ، وهي أنه سيستأثرُ بالدُّنيا عليهم غيرُهم، فلا يُهَيِّجُهم ذلك، ويُثِيرُ حفائظَ نفوسِهم، فإن متاعَ الدُّنيا قليلٌ ، ولْيصْبِروا حتَّى يُلاقُوه على الحوضِ، فإن الصَّبرَ الجميلَ من أسبابِ ورودِهِ مع النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد تحقَّقت هذه المُعْجِزَةُ النَّبويَّةُ بعدَ انتهاءِ عهدِ الرّاشدينَ.
اللهمَّ ألحِقْنا بهم ووالِدِينَا ومشايِخَنا وأقاربنَا والمسلمينَ، برحمتِك وفضلِك يا أرحمَ الرَّاحمين ، ويا أكرمَ الأكرمينَ.
ما يُؤْخَذُ من الحديثِ:
1ـ إعطاءُ المؤلَّفةِ قلوبُهم من الغنيمةِ، بحسَبِ رأيِ الإمامِ واجتهادِه.
2ـ جَوازُ حِرمانِ مَن وُثِقَ بدينِه، تَبَعاً للمصلَحةِ العامَّةِ.
3ـ أن الرَّغْبَةَ في الأشياءِ الدُّنيويَّةِ لا تُخِلُّ بإيمانِ الرَّاغبِ وإخلاصِه، إذا كان لم يعملْ لأجلِ الدُّنيا فقط، فالنَّبِيُّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يُؤَنِّبْهم على رغبَتِهم.
4ـ مشروعيَّةُ الموعظةِ والخُطبةِ في المناسباتِ وتبْيِينِ الحقِّ.
5ـ أن القائدَ، والأميرَ، وأصحابَ الولاياتِ، لا يتصرَّفونَ في الشُّئونِ العامَّةِ، من غيرِ أن يُبَيِّنُوا للرَّعيَّةِ مقصِدَهم فيها.
6ـ كونُ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رحمةً وبركةً على الأُمَّةِ، لا سِيَّما الأنصارُ.
7ـ ما للأنصارِ رَضِي اللهُ عَنْهُم من فضلِ الإيمانِ والنُّصرَةِ للهِ ورسولِه، أوجبت استئثارَهم بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كما أوجبت محبَّتَهُ لهم وتقديمَهم على غيرِهم.
8ـ علامةٌ من علاماتِ النُّبوَّةِ، فإن ما ذكَرَهُ ممَّا سَيقعُ على الأنصارِ، وقع من بعضِ الملوكِ الذين لم يَعْرِفُوا لهم حُرْمةً وسابِقةً.
9ـ أن الصَّبرَ الجميلَ على المصائبِ، من أسبابِ وُرُودِ الحوضِ مع النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَائِدَةٌ:
لم يظهرْ لي مُناسبةٌ واضحةٌ لإيرادِ المؤلِّفِ هذا الحديثَ في كتابِ الزَّكاةِ، ولعلَّ ذلك متابعةٌ لِمُسْلِمٍ حيث أخرجه في بابِ الزَّكاةِ من صحيحِه.
أو لعلَّه أرادَ أن يُبَيِّنَ أن النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في آخرِ أيَّامِ رسالتِه، وبعدَ مَا أعزَّ اللهُ الإسلامَ وقوَّاهُ، أعطى المؤلَّفَةَ قلوبُهم من الغنيمَةِ.
فَيُقَاسُ على الغنيمةِ أن يُعْطَوا من الزَّكاةِ خلافاً لمَن يرى من العلماءِ سقوطَ نصيبِهم من الزَّكاةِ ، بعدَ أن أعزَّ اللهُ الإسلامَ، كأبي حنيفةَ وأصحابِه.
والصّحيحُ جَوازُ إعطائِهم تأْلِيفاً لهم إذا دعت الحاجةُ إلى ذلك , وهو المشهورُ من مذْهبِ الإمامِ أحمدَ، وهو من مُفرداتِ مذهبِه.
وليس عندَ المُسْقِطِينَ لسهمِهم ما يُعارِضونَ به فِعْلَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وآيةَ [براءةٌ] التي هي من آخرِ القرآنِ نزولاً.

محمد أبو زيد
11-11-2008, 08:51 AM
176 - الحديثُ السادسُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: قَسَمَ فِي النَّاسِ، وَفِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي أَنْفسِهِمْ، إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلاً، فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ، فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟)) كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: ((مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟)) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: ((لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا، أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ)).

فِي الحديثِ دليلٌ علَى إعطاءِ المؤلَّفِةِ قلوبُهُمْ، إلا أنَّ هذا ليسَ من الزَّكاةِ فلا يدخلُ فِي بابِهَا، إلا بطريقِ أنْ يقاسَ إعطاؤُهم منَ الزَّكاةِ على إعطائِهِمْ من الفيْءِ والخُمُسِ.
وقولُه: فكأنَّهُمْ وَجَدوا فِي أنفُسِهِمْ, تعبيرٌ حسَنٌ كُسِيَ حسنَ الأدبِ فِي الدَّلالةِ على ما كانَ فِي أنفُسِهِمْ، وَفِي الحديثِ دليلٌ على إِقامَةِ الحُجَّةِ عندَ الحاجةِ إليهَا على الخصمِ، وهذا ((الضلالُ)) المشارُ إليهِ ضلالُ الإشراكِ والكفرِ، والهدايةُ بالإيمانِ، ولا شكَّ أنَّ نِعمةَ الإيمانِ أعظمُ النِّعمِ، بحيثُ لا يوازيهَا شيءٌ مِن أمورِ الدُّنيَا، ثمَّ أتْبَعَ ذلك بنعمةِ الأُلفةِ، وهيَ أعظمُ مِن نِعمةِ الأموالِ، إذْ تُبْذَلُ الأموالُ فِي تحصيلِهَا، وقدْ كانت الأنصَارُ فِي غايةِ التباعدِ والتنافُرِ، وجرتْ بينهمْ حروبٌ قبلَ المبعثِ. منها: يومُ بُعَاثَ. ثم أُتْبِعَ ذلكَ بنعمةِ الغِنَى والمَالِ، وَفِي جوابِ الصَّحابَةِ، رضيَ اللهُ عنهمْ بمَا أجابوهُ: استعمالُ الأدبِ، والاعترافُ بالحقِّ الَّذِي كنَى عنهُ بقولِ الرَّاوي ((كذا وكذا)) وقد تبيَّنَ مصرَّحًا بهِ فِي روايةٍ أُخرَى، فتأدَّبَ الراوي بالكنايةِ، وَفِي جملةِ ذلكَ: جبرٌ للأنصارِ، وتواضعٌ وحسنُ مخاطبةٍ ومعاشَرَةٍ.

وَفِي قولهِ عليهِ الصلاةُ و السَّلامُ: ((ألا ترضونَ... )) إِلَى آخرها, إِثَارةٌ لأنفُسِهِنْ وتنبيهٌ على ما وقعت الغفلةُ عنهُ من عِظَمِ ما أصابَهُمْ بالنِّسبةِ إِلَى ما أصابَ غيرَهمْ من عرَضِ الدُّنيَا.
وَفِي قولِهِ عليهِ الصلاةُ و السَّلامُ: ((لولا الهجرةُ)) وما بعدهُ: إشارةٌ عظيمةٌ بفضيلةِ الأنصارِ.
وقولُه: ((لكنتُ امرأً من الأنصارِ)) أي فِي الأحكامِ والعِدادِ، والله ُأعلم.ُ ولا يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ: النسبَ قطعًا.
وقولهُ: ((الأنصارُ شعارٌ، والناسُ دثارٌ)) ((الشِّعارُ)) الثوبُ الذِي يلي الجَسَدَ، و((الدِّثارُ)) الثُّوبُ الذِي فوقَهُ، واستعمالُ اللفظينِ مجازٌ عن قربِهِمْ واختصَاصِهِمْ، وتمييزهِم على غيرِهِمْ فِي ذلكَ.

وقولُه عليهِ الصلاةُ و السَّلامُ: ((إنكم ستلقونَ بعدي أَثَرَةً)) عَلَمٌ مِن أعلامِ النُّبوَّةِ إِذْ هوَ إخبارٌ عن أمرٍ مستقبلٍ وقعَ على وَفْقِ ما أخبرَ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والمرادُ بالأثَرَةِ: استئثارُ النَّاسِ عليهمْ بالدُّنيا، واللهُ أعلمُ بالصَّوَابِ.

محمد أبو زيد
11-11-2008, 08:51 AM
أما الحديث الرابع حديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري – هذا في قصة حنين، لما أفاء الله على نبيه الغنائم يوم حنين من أهل الطائف نفل بعض الناس، عرب ومهاجرين، من أسلم بعد الفتح ورؤساء العرب نفلهم، هذا يعطى مائة من الإبل، وهذا يعطى خمسين من الإبل، وهذا يعطى كذا، نفلهم، أعطاهم تأليفا لقلوبهم، وهذا مما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم إعطاء المؤلفة قلوبهم، وكما فرض الله لهم في الزكاة،......... لقلوبهم حتى يستقيموا على الدين، وحتى...... وحتى يقوى إيمانهم لأنهم رؤساء متبوعون، فلما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام وجد الأنصار في أنفسهم بعض الشيء، قالوا: يعطي هؤلاء ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم يوم حنين، فلما بلغه ذلك جمعهم عليه الصلاة والسلام وخطبهم، جمعهم في مكان وخطبهم عليه الصلاة والسلام، قال: يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي، ومتفرقين فجمعكم الله بي؟ قالوا: الله ورسوله أمن، يعني المنة لله ورسوله، يعني أنت صادق، عليه الصلاة والسلام. قال: أما إنك لو شئتم لقلتم كذا وكذا، أجبتموني، لو شئتم لأجبتم، لكن تأدبوا ولم يجيبوا رضي الله عنهم وأرضاهم، إنما........ لقلتم: جئتنا طريدا فآويناك، وفقيرا فواسيناك، وذليلا فنصرناك، لكنهم لم يقولوا هذا تأدبا رضي الله عنهم، جاء من مكة هاربا من أهل مكة..... القتل، فآواه الأنصار وآووا أصحابه ونصروهم وأيدوهم وواسوهم بأموالهم رضي الله عنهم وأرضاهم، كما قال عز وجل: ( والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) رضي الله عنهم وأرضاهم، ثم قال: "يا معشر الأنصار، ستجدون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض".
سوف يأتيكم من بعدي من يستأثر عليكم بالأموال من الولاة فاصبروا، ثم قال: " لو سلك الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون بالنبي إلى رحالكم إلى المدينة، ثم قال:"الأنصار شعار والناس دثار "، الشعار ما يلي الجسد، والدثار ما فوق ذلك، فرضوا رضي الله عنهم واطمأنوا بهذا الكلام الذي قاله لهم عليه الصلاة والسلام وزال ما في نفوسهم من............................................ المقصود أنه بين لهم ميله إليهم ومحبته لهم، ومنزلتهم عنده، وأنه لولا الهجرة لكان امرأ من الأنصار، الأنصار شعار والناس دثار، لو سلك الناس واديا لسلك وادي الأنصار وشعبهم، كل هذا فيه تطيب لنفوسهم والدلالة على منزلتهم عنده العظيمة، فيذهب ما في قلوب بعض شبابهم من التأثر.
وفي هذا دلالة على أنه ينبغي لولاة الأمور عند وجود اعتراض من بعض الناس وعند وجود.... من بعض الناس أن يؤيدوا العذر وأن يستطيبوا النفوس وأن يطفئوا الفتن بالكلام الطيب والأسلوب الحسن.
وبين لهم صلى الله عليه وسلم أنه أعطاهم أولئك الرؤساء ليتألفوا مع الإسلام ويجمع قلوبهم عليه لئلا..... لئلا يتشوفوا. المال وزعه صلى الله عليه وسلم لمصلحة الإسلام والمسلمين، فلهذا طيب نفوسهم واعتذر إليهم بهذا العذر الواضح وبين لهم منزلتهم عنده، وأنهم بالمنزلة العظيمة الرفيعة، وذلك ليطيب النفوس ويزيل ما قد يقع في نفوس بعض الشبا من الاستنكار.
وفق الله الجميع وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.