المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : باب ما يلبس المحرم من الثياب


عبد العزيز الداخل
11-08-2008, 01:34 AM
بَابُ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِن الثِّيَابِ

عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا، أَنَّ رَجُلاً قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ المُحرِمُ مِن الثِّيَابِ؟ قالَ: ((لاَ يَلْبَسُ الْقُمُصَ، وَلاَ الْعَمَائِمَ، وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ، وَلاَ الْبَرَانِسَ، وَلاَ الْخِفَافَ، إِلاَّ أَحَدٌ لاَ يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِن الْكَعْبَيْنِ، وَلاَ يَلْبَسُ مِن الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَو وَرْسٌ)).
وللبخاريِّ: ((وَلاَ تَنْتَقِبُ المُحرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ)).
عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا قالَ: سمعتُ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: ((مَن لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَمِن لَمْ يَجِدْ إزَاراً فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ)) يعنِي المُحْرمَ.
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: ((لَبَّيْكَ اللَّهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ)).
قالَ: وكانَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ يزيدُ فيهَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ.
عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: ((لاَ يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ)).
وفي لفظٍ للبخاريِّ: (( تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ)).

محمد أبو زيد
11-11-2008, 06:59 PM
ومن كتابِ الحَجِّ إلى البُيوعِ .

حديثُ ابنِ عمرَ في التَّلْبِيةِ قالَ: وكان ابنُ عمرَ يَزيدُ فيها "لبَّيكَ وسَعدَيْكَ "هذه الزيادةُ ليست في البخاريِّ بل أَخْرَجَها مسلِمٌ خاصَّةً كما نَبَّهَ عليه عبدُ الحقِّ في ( جَمْعِه ) .

حديثُ أبي هريرةَ قولُه : وفي لفظِ للبخاريِّ (( لَا تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ )) .
يُوهِمُ انفرادَ البخاريِّ به وليس كذلك فقد أَخْرَجَه مسلِمٌ أيضاً .

محمد أبو زيد
11-11-2008, 07:01 PM
قولُه : ((وَلَا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ)) .
هو بالتنوينِ لأنه ليس فيه إلا الألِفُ والنونُ فقط وهي لا تُمنَعُ فلو سُمِّيَتْ به امتنَعَ صرْفُه .
قولُه : ((وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَاراً فَلْيَلْبَسْ)) .
هو بالفتْحِ بغيرِ تنوينٍ لأنه غيرُ منصرِفٍ .
قولُه : (( إِنَّ الْحَمْدَ )) .
يُروَى بكسْرِ الهمزةِ وفتحِها والجمهورُ على تجويدِ الكسْرِ والمشهورُ في قولِه : (( وَالنِّعْمَةَ لَكَ )) النصْبُ .
قالَ القاضي : ويَجوزُ الرفْعُ على الابتداءِ ويكونُ الخبَرُ محذوفاً .
قالَ ابنُ الأنباريِّ : وإن ثَنَّيْتَ جعلْتَ خبرَ إن محذوفاً تقديرُه إن الحمْدَ لك والنِّعمةَ مُستقرَّةٌ لك والرَّغْباءُ بفتْحِ الراءِ والمدِّ وبضمِّ الراءِ والقَصْرِ كالنَّعماءِ والنُّعْمَى .

محمد أبو زيد
11-11-2008, 07:02 PM
بابُ ما يَلْبَسُهُ المُحْرِمُ من الثيابِ

الْحَدِيثُ الثامنُ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ
عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُمَا، أَنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ المُحرِمُ مِن الثِّيَابِ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِن الْكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسُ مِن الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَو وَرْسٌ)).
وللبخاريِّ: ((وَلَا تَنْتَقِبُ المرأةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ)).

المُفْرَدَاتُ:
قَوْلُهُ: (البَرَانِسَ). ثيابٌ رؤوسُهَا منها، كالتي تَلْبَسُ المغاربةُ الآنَ.
قَوْلُهُ: (الخِفَافُ). جمعُ خُفٍّ، ما يُلْبَسُ في الرجلِ إلى نصفِ الساقِ.
قَوْلُهُ: (الجَوْرَبُ). ما غَطَّى الكعبَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَرْسٌ). بفتحِ الواوِ وإسكانِ الراءِ، نبتٌ أصفرُ يُصْبَغُ بهِ الثيابُ، لهُ رائحةٌ طَيِّبَةٌ.
قَوْلُهُ: (ولا تَنْتَقِبُ). النِّقَابُ، هوَ أن تُخَمِّرَ المرأةُ وجهَهَا وتُغَطِّيَهُ بالخمارِ، وَتَجْعَلَ لعينَيْهَا خَرْقَيْنِ.
قَوْلُهُ: (القُفَّازَيْنِ). شيءٌ يُعْمَلُ لليدَيْنِ منْ خرقٍ أوْ جلودٍ عندَ البردِ (شَرَارِيبُ).

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يكونَ السؤالُ جَامِعًا، فإنْ لم يُحْسِنْهُ السائلُ، فعلى المسؤولِ تَعْدِيلُهُ.
الثَّانِيَةُ: أنَّ الملابسَ التي يَجِبُ على المُحْرِمِ اجْتِنَابُهَا قليلةٌ معدودةٌ، وأمَّا المُبَاحَةُ لهُ فهيَ الكثيرةُ المحدودةُ، فمنَ المُحَرَّمَةِ القميصُ، ونَبَّهَ بهِ على ما في معناهُ، ومنها البرانسُ والعمائمُ، ونَبَّهَ بهما على كلِّ ما يُغَطَّى بهِ الرأسُ. ومنها الخفافُ وكلُّ ما يُغَطِّي بهِ الكَعْبَيْنِ في الرِّجْلِ، هذا في حقِّ الذِّكَرِ، وأمَّا الإناثُ فَيُبَاحُ لَهُنَّ المَخِيطُ وتغطيةُ الرأسِ.
الثَّالِثَةُ: تحريمُ الوَرْسِ والزعفرانِ وما في معناهُمَا منْ أنواعِ الطِّيبِ على الذكورِ والنساءِ المُحْرِمِينَ.
الرَّابِعَةُ: تحريمُ تغطيةِ الأنثى المُحْرِمَةِ وَجْهَهَا؛ لأنَّ إِحْرَامَهَا فِيهِ كما يُحَرَّمُ عليها القفازانِ.


الْحَدِيثُ التاسعُ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ
عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُمَا قالَ: سمعتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: ((مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَمِنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ)) يعنِي المُحْرمَ.

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: مَشْرُوعِيَّةُ خطبةِ الإمامِ يومَ عرفةَ لبيانِ المناسكِ.
الثَّانِيَةُ: أنَّ مَنْ لا يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَس الخُفَّيْنِ ولوْ غَطَّيَا الكَعْبَيْنِ.
الثَّالِثُ: أنَّ مَنْ لا يَجِدْ إزارًا لبِسَ السراويلَ، ولا فديةَ في الخُفَّيْنِ ولا السراويلِ تخفيفًا من المُشَرِّعِ الحكيمِ الرحيمِ، ويكونُ هذا الحديثُ نَاسِخًا للحديثِ المُتَقَدِّمِ في قَطْعِ الخُفَّيْنِ.

بابُ التَّلْبِيَةِ

الْحَدِيثُ العاشرُ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ
عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُمَا أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَبَّيْكَ اللَّهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)).
قالَ: وكانَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ يزيدُ فيهَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ.

المُفْرَدَاتُ:
قَوْلُهُ: (لَبَّيْكَ). مصدرٌ على صيغةِ التثنيةِ، ومعناهُ: إجابةً لكَ بعدَ إجابةٍ.
قَوْلُهُ: (سَعْدَيْكَ). تعريفُهُ كالأَوَّلِ، ومعناهُ مساعدةً في طاعتِكَ بعدَ مساعدةٍ.

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: مَشْرُوعِيَّةُ التلبيةِ في الحجِّ والعمرةِ؛ لأنَّها شعارُهُمَا الخاصُّ.
الثَّانِيَةُ: الأفضلُ أنْ تكونَ بهذهِ الصيغةِ المذكورةِ، فإنْ زادَ فلا بأسَ.
الثَّالِثَةُ: أنَّ التلبيةَ شعارُ الحجِّ كالتكبيرِ للصلاةِ، فَيَنْبَغِي الإكثارُ منها.
الرَّابِعَةُ: تَحْتَوِي التلبيةُ المذكورةُ في الحديثِ على الثباتِ على طاعتِهِ، وإثباتِ الوحدانيَّةِ المُطْلَقَةِ لهُ، وإثباتِ جميعِ المحامدِ لهُ، وإسنادِ النِّعَمِ إليهِ، والإقرارِ بِمُلْكِهِ وقَهْرِهِ وسلطانِهِ المُطْلَقِ، وتوحيدِ الإلهيَّةِ والربوبيَّةِ والأسماءِ والصفاتِ.

بابُ سَفَرِ المرأةِ بدونِ مَحْرَمٍ

الْحَدِيثُ الحاديَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ
عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا ومَعَهَا حُرْمَةٌ)).
وفي لفظٍ للبخاريِّ: ((تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ)).
يَدُلُّ الحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ سَفَرِ المَرْأَةِ بِدُونِ مَحْرَمٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مُسِنَّةً أو شَابَّةً , وَسَوَاءٌ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أو قَصِيرًا، وسَوَاءٌ كَانَتْ مَعَ رُفْقَةٍ أَمِينَةٍ أو لَا ؛ لِأَنَّ الحَدِيثَ عَامٌّ, ومَن نَظَرَ إِلَى المَعْنَى الذِي حُرِّمَ مِن أَجْلِهِ سَفَرُها بدونِ مَحْرَمٍ تَسَاهَلَ في بَعْضِ الأُمُورِ.

محمد أبو زيد
11-11-2008, 07:06 PM
بَابُ مَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ مِن الثِّيَابِ(4)
( 4 ) ذكرَ المؤلِّفُ رحِمَهُ اللَّهُ تعالَى في هذا البابِ أربعةَ أحاديثَ.
الأوَّلُ والثاني: في بيانِ ما يَلْبَسُهُ المُحرِمُ من الثيابِ، وما يَجْتَنِبُهُ.
والثالثُ: في بيانِ التلبيةِ، وسأُفْرِدُهُ ببابٍ.
والرابعُ: في بيانِ حُكمِ سفرِ المرأةِ بلا مَحْرَمٍ، وسأفردُهُ ببابٍ أيضًا، ليتبيَّنَ من تعدُّدِ التراجمِ ما في الأحاديثِ من الأحكامِ.
والمؤلِّفُ أخذَ الترجمةَ من السؤالِ، الذي في الحديثِ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ
عَنْ عَبْـِد اللَّهِ بْنِ عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ المُحرِمُ مِنَ الثِّيَـابِ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلاَ الْعَمَائِمَ، وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ، وَلاَ الْبَرَانِسَ، وَلاَ الْخِفَافَ، إلاَّ أَحَدٌ لاَ يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلاَ يَلْبَسْ مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ".
وَلِلْبُخَارِيِّ: "وَلاَ تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ، وَلاَ تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ".(5)
( 5 ) الغريبُ:
السَّرَاويلُ: يُذكَّرُ ويؤنَّثُ، وهو مفردٌ علَى صيغةِ الجمعِ، وجمعُهُ السَّراويلاتُ، وهي لفظةٌ أعجميَّةٌ عُرِّبَتْ.
البَرَانِسُ: جمعُ بُرْنُسٍ، ثوبٌ رأسُهُ منهُ، ملتزقٌ بِهِ، لباسٌ للنُّسَّاكِ في صدرِ الإسلامِ, ويَلْبَسُهُ المغاربةُ الآنَ.
الخِفَافُ: بكسرِ الخاءِ, جمعُ ( خُفٍّ ) بضمِّ الخاءِ، وهو ما يُلْبَسُ في الرِّجْلِ، ويكونُ إلَى نصفِ الساقِ.
أمَّا الجِرَابُ، فما غطَّى الكعبيْنِ، ِ وحكمُهما واحدٌ، ويأتي إنْ شاءَ اللَّهُ.
مسَّهُ: أصابَهُ.
وَرْسٌ: بفتحِ الواوِ، وإسكانِ الراءِ، نبتٌ أصفرُ، يُصْبَغُ بِهِ الثيابُ، ولُهُ رائحةٌ طيِّبةٌ.
الزَّعْفَرَانُ: نباتٌ بَصَليٌّ مُعَمَّرٌ، من الفصيلةِ السَّوْسَنِيَّةِ، يُصْبَغُ بِهِ أيضًا.
ولا تَنْتَقِبُ: الانْتِقَابُ هو أنْ تُخَمِّرَ المرأةُ وجهَهَا ـ أيْ: تُغَطِّيهِ بالخمارِ ـ وتجعلُ لعينَيْهَا خَرْقَيْنِ تنظرُ منهما.
القُفَّازَيْنِ: تثنيَةُ قُفَّازٍ، وهو شيءٌ يُعملُ لليديْنِ، من خِرَقٍ، أو جلودٍ، أو غيرِهَا، يقيهَا من البردِ وغيرِهِ، علَى هيئةِ ما يجعلُهُ حامِلُو البُزَاةِ والصُّقورِ.
الكَعْبَيْنِ: الْعَظْمَانِ النَّاتِئانِ عند مفصلِ الساقِ.
المعنَى الإجماليُّ:
قد عرفَ الصحابةُ رضي اللَّهُ عنهم أنَّ للإحرامِ هيئةً تُخالفُ هيئةَ الإحلالِ.
ولذا سألَ رجلٌ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عن الأشياءِ المباحةِ، التي يَلْبَسُهَا المُحرمُ.
لمَّا كانَ من اللائقِ أنْ يكونَ السؤالُ عن الأشياءِ التي يجتنبُهَا؛ لأنَّهَا معدودةٌ قليلٌ - وقد أُعْطِيَ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ جوامعَ الكَلِمِ - أجابَهُ ببيانِ الأشياءِ التي يجتنبُهَا المحرمُ, ويبقَى ما عداهَا علَى أصلِ الحِلِّ، وبهذا يحصلُ العلمُ الكثيرُ.
فأخذَ صلَى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يَعُدُّ عليهِ ما يَحْرُمُ علَى الرجلِ المُحرمِ من اللباسِ، منهَا بكلِّ نوعٍ منهُ، علَى ما شابَهَهُ من أفرادِهِ، فقالَ:
لا يلبسُ القميصَ، وكلَّ ما فُصِّلَ وَخِيطَ علَى قدرِ البدنِ، ولا العمائمَ والبرانسَ، وكلَّ ما يُغَطَّى بِهِ الرأسُ، ملاصقًا لهُ، ولا السراويلَ، وكلَّ ما غطَّى بِهِ - ولو عُضْوًا - كالقفَّازيْنِ ونحوِهما، مخيطًا أو مُحِيطًا، ولا الخِفافَ ونحوَهما، ممَّا يُجْعَلُ بالرِّجْلَيْنِ ساترَيْنِ للكعبيْنِ، من قطنٍ أو صوفٍ، أو جلدٍ، أو غيرِ ذلك.
فمَن لم يجدْ وقتَ إحرامِهِ نعليْنِ، فَلْيَلْبَس الخفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهما من أسفلِ الكعبيْنِ، ِ ليكونَا علَى هيئةِ النعليْنِ. ثم زادَ صلَى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فوائدَ لم تكنْ في السؤالِ، وإنَّما المقامُ يقتضيهَا، فَبَيَّنَ ما يَحْرُمُ علَى المُحرمِ مطلقًا من ذكرٍ وأنثَى، فقالَ:
" ولا يلبسُ شيئًا من الثيابِ، أو غيرِهَا مَخِيطًا أو غيرَ مخيطٍ، إذا كانَ مُطَيَّبًا بالزعفرانِ أو الوَرْسِ " منبِّهًا بذلك علَى اجتنابِ أنواعِ الطِّيبِ.
ثم بيَّنَ ما يجبُ علَى المرأةِ، من تحريمِ تغطيةِ وجهِهَا وإدخالِ كفَّيْهَا فيما يَسْتُرُهما، فقالَ: " ولا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ، ولا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ".


ما يُؤخذُ من الحديثِ:
1- أنَّ السؤالَ ينبغي أنْ يكونَ متوجِّهًا إلَى المقصودِ علمُهُ.
2- أنَّهُ ينبغي للمسؤولِ إذا رأَى السؤالَ غيرَ ملائمٍ أنْ يُعَدِّلَهُ ويُقَوِّمَهُ إلَى المعنَى المطلوبِ، ويَضْرِبَ صَفْحًا عن السؤالِ، كقولِهِ تعالَى: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ) [البقرةُ: 189].
3- أنَّ الأشياءَ التي يجتنبُهَا المُحرمُ من الملابسِ، قليلةٌ معدودةٌ.
وأمَّا الأشياءُ المباحةُ فهي الكثيرةُ، التي تُعْرَفُ بالجدِّ؛لأنَّهَا علَى أصلِ الإباحةِ.
ولهذا المعنَى صرفَ النبيُّ صلَى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ سؤالَ السائلِ عن ما يلبسُهُ المحرمُ، إلَى بيانِ ما لا يلبسُهُ.
4- تحريمُ هذهِ الأشياءِ الملبوسةِ خاصَّةً بالرَّجُلِ, وأمَّا المرأةُ، فيُباحُ لهَا لُبْسُ المخيطِ وتغطيةُ الرأسِ.
5- منهَا القميصُ: وَنَبَّهَ بِهِ علَى ما في معناهُ، من كلِّ ما لُبِسَ علَى قدرِ البدنِ، مخيطًا أو مُحيطًا.
6- ومنهَا ( البَرَانِسُ ) و ( العمائمُ ) ونبَّهَ بهما علَى كلِّ ما يُغطَّى بِهِ الرأسُ أو بعضُهُ، من مَخِيطٍ، أو مُحِيطٍ، من معتادٍ ونادرٍ, فيَدْخُلُ القَلانسُ، والطواقِي ونحوُهما.
7- ومنهَا ( الخُفَّانِ ) وما في معناهُمَا من كلِّ ساترٍ للكعبيْنِ، ِ من مخيطٍ أو مُحيطٍ، سواءٌ كانَ من جلدٍ، أو صوفٍ، أو قطنٍ أو غيرِهَا.
8- إذا لم يجدْ نعليْنِ ونحوِهما ممَّا لا يسترُ الكعبيْنِ، ِ فَلْيَتَرَخَّصْ بلبسِ الخفَّيْنِ ولكنْ لِيَقْطَعْهُمَا من أسفلِ الكعبيْنِ؛ ليكونَا في معنَى النعليْنِ.
ويأتي في الحديثِ الذي بعدَ هذا، اختلافُ العُلماءِ في ذلك، وبيانُ الراجحِ منهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ. قالَ المجدُ ابنُ تيميَّةَ: واتَّفقوا علَى أنَّ التحريمَ هنا علَى الرَّجُلِ.
9- تحريمُ ( الوَرْسِ ) و ( الزعفرانِ ) وما في معناهُمَا من أنواعِ الطِّيبِ، لكلِّ مُحرمٍ من ذكرٍ أو أنثَى.
10- تحريمُ تغطيةِ المرأةِ وجهَهَا؛ لأنَّ إحرامَهَا فيهِ، وتحريمُ لُبْسِ القفَّازيْنِ، علَى الذَّكَرِ والأنثَى.
11- هذِهِ الفائدةُ والتي قبلَهَا، لم تكنْ في سؤالِ السائلِ.
ولكنْ لمَّا ظنَّ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ جهلَ السائلِ بهَا بقرينةِ السؤالِ، زادَهُ النبيُّ صلَى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لبيانِ العِلْمِ وقتَ الحاجةِ إليهِ، وعندَ مناسبتِهِ.
12- لهذا اللباسِ الخاصِّ بالمُحرمِ، حِكَمٌ وأسرارٌ كثيرةٌ.
منهَا: أنْ يكونَ في حالِ خشوعٍ وخضوعٍ، بعيدًا عن الترفُّهِ وزينةِ الدنيا، وليتذكَّرَ بهذَا اللباسِ حالَ الموتِ، فيكونَ أقربَ إلَى المراقبةِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: فيهِ تنبيهُ النفسِ علَى التلبُّسِ بهذِهِ العبادةِ بالخروجِ عن مُعتادِهَا، وذلك مُوجِبٌ للإقبالِ عليهَا، والمحافظةِ علَى قوانينِها وأركانِهَا وشروطِهَا وآدابِهَا.
13- قالَ القاضي عِياضٌ: أجمعَ المسلمونَ علَى أنَّ ما ذُكِرَ في الحديثِ لا يَلْبَسُهُ المُحرمُ، وأنَّهُ نبَّهَ بالسراويلِ والقميصِ علَى المخيطِ، وبالعمائمِ والبرانسِ علَى كلِّ ما يُغَطَّى بِهِ الرأسُ، مَخيطًا كانَ أو غيرَهُ، وبالخِفافِ علَى ما يَسْتُرُ الرِّجْلَيْنِ.
14- قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ: وليسَ للمُحرمِ أنْ يلبسَ شيئًا ممَّا نهَى عنهُ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إلا لحاجةٍ، والحاجةُ مثلُ البَرْدِ الذي يَخافُ أنْ يُمْرِضَهُ إذا لم يُغَطِّ رأسَهُ، فيَلْبَسُ قدْرَ الحاجةِ، فإذا اسْتَغْنَى عنهُ نزَعَهُ، وعليهِ أنْ يَفْدِيَ، إمَّا بصيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ، أو نُسكِ شاةٍ، أو إطعامِ ستَّةِ مساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من تمرٍ أو شعيرٍ أو مُدُّ بُرٍّ.
ويجوزُ أنْ يَفْدِيَ قبلَ فِعْلِ المحظورَ وبعدَهُ.

فائدةٌ:
المرادُ بالنهيِ عن لبسِ المخيطِ والمُحيطِ، هو اللبسُ المعتادُ. أمَّا ارتداؤُهما ونحوُهُ فلا بأسَ.

الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ النّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ" (لِلْمُحْرِمِ).(6)
( 6 ) المعنَى الإجماليُّ:
كانَ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يخطُبُ بالحَجيجِ بعَرَفاتٍ في حجَّةِ الوداعِ، ويُبيِّنُ أحكامَ المناسكِ، وكان المسلمونَ في ذلك الوقتِ في ضيقِ مِن الدنيا، فبَيَّنَ لهم أنَّ مَن لا يجدُ نعليْنِ يَلْبَسُهما في إحرامِهِ، فلْيَلْبَسْ بدلَهُمَا خُفَّيْنِ, ولو ستَرَا الكعبيْنِ.
ومَن لم يجدْ إزارًا، فلْيَلْبَس السراويلَ ولا يَشُقَّهُ، تخفيفًا من الشارعِ، ورخصةً من اللَّهِ تعالَى، الذي لا يُكلِّفُ نفسًا إلا وُسعَهَا.
ما يُؤخذُ من الحديثِ:
1- الخطبةُ في عرفةَ لبيانِ أحكامِ الحجِّ وآدابِ المناسكِ.
2- أنَّهُ ينبغي تذكيرُ الناسِ في كلِّ وقتٍ بما يناسبُهُ.
3- أنَّ مَن لم يجدْ نعليْنِ، فلْيلبس الخفَّيْنِ. ظاهرُهُ، بلا قطْعٍ لهما، ويأتي الخلافُ فيهِ.
4- أنَّ مَن لم يجدْ إزارًا، فلْيلبس السراويلَ, ولا فديَةَ مع لبسِ الخفَّيْنِ والسراويلِ في هذهِ الحالِ.
5- سماحةُ هذهِ الشريعةِ ويُسرُهَا؛ إذ لا يُكلِّفُ اللَّهُ نفسًا إلا وسعَهَا.
اختلافُ العُلماءِ، والتوفيقُ بين الحديثيْنِ:
اختلفَ العُلماءُ في حُكْمِ المُحرمِ الذي لا يجدُ نعليْنِ, ووجدَ خُفَّيْنِ.
فهل يجبُ عليهِ قطعُهما من أسفلِ الكعبيْنِ؟ وإنْ لم يفعلْ أثِمَ وفدَى، أو أنَّهُ يُباحُ لهُ لبسُهما بلا قطعٍ, وليس عليهِ فديةٌ؟
فذهبَ الجمهورُ من العُلماءِ، ومنهم الأئمَّةُ الثلاثةُ؛ أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ، والثوريُّ وإسحاقُ إلَى الأوَّلِ. مستدلِّينَ بحديثِ ابنِ عمرَ السابقِ: " فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْكَعْبَيْنِ "؛ لأنَّهُ أمرٌ يقتضِي الوجوبَ، فيُحْمَلُ عليهِ حديثُ ابنِ عبَّاسٍ، علَى قاعدةِ ( حَمْلِ المُطْلَقِ علَى المُقَيَّدِ ).
وذهبَ الإمامُ أحمدُ في المشهورِ عنهُ إلَى الثاني، ويُروَى أيضًا عن علِيٍّ، وقالَ بِهِ عطاءٌ وعكرمةُ، مستدلِّينَ بحديثِ ابنِ عبَّاسٍ الذي معنا.
وأجابوا عن حديثِ ابنِ عمرَ بأجوبةٍ، أحسنُهَا أنَّهُ منسوخٌ بحديثِ ابنِ عبَّاسٍ، الذي خطَبَ بِهِ في عرفاتٍ، بينما حديثُ ابنِ عمرَ قالَهُ في المدينةِ قبلَ حجَّةِ الوداعِ.
وأيَّدُوا قولَهم في النسخِ بما يأتي:
1- أنَّهُ أطْلَقَ لُبْسَ الخفَّيْنِ بلا قطعٍ بـ ( عرفاتٍ )، علَى مشهدٍ من أممٍ لم تَحْضُرْ كلامَهُ في المدينةِ، فليس عندَهم عِلْمٌ من الحديثِ الأوَّلِ ليحملوا هذا عليهِ، فما كانَ لِيَسْكُتَ عمَّا يَجْهلونَ.
2- أنَّ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ في عرفاتٍ،وهو وقتُ الحاجةِ، وتأخيرُ البيانِ عنهَا مُمْتَنِعٌ.
3- لم يذكرْ في حديثِ ابنِ عمرَ السراويلَ، وذكرَهُ في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ، ولم يأمرْ بفَتْقِهِ مع أنَّهُ لا يوجدُ شيءٌ يُحْمَلُ عليهِ، ممَّا دلَّ علَى أنَّهُ أرادَ من الخفَّيْنِ والسراويلِ، مُطْلَقَ اللُّبسِ بلا قطعٍ ولا فَتْقٍ.
4- أنَّ القطعَ نُسِخَ تخفيفًا وإصلاحًا عن الإفسادِ بإتلافِ المالِ.
ونظائرُ هذهِ التخفيفاتِ كثيرةٌ في الشرعِ.
قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ: أولاً أمرَهُم بقطعِهِمَا, ثم رخَّصَ لهم في لبسِهما مطلقًا من غيرِ قطعٍ، وهذا هو الذي يجبُ حملُ الحديثِ عليهِ. أ. هـ.

بَابُ التَّلْبِيَةِ

الْحَدِيثُ الحَادِيَ عَشَرَ بعدَ الْمِائَتَيْنِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، أَنَّ تَلْبِيَةَ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” لَبَّيْكَ اللَّهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لكَ لَبَّيْكَ. إنَّ الْحَمْدَ وَالنعْمَةَ لَكَ، وَالمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ “.
قالَ: وكانَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ يزيدُ فيها: " لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ ".(7)
( 7 ) الغريبُ:
لَبَّيْكَ: مصدرٌ محذوفُ العاملِ، جاءَ علَى صيغةِ التثنيَةِ، ولم يُقصدْ بِهِ التثنيَةُ، وإنَّما قُصِدَ بِهِ التكثيرُ.
واختلفوا في معناهُ، لاختلافِهم في مأْخذِهِ.
فهلْ هي الإجابةُ بعدَ الإجابةِ، أو الانقيادُ، أو الإقامةُ في المكانِ وملازمتُهُ، أو الحُبُّ بعدَ الحُبِّ.. إلخ، ولا مُنافاةَ بينهَا، بل هي متلازمةٌ؛ لأنَّهَا تُفيدُ معنَى الإقبالِ علَى الشيءِ والتوجُّهِ إليهِ، فمعنَى ألبَّ بالمكانِ: أقامَ فيهِ ولَزِمَهُ.
إنَّ الحَمْدَ: بكسرِ الهمزةِ وفتحِهَا، والكسرُ أجودُ وأشملُ معنًى؛ لأنَّ الفتحَ معناهُ تعليلُ الإجابةِ بسببِ الحمدِ والنعمةِ فقطْ، والكسرُ للاستئنافِ، فيُفيدُ الإجابةَ المطلقةَ عن الأسبابِ. قالَ ثعلبٌ: مَن كسَرَ ( الهمزةَ ) كانَ معناهُ: الحمدُ لك علَى كلِّ حالٍ، ومَن فتحَ قالَ لبَّيْكَ لهذا السببِ.
سَعْدَيْكَ، القولُ في تصريفِ لفظِهِ، مثلَ القولِ في ( لبَّيْكَ ) ومعناهُ: مساعدةٌ في طاعتِكِ بعدَ مساعدةٍ.
الرَّغْبَاءُ: تُقالُ بالمدِّ والقصرِ، فإنَّ مُدِّتْ فُتِحَت الراءُ، وإنْ قُصِرتْ ضُمَّتْ. وهما من الرغبةِ؛ كالنُّعْمَى والنَّعْماءِ من النعمةِ. وقيلَ: الرغباءُ: الضَّراعةُ والمسألةُ.
المعنَى الإجماليُّ:
التلبيةُ: شعارُ الحجِّ وعنوانُ الطاعةِ والمحبَّةِ، والإقامةِ والاستجابةِ الدائمةِ إلَى داعي اللَّهِ تعالَى. وهي تحتوي علَى أفضلِ الذِّكْرِ من التزامِ عبادةِ اللَّهِ وإجابةِ دعوتِهِ، ومطاوعتِهِ في كلِّ الأحوالِ مقترنًا ذلك بمحبَّتِهِ، والخضوعِ والتذلُّلِ بينَ يديْهِ، ومِن إفرادِهِ بالوحدانيَّةِ المطلقةِ عن كلِّ شريكٍ في إلهيَّتِهِ وربوبيَّتِهِ وسلطانِهِ، كما تحتوي علَى إثباتِ كلِّ المحامدِ لهُ.
وبإثباتِهَا تنتفِي عنهُ النقائصُ مع إسنادِ النِّعَمِ كلِّهَا إليهِ، دقيقِهَا وجليلِهَا، ظاهرِهَا وباطنِهَا، كما تحتوي علَى إثباتِ المُلْكِ المُطلَقِ.
فهو المتصرِّفُ القاهرُ الذي بقبضتِهِ كلُّ شيءٍ، ولا يُنازعُهُ أحدٌ في مُلْكِهِ، بل الجميعُ خاضعٌ لهُ، ذليلٌ بين يديْهِ.
وإثباتُ هذهِ الصفـاتِ العُلَى، التي فيهَا الثناءُ علَى اللَّهِ، وإثباتُ المحامدِ والوحـدانيَّةِ والتصـرُّفِ، تُفيدُ وصفـَهُ -جلَّ وعلا - بهَا مُفْرَدةً، كما أنَّ اجتماعَهَا يُفيدُ معنًى زائدًا يليقُ بجلالِهِ الذي هو أهلُهُ، وذلك كمالٌ ناشئٌ عن اقترانِ صفةٍ بصفةٍ.
فكونُهُ مالِكًا، كمالٌ، وكونُهُ الحمدُ لهُ، كمالٌ. واجتماعُهُما، كمالٌ زائدٌ علَى الكماليْنِ. فلُهُ الصفاتُ العُلَى، والمحامدُ الكاملةُ.
وإثباتُ هذهِ الصفاتِ، يُوجبُ للعبدِ إفرادَهُ بالعبادةِ والمحبَّةِ، والتوجُّهِ والإقبالِ، والخوفِ والرجاءِ، وغيرِ ذلك من متعلِّقاتِ العبدِ بربِّهِ ومولاهُ.
ما يُؤخذُ من الحديِث:
1- مشروعيَّةُ التلبيةِ في الحجِّ والعمرةِ، وتأكُّدُهَا فيهِ؛ لأنَّهَا شعارُهُ الخاصُّ، ويأتي الخلافُ: هل هيَ واجبةٌ، أو مُستحبَّةٌ؟ إنْ شاءَ اللَّهُ.
2- الأفضلُ أنْ تكونَ بهذِهِ الصيغةِ فقطْ لِلاتِّباعِ، ولِمَا تحتويهِ هذهِ الجمَلُ من المعاني العظيمةِ، ولِمَا فيهَا من صفاتِ اللَّهِ تعالَى الجليلةِ، فإنْ زادَ فلا بأسَ.
3- أنَّ التلبيَةَ شعارُ الحجِّ كالتكبيرِ شعارُ الصلاةِ، فيُستحبُّ الإكثارُ منهَا، لا سيَّما عندَ الانتقالِ من منسكٍ إلَى آخرَ، وارتفاعٍ علَى نَشَزٍ، أو هبوطٍ في منخفضٍ، أو التقاءِ الحجِيجِ، أو فعلِ محظورٍ؛ لأنَّ فيهَا التذكيرَ علَى الإقامةِ علَى طاعةِ اللَّهِ، والاستجابةِ لداعيهِ. قالَ شيخُ الإسلامِ: ( ولا يزالُ يُلبِّي في ذَهابِهِ من مشعرٍ إلَى مشعرٍ حتَّى يرميَ جمرةَ العقبةِ، فإذا شرعَ في الرميِ قطعَ التلبيَةَ، فإنَّهُ حينئذٍ يَشْرَعُ في التحلُّلِ.
4- تقدَّمَ في المعنَى الإجماليِّ ما تحتويهِ التلبيَةُ من أنواعِ الذِّكْرِ، من الإقامةِ علَى طاعتِهِ، وإثباتِ الوحدانيَّةِ المطلقةِ لهُ، وإثباتِ المحامدِ، وإسنادِ النِّعَمِ إليهِ، والإقرارِ بمُلْكِهِ، وقهرِهِ وسلطانِهِ المطلقِ. فهي محتويةٌ علَى توحيدِ الإلهيَّةِ والربوبيَّةِ، والأسماءِ والصفاتِ.
5- ما دامت التلبيَةُ شعارَ الحجِّ، فينبغي رفْعُ الصوتِ بهَا للرِّجَالِ.
أمَّا المرأةُ فتَخْفِضُ صوتَهَا خشيةَ الفتنةِ بهذِهِ العبادةِ الجليلةِ.
اختلافُ العُلماءِ:
أجمعَ العُلماءُ علَى مشروعيَّةِ التلبيَةِ في الحجِّ؛ لأنَّهَا شِعارُهُ:
واختلفوا: هلْ هي ركنٌ، أو واجبٌ، أو سُنَّةٌ؟
فذهبَ إلَى أنَّهَا سُنَّةٌ، الإمامانِ: الشافعيُّ، وأحمدُ. ودليلُهم أنَّهَا ذِكْرٌ كسائرِ الأذكارِ، لا يجبُ بترْكِهَا شيءٌ.
وذهبَ مالكٌ وأصحابُهُ، إلَى أنَّهَا واجبةٌ، يأثمُ تاركُهَا، ويصحُّ حجُّهُ، وعليهِ دمٌ لترْكِهِ إيَّاهَا.
وذهبَ أبو حنيفةَ، والثوريُّ، وأهلُ الظاهرِ، وعطاءٌ وطاووسٌ، وعكرمةُ إلَى أنَّهَا رُكْنٌ، لا يصحُّ الحجُّ بدونِهَا.
ودليلُ هؤلاء أنَّهَا شعارُ الحجِّ، كما أنَّ تكبيرةَ الإحرامِ، وتكبيرُ الانتقالاتِ، شعارُ الصلاةِ، وأنَّ النبيَّ صلَى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لم يُخِلَّ بهَا، وكان يقولُ: " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ". وهي من أعظمِ المناسكِ، وفي الحديثِ: " أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلاَلِ ". وهي التلبيَةُ. والأمرُ يقتضِي الوجوبَ.
قلتُ: وهذا قولٌ جيِّدٌ، وحجَّتُهُ قويَّةٌ، وقد التزمَهَا - ولِلَّهِ الحمدُ - المسلمونَ جميعًا، فلا تَجِدُ مُحْرِمًا إلا وهو يقولُهَا في نُسُكِهِ مرَّاتٍ، فمِنْ مُقِلٍّ وَمُكْثِرٍ.

فائدةٌ:
قالَ شيخُ الإسلامِ ما خلاصتُهُ: النيَّةُ في الحجِّ والعمرةِ لا خلافَ بين المسلمينَ في أنَّ الحجَّ والعمرةَ لا يصحَّانِ بدونِهَا. وأصلُ ذلك أنَّ النيَّةَ المعهودةَ في العباداتِ تشتملُ علَى أمريْنِ هما: قصدُ العبادةِ وقصدُ المعبودِ، وهو الأصلُ الذي دلَّ عليهِ قولُهُ تعالَى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) [البيِّنة: 5] وأمَّا قصدُ العبادةِ فهو قصدُ عملٍ خاصٍّ يُرضِي بِهِ ربَّهُ من صيامٍ أو حجٍّ أو غيرِهِمَا، وهذِهِ النيَّةُ التي تُذكرُ في كُتبِ الفقهِ المتأخِّرةِ، فالنيَّةُ الأولََى يتميَّزُ بهَا مَن يريدُ حرثَ الآخرةِ ممَّن يريدُ حرثَ الدنيا، ويتميَّزُ بهَا المسلمُ من الكافرِ، أمَّا الثانيةُ فهي تمييزُ أنواعِ العباداتِ.
وقالَ رحِمَهُ اللَّهُ: ولا يكونُ الرجلُ مُحْرِمًا بمجرَّدِ ما في قلبِهِ من قصدِ الحجِّ ونيَّتِهِ؛ فإنَّ القصدَ ما زالَ في القلبِ منذُ خرجَ من بلدِهِ، ولا بدَّ من قولٍ أو عملٍ يصيرُ بِهِ مُحْرِمًا، والتجرُّدُ من الثيابِ واجبٌ في الإحرامِ, وليس شرطًا فيهِ، فلو أحرمَ وعليهِ ثيابُهُ صحَّ ذلك بسُنَّةِ النبيِّ صلَى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، وباتِّفاقِ أئمَّةِ أهلِ العلمِ، وعليهِ أنْ يَنْزِعَ اللِّباسَ المحظورَ.

بابُ سَفرِ المرأةِ بدونِ مَحْرَمٍ

الْحَدِيثُ الثانيَ عشَرَ بعد الْمِائَتَيْنِ
عن أبي هريرةَ رضِيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “ لاَ يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ “.
وفي لفْظٍ للبخاريِّ: “ لاَ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إلاَّ معَ ذِي مَحْرَمٍ “.(8)
( 8 ) المعنَى الإجماليُّ:
المرأةُ مظِنَّةُ الشهوةِ والطمعِ، وهي لا تكادُ تَقِي نفسَهَا لضعفِهَا ونقصِهَا.
ولا يغارُ عليهَا مثلُ محارمِهَا، الذين يرونَ أنَّ النَّيْلَ منهَا نَيْلٌ من شرفِهم وعِرْضِهم.
والرجلُ الأجنبيُّ حينما يخلُو بالأجنبيَّةِ، يكونُ مُعرَّضًا لفتنِ الشيطانِ ووساوسِهِ.
لهذِهِ المحاذيرِ، التي هي وسيلةٌ في وقوعِ الفاحشةِ وانتهاكِ الأعراضِ، حرَّمَ الشارعُ علَى المرأةِ أنْ تسافرَ يومًا، أو يومًا وليلةً، إلا ومعهَا ذو مَحْرَمٍ، وهو زوجُهَا ومَن تَحرُمُ عليهِ علَى التأبيدِ بنسبٍ، كأبٍ وابنٍ، وأخٍ، وعمٍّ، وخالٍ, أو والدِ زوجِهَا أو ابنِه وإنْ نزلَ،أو رضاعٍ, كأبيهَا، وأخيهَا منهُ.
وناشدَهَا الشارعُ في إيمانِها باللَّهِ واليومِ الآخرِ. إنْ كانت تحافظُ علَى هذا الإيمانِ وتنفِّذُ مقتضياتِهِ، أنْ لا تسافرَ إلا مع ذي محرمٍ.
اختلافُ العُلماءِ:
وهي تكفِي عنِ الاستنباطاتِ؛ لأنَّهَا تشتملُ عليهَا:
هذِهِ خلافاتٌ نُجْمِلُهَا ولا نُطيلُ بتفصيلِهَا؛ لمخالفتِهَا نصَّ الحديثِ الصحيحِ.
فقد اختلفوا: هل المرأةُ مُستطيعةٌ الحجَّ بدونِ المَحْرَمِ، إذا كانت ذاتَ مالٍ؟ أو أنَّ وجودَ المحرمِ شرطٌ في الاستطاعةِ؟
الصحيحُ: أنَّهُ لا يحلُّ خروجُهَا بدون محرمٍ لأيِّ سفرٍ، فتكونُ معذورةً غيرَ مستطيعةٍ.
واختلفوا في الكبيرةِ، التي لا تميلُ إليهَا النفسُ: هل تسافرُ بدونِ محرمٍ، أو لا بدَّ من المحرمِ؟
الصحيحُ الأخيرُ؛ لأنَّ الحديثَ عامٌّ في كلِّ امرأةٍ، ولا يخلُو الأمرُ من محذورٍ، فلكلِّ ساقطةٍ لاقطةٌ.
واختلفوا، هل يكفِي أنْ تكونَ مع رُفْقةٍ أمينةٍ، أو تسافرَ مع امرأةٍ مسلمةٍ ثقةٍ أم لا؟
ظاهرُ الحديثِ أنَّهُ لا بدَّ من المحرمِ؛ لأنَّ غَيْرةَ المحرمِ ونظرَهُ مفقودانِ.
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ: إذا كانت المرأةُ من القواعدِ اللائي لم يَحِضْنَ، وقد يَئِسَتْ من النكاحِ، ولا محرمَ لهَا فإنَّهُ يجوزُ في أحدِ قولَي العُلماءِ أنْ تَحُجَّ مع مَن تَأْمَنُهُ، وهو إحدَى الروايتيْنِ عن أحمدَ، ومذهبُ مالكٍ والشافعيِّ.
وقد أجمعَ المسلمونَ أنَّهُ لا يجوزُ السفرُ للمرأةِ بدونِ محرمٍ، إلا علَى وجهٍ تَأْمَنُ فيهِ. ثم ذكرَ كلٌّ منِهم الأمرَ الذي اعتقدَهُ صائنًا لهَا وحافظًا، من نسوةٍ ثقاتٍ، أو رجالٍ مأمونينَ، ومنَعهَا أنْ تسافرَ بدونِ ذلك، فاشتراطُ ما اشترطَهُ اللَّهُ تعالَى ورسولُهُ صلَى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أحقُّ وأوجبُ, وحكمتُهُ ظاهرةٌ، فالذين خالفُوا ظاهرَ الأحاديثِ، وأباحوا لهَا السفرَ حين تكونُ آمنةً نظرُوا إلَى المعنَى المرادِ، وقالوا: إنهَا مأمورةٌ بالحجِّ علَى وجهِ العمومِ بقولِهِ تعالَى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيِْهِ سَبِيلاً ): [آل عمرانَ: 97 ]
والذين أخذُوا بظاهرِ حديثِ المنعِ مِن السفرِ قالوا: إنَّ الحديثَ مخصِّصٌ للآيةِ, ولهُ نظائرُ، كحديثِ الغازِي الذي خرجت امرأتُهُ حاجَّةً، فأمرَهُ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يَدَعَ الجهادَ ويَحُجَّ مع امرأتِهِ، وغيرِهِ من الأحاديثِ.
واختلفوا في تحديدِ السفرِ، تبعًا لاختلافِ الأحاديثِ.
فمنهَا ( يومٌ ) و ( يومانِ ) و ( ثلاثُ ليالٍ ) و ( ليلةٌ ) و ( بَريدٌ ).
والأحوطُ أنْ يُؤْخَذَ بأقلِّهَا؛ لأنَّهُ لا يُنافِي ما فوقَهُ، ويكونُ ما فوقَهُ قضايَا عينٍ، حسبَ حالِ السائلِ. واللَّهُ أعلمُ.
ظاهرةٌ مُحْزِنةٌ:
إذا قارَنْتَ حالَ المسلمينَ اليومَ بهذِهِ النصوصِ الصحيحةِ، والآدابِ العاليةِ، والغَيْرةِ الكريمةِ، والشهامةِ النبيلةِ، والمحافظةِ علَى الفروجِ والأعراضِ وحفظِ الأنسابِ، وجَدْتَ كثيرًا من المسلمينَ قد نبَذُوا دينَهم وراءَهم ظِهْريًّا، ومرَقُوا منهُ، وصار التَّصَوُّنُ والحياءُ ضَرْبًا من الرجعيَّةِ والجمودِ.
أمَّا الانحلالُ الخُلُقيُّ، وخلعُ رداءِ الحياءِ والعفافِ، فهو التقدُّمُ والرُّقيُّ. فإنَّا لِلَّهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ.

محمد أبو زيد
11-11-2008, 07:08 PM
بابُ ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيابِ

215 - الحديثُ الأوَّلُ: عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يَلْبَسُ الْقُمُصَ، وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ، إِلا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلا يَلْبَسْ مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ)).
وللبخاريِّ: ((وَلا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ، وَلا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ)).
فيهِ مسائلُ:
الأُولَى: أنهُ وقعَ السُّؤالُ عمَّا يَلبسُ المحرمُ, فَأُجِيبَ بمَا لا يلبَسُ؛ لأنَّ ما لا يَلبسُ محصورٌ, وما يَلبسُ غيرُ محصورٍ, إذِ الإباحةُ هيَ الأصلُ، وفيهِ تنبيهٌ على أنهُ كانَ ينبغِي وضعُ السؤالِ عمَّا لا يُلْبَسُ. وفيه دليلٌ على أنَّ المُعْتَبَرَ فِي الجوابِ ما يحصلُ منهُ المقصودُ كيفَ كانَ، ولو بتغييرٍ أو زيادةٍ، ولا تُشْتَرَطُ المطابقةُ.
الثانيةُ: اتفقوُا على المنعِ مِن لُبْسِ ما ذُكرَ فِي الحديثِ، والفقهاءُ القياسيُّونَ عَدَّوه إِلَى ما رَأَوْهُ فِي معناهُ، فالعمائمُ والبرانسُ. تُعَدَّى إِلَى كلِّ ما يغطِّي الرَّأسَ، مَخِيطًا، أو غيرَهُ. ولعلَّ ((العمائمَ)) تنبيهٌ على ما يغطِّيها من غيرِ المَخيطِ، و((البرانسَ)) تنبيهٌ على ما يغطِّيهَا من المَخِيطِ. فإنهُ قيلَ: إنهَا قَلاَنِسُ طِوالٌ كانَ يَلْبَسُها الزُّهَّادُ فِي الزَّمانِ الأوَّلِ. والتنبيهُ بالقُمُصِ على تحريمِ المُحِيطِ بالبدنِ، وما يُساويهِ من المنسوجِ،والتنبيهُ بالخفافِ والقُفازينِ - وهو ما كانتِ النَّساءُ تَلْبَسُه فِي أيديهنَّ- وقيلَ: إنه كانَ يُحْشَى بقطنٍ, ويُزَرُّ بأزْرارٍ – فنبَّهَ بهمَا على كلِّ ما يحيطُ بالعضوِ الخاصِّ إحاطَةَ مثلِهِ فِي العادةِ. ومنهُ السَّراويلاتُ؛لإحاطتِهَا بالوسطِ إحاطةَ المُحيطِ.
الثالثةُ: إذا لمْ يجدْ نعلينِ لَبِسَ خُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ من أسفلِِ الكعبيْنِ, وعندَ الحنبليَّةِ لا يَقْطَعُهما, وهذا الحديثُ يدلُّ علَى خلافِ ما قالوه؛ فإنَّ الأمرَ بالقطعِ ههنا معَ إتلافهِ الماليَّةَ يَدلُّ على خلافِ ما قالوهُ.
الرابعةُ: اللُّبسُ ههنا عندَ الفقهاءِ محمولٌ على اللبسِ المعتادِ فِي كلِّ شيءٍ مِمَّا ذُكرِ, فلو ارْتَدَى بالقميصِ لم يُمْنَعْ منهُ؛لأنَّ اللبسَ المعتادَ فِي القميصِ غيرُ الارتداءِ, واختلفُوا فِي القَبَاءِ إذا لُبِسَ من غيرِ إدخالِ اليدينِ فِي الكُمَّينِ. ومنْ أوجبَ الفديةَ: جعلَ ذلكَ من المعتادِ فيهِ أحيانًا, واكتفَى فِي التحريمِ فيهِ بذلكَ.
الخامسةُ: لفظُ ((المُحْرِمِ)) يتناولُ من أحرَم بالحجِّ والعمرةِ معًا. و((الإحرامُ)) الدخولُ فِي أحدِ النُّسكيْنِ، والتَّشاغُلُ بأعمالهِمَا. وقدْ كانَ شيخُنا العلامةُ أبو محمّدٍ ابنُ عبدِ السَّلامِ يَسْتَشْكِلُ معرفةَ حقيقةِ ((الإحرامِ)) جدًّا. ويَبْحَثُ فيهِ كثيرًا, وإذا قيلَ لهُ: إنه النِّيةُ اعْتُرِضَ عليه بأنَّ النيةَ شرطٌ فِي الحجِِّ الذي الإحرامُ ركنُهُ، وشرطُ الشَّيءِ غيرُه. ويُعْتَرَضُ على أنهُ ((التَّلبيةُ)) بأنَّهَا ليستْ بركنٍ. والإحرامُ ركنٌ. هذَا أو ما قرُبَ منهُ. وكانَ يحرمُ على تعيينِ فعلٍ تتعلَّقُ بهِ النيَّةُ فِي الابتداءِ.
السادسةُ: المنعُ منَ ((الزَّعفرانِ والوَرْسِ))، وهو نَبْتٌ يكونُ باليمنِ يُصْبَغُ بهِ: دليلٌ علَى المنعِ من أنواعِ الطِّيبِ, وعدَّاهُ القائسونَ إِلَى ما يساويهِ فِي المعنى من المطيِّباتِ. وما اختلفُوا فيهِ فاختلافُهم بِناءً على أنهُ من الطِّيبِ أم لاَ؟.
السابعةُ: نهيُ المرأةِ عن التَّنَقُّبِ والقفازَينِ يدلُّ على أنَّ حكمَ إحرامِ المرأةِ يتعلَّقُ بوجهِهَا وكفَّيها, والسِّرُّ فِي ذلكَ وَفِي تحريمِ المَخيطِ وغيرِه مِمَّا ذُكرَ - والله أعلمُ - مخالفةُ العادةِ، والخروجُ عن المألوفِ لإشعارِِ النفسِ بأمرينِ:
أحدُهما: الخروجُ عن الدنيَا، والتذكُّرُ للُبْسِ الأكفانِ عندَ نزعِ المخيطِ.
والثانِي: تنبيهُ النفسِ على التلبُّسِ بهذهِ العبادةِ العظيمةِ بالخروجِ عنْ مُعْتَادِها وذلكَ مُوجِبٌ للإقبالِ عليهَا, والمحافظةِ على قوانينِها وأركانِها، وشروطِها وآدابِها، واللهُ أعلمُ.

216 - الحديثُ الثَّانِي: عن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: ((مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، فَلْيَلْبَس السَّرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ)).
فيه مسألتانِ:
إحداهُما: قد يَستدِلُّ به من لا يَشْتَرِطُ القطعَ فِي الخفَّينِ عندَ عدمِ النَّعلينِ. فإنهُ مطلقٌ بالنِّسبةِ إِلَى القطعِ وعدمِهِ. وحملُ المطلقِ ههنا علَى المقيَّدِ جيِّدٌ؛ لأنَّ الحديثَ الذي قُيِّدَ فيهِ القطعُ قد وردتْ فيه صيغةُ الأمرِ. وذلكَ زائدٌ على الصيغةِ المطلقَةِ. فإن لمْ نعملْ بهَا، وأجزْنَا مطلقَ الخُفَّين. تركْنَا ما دلَّ عليهِ الأمرُ بالقطعِ، وذلكَ غيرُ سائغٍ. وهذَا بخلافِ ما لو كانَ المطلَقُ والمقيَّدُ فِي جانبِ الإباحةِ. فإنَّ إباحةَ المطلقِ حينئذٍ تقتضِي زيادةً على ما دلَّ عليهِ إباحةُ المقيَّدِ. فإنْ أخَذَ بالزائدِ كانَ أَوْلَى. إذْ لا معارضةَ بينَ إباحةِ المقيَّدِ وإباحةِ ما زادَ عليهِ. وكذلكَ نقولُ فِي جانبِ النَّهيِ. لا يُحْمَلُ المطلقُ فيهِ على المقيَّدِ؛لما ذكرنَا مِن أن المطلقَ دالٌّ على النَّهيِ فيمَا زادَ على صورةِ المقيَّدِ من غيرِ مُعَارِضٍ فيهِ. وهذا يَتوَجَّهُ إذا كانَ الحديثانِ - مثلاً - مختلفَيْنِ باختلافِ مَخرجِهِمَا. أمَّا إذا كانَ المَخرجُ للحديثِ واحدًا، ووقَعَ اختلافٌ على ما انتهتْ إليهِِ الرواياتُ، فههنَا نقولُ: إنَّ الآتيَ بالقيدِ حِفْظُ ما لمْ يَحْفَظْهُ المُطلِقُ من ذلكَ الشَّيخِ. فكأنَّ الشيخَ لمْ يَنْطِقْ به إلا مقيَّدًا. فيتقيَّدُ من هذَا الوجهِ. وهذا الذِي ذكرناهُ فِي الإطلاقِ والتقييدِ مبنيٌّ على ما يقولُه بعضُ المتأخِّرينَ، من أنَّ العامَّ فِي الذَّواتِ مطلقٌ فِي الأحوالِ لا يقتضِي العمومَ. وأمَّا على مثلِ ما نختارُهُ فِي مثلِ هذَا من العمومِ فِي الأحوالِ؛ تبعًا للعمومِ فِي الذَّوَاتِ, فهو من بابِ العامِّ والخاصِّ,
الثانيةُ: لبسُ السَّراويلِ إذا لمْ يجدْ إزارًا، يدلُّ الحديثُ على جوازِه من غيرِ قطعٍ. وهوَ مذهبُ أحمدَ. وهو قويٌّ ههنا. إذْ لمْ يَرِدْ بقطعهِ ما وردَ فِي الخفَّينِ. وغيرُه من الفقهاءِ لا يُبِيحُ السَّراويلَ على هيئتهِ إذا لم يجد الإزارَ.

217 - الحديثُ الثالثُ: عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ)). قالَ: وكانَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيها: ((لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ)).
((التلبيةُ)) الإجابةُ. وقيلَ فِي معنَى ((لبَّيْكَ)): إجابةً بعدَ إجابةٍ، ولزومًا لطاعتِكَ. فثُنِّيَ للتَّوكيدِ. واختَلفَ أهلُ اللُّغة فِي أنهُ تثنيةٌ أم لا؟ فمنهمْ من قالَ: إنهُ اسمٌ مفردٌ لا مثنًّى. ومنهم مَن قالَ: إنه مثنًّى. وقيلَ: إنَّ ((لبيكَ)) مأخوذٌ من ألَبَّ بالمكانِ ولَبَّ, إذا أقام بهِ. أي: أنا مقيمٌ على طاعتِكِ. وقيل: إنهُ مأخوذٌ من لُبابِ الشَّيءِ، وهو خالصُه، أيْ: إخلاصِي لكَ.
وقولُه: ((إنَّ الحمدَ والنعمةَ لكَ)). يُرْوَى فيه فتحُ الهمزةِ وكسرُها. والكسرُ أجودُ؛ لأنه يقتضِي أن تكونَ الإجابةُ مطلقةً غيرَ معلَّلةٍ؛ فإنَّ الحمدَ والنعمةَ للهِ على كلِّ حالٍ, والفتحُ يدلُّ على التعليلِ, كأنهُ يقولُ: أجيبكَ لهذا السَّببِ. والأوَّلُ أعمُّ.
وقولُه: ((والنِّعمةَ لكَ)). الأشهرُ فيهِ الفتحُ. ويَجوزُ الرفعُ على الابتداءِ، وخبرُ ((إنَّ)) محذوفٌ و((سعديكَ)) كَلَبَّيْكَ. قيلَ: معناهُ مساعدةً لطاعتِك بعدَ مساعدةٍ. و((الرغْباءُ إليكَ)) بسكونِ الغينِ، فيهِ وجهان: أحدُهما: ضمُّ الرَّاءِ، والثاني: فتحُها. فإن ضَمَمْتَ قصَرْتَ، وإن فَتَحْتَ مَدَدْتَ. وهذا كالنَّعماءِ والنُّعْمَى.
وقولُهُ: ((والعملُ)) فيه حذفٌ، ويحتملُ أن نُقَدِّرَه كالأَوَّلِ، أي:والعملُ إليكَ، أي: إليكَ القصدُ والانْتِهَاءُ بهِ إليكَ، لتُجازِيَ عليهِ. ويحتملُ أن يقدَّرَ. والعملُ لكَ.
وقولهُ: ((والخيرُ بيديكَ)). من بابِ إصلاحِ المخاطَبةِ, كما فِي قولهِ تعالى: (وإذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء: 80].

218 - الحديثُ الرابعُ: عنْ أبي هريرةَ، رضيَ اللهُ عنهُ، قالَ قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلاَّ وَمَعَهَا حُرْمَةٌ)).
وَفِي لفظِ البخاريِّ: ((لا تُسَافِرْ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ)).
فيهِ مسائلُ:
الأُولى: اختلفَ الفقهاءُ فِي أنَّ المَحْرَمَ للمرأةِ مِنَ الاستطاعةِ أمْ لا؟ حتى لا يجبَ عليها الحجُّ إلا بوجودِ المَحْرمِ. والذينَ ذهبُوا إِلَى ذلكَ: استدلُّوا بهذا الحديثِ. فإنَّ سفرَها للحجِّ من جملةِ الأسفارِ الدَّاخلةِ تحتَ الحديثِ. فيمتنعُ إلا معَ المحرمِ. والذينَ لم يشترطُوا ذلكَ، قالوا: يجوزُ أن تسافرَ مع رُفْقةٍ مأمونينَ إِلَى الحجِّ، رجالاً أو نساءً. وَفِي سفرِهَا معَ امرأةٍ واحدةٍ خلافٌ فِي مذهبِ الشافعيِّ. وهذِه المسألةُ تتعلَّقُ بالنَّصينِ إذا تعارَضَا، وكان كلُّ واحدٍ منهمَا عامًّا من وجهٍ، خاصًّا منْ وجهٍ. بيانُه: أنَّ قَولَهُ تعالى: (وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إليه سَبِيلاً) [آلُ عمران: 97] يدخلُ تحتَهُ الرجالُ والنِّساءُ. فيقتضِي ذلكَ: أنه إذا وُجِدت الاستطاعةُ المُتَّفَقُ عليهَا أنْ يجبَ عليهَا الحجُّ. وقولُه عليهِ السلامُ: ((لا يحلُّ لامرأةٍ )) الحديثَ،خاصٌّ بالنِّساءِ، عامٌّ فِي الأسفارِ. فإذا قيلَ بهِ, وأُخرِجَ عنهُ سفرُ الحجِّ، لقولِه تعالى: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البيتِ مَن استطاعَ إليهِ سبيلاً) [آلُ عمران: 97] قال المخالفُ: نعملُ بقولِه تعالى: { وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البيتِ } فتدخلُ المرأةُ فيه،ويخرجُ سفرُ الحجِّ عنِ النَّهيِ. فيقومُ فِي كلِّ واحدٍ منَ النَّصين عمومٌ وخصوصٌ. ويُحتاجُ إِلَى الترجيحِ من خارجٍ. وذكرَ بعضُ الظَّاهريَّةِ: أنَّهُ يذهبُ إِلَى دليلٍ من خارجٍ. وهو قولُهُ عليهِ السَّلامُ: ((لا تمنعُوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ)). ولا يَتَّجِهُ ذلكَ، فإنَّهُ عامٌّ فِي المساجدِ، فيُمْكِنُ أن يخرجَ عنه المسجدُ الذِي يُحتَاجُ إِلَى السَّفرِ فِي الخروجِ إليهِ بحديثِ النَّهيِ.
الثانيةُ: لفظُ ((المرأةِ)) عامٌّ بالنسبةِ إِلَى سائرِ النّساءِ. وقالَ بعضُ المالكيَّةِ: هذَا عندِي فِي الشَّابَّةِ. وأما الكبيرةُ غيرُ المُشتهاةِ فتُسافِرُ حيثُ شاءتْ فِي كلِّ الأسفارِ, بلا زوجٍ ولا مَحْرمٍ. وخالَفه بعضُ المتأخِّرينَ مِن الشَّافعيَّةِ مِن حيثُ إنَّ المرأةَ مظِنَّةُ الطمعِ فيهَا، ومظِنَّةُ الشَّهوةِ، ولو كانتْ كبيرةً وقد قالُوا: لكلِّ ساقطةٍ لاقطةٌ. والذي قالهُ المالكيُّ تخصيصٌ للعمومِ بالنَّظرِ إِلَى المعنَى. وقد اختارَ هذا الشافعيُّ أن المرأةَ تُسافرُ فِي الأمنِ, ولا تحتاجُ إِلَى أحدٍ، بل تَسيرُ وحدَها فِي جملةِ القافلةِ، فتكونُ آمنةً, وهذا مخالفٌ لظاهرِ الحديثِ.
الثالثةُ: قولُه: ((مسيرةَ يومٍ وليلةٍ)) اختُلِفَ فِي هذا العددِ فِي الأحاديثِ. فرُوِيَ: ((فوقَ ثلاثٍ)) ورُوِيَ: ((مسيرةَ ثلاثِ ليالٍ)) ورُوِيَ: ((لا تُسافرُ امرأةٌ يومينِ)) ورُوِيَ: ((مسيرةَ ليلةٍ)) ورُويَ: ((مسيرةَ يومٍ)) ورُوِيَ: ((يومًا وليلةً)) ورُوِيَ: ((بَريدًا)) وهو أربعُ فراسخَ. وقد حَمَلُوا هذا الاختلافَ علَى حسبِ اختلافِ السَّائلينَ، واختلافِ المواطنِ، وأنَّ ذلكَ متعلِّقٌ بأقلِّ ما يقعُ عليهِ اسمُ السَّفَرِ.
الرابعةُ: ((ذو المَحْرمِ)) عامٌّ فِي محرمِ النَّسبِ، كأبيهَا وأخيهَا وابنِ أخيهَا وابنِ أُختِها وخالِها وعمِّها، ومَحرمِ الرَّضَاعِ, ومَحرمِ المُصاهَرَةِ، كأَبِي زَوجِهَا وابنِ زَوجِهَا. واستثنَى بعضُهم ابنَ زوجِها. فقالَ: يُكرَهُ سفرُها معَهُ؛ لغلبةِ الفسادِ فِي النَّاسِ بعدَ العصرِ الأوَّلِ؛ لأنَّ كثيرًا منَ الناسِ لا يُنْزِلُ زوجةَ الأبِ فِي النَّفرةِ عنهَا منزلةَ محارمِ النّسبِ. والمَرْأةُ فِتْنةٌ إِلاَّ فِيمَا جَبلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ النُّفُوسَ عَلَيهِ مِنَ النُّفْرةِ عَن مَحَارمِ النَّسبِ والحديثُ عامٌّ. فإن كانتْ هذهِ الكراهةُ للتَّحريمِ - مع محرميَّةِ ابنِ الزوجِ - فهوَ مخالفٌ لظاهرِ الحديثِ بعيدٌ. وإن كانتْ كراهةَ تنزيهٍ للمعنَى المذكورِ فهوَ أقربُ تشوُّفًا إِلَى المعنَى. وقد فعلُوا مثلَ ذلكَ فِي غيرِ هذَا الموضعِ, وما يُقوِّيهِ ههنا: أن قولَهُ: ((لا يحلُّ)). استُثْنِي منهُ السَّفرُ مع المحرمِ. فيصيرُ التقديرُ: إلا مع ذي مَحرمٍ فَيَحِلُّ.
ويبقَى النَّظرُ فِي قولِنا: ((يَحلُّ)) هل يتناولُ المكروهَ أم لاَ يتناولُهُ؟ بناءً على أنَّ لفظةَ: ((يَحلُّ)) تقتضِي الإباحةَ المتساويةَ الطرفينِ، فإن قلنَا: لا يتناولُ المكروهَ، فالأمرُ قريبٌ مِمَّا قالهُ، إلا أنهُ تخصيصٌ يحتاجُ إِلَى دليلٍ شرعيٍّ عليهِ، وإن قلنا: يتناولُ، فهو أقربُ؛ لأنَّ ما قالَهُ لا يكونُ حينئذٍ مُنافيًا لمَا دلَّ عليهِ اللفظُ.
و((المَحْرَمُ)) الذي يجوزُ معه السَّفرُ والخَلوةُ: كلُّ من حَرُمَ نكاحُ المرأةِ عليهِ لحُرمتِها على التأبيدِ بسببٍ مباحٍ، فقولُنا: ((على التأبيدِ)) احترازًا من أختِ الزَّوجةِ وعمَّتِها وخالتِها، وقولُنا: ((بسببٍ مباحٍ)). احترازًا من أمِّ الموطوءةِ بشبهةٍ، فإنَّها ليستْ مَحْرَمًا بهذَا التَّفسيرِ؛ فإنَّ وطْءَ الشُّبهةِ لا يوصفُ بالإباحةِ، وقولُنَا: ((لِحُرمتِهَا)) احترازًا من المُلاعَنةِ، فإن تحريمَها ليسَ لحُرمتِها، بلْ تغليظًا، هذَا ضابطُ مذهبِ الشَّافعيَّةِ.
الخامسةُ: لم يتعرَّضْ فِي هاتينِ الرِّوايتينِ للزوجِ. وهُو موجودٌ فِي روايةٍ أُخرَى، ولابدَّ مِنْ إلحاقِه بالحكمِ بالمَحْرَمِ فِي جوازِ السَّفرِ معَهُ، اللهمَّ إلا أن يَستعمِلُوا لفظةَ: ((الحُرمَةِ)) فِي إحدى الروايتينِ فِي غيرِ معنَى المَحْرَمِيَّةِ استعمالاً لُغَوِيًّا فيمَا يقتضِي الاحترامَ. فيدخلُ فيهِ الزواجُ لفظًا. واللهُ أعلمُ.

محمد أبو زيد
11-11-2008, 07:09 PM
باب ما يلبس المحرم من الثياب
- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا قال: يارسول الله مايلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس، والا الخفاف، إلا أحدا لا يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسَّه زعفران أو ورس. وللبخاري: ولا تتنقب المرأة ولا تلبس القفازين.
- وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: << من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل >> للمحرم.
- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
قال: وكان عبدالله بن عمر يزيد فيها: لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والرغباء إليك والعمل.
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لا مرأة
تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذي محرم.
وفي لفظ للبخاري: لا تسافر يوما ولا ليلة إلا مع ذي محرم.
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد / فهذه الأحاديث الأربعة تتعلق بما يلبس المحرم، وبالتلبية، وبسفر المرأة.
أما ما يلبس المحرم فقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم مايمنع منه المحرم، وبذلك يعرف مايلبسه، لأنه إذا عرف الممنوع فما سواه فهو مباح اللبس، ولهذا لما كان اللباس الذي لا يمنع لا ينحصر بين النبي صلى الله عليه وسلم الممنوع.
وذكر في حديث ابن عمر فقال: ((لا يلبس القمص))، القمص جمع قميص، وهو يخاط على قدر البدن، ويسمى الآن المدرعة والجبة، وله أسماء للناس.
والحاصل أنه ممنوع للمحرم، لا يجوز له لبسه إذا كان ذكرا، وهكذا العمائم، ما يوضع على الرأس يمنع منه الذكر أيضا، وهكذا السراويلات، يمنع منها الذكر، والبرنس يمنع منه الذكر، والبرنس قميص له راس متصل به، يورد من المغرب، والخفاف كذلك، كل هذه ممنوعة في حق الرجل.
أما المرأة فلا حرج عليها أن تلبس القميص، لأنها عورة، تلبس القميص والخمار والسراويلات، وكذلك الملابس التي لها رؤوس وهكذا الخفاف والجوارب، تلبسها في يديها لأنها عورة. لكن تمنع من النقاب والبرقع، كما في رواية البخاري: << لا تتنقب المرأة ولا تلبس القفازين، هذا يخصها، لا تتنقب، والرجل المحرم مثلها لا يغطي رأسه ولا وجهه، لا بالنقاب ولا بغير النقاب، ولا يلبس القفازين أيضا، لأنهما مخيطان على قدر اليدين فلا يلبسهما الرجل من باب أولى , أما المرأة فلا تلبسهما في حال الإحرام أما في غير الإحرام فلا بأس أن تلبس النقاب والبرقع إذا كانت غير محرمات، ويمنع الرجل والمرأة جميعا من الثياب التي لها زعفران أو ورس، أو نوع آخر من الأطياب.
قال عليه الصلاة والسلام: فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، إذا كان المحرم الذكر لم يجد نعلين جاز له لبس الخفين مع قطعهما حتى يكونا أسف الكعبين، وكان هذا في أول الأمر، ثم نسخ، وأبيح لبسهما بدون قطع، ولهذا في حديث ابن عباس أن النبي خطب الناس بعرفات: << من لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين >>. ولم يقل: وليقطعهما. وذلك من تخفيف الله ورحمته سبحانه وتعالى. فإن قطعهما قد يفسدهما. ولأن الحاجة ماسة إليهما عند فقد النعلين فأشبهت السراويل، كما أن السراويل لا تشق بل تلبس عند فقد الإزار، كذلك الخف لا يقطع عند فقد النعلين، يلبس هكذا، هذا هو الصواب، وهو الأمر الأخير من النبي عليه الصلاة والسلام , وقال الجمهور: إنه يقطعهما وأن حديث ابن عباس مقيد بحديث ابن عمر فلا بد من القطع. وهذا وجيه على القاعدة المعروفة حمل المطلق على المقيد، لكن على هذا أن النبي خطب الناس بعرفات، وعرفات فيها جم غفير لم يحضروا الخطبة في المدينة، فلو كان قطعهما أمرا لازما لبينه لهؤلاء الأمم الذين لم يحضروا خطبته بالمدينة، فلما سكت عن هذا دل على أنه منسوخ، وأن القطع ليس بلازم، فكان أولا ثم نسخ.
وفي حديث ابن عمر الثاني دلالة على شرعية التلبية، يستحب للمؤمن المحرم أن يلبي تلبية النبي صلى الله عليه وسلم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمت لك والملك، لا شريك لك. سواء كان في حج أو في عمرة تشرع هذه التلبية , أولا يبدأ بلبيك عمرة ولبيك حجا، إن كان حجاًّ حجاًّ، وإن كان عمرة عمرة، إن كانت عمرة يقول: اللهم لبيك عمرة، وإن كان حجا يقول: اللهم لبيك حجا، أو لبيك حجة، ثم يلبي التلبية الشرعية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. يقال لها تلبية التوحيد، [ قال ] جابر: أهل بالتوحيد، لأن فيها إخلاص العبادة له وحده: لبيك لا شريك لك المعنى أنا أجيب دعوتك وأستجيب لأمرك وحدك ولا شريك لك، لأن لبيك يعني إجابة بعد إجابة. ولبى فلان لفلان أي أجابة، معنى لبيك: أنا أجيب دعوتك يارب في الحج والعمرة كما أجيب ذلك في الأوامر الأخرى، ثم بين أنه يخلص له العبادة قال: لا شريك لك، وبين أن الحمد والنعمة لله وحده، هو المكرم سبحانه، هو المحبوب، هو ذو الإنعام هو مالك الملك سبحانه وتعالى، وهو المستحق لأن يلبي الحجاج ويقصدوه ويعبدوه، لكونه المالك العظيم المنعم المحسن، مستحق الحمد والثناء، وهو سبحانه المستحق لأن يعبد في الصلاة والصوم والحج والجهاد وغير ذلك. وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها: لا معبود حق إلا الله، وهو معنى ( إياك نعبد وإياك نستعين ). ومعنى ( وقضى ربك ألا تعبد إلا وإياه ).
الصحابة يتعاونون في أمور الخير والحروب والجهاد، لا بأس بهذا، أما دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات أو بالغائبين أو بالجن أو بالملائكة أو بالأصنام هذا هو الشرك الأكبر، أو بالحي في شيء لا يقدر عليه كأن يقول: اشف مريض، أدخلني الجنة، أنجني من النار، هذا ليس في قدرة المخلوق، هذا إلى الله سبحانه وتعالى.
والحديث الرابع حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل لامرأة أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم. أي للحج ولا غيره، هذا وجه إدخاله هنا. ليس لها أن تسافر للحج ولا لغير الحج إلا بمحرم، هذا شرط، لا يجوز لها أن تسافر بدون محرم، وإذا لم تجد المحرم فلا حج عليها حتى تجد المحرم.
وفي زيادة ابن عمر في التلبية يقول: لبيك وسعديك، والرغباء إليك والعمل، هذا يدل على جواز الزيادة في التلبية بالكلام الصحيح والكلام الطيب، لا بأس بذلك، جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبي يقول: لبيك إله الحق لبيك، لبيك إله الحق لبيك، لبيك ذو المعارج، إذا لبى الإنسان بالكلمات الطيبة كما لبى أنس: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، ومثل ماقال ابن عمر: لبيك وسعديك والرغباء إليك والعمل، كل هذا لا بأس به، أو لبيك يارب أنا عبدك وابن عبدك، لبيك يارب أنا الفقير إليك، كله كلام طيب لا بأس به. ولكن لزوم تلبية النبي أفضل، من كونه يأتي بشيء من عنده.
وفق الله الجميع وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

حفيدة بني عامر
01-09-2009, 04:37 AM
القارئ:
ما يلبس المحرم من الثياب
قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يلبس القميص ولا العمائم ، ولا السراويلات ، ولا البرانس ، ولا الخفاف ، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين ، وليقطعهما أسفل من الكعبين , ولا يلبس من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس)) . وللبخاري رحمه الله: ((ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين)) .
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: ((من لم يجد نعلين فليلبس خفين , ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل يعني للمحرم)) .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لبيك اللهم لبيك لبيك , لا شريك لك لبيك , إن الحمد والنعمة لك والملك , لا شريك لك)) , قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل .
الشيخ: ...حديث لباس المحرم . الإحرام: هو نية النسك , النسك: هو العمل الذي يتلبس به المحرم إذا قدم إلى مكة أو إذا أقبل إليها ، لا شك أن القاصدين لمكة إما أن يقصدوا حجا أو عمرة أو يجمعوا بينهما ، فالذي يقصد حجا يسمى مفردا ، والذي يقصد عمره يسمى معتمرا ، وإن كان في أشهر الحج يسمى متمتعاً بالعمرة إلى الحج ، والذي يجمع بينهما يسمى: قارنا .
وقد عرفنا أن الحجاج إذا أقبلوا إلى مكة رفعوا أصواتهم بالتلبية مجيبين دعوة الله على لسان إبراهيم ، حيث أمره بقوله: {وأذن في الناس بالحج} فيقولون: لبيك لبيك , يأتون مسرعين رافعين أصواتههم بالتلبية ، أي لبيك أيها الداعي ، لبيك أيها المنادي ، ثم يتجردون من لباسهم المعتاد ، ويلبسون لباساً خاصا ، هو الذي شرعه وبينه لهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فيتركون لباس الرفاهية ولباس التنعم الذي كانوا قد اعتادوه ، ولباس التوسع الذي توسعوا عليه في حياتهم ، ويختصون بلباس واحد وبزي واحد ، يشترك فيه صغيرهم وكبيرهم وأميرهم ومأمورهم وسيدهم ومسودهم وحرهم وعبدهم، لا فرق بين أسودهم وأحمرهم وأبيضهم ، كلهم على حد سواء في هذا اللباس ، فلأجل ذلك ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أحرم في إزار شد به عورته ، وفي رداء ألقاه على ظهره .
الإزار: هو ما يستر العورة من السرة إلى الركبة أو إلى ما تحت الركبة ، والرداء: ما يرتدي به ، يعني يلف به جسمه، يلقيه على ظهره ، ويرده على منكبيه وعلى ظهره ، ويستر به عضديه وجنبيه وظهره وبطنه , هذا هو الرداء . وأحرم في نعلين ، لبسهما في قدميه ، هذا هو الذي أحرم فيه . ونهى عن الألبسة المعتادة:
في هذا الحديث أنه نهى عن لباس القمص ، القمص جمع قميص ، القميص: هو كل ثوب له جيب وأكمام , الجيب: هو الفتحة التي هي مدخل الرأس , والأكمام: هي التي تدخل منها اليدان , فكل ثوب له جيب وله أكمام يسمى قميصا ، فيدخل في ذلك الدراعة المعروفة , ويدخل في ذلك الجبة وما أشبهها ، ويدخل في ذلك الفراء: الفروة التي ..وإن كانت مشقوقة المقدم , ويدخل في ذلك الحلة التي تلبس أيضاً ولها جيب وأكمام وما أشبه ذلك , وتدخل في ذلك أيضاً الأكسية الموجودة الآن: الفانلة المعروفة أو الأكوات المسماة بهذا أو البالطوا , أو ما أشبه ذلك , هذه الأكسية كلها داخلة في أنها قمص ، فلا يلبسها المحرم .
كذلك أيضا لا يلبس البرانس ، والبرانس جمع برنس وهي شبيهة بالقمص ، ولكن تزيد عليها أن لها رؤوس تستر الرأس ، فكل ثوب رأسه منه يسمى برنس ، يجعل في مؤخر فتحة الرأس ، يجعل مثل المظلة تستر رأسه ، يستر بها رأسه ، فهذا يسمى البرنس ، لا يلبسه أيضا , وخصه لأن له اسم خاص . وتفصيل الباقي نأتي به بعد الأذان إن شاء الله .
ونهاه أيضاً ..نهى المحرم أن يلبس العمائم ، واحدها عمامة , وهي ما يستر به الرأس ، كل شيء يستر الرأس فإنه يسمى عمامة ، سمي بذلك لأنه يعم الرأس ، فيدخل في ذلك القلنسوة ، وتعرف بالطاقية , ويدخل في ذلك الغنزة المعروفة الآن ، ويدخل في ذلك العصابة التي تلف على الرأس وجعل طرفها تحت الحنك ، فكل شيء يغطي الرأس ويسمى عمامة، فلا يلبسه المحرم ، بل يكشف رأسه , يترك المحرم رأسه مكشوفا ، حتى لو مات هو محرم لا يجوز تغطية رأسه ، سيأتينا في الرجل الذي مات محرما قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحنطوه ، ولا تغطوا رأسه ، ولا تمسوه طيبا ؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا))، لما أمرهم بأن يغسلوه بماء وسدر ، قال: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ، ولا تحنطوه ، ولا تخمروا رأسه ، فدل على أن المحرم الرجل ما يغطي رأسه بأي غطاء .
استثنوا من ذلك إذا حمل متاعه على رأسه ، فلا بأس لو كان معه فراش وعجز عن حمله بيديه ووضعه على رأسه ، فإنه لا يسمى ساترا ولا يسمى غطاء وإنما يسمى شيئا حمله على رأسه ، واستثنوا استظلاله فقالوا: يجوز أن يستظل وإن كان الأفضل له أن يبرز , أن يبرز في الضحى ، يعني في الشمس والهواء ، ولكن قد يحتاج إلى أن يستظل بمظلة أو بخيمة أو بسقف سيارة ، أو بظل شجرة أو نحو ذلك ، ولا ينافي ذلك الإحرام . ولا يلاصق رأسه ، لا يلصق رأسه بذلك الشيء الذي استظل به ، لو كان معه مظلة فلا يلصقها على رأسه بل يرفعها ، وهكذا .
كذلك منع المحرم من أن يلبس الخفاف ، الخفاف جمع خف , والخف هو الزربول الذي يستر القدم إلى الكعبين ، الخفاف التي تصنع من الجلود ونحوها ، وتلبس على القدمين ، فلا يجوز لبسها للمحرم . ومثلها أيضا الجوارب: الشراب التي تستر القدم إلى فوق الكعب ، داخلة في ذلك , لكن ما تلبس إلا عند العدم , إذا لم يجد نعلين , لم يجد النعلين واحتاج إلى أن يلبس ما بقي قدميه من الحجارة ونحوها جاز له أن يلبس الخفين .
واختلف هل يقطعهما , والصحيح أن القطع منسوخ ، القطع ثبت في حديث ابن عمر ، ولم يذكر في حديث ابن عباس ، فلذلك كان تركه رخصة ؛ لأن حديث ابن عمر كان بالمدينة ، وذكر فيه قطع الخفين إلى ما تحت الكعبين . وحديث ابن عباس كان في عرفة , وقد حضره من لم يحضره في المدينة ، ولم يتعرض للقطع , فدل على أنه رخص في اللبس بدون قطع ، هذا هو الصحيح .
أما الكنادل التي هي أسفل من الكعبين فهذه أيضا بمنزلة الخف المقطوع ، لا يلبسها إلا عند الحاجة ، إذا لم يجد نعلين , فإن وجد النعلين فلا يلبس الخف لا مقطوعا ولا غير مقطوع ، ما دام أنه ما رخص له في لبس الخف ولا ما يشبه الخف إلا عند عدم النعلين ، فإذا وجدت النعلان اكتفى بهما ، ولم يلبس الخف المقطوع ولا غير المقطوع ، فإذا عدم النعلين ووجد خفين فالصحيح أنه لا يقطعهما ، وإن وجد الكنادل المقطوعة أو التي هي شبيهة بمقطوعة فهو أولى أي هي أولى أن يلبسها حتى يخرج من الخلاف .
أما الثياب المصبوغة فلا يجوز لبسها للمحرم ، بل ولغير المحرم ، مكروه أن يلبس الثياب المصبوغة بالورس ، أو بالزعفران ، أو بالعصفر ، يعني الأصباغ التي تصفرها وتجعلها كأنها مصبوغة بهذه الأشياء ، لا يجوز لبسها للرجال ، يكره المزعفر والمعصفر والمورس ، الورس: نبات معروف يصبغ به . ومثله أو قريب منه العصفر شبيه بالزعفران ، كلاهما يصبغ به. يوجد ثياب ملونة لونها كأنه اللون الذي فيه الورس أو الزغفران ، نقول: لا يلبسها المحرم ، يعني إذا وجد هذه الأردية أو الأزر التي هي صفراء شبيهة بالمعصفر فلا يلبسها ، يختار الثياب البيض ، الثوب هنا يطلق على كل ما يلبس على البدن ، وإن لم يكن مفصلا ، فالرداء يسمى ثوبا ، فلا يلبس الرداء المعصفر ، أو الذي هو كلون المعصفر . وكذلك الإزار المعصفر ، أو الذي هو كلون المعصفر لا يلبسه .
كذلك أيضا نهى المرأة في هذا الحديث أن تلبس النقاب ، النقاب: هو البرقع الذي يكون للعينين فيه نقوب بقدر العينين جائز للمرأة أن تلبسه ، إذا لم تكن محرمة ، ولكن تكون الثقوب بقدر حدقة العين ، لا تكون واسعة بحيث يبدو الأنف أو ما بين العينين كلاهما ، أو يبدو الوجنة والحاجب ؛ فإن هذا فتنة ، إنما تقتصر على لباس يكون ثقب العين فيه قليلا، فإذا كانت محرمة فلا تلبس هذا اللثام ، ولا تلبس هذا البرقع ، بل تكتفي بالخمار .
والصحيح أن المرأة تستر وجهها ، تغطي وجهها إذا كانت محرمة ولا بأس إذا مس الغطاء والخمار وجهها ، أو بشره وجهها ، كما قالت عائشة رضي االله عنها كان الرجال إذا مروا علينا ونحن في هوادجنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفناه ، ولم تقل إننا نتوقى أن يمس بشرة الوجه ، بل الظاهر أنه إذا تدلى على الوجه أنه يمس الأنف ويمس الجبين ويمس الفم فلا بأس بذلك ، ولا دليل على أن المرأة تتوقى ستر الوجه بمباشر ، بل الأصل أنها تستر وجهها في الإحرام إذا كانت أمام الرجال ، وبالأخص إذا كانت في الطواف أو كانت في المسجد الحرام الذي يكثر فيه المشاة ويكثر فيه الرجال، فتستر وجهها ولو كانت محرمة ، ولا يجوز أن تكشف أمام الرجال الأجانب .
نهيت المرأة في هذا الحديث أيضا أن تلبس القفازين ، القفاز: هو اللباس الذي يلبس على الكف الذي يفصل بقدر الكفين ، يعني الدس الذي ..أو الدسوس التي تدس فيها اليدان ، هذه لا تلبسها المحرمة ، ولكن لها أن تستر كفيها بأطراف الأكمام ، ولها أن تستره بعباءتها , أن تستر كفيها بعباءة ونحوها ، لها ذلك ولا فدية عليها ولو مس الغطاء بشرة وجهها ، ولو غطت يديها .
فهذا الأكسية التي نهي عنها المحرم، أما البقية فإنه يباح له ، يعني إذا تجنب كل لباس له أكمام وله جيب دخل في ذلك كل ما فيه تفاصيل .
الفقهاء يقولون: لا يلبس المخيط ، كلمة المخيط فيها إجمال ، ولكن عبارتهم تقتضي أنه لا يلبس الشيء الذي فصل على قدر جزء من البدن ، وسواء كانت خياطته بالإبر أو خياطته بالماكنة ، أو نسج على تفصيل ذلك العضو ، إذا نسج على تفصيله , فمثلا الشراب الذي في القدم قد لا يكون مخيطا ولكنه منسوج هكذا ، ومع ذلك لا يلبسه ، أما النعل: النعال المعروفة فيجوز لبسها ، ولو كان فيها خياطة ، يعني يوجد في بعضها في أعلاها خياطة وخرازة ، ولا يقال إنها ممنوعة لأنها مخيطة , لا تدخل في المخيط ؛ لأن المخيط هو ما فصل على قد جزء من البدن من الأكسية القطنية والصوفيه والكتان ، وما أشبه ذلك . هذا ما يتعلق باللباس .
بقي الحديث الذي يتعلق بالتلبية: قد عرفنا أن التلبية إجابة للنداء الذي أمر الله به خليله إبراهيم عليه السلام , فالحجاج والعمار إذا أقبلوا إلى مكة رفعوا أصواتهم بهذه التلبية ، ورفع الصوت بها سنة , في الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن جبريل أمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال)) الإهلال: هو التلبية , كل شيء فيه رفع للصوت فإنه يسمى إهلالا ، استهل بكذا يعني ابتدأ به ورفع صوته ، ومنه سمي الهلال ؛ لأن الناس إذا رأوه رفعوا أصواتهم عادة ، فكذلك استهل الصبي يعني رفع صوته عندما يولد ، فالإهلال: هو التلبية . رفع الصوت بها علامة على أنه محرم .
الإحرام في الأصل هو النية ، أن تنوي بقلبك أنك دخلت في النسك ، فإذا نويت بقلبك فهنالك عليك أن تتجنب المحظورات ، فتتجنب لبس المخيط كما فصلنا , وتتجنب تغطية الرأس ، وتتجنب الطيب، وقص الشعر ، وقص الأظفار ، وقتل الصيد الذي حرمه الله على المحرم ، وتتجنب النساء مباشرة أو تقبيلا ، وتتحنب الوطء ، وتتجنب عقد النكاح إذا دخلت في النسك ، مجرد ما تنوي بقلبك .
وليس اللباس هو الإحرام ، لو لبست الإحرام وأنت في الرياض جاز لك ، ما دام ما نويت , لبست الإزار ولبست الرداء وركبت مثلا سيارة جاز لك أن تتطيب ؛ لأنك ما أحرمت ، إنما لبست ، ليس اللباس هو الإحرام ، وجاز لك مثلا أن تقص من أظفارك ، وأن تقص شعرك ؛ لأنك ما نويت ولا أحرمت ، الإحرام هو النية ، العزم بالقلب على الدخول في النسك . والحاصل أن المحرم متى عزم بقلبه على أن يدخل في النسك فهو محرم , فهنالك يترك المحظورات وهنالك يرفع صوته بالإهلال ، الذي هو علامة على هذا النسك حجا أو عمرة .
التلبية النبوية المشهورة: لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك، كرر فيها قوله: لا شريك لك مرتين ؛ وذلك ردا على تلبية الكفار ، الكفار كانوا يدخلون الشرك في تلبيتهم ، يقولون فيها تلبينهم: لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك . وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قالوا: لبيك لا شريك لك ، يقول لهم: حسب قط ، يعني قفوا لا تتجاوزوا ، ولا تفسدوا تلبيتكم ، و لا تجعلوا فيها شركا ، فلما كان في تلبيتهم هذه الكلمة الشركية كرر لا شريك لك مرتين ليحقق بذلك أن التلبية لله وحده ، وأنه لا يجوز أن يشرك معه ، هكذا شرع هذه التلبية .
وإذا قلت: ما معنى هذه التلبية ؟ نقول: إذا دعاك أبوك ، أو أخ لك أكبر منك ، أو عمك ، أو نحو ذلك ، لبيت دعوته ، فقلت لبيك يا أبتي ، لبيك يا أخي ، هي علامة على الاستجابة ، علامة على إجابة الدعاء ، ولا شك أيضا أنها علامة على القبول ، على تقبل ما يرشدك إليه ، وما يدعوك إليه ، إذا دعاك وقلت: لبيك ، فإنك تقول: إنني قابل لما قلته ملتزم به . واشتقاقها من لب بالمكان إذا لصق به , ومنه سميت اللبابة التي في داخل اللباس لبابة اللباس ؛ لأنها ملاصقة له , فكذلك لب بالمكان يعني لصق به .
ولفظها لفظ المثنى ، لبيك ما قال: لبك , لبيك يعني مرتين , لفظها كلفظ المثني ، ولهذا يقول بعضهم:
دعوت لما لابني مسورا فلبى فلبي يدي مسور
فجعلها بلفظ المثني . وليس المراد منها التثنية فقط بل المراد التكرار ، فإن قوله تعالى:{ثم ارجع البصر كرتين} ليس المراد مرتين فقط ؛ فإن مرتين لا ينقلب البصر خاسئا وهو حسير ، بل المراد تكرار , تكرارالنظر، فكذلك قوله: لبيك ، ليس المراد إجابتك مرتين ، بل المراد تكرار الإجابة ، الملبي كأنه يقول: أنا مقيم على طاعتك ، أنا ملازم لدعوتك ، أنا ملازم لأمرك مرات بعد ، وكرات بعد كرات ، هكذا يكون معنى هذه التلبية: إجابة الدعوة ولزومها والالتزام بالطاعة ، والالتزام بالامتثال الذي أمر به , كأنه يجيب الدعوة ويلتزم بما دعي إليه ، وكأنه يقول: أنت يا ربي دعوتني لأمر ، فأنا قد أجبتك ، وقد ألزمت نفسي ، وقد التزمت بأن أتقيد بأمرك ، أنا مقيم على طاعتك مرة بعد مرة ، وكرات بعد كرات ، لا أتخلى عن طاعتك ، إذا كان كذلك فإن الملبي يعرف أنه قد عاهد ربه على أن يلازم طاعته ، وعلى ألا يتخلى عنها في وقت من الأوقات .
إذن فالتلبية كأنها عهد وكأنها التزام ، وكأنها مبايعة من الإنسان لله سبحانه وتعالى ، إذا أتى لأداء هذا النسك ورفع صوته بأعلى الشعار التزم بما تعهد به ، ورجع وهو على هذا الالتزام ، ولم يخل به ولم يأت بما يناقضه ، وبذلك يصير من الموفين بعهدهم إذا عاهدوا . هذه التلبية هي شعار للمتلبس بهذا النسك بحج أو عمرة , يكثر منها , يكثر من هذه التلبية ، ولا يقطعها إلا إذا شرع في جمرة العقبة , في رمي جمرة العقبة إن كان إحرامه بحج , أو إذا شرع في طواف العمرة إن كان إحرامه بعمرة .