المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [التقديم والتأخير في شعائر يوم النحر]


عبد العزيز الداخل
11-08-2008, 01:45 AM
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُمَا، أنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وَقَفَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعلُوا يَسْأَلُونَهُ، فقالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قالَ: ((اذْبَحْ، وَلاَ حَرَجَ)) فَجاءَ آخَرُ فقالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فقالَ: ((ارْمِ، وَلاَ حَرَجَ)) فمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ إِلاَّ قالَ: ((افْعَلْ، وَلاَ حَرَجَ)).

محمد أبو زيد
11-12-2008, 11:02 AM
حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ" أن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وَقَفَ في حَجَّةِ الوداعِ فجَعَلوا يَسألونه فقالَ رجلٌ : لم أُشْعِرْ فحَلَقْتُ قبلَ أن أرْمِيَ" .
هذا الحديثُ ثابتٌ في الصحيحين كما قالَ وذكَرَه الشيخُ في شرْحِه من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ وهو سَهْوٌ .

محمد أبو زيد
11-12-2008, 11:03 AM
بابُ حُكْمِ تقديمِ الرمْيِ
والنحرِ والحلقِ والإفاضةِ، بعضِهَا على بعضٍ

الْحَدِيثُ الثامنُ والثلاثونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ
عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو رَضِيَ اللَّهُ عنهُمَا، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعلُوا يَسْأَلُونَهُ، فقالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قالَ: ((اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ)) فَجاءَ آخَرُ فقالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فقالَ: ((ارْمِ، وَلَا حَرَجَ)) فمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قالَ: افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: وقوفُ العالمِ في أيَّامِ المناسكِ، يُبَيِّنُ للناسِ مَنَاسِكَهُم.
الثَّانِيَةُ: جوازُ تقديمِ كلٍّ مِن الرمْيِ والنحرِ والحلقِ، أو التقصيرِ والطوافِ، بعضِهَا على بعضٍ.

محمد أبو زيد
11-12-2008, 11:04 AM
بابُ حُكْمِ تقديمِ الرميِ والنَّحْرِ والحَلْقِ والإفاضةِ، بعضِهَا علَى بعضٍ.

الْحَدِيثُ الأرْبَعُونَ بعدَ الْمِائَتَيْنِ
عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو بنِ العاصِ رضِيَ اللَّهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعلُوا يَسْأَلُونَهُ، فقالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قالَ: “ اذْبَحْ، وَلاَ حَرَجَ “. وقَالَ الآخرُ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فقالَ: “ ارْمِ، وَلاَ حَرَجَ “ فمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ, وَلاَ أُخِّرَ إِلاَّ قالَ: افْعَلْ، وَلاَ حَرَجَ “.(39)
_____________________
( 39 ) المعنَى الإجماليُّ:
اليومُ العاشرُ من ذي الحجَّةِ هو يومُ النحْرِ، ويومُ الحجِّ الأكبرِ، وهو من أفضلِ الأيَّامِ وأسعَدِهَا؛ لِمَا يقعُ فيهِ من الأعمالِ الجليلَةِ، لا سيَّما من الحاجِّ الذي يُؤدِّي فيهِ أربعَ عباداتٍ جليلاتٍ, وهُنَّ:
1 - الرميُ.
2 - والنحرُ.
3 - والحلْقُ أو التقصيرُ.
4 - والطوافُ بالبيتِ العَتيقِ.
والمشروعُ أنْ يأتِيَ بهنَّ علَى هذا الترتيبِ، اقتداءً بالنبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، وإتيانًا بأعمالِ المناسكِ علَى النَّسَقِ اللائقِ.
فيبدأَ برمْيِ جمرةِ العقبةِ؛ لأنَّ رميَهَا تحيَّةُ ( مِنًى )، ثم يَنْحَرُ هدْيَهُ، مبادرةً بإراقةِ الدماءِ، لِمَا فيهِ من الخضوعِ والطاعةِ، ولِمَا فيهِ من نفْعِ الفقراءِ والمساكينِ، ومشاركَتِهِم الناسَ في فرْحِهم وعِيدِهِم. ثم يَحْلِقُ، أو يُقصِّرُ ابتداءً بالتحلُّلِ من الإحرامِ، وتأهُّبًا بالزينةِ والهيئةِ الحسنةِ للطوافِ بالبيتِ.
هذا ما يُشْرَعُ للحاجِّ، وهذا ما فعلَهُ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، وقالَ بعدَهُ: " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ". ولكنَّ الشارعَ رحيمٌ عليمٌ. فإذا قدَّمَ أحدٌ بعضَ هذهِ الأعمالِ علَى بعضٍ جهلاً بالحُكْمِ أو نِسيانًا، فلا يَلْحَقُهُ شيءٌ من إثمٍ أو جزاءٍ. ولذا فإنَّ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وقفَ في حجَّةِ الوداعِ فجعلُوا يسألونَهُ. فقالَ رجلٌ: لم أَشْعُرْ, فحلَقْتُ قبلَ أنْ أذْبَحَ. قال: " اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ ". وجاءَ آخرُ فقالَ: لم أشعرْ فنحَرْتُ قبلَ أنْ أرْمِيَ. قال: " ارْمِ وَلاَ حَرَجَ ".
قال الراوي: فما سُئِلَ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قالَ: " افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ "، سماحةً في هذا الدِّينِ ويُسرًا.
ما يُؤخذُ من الحديثِ:
1- وقوفُ العالِمِ في أيَّامِ المناسكِ لإفتاءِ الناسِ وإرشادِهم في أمْرِ حجِّهِمْ.
2- جوازُ تقديمِ كلٍّ منِ الرمْيِ، والنَّحْرِ، والحَلْقِ أو التقصيرِ، والإفاضةِ، بعضِهَا علَى بعضٍ من الناسِي والجاهلِ. ويأتِي الخلافُ في العامدِ إنْ شاءَ اللَّهُ.
3- بَدْءُ يومِ النحرِ برمْيِ جمرةِ العقبةِ. ومِن حكمةِ الرمْيِ طردُ الشيطانِ، فهو شبِيهٌ بتقديمِ الاستعاذةِ في الصلاةِ، وهذِهِ مقارنةٌ عنَّتْ لي, ولم أرَ أحدًا من العُلماءِ قد ذكَرَهَا. وربَّمَا قالَهَا أحدُهم ولم أطَّلِعْ علَى ذلك. فإذا كانتْ صوابًا فهي من اللَّهِ، وإذا كانت خطأً فهي منِّي.
اختلافُ العُلماءِ:
أجمعَ العُلماءُ علَى مشروعيَّةِ ترتيبِ الرمْيِ، والنحْرِ، والحلقِ أو التقصيرِ، والإفاضةِ، هكذا كما رتَّبَهَا النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ, فيَبْدَأُ بالرمْيِ، ثم يَنْحَرُ الهَدْيَ، ثم الحلْقُ أو التقصيرُ، ثم الإفاضةُ إلَى البيتِ. واختلفُوا في جوازِ تقديمِ بعضِهَا علَى بعضٍ بالنسبةِ للعامِدِ.
فذهبَ الشافعيُّ والإمامُ أحمدُ في المشهورِ عنهُ: إلَى جوازِ ذلك مُستدلِّينَ بما رواهُ الشيخانِ, عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، حلَقْتُ قبلَ أنْ أذْبَحَ. قال: " اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ "، وقال آخرُ: ذبحْتُ قبلَ أنْ أرمِيَ. قالَ: " ارْمِ وَلاَ حَرَجَ ".
وهذا أحدُ طُرُقِ الحـديثِ الذي معنا في البابِ، وفي بعضِ طرقِهِ: فما سُئِلَ عن شيءٍ قُدِّمَ, ولا أُخِّرَ إلا قالَ:" افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ ".
قالَ الطَّبَريُّ: لم يُسْقِطِ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الحَرَجَ إلا وقد أجزأَ الفعلُ، إذ لو لم يُجْزِئْ لاَمَرَهُ بالإعادةِ؛ لأنَّ الجهلَ والنسيانَ لا يَضَعانِ عن المكلَّفِ الحُكْمَ الذي يَلْزَمُهُ في الحجِّ.
كما لو تركَ الرمْيَ ونحوَهُ، فإنَّهُ لم يَأْثَمْ بتركِهِ ناسيًا أو جاهلاً، ولكن تجبُ عليهِ الإعادةُ.
وما ذهبَ إليهِ الإمامانِ: الشافعِيُّ وأحمدُ، هو مذهبُ الجمهورِ من التابعينَ والسلفِ، وفقهاءِ الحديثِ؛ لِمَا تقدَّمَ من الأدلَّةِ وغيرِهَا.
وذهبَ بعضُ العُلماءِ إلَى أنَّ رفْعَ الإثمِ يكونُ بحالِ النسيانِ والجهلِ؛ لقولِ السائلِ في الحديثِ: ( لم أشعُرْ ) فيختصُّ الحكمُ بهذِهِ الحالِ، ويبقَى العامدُ علَى أصْلِ وجوبِ اتِّباعِ النبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في الحجِّ؛ لحديثِ: " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ "، هذا والخلافُ المُتقدِّمُ في الإثمِ وعدمِهِ, أمَّا الإجزاءُ فقد قالَ الشيخُ ( ابنُ قُدامةَ ) في كتابِهِ ( المُغنِي ): ( ولا نعلمُ خلافًا بينهم في أنَّ مُخالفةَ الترتيبِ لا تُخْرِجُ هذهِ الأفعالَ عن الإجزاءِ، ولا يمنعُ وقوعَهَا موقِعَهَا ) أ. هـ.
واختلفُوا في وجوبِ الدمِ علَى مَن قدَّمَ المُؤخَّرَ من هذهِ المناسكِ الأربعةِ.
فذهبَ الجمهورُ من السلفِ، وفقهاءِ الحديثِ، ومنهم الإمامانِ الشافعيُّ وأحمدُ، وعطاءٌ، وإسحاقُ إلَى عدمِ وجوبِ الدمِ من العامدِ وغيرِهِ، بِناءً علَى جوازِ الفعلِ، وسقوطِ الإثمِ، ولقولِهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ للسائلِ: " لاَ حَرَجَ "، فهو ظاهرٌ في رفعِ الإثمِ والفديةِ معًا؛ لأنَّ اسمَ الضيقِ يَشْمَلُهُمَا.
ووجوبُ الفديةِ يحتاجُ إلَى دليلٍ، ولو كانَ واجبًا حينئذٍ لبيَّنَهُ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ؛ لأنَّهُ وقتُ الحاجةِ، وتأخيرُهُ عنهَا لا يجوزُ.
وذهبَ بعضُ العُلماءِ - ومنهم سعيدُ بنُ جبيرٍ وقتادةُ - إلَى وجوبِ الدمِ علَى العامدِ بقولِهِ تعالَى: ( وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ).
ولأنَّ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ رتَّبَهَا وقالَ: " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ "، وهو روايةٌ عن الإمامِ أحمدَ.
فقد قالَ الأثرمُ: سَمِعتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عن رجلٍ حلَقَ قبلَ أنْ يَذْبَحَ، فقالَ: إنْ كانَ جاهلاً، فليسَ عليهِ دمٌ، فأمَّا مع التعمُّدِ فلا؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ سألَهُ رجلٌ فقال: ( لَمْ أَشْعُرْ ).
وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ - بعدَ أنْ نقلَ كلامَ الإمامِ أحمدَ: وهذا القولُ في سقوطِ الدمِ عن الجاهلِ والناسِي، دونَ العامدِ قويٌّ من جهةِ أنَّ الدليلَ دلَّ علَى وجوبِ اتِّباعِ أفعالِ الرسولِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في الحجِّ بقولِهِ: " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ".
وهذِهِ الأحاديثُ المُرخِّصةُ في التقديمِ لِمَا وقعَ السؤالُ عنهُ، إنَّما قُرِنَتْ بقولِ السائلِ: ( لم أشْعُرْ ) فيُخصَّصُ الحُكمُ بهذِهِ الحالِ، وتَبقَى حالةُ العمدِ علَى أصْلِ وجوبِ اتِّباعِ الرسولِ في أعمالِ الحجِّ. أ. هـ.
قال الصَّنْعانيُّ: هذا حسنٌ، إلا أنَّ إيجابَ الدمِ لم ينهضْ دليلُهُ. وقال أيضًا: اعْلَمْ أنَّ إيجابَ الدمِ في هذهِ الأفعالِ والتروكِ في الحجِّ، لم يأتِ بِهِ نصٌّ نبويٌّ، وإنَّما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ، ولم يثبُتْ عنهُ: أنَّ مَن قدَّمَ شيئًا علَى شيءٍ فعليهِ دمٌ. وبِهِ قالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ، والحسنُ، والنخعيُّ، وأصحابُ الرأيِ. وقال الصنعانيُّ أيضًا: والعَجَبُ إطباقُ المُفرِّعينَ علَى إيجابِ الدمِ في محلاَّتٍ كثيرةٍ، والدليلُ كلامُ ابنِ عبَّاسٍ، وعلَى أنَّهُ لم يثبُتْ عنهُ.

محمد أبو زيد
11-12-2008, 11:05 AM
245 - الحديثُ الخامسُ: عن عبدِ اللّهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَجْعَلُوا يَسْأَلونَهُ. فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ، وَجَاءَ آخرُ، فَقَالَ: لم أَشْعُرْ، فنَحَرْتُ قبلَ أَن أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلاَ حرجَ، فَمَا سُئِلُ يَوْمَئذٍ عَنْ شَيءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ إِلاَّ قَالَ: افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ)).
((الشعورُ)) العلمُ. وأصلُه: مِن المشاعرِ، وَهِيَ الحواسُّ، فكأنه يستندُ إِلَى الحواسِّ. و((النحرُ)) مَا يكونُ فِي اللَّبَّةِ. و((الذبحُ)) مَا يكونُ فِي الحَلْقِ. والوظائفُ يومَ النحرِ أربعةٌ: الرميُ، ثُمَّ نحرُ الهديِ أَوْ ذبحُه، ثُمَّ الحلقُ أَوْ التقصيرُ. ثُمَّ طوافُ الإفاضةِ. هَذَا هُوَ الترتيبُ المشروعُ فِيْهَا، ولم يَخْتَلِفُوا فِي طلبيَّةِ هَذَا الترتيبِ، وجوازِه عَلَى هَذَا الوجهِ، إِلاَّ أنَّ ابنَ الجهمِ - مِن المالكيةِ - يرى أن القارِنَ لاَ يجوزُ لَهُ الحلقُ قبلَ الطوافِ، وكأنه رأَى أن القارِنَ عمرتُه وحجتُه قَدْ تَدَاخَلاَ، فالعمرةُ قائمةٌ فِي حقِّه، والعمرةُ لاَ يجوزُ فِيْهَا الحلقُ قبلَ الطوافِ. وَقَدْ يَشْهَدُ لِهَذَا قولُه عَلَيْهِ السَّلامُ فِي القارِن: ((حَتَّى يَحِلَّ منهما جميعًا)) فَإِنَّهُ يقتضِي أنَّ الإحلالَ منهما يكونُ فِي وقتٍ واحدٍ، فَإِذَا حَلَقَ قبلَ الطوافِ فالعمرةُ قائمةٌ بِهَذَا الحديثِ، فيقعُ الحلقُ فيهما قبلَ الطوافِ، وَفِي هَذَا الاستشهادِ نظرٌ. ورَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المتأخِّرِينَ بنصوصِ الأحاديثِ والإجماعِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ. وكأنه يريدُ بنصوصِ الأحاديثِ مَا ثَبَتَ عندَه أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قارِنًا فِي آخرِ الأمرِ وَأَنَّهُ حلقَ قبلَ الطوافِ. وَهَذَا إِنَّمَا ثبتَ بأمرٍ استدلاليٍّ، لاَ نصيٍّ عندُ الجمهورِ أَوْ كثيرٍ، أعني: كونَه عَلَيْهِ السَّلامُ قارِنًا. وابنُ الجهمِ بنَى عَلَى مذهبِ مَالكٍ وَالشَّافعيِّ، ومَن قَالَ بأنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُفْرِدًا وَأَمَّا الإجماعُ فبعيدُ الثبوتِ، إن أرادَ بِهِ الإجماعَ النقليَّ القوليَّ. وإن أرادَ السكوتيَّ فَفِيْهِ نظرٌ. وَقَدْ يُنَازَعُ فِيْهِ أَيْضًا.
وَإِذَا ثبتَ أنَّ الوظائفَ أربعٌ فِي هَذَا اليومِ، فَقَدْ اخْتَلَفُوا فيما لَوْ تَقَدَّمَ بعضُها عَلَى بَعْضٍ، فاختارَ الشَّافعيُّ جوازَ التقديمِ، وجعلَ الترتيبَ مستحبًّا، ومالكٌ وَأَبُو حنيفةَ يَمْنَعَانِ تقديمَ الحلقِ عَلَى الرميِ؛ لأنَّه حينئذٍ يكونُ حَلْقًا قبلَ وجودِ التحلُّلَيْنِ، وَللشَّافعيِّ قولٌ مثلُه، وَقَدْ بُنِيَ القولانِ لَهُ عَلَى أن الحلقَ نُسُكٌ، أَوْ استباحةُ محظورٍ، فإن قُلْنَا: إِنَّهُ نُسُكٌ، جازَ تقديمُه عَلَى الرميِ؛ لأنه يكونُ من أسبابِ التحلُّلِ، وإن قُلْنَا: إِنَّهُ استباحةُ محظورٍ، لم يَجُزْ؛ لما ذَكَرْنَاهُ مِن وقوعِ الحلقِ قبلَ التحلُّلَيْنِ، وَفِي هَذَا البناءِ نظرٌ؛ لأنه لاَ يلزمُ مِن كونِ الشيءِ نُسُكًا أنْ يكونَ مِن أسبابِ التحلُّلِ، ومالكٌ يرى أن الحلقَ نُسُكٌ، ويرى - مَعَ ذَلِكَ - أَنَّهُ لاَ يُقَدَّمُ عَلَى الرميِ - إذ معنى كونِ الشيءِ نُسُكًا أَنَّهُ مطلوبٌ، مُثَابٌ عَلَيْهِ، وَلاَ يلزمُ من ذَلِكَ أن يكونَ سببًا للتحلُّلِ، ونُقِلَ عن أحمدَ أَنَّهُ إن قَدَّمَ بَعْضَ هَذِهِ الأشياءِ عَلَى بَعْضٍ، فَلاَ شيءَ عَلَيْهِ، إن كَانَ جاهلاً، وإن كَانَ عالمًا، فَفِي وجوبِ الدمِ روايتانِ، وَهَذَا القولُ فِي سقوطِ الدمِ عن الجاهلِ والناسي، دونَ العامدِ قويٌّ، من جهةِ أنَّ الدليلَ دلَّ عَلَى وجوبِ اتِّباعِ أفعالِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحجِّ، بقولِه: ((خُذُوا عنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) وَهَذِهِ الأحاديثُ المُرَخِّصَةُ فِي التقديمِ لَمَّا وقعَ السؤالُ عَنْهُ، إِنَّمَا قُرِنَتْ بقولِ السائلِ: ((لم أَشْعُرْ)). فَيُخَصَّصُ الحكمُ بهذه الحالةِ، وتَبْقَى حالةُ العمدِ عَلَى أصلِ وجوبِ اتِّبَاعِ الرسولِ فِي أعمالِ الحجِّ، ومَن قَالَ بوجوبِ الدمِ فِي العمدِ والنسيانِ، عندَ تَقَدُّمِ الحلقِ عَلَى الرميِ، فَإِنَّهُ يَحْمِلُ قولَه عَلَيْهِ السَّلامُ: ((لاَ حرجَ)) عَلَى نفيِ الإثمِ فِي التقديمِ مَعَ النسيانِ، وَلاَ يلزمُ مِن نفيِ الإثمِ نفيُ وجوبِ الدمِ.
وادَّعَى بَعْضُ الشارحينَ أن قولَه عَلَيْهِ السَّلامُ: ((لاَ حرجَ )). ظاهرٌ فِي أَنَّهُ لاَ شيءَ عَلَيْهِ، وعُنِيَ بِذَلِكَ نفيُ الإثمِ والدمِ معًا، وفيما ادَّعَاهُ مِن الظهورِ نظرٌ، وَقَدْ يُنازُعُه خصومُه فِيْهِ، بالنسبةِ إِلَى الاستعمالِ العرفيِّ، فَإِنَّهُ قَدْ اسْتَعْمَلَ ((لاَ حرجَ)) كثيرًا فِي نفيِ الإثمِ، وإن كَانَ مِن حَيْثُ الوضعُ اللُّغَوِيُّ يقتضِي نفيَ الضِّيقِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحجُّ: 78].
وَهَذَا البحثُ كلُّه إِنَّمَا يُحْتَاجُ إليه بالنسبةِ إِلَى الروايةِ التي جَاءَ فِيْهَا السؤالُ عن تقديمِ الحلقِ عَلَى الرميِ. وَأَمَّا عَلَى الروايةِ التي ذكرَها المصنفُ فَلاَ تَعُمُّ مَن أَوْجَبَ الدَمَ، وحُمِلَ نفيُ الحرجِ عَلَى نفيِ الإثمِ، فَيُشْكِلُ عَلَيْهِ تأخيرُ بيانِ وجوبِ الدمِ؛ فإنَّ الحاجةَ تدعُو إِلَى تبيانِ هَذَا الحكمِ، فَلاَ يُؤَخَّرُ عَنْهَا بيانُه.
ويمكنُ أنْ يقالَ: إن تَرْكَ ذِكْرِهِ فِي الروايةِ لاَ يلزمُ مِنْهُ تَرْكُ ذِكْرِه فِي نفسِ الأمرِ.
وَأَمَّا مَن أسقطَ الدمَ، وجعلَ ذَلِكَ مخصوصًا بحالةِ عدمِ الشعورِ، فَإِنَّهُ يَحْمِلُ ((لاَ حرجَ)) عَلَى نفيِ الإثمِ والدمِ معًا، فَلاَ يلزمُ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ، ويَبْنِي أَيْضًا عَلَى القاعدةِ فِي أن الحكمَ إِذَا رُتِّبَ عَلَى وصفٍ يمكنُ أن يكونَ مُعْتَبَرًا، لم يَجُزْ إطراحُه وإلحاقُ غيرِه مِمَّا لاَ يساويه بِهِ، وَلاَ شكَّ أن عدمَ الشعورِ وَصْفٌ مناسبٌ لعدمِ التكليفِ والمؤاخذةِ، والْحُكْمُ عُلِّقَ بِهِ. فَلاَ يمكنُ إطراحُه بإلحاقِ العمدِ بِهِ؛ إذ لاَ يساويه. فإن تَمَسَّكَ بقولِ الراوي: ((فَمَا سُئِلَ عن شيءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ، إِلاَّ قَالَ: افعلْ، وَلاَ حرجَ )). فَإِنَّهُ قَدْ يُشْعِرُ بأن الترتيبَ مُطْلَقًا غيرُ مراعًى فِي الوجوبِ، فجوابُه أنَّ الروايَ لم يَحْكِ لفظًا عامًّا عن الرسولِِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقتضِي جوازَ التقديمِ والتأخيرِ مطلقًا، وإنما أخبرَ عن قولِه، عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسَّلامُ: ((لاَ حرجَ )). بالنسبةِ إِلَى كلِّ مَا سُئِلَ عَنْهُ مِن التقديمِ والتأخيرِ حينئذٍ، وَهَذَا الإخبارُ من الراوي، إِنَّمَا تَعَلَّقَ بما وقعَ السؤالُ عَنْهُ، وَذَلِكَ مُطْلَقٌ بالنسبةِ إِلَى حالِ السؤالِ، وكونِه وقعَ عن العمدِ أَوْ عدمِه، والمُطْلَقُ لاَ يدلُّ عَلَى أحدِ الخاصَّين بعينِه، فَلاَ يَبْقَى حجَّةً فِي حالِ العمدِ، واللهُ أعلمُ.

محمد أبو زيد
11-12-2008, 11:06 AM
والحديث الثاني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل يوم العيد، يوم النحر، وهو واقف للناس يسألونه بين الجمرتين، رمي جمرة العقبة، قال له بعضهم: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال له: ((اذبح ولا حرج)) وقال آخر: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: ((ارم ولا حرج)) قال فما سُئل يومئذ عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: ((افعل ولا حرج))، هذا يدل على تيسيره في هذه الأمور التي تُفعل يوم العيد ومن قدم بعضهما على بعض فلا حرج، لكن السنة أن يبدأ بالرمي، رمي جمرة العقبة، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ينحر إن كان عنده نحر، ثم يحلق أو يقصر، والحلق أفضل، ثم يطوف، هذه هي السنة على هذا الترتيب:
1. أولا الرمي، رمي جمرة العقبة يوم العيد.
2. ثانيا: ينحر إن كان عنده نحر، يعني الذبح.
3. ثالثا: يحلق رأسه، بعد الذبح، وهذا هو الأفضل، أو يقصر، والحلق أفضل وهو إزالة الشعر، بالموس كله، والتقصير أخذ بعضه من أطرافه، والحلق في الحج أفضل، وهكذا العمرة إذا كانت العمرة بعيدة عن الحج، أما إذا كانت العمرة قرب الحج، فالسنة فيها التقصير، حتى يبقى الحلق للحج.
4. الرابع: الطواف والسعي إن كان عليه سعي.
هذا هو الأفضل لكن لو قَدَّم بعضه على بعض فلا حرج، إذا حلق قبل أن يذبح، أو نحر قبل أن يرمي، أو طاف قبل أن يرمي، أو طاف قبل أن يذبح، كله جائز والحمد لله، هذه توسعة ولهذا قال ما سُئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال: ((افعل ولا حرج)) وهكذا جاء هذا المعنى من حديث ابن عباس وغيره.
لكن الترتيب هو الأفضل مع القدرة ومع التيسير، أن يرمي ثم ينحر، ثم يحلق أو يقصر والحلق أفضل ثم يطوف، ثم يسعى، هذا الترتيب المشروع.