مشاهدة النسخة كاملة : [طواف الإفاضة والوداع]
عبد العزيز الداخل
11-08-2008, 01:48 AM
عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنهَا قالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فأَرَادَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِن أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا حَائِضٌ، فقالَ: ((أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟)) قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قالَ: ((اُخْرُجُوا)).
وفي لفظٍ: قالَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: ((عَقْرَى، حَلْقَى، أَطافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ))؟ قِيلَ: نَعَمْ. قالَ: ((فَانْفِرِي)).
عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا قالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَن يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ المَرْأَةِ الحَائِضِ.
محمد أبو زيد
11-12-2008, 11:18 AM
قولُه : عَقْرَى : مفتوحُ العينِ ساكنُ القافِ وحَلْقَى مفتوحُ الحاءِ ساكنُ اللامِ .
وألِفُ تأنيثٍ مقصورةٍ فيهما من غيرِ تنوينٍ مثْلُ سَكْرَى هذا هو المشهورُ والصوابُ عندَ أهْلِ اللغةِ .
وقيلَ : بتنوينِهما لأنه يُشعِرُ أن الموضِعَ موضِعُ دُعاءٍ فأُجْرِيَ مَجْرَى قولِهم في الدعاءِ بألفاظِ المصادرِ فإنها منوَّنَةٌ كقولِهم: سَقْياً ورَعْياً ويكونان في موضِعِ نصْبٍ بفعْلٍ مضمَرٍ أي اللهمَّ اجعلْها عَقْرًى وعلى الأوَّلِ فهو موضِعُ رفْعِ خبرِ مبتدأٍ مضمَرٍ وهما صفتان للمرأةِ إذا وُصِفَتْ بالشؤْمِ يعني أنها تَحْلِقُ قومَها وتَقْرَعُهم أي تَستأصلُهم من شؤمِها عليهم .
قولُه : (( أَحَابِسَتُنَا هِيَ)).
الهمزةُ للإنكارِ والإشفاقِ مما يَتوَقَّعُ .
محمد أبو زيد
11-12-2008, 11:19 AM
بابُ طوافِ الإفاضةِ والوداعِ
الْحَدِيثُ الحادي والأربعونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ
عنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهَا قالَتْ: ((حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا حَائِضٌ، فقالَ: ((أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟)) قَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قالَ: ((اخْرُجُوا)).
في لفظٍ: قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَقْرَى، حَلْقَى، أَطافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ))؟ قِيلَ: نَعَمْ. قالَ: ((فَانْفِرِي)).
المُفْرَدَاتُ:
قَوْلُهُ: (أَفَضْنَا). فاضَ الماءُ: سَالَ، سُمِّيَ طوافُ الزيارةِ بطوافِ الإفاضةِ لدفعِ الناسِ بكثرةٍ.
قَوْلُهُ: (عَقْرَى حَلْقَى): دعاءٌ بالقصرِ وحلقِ الشعرِ، ولم يَقْصِدْ منهما الدعاءَ، وإنَّمَا يَجْرِيَانِ على اللسانِ عندَ العربِ بدونِ قصدِ المَعْنَى.
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: أنَّ طوافَ الإفاضةِ رُكْنٌ منْ أركانِ الحجِّ لا يَسْقُطُ بحالٍ.
الثَّانِيَةُ: أنَّ على أميرِ الحجِّ انتظارَ الحائضِ حتَّى تَنْتَهِيَ منْ حَيْضِهَا وتَطُوفَ للحجِّ.
الثَّالِثَةُ: أنَّ طوافَ الوداعِ غيرُ واجبٍ على الحائضِ؛ لأنَّهُ لم يَجْعَلْهُ مَانِعًا من النفرِ.
الْحَدِيثُ الثاني والأربعونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ
عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُمَا قالَ: ((أُمِرَ النَّاسُ أَن يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ المَرْأَةِ الحَائِضِ)).
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: وُجُوبُ طوافِ الوداعِ في كلِّ خارجٍ منْ مَكَّةَ، سواءٌ كانَ حَاجًّا أوْ غَيْرَهُ عندَ إرادةِ السفرِ.
الثَّانِيَةُ: أنَّ الحائضَ ليسَ عليها طوافُ الوداعِ، ولا دَمٌ لِتَرْكِهِ.
الثَّالِثَةُ: يكونُ الوداعُ آخرَ شُئُونِ المسافرِ.
محمد أبو زيد
11-12-2008, 11:21 AM
بابُ طوافِ الإفاضةِ والوداعِ.
الْحَدِيثُ الثالثُ والأرْبَعُونَ بعدَ الْمِائَتَيْنِ
عن عائشةَ رضِيَ اللَّهُ عنهَا قالتْ: حَجَجْنَا مَعَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّهَا حَائِضٌ. فقالَ: “ أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ “ فقالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قالَ: “ اخْرُجُوا “.
وفي لفظٍ: قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” عَقْـرَى، حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْـرِ؟ “ قِيلَ: نَعَمْ. قالَ: “ فَانْفِرِي “.(42)
الْحَدِيثُ الرابعُ والأرْبَعُونَ بعدَ الْمِائَتَيْنِ
عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ رضِيَ اللَّهُ عنهما قالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَن يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ المَرْأَةِ الْحَائِضِ.(43)
_________________
( 42 ) الغريبُ:
أفَضْنَا يومَ النَّحْرِ: فاضَ الماءُ: سالَ. وسُمِّيَ طوافُ الزيارةِ بطوافِ الإفاضةِ لزَحْفِ الناسِ ودفْعِهم بكثرةٍ في بِطاحِ مكَّةَ إلَى البيتِ الحرامِ.
أحَابِستُنَا: الاستفهامُ للإنكارِ والإشفاقِ ممَّا يُتَوَقَّعُ.
عَقْرَى حَلْقَى: بفتحِ الأوَّلِ منهما، وسكُونِ الثانِي، والقصرِ بغيرِ تنوينٍ. هكذا يرويهِ الأكثرونَ بوزنِ غَضْبَى؛ لأنَّهُ جاءَ علَى المؤنَّثِ. والمعروفُ في اللُّغةِ التنوينُ، مثلُ سُقْيًا وَرَعْيًا، هكذا قال سيبويهِ وأبو عُبَيْدٍ. ومعناهُ الدعاءُ عليهَا بالعقْرِ، وهو مثْلُ الجُرْحِ في جسدِهَا. والدعاءُ عليهَا بوجعِ الحلقِ أيضًا. وخرَّجَ الزَّمَخْشَريُّ معناهُ علَى أنَّهما صفتانِ للمرأةِ المشؤُومةِ، أيْ: أنَّهَا تَعْقِرُ قومَهَا وتَسْتَأْصِلُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَا مصدريْنِ مثلَ الشكْوَى. ولم يُقْصَدْ منهما حقيقةُ الدعاءِ، وإنَّما هما لفظانِ يَجْرِيانِ علَى لسانِ العربيِّ، كـ ( تَرِبَتْ يَدَاكَ ) و ( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ).
فانفِرِي: بكسْرِ الفاءِ وضمِّهَا، والكسرُ أفصحُ، وبهِ جاءَ القرآنُ: ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً ) [التوبة: 41]، ومعناهُ: اخْرُجِي.
المعنَى الإجماليُّ:
ذكرتْ عائشةُ رضي اللَّهُ عنهَا: أنَّهم حجُّوا مع النبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في حجَّةِ الوداعِ.
فلمَّا قضَوْا مناسِكَهم أفاضُوا ليطوفُوا بالبيتِ العتيقِ، ومعهم زوجُهُ صفيَّةُ رضي اللَّهُ عنهَا, فلمَّا كانَ ليلةُ النفْرِ حاضتْ ( صفيَّةُ), فجاءَ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يريدُ منهَا ما يريدُ الرجلُ من أهلِهِ، فأخبرتْهُ عائشةُ أنَّهَا حاضتْ.
فظنَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ أدرَكَهَا الحيْضُ, فلم تَطُفْ طوافَ الإفاضةِ؛
لأنَّ هذا الطوافَ ركْنٌ لا يتمُّ الحجُّ بدونِهِ، قالَ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ:
" أَحَابِسَتُنَا هِيَ هُنَا حَتَّى تَنْتَهِيَ حَيْضَتُهَا وَتَطُوَفَ لِحَجِّهَا؟ "
فأخبروهُ أنَّهَا قد طافتْ طوافَ الإفاضةِ قبلَ حيْضِهَا.
فقال: " فَلْتَنْفِرْ " إذْ لم يبقَ عليهَا إلا طوافُ الوداعِ، وهيَ معذورةٌ في ترْكِهِ.
ما يُؤخذُ من الحديثِ:
1- أنَّ طوافَ الإفاضةِ ركْنٌ من أركانِ الحجِّ، لا يَسْقُطُ بحالٍ.
2- أنَّ علَى أميرِ الحجِّ ورئيسِ الرُّفْقَةِ ونحْوِهَا انتظارَ مَن حاضتْ حتَّى ينتَهِيَ حَيْضُهَا، وتطوفَ طوافَ الحجِّ.
3- أنَّ طوافَ الوداعِ غيرُ واجبٍ علَى الحائضِ، وأنَّهَا تخرجُ، وليس عليهَا فِداءٌ، لترْكِهَا الطوافَ.
( 43 ) المعنَى الإجماليُّ:
لهذا البيتِ الشريفِ تعظيمٌ وتكريمٌ، فهو رمزٌ لعبادةِ اللَّهِ، والخضوعِ والخشوعِ بين يديْهِ، فكانَ لهُ في الصدورِ مَهابةٌ، وفي القلوبِ إجلالٌ، وتعلُّقٌ، ومَوَدَّةٌ.
ولذا شُرِعَ للقادمِ عليهِ أنْ يُحَيِّيَهُ بالطوافِ بِهِ قبلَ كلِّ عبادةٍ؛ لأنَّ الطوافَ ميزتُهُ، ولدَى السفرِ أنْ يكونَ آخرُ عهدِهِ بِهِ؛ ليتفرَّغَ لتلكَ الساعةِ الرهيبةِ، التي تتقطَّعُ فيهَا القلوبُ، وتَذرِفُ فيهَا الدموعُ، عند مفارقةِ هذا البيتِ الذي تهفُو إليهِ الأفئدةُ، وتَحِنُّ للقربِ منهُ القلوبُ؛ شوقًا إلَى رحابِهِ المقدَّسةِ، ومشاعرِهِ المعظَّمةِ، حيثُ تنزَّلتْ وحلَّت البركاتُ، وهبَطَت الرَّحماتُ، وشعَّت الأنوارُ. وهذا الطوافُ الأخيرُ، وتلك الوقفةُ الحزينةُ بين الركنِ والبابِ في حقِّ كلِّ راحلٍ من مقامِ هذا البيتِ، سواءٌ كانَ حاجًّا أو غيرَهُ، إلا المرأةَ الحائضَ، فلكَوْنِهَا تُلَوِّثُ المسجدَ بدخولِهَا سقطَ عنهَا الطوافُ بلا فداءٍ.
ما يُؤخذُ من الحديثِ:
1- وجوبُ طوافِ الوداعِ في حقِّ كلِّ مسافرٍ من مكَّةَ، سواءٌ أكانَ حاجًّا أم غيرَهُ.
2- قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ: وطوافُ الوداعِ ليسَ من تمامِ الحجِّ، ولكنَّ كلَّ مَن خرجَ من مكَّةَ عليهِ أنْ يودِّعَ، ولهذا مَن أقامَ بمكَّةَ لا يُوَدِّعُ علَى الصحيحِ، فوجوبُهُ ليكونَ آخِرَ عهدِ الخارجِ بالبيتِ.
3- أنَّ الحائضَ ليسَ عليهَا طوافٌ للوداعِ، ولا دمٌ بترْكِهِ.
4- أنَّ طوافَ الوداعِ يكونُ آخرَ شئونِ المسافرِ؛ لأنَّ هذا معنَى الوداعِ، ومثلُ شراءِ بعضِ الأشياءِ في طريقِهِ إلَى السفرِ، أو انتظارِ الرُّفقةِ، أو نحوِ ذلك من التأخُّرِ اليسيرِ، لا يضرُّ.
اختلافُ العُلماءِ:
ذهبَ مالكٌ إلَى استحبابِ طوافِ الوداعِ دونَ وجوبِهِ علَى كلِّ أحدٍ لسقوطِهِ عن الحائضِ. ولو كانَ واجبًا لَمَا سقطَ بحالٍ.
وذهبَ الجمهورُ - ومنهم الأئمَّةُ الثلاثةُ - إلَى وجوبِهِ علَى غيرِ الحائضِ، لظاهرِ الأمْرِ بِهِ. قال ابنُ المنذرِ: قالَ عامَّةُ فقهاءِ الأمصارِ: ليسَ علَى الحائضِ التي أفاضتْ طوافُ وداعٍ.
محمد أبو زيد
11-12-2008, 11:25 AM
248 - الحديثُ الثامنُ: عن عَائِشَةَ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ((حَجَجْنا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فقلتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّهَا حائِضٌ. قَالَ: أحابِسَتُنَا هِيَ؟ قالوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ: اخْرُجُوا)).
وَفِي لفظٍ: قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَقْرَى، حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: فَانِفرِي)).
فِيْهِ دليلٌ عَلَى أمورٍ، أحدُها: أنَّ طوافَ الإِفاضةِ لاَ بدَّ مِنْهُ، وأنَّ المرأةَ إِذَا حاضتْ لاَ تنفِرُ حَتَّى تطوفَ؛ لقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَحَابِسَتُنا هِيَ؟)) فقيلَ: ((إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ - إِلَى آخرِه)) فإنَّ سياقَه يدلُّ عَلَى أنَّ عدمَ طوافِ الإِفاضةِ مُوجِبٌ للحبسِ.
وثانيهما: أن الحائضَ يَسْقُطُ عَنْهَا طوافُ الوداعِ، وَلاَ تَقْعُدُ لأجلِه؛ لقولِه: ((فَانْفِرِي)).
وثالثُها: قولُه: ((عَقْرَى )). مفتوحُ العينِ،ساكنُ القافِ، و((حَلْقَى )). مفتوحُ الحاءِ، ساكنُ اللامِ، والكلامُ فِي هاتينِ اللفظتينِ مِن وجوهٍ: مِنْهَا: ضبطُهما، فالمشهورُ عِن المحدِّثِين - حَتَّى لاَ يكادَ يُعْرَفُ غيرُه - أن آخرَ اللفظتينِ ألفُ التأنيثِ المقصورةُ مِن غيرِ تنوينٍ، وَقَالَ بعضُهم: ((عقرًا حلقًا)) بالتنوينِ؛ لأنه يُشْعِرُ أن الموضعَ موضعُ دعاءٍ، فَأَجْرَاه مُجْرَى كلامِ العربِ فِي الدعاءِ بألفاظِ المصادرِ فَإِنَّهَا مُنَوَّنَةٌ، كقولِهم: ((سَقْيًا ورَعْيًا، وجَدْعًا، وكَيًّا)) ورأَى أن ((عَقْرَى)) بألفِ التأنيثِ نعتٌ لاَ دعاءٌ، وَالَّذِي ذكرَه المُحَدِّثُونَ صحيحٌ أَيْضًا.
وَمِنْهَا: مَا تقتضيه هاتانِ اللفظتانِ. فَقِيلَ: ((عَقْرَى)) بمعنى: عَقَرَها اللّهُ. وقيلَ: عقَرَ قومَها. وقيلَ: جَعَلَها عاقرًا، لاَ تَلِدُ. وَأَمَّا ((حَلْقَى)) فَإِمَّا بمعنى حَلَق شعرَها، أَوْ بمعنى أصابَها وجعٌ فِي حَلْقِها، أَوْ بمعنى تَحْلِقُ قومَها بشؤمِها.
وَمِنْهَا: أن هَذَا مِن الكلامِ الَّذِي كَثُرَ فِي لسانِ العربِ، حَتَّى لاَ يُرَادَ بِهِ أصلُ موضوعِه. كقولِهم: تَرِبَتْ يداكَ. وَمَا أَشْعَرَه قَاتَلَهُ اللهُ، وَأَفْلَحَ وَأَبِيه، إِلَى غيرِ ذَلِكَ مِن الألفاظِ التي لاَ يُقْصَدُ أصلُ موضوعِها لكثرةِ استعمالِها.
249 - الحديثُ التاسعُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: ((أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالَبيتِ، إِلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ المرْأَةِ الحائِضِ)).
فِيْهِ دليلٌ عَلَى أن طوافَ الوداعِ واجبٌ؛ لظاهرِ الأمرِ، وَهُوَ مذهبُ الشَّافعيِّ، ويجبُ الدمُ بِتَرْكِه، وَهَذَا بعدَ تقريرِ أن إخبارَ الصحابيِّ عن صيغةِ الأمرِ كحكايتِه لَهَا، وَلاَ دمَ فِيْهِ عندَ مَالكٍ، وَلاَ وجوبَ لَهُ عندَه.
وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى سقوطِه عن الحائضِ، وَفِيْهِ خلافٌ عن بَعْضِ السلفِ، أعني: ابنَ عمرَ، أَوْ مَا يَقْرُبُ – أي: مِن الخلافِ - مِنْهُ.
محمد أبو زيد
11-12-2008, 11:30 AM
عن عائشة، رضي الله عنها قالت: (حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: (يا رسول الله إنها حائض)، فقال: ((أحابستنا هي؟)) قالوا يا رسول الله: إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: ((اخرجوا))، وفي لفظ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عقرى حلقى، أطافت يوم النحر؟)) قيل: نعم، فقال: ((فانفري)).
وعن عبد الله بن عباس، رضي الله عنه، قال: أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفف عن المرأة الحائض.
وعن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما قال: استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له، وعنه قال: (جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء، بجمع يجعل لكل واحدة منهما إقامة ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما))
الشرح:
أما بعد، فهذه الأحاديث الأربعة كلها لها تعلق بالحج.
الحديث الأول عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: (أفضنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله، فقالت: يا رسول الله إنها حائض، فقال: ((أحابستنا هي؟))، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: ((اخرجوا))، وفي لفظ: ((انفروا))، وفي اللفظ الآخر (عقرى حلقى) قال: ((أطافت يوم النحر؟)) قالوا: نعم، وهذا يدل على فوائد منها:
أن النكاح يحل للرجل من أهله، إذا أفاضت بعد الرمي والتقصير، وبعد رميه وحلقه؛ لأن هذا هو الحل كله، وقد رمى النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، ونحر وحلق ثم أفاض، وهكذا زوجاته رَمَيْنَ ونحر عنهن عليه الصلاة والسلام، وقصرن وطفن يوم النحر، فتم الحل كله.
وفيه من الفوائد أن المرأة تَحبس رفقتها إذا كانت حائضاً حتى تطوف طواف الإفاضة، وأن عليهم أن يرقبوها وينتظروها حتى تطوف وأن لا يتركوها.
وفيه من الفوائد أن الحائض لا تطوف، بل عليها أن تنتظر حتى تغتسل، فليس لها الطواف، كما أنها لا تصلي كذلك لا تطوف، فالطواف بالبيت صلاة، وكما أنها لا تصلي حتى تطهر، وهكذا لا تطوف حتى تطهر، ولهذا قال: ((أحابستنا)) يعني عن السفر.
وفيه من الفوائد جواز الدعاء غير المقصود، بقول: ((عقرى حلقى)) كلمات دعاء غير مقصودة، كما يقال: تربت يمينك، تربت يداك، ثكلتك أمك، وما أشبه ذلك مما يجري على اللسان بغير قصد للتوبيخ أو لتأكيد كلام أو نحو ذلك، فلا يكون مؤاخذاً به الإنسان؛ لأنه يجري على اللسان، بغير قصد السب، وإنما قَصَدَ التأكيد للشيء أو التحذير منه.
وفيه من الفوائد أيضا تذكير الإنسان بما قد يفوته أو يجهل لأنهم ذكروه أنها قد أفاضت.
ومن الفوائد أيضا سقوط طواف الوداع عن الحائض لأنه قال: (0 انفروا) لأنه لا وداع على الحائض وهكذا النفساء، ولهذا في حديث ابن عباس أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفف عن المرأة الحائض، والحائض والنفساء لا وداع عليهما لأنهما ممنوعتان من الطواف، وفي حبسها مضرة عليهما وعلى رفقتها، ومن رحمة الله أن سامحهما في ذلك، وعفا عنهما ولا دَم عليهما أيضاً بل مَعفوٌ عن ذلك وفيه أن الوداع، يكون آخر شيء عند إنهاء الإقامة، وإتمام الحج إذا أراد السفر يطوف للوداع، بعدما ينتهي من كل شيء، يكون آخر عهده الطواف بالبيت، وهذا عام للرجال والنساء إلا الحائض والنفساء.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir