مشاهدة النسخة كاملة : باب المحرم يأكل من صيد الحلال
عبد العزيز الداخل
11-08-2008, 01:51 AM
بَابُ المُحْرِمِ يَأْكُلُ مِن صَيْدِ الْحَلاَلِ
عن أبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم خَرَجَ حَاجًّا، فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائفَةً مِنْهُمْ، فِيهمْ أَبُو قَتَادَةَ، وَقَالَ: ((خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، حتَّى نَلْتَقِيَ)) فأَخَذوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ، إِلاَّ أَبَا قَتَادَةَ فَلَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا فأَكَلْنَا مِن لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِن لَحْمِهَا، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَو أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لاَ، قالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: ((فَكُلوا مَا بَقِيَ مِن لَحْمِهَا)).
وفي روايَةٍ: ((هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ))؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ. فأَكَلَهَا.
عن الصَّعْبِ بنِ جَثَّامةَ الليثيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ - أَو بِوَدَّانَ- فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا في وَجْهِهِ، قَالَ: ((إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ، إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ)).
وفي لفظِ مسلمٍ: رِجْلَ حِمَارٍ.
وفي لفظٍ: شِقَّ حِمَارٍ.
وفي لفظٍ: عَجُزَ حِمَارٍ.
قالَ المُصَنِّفُ: وَجْهُ هذا الحديثِ: أنَّهُ ظنَّ أنَّهُ صِيدَ لأَجْلِهِ، والْمُحْرِمُ لاَ يَأْكُلُ ما صِيدَ لأَجْلِهِ
محمد أبو زيد
11-12-2008, 12:11 PM
ابنُ حثامةَ : بفتْحِ الجيمِ وتشديدِ الثاءِ المثلَّثَةِ .
ومن الفوائدِ الحديثيَّةِ ما قالَه الحافظُ أبو الحجَّاجِ الْمَزِّيُّ : الصعْبُ يَروي ثلاثةَ أحاديثَ وهى صَعبةٌ .
حديثُ أُهْدِىَ للنبيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجْلُ حِمارٍ وهو مُحْرِمٌ .
وحديثُ لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ .
وحديثُ أَهْلُ الدَّارِ يبُيَتَّوُنَ .
قولُه : (( إِنَّا لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ )) .
إن الأوَّلَ مكسورُ الهمزةِ لأنها ابتدائيَّةٌ .
والثانيةَ مفتوحةٌ لأنه حذَفَ منها اللامَ التي هي للتعليلِ والأصْلُ إلا لأنَّا حُرُمٌ وحرُمٌ بضمِّ الحاءِ والراءِ المهمَلتين أي مُحرِمُون.
والمشهورُ عندَ المحدِّثين فتْحُ الدالِ من قولِه : نَرُدُّه وهو خِلافُ مذهَبِ المحقِّقين من النُّحاةِ وخِلافُ مذهَبِ سيبويهِ وهي بضمِّ الدالِ وذلك في كلِّ مضاعَفٍ مجزومٍ أو موقوفٍ اتَّصَلَ به ضميرُ المذكَّرِ ومنه حديثُ ((مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدَّهُ )) .
قالَ النوويُّ : هو برفْعِ الدالِ على الصحيحِ المشهورِ وأكثرُ ما يَستعملُه من لا يُحقِّقُ العربيَّةَ بفتْحِها .
وقالَ ابن الأثيرِ في شرْحِ ( المسنَدِ ) : لك فيما قارَبَ هذا النوعَ ثلاثةُ مذاهبَ إن شئْتَ فتَحْتَ الدالَ وإن شئتَ كسَرْتَها وإن شئْتَ ضَممْتَهَا فمَنْ فتَحَ طلَبَ أَخَفَّ الحركاتِ . ومن كسَرَ فعَلى أصْلِ التقاءِ الساكنين ومن ضَمَّ امتَنَعَ الحرامُ للحركةِ والأصْلُ فلم يَرْدُدْ فلما شُدِّدَت الراءُ جُعِلَتْ منه هذه المذاهِبُ .
محمد أبو زيد
11-12-2008, 12:15 PM
بابُ المُحْرِمِ يَأْكُلُ منْ صيدِ الحلالِ؟
الْحَدِيثُ الخامسُ والأربعونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ
عنْ أبِي قتادةَ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حَاجًّا، فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائفَةً مِنْهُمْ، فِيهمْ أَبُو قَتَادَةَ، وَقَالَ: ((خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، حتَّى نَلْتَقِيَ)) فأَخَذوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ، إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ، فَلَمْ يُحْرِمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا فأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَو أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَكُلوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا)).
وفي روايَةٍ: ((هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ))؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ. فأَكَلَهَا.
المُفْرَدَاتُ:
قَوْلُهُ: (حَاجًّا). كانَ ذلكَ في عمرةِ الحُدَيْبِيَةِ، فَأَطْلَقَ على العمرةِ الحجَّ، وهوَ جائزٌ.
قَوْلُهُ: (حُمُرَ وَحْشٍ). نوعٌ من الصيدِ على الحمارِ الأَهْلِيِّ، نُسِبَتْ إلى تَوَحُّشِهَا.
قَوْلُهُ: (أَتَانًا). هيَ الأُنْثَى من الحُمُرِ.
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: أنَّ مَنْ كانَ لهُ مِيقَاتَانِ؛ قَرِيبٌ وبعيدٌ، أَحْرَمَ منْ أَيِّهِمَا أَرَادَ.
الثَّانِيَةُ: جوازُ أكلِ الحمارِ الوَحْشِيِّ، وأنَّهُ من الصيدِ.
الثَّالِثَةُ: جوازُ أكلِ المُحْرِمِ مِمَّا صَادَهُ الحَلَالُ إذا لم يَصِدْ لِأَجْلِهِ.
الرَّابِعَةُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ للمُحْرِمِ الاصطيادُ، ولا الإعانةُ عَلَيْهِ بشيءٍ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ والأربعونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ
عن الصَّعْبِ بنِ جَثَّامةَ الليثيِّ ، ((أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ- أَو بِوَدَّانَ- فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا في وَجْهِهِ، قَالَ: ((إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ، إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ)).
وفي لفظِ مسلمٍ: رِجْلَ حِمَارٍ.
وفي لفظٍ: شِقَّ حِمَارٍ.
وفي لفظٍ: عَجُزَ حِمَارٍ.
قالَ المُصَنِّفُ: وَجْهُ هذا الحديثِ: أنَّهُ ظنَّ أنَّهُ صِيدَ لِأَجْلِهِ، والْمُحْرِمُ لَا يَأْكُلُ ما صِيدَ لِأَجْلِهِ
المُفْرَدَاتُ:
قَوْلُهُ: (الأَبْوَاءُ وَوَدَّانُ). مَوْضِعَانِ بينَ مكَّةَ والمدينةِ.
قَوْلُهُ: (حُرُمٌ). بضمِّ الحاءِ والراءِ، أيْ: مُحْرِمُونَ.
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: قَبُولُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الهَدِيَّةَ جَبْرًا للقلوبِ.
الثَّانِيَةُ: رَدُّ الهَدِيَّةِ إذا وُجِدَ مانعٌ مَن قَبُولِهَا، وإخبارُ المُهْدِي بسببِ رَدِّهَا.
الثَّالِثَةُ: تحريمُ صيدِ الحلالِ على الْمُحْرِمِ الذي صِيدَ لأجلِهِ، وبهذا التَّفْصِيلِ يَحْصُلُ الجمعُ بينَ هذا الحديثِ والذي قبلَهُ؛ فإنَّ ظَاهِرَهُمَا التَّعَارُضُ، وكلامُ المُشَرِّعِ لا تَعَارُضَ فِيهِ واللَّهُ أعلمُ.
محمد أبو زيد
11-12-2008, 12:17 PM
بابُ المُحْرِمِ يأكلُ من صيدِ الحلالِ.
الْحَدِيثُ السابعُ والأرْبَعُونَ بعدَ الْمِائَتَيْنِ
عن أبي قتادةَ الأَنْصَارِيِّ رضِيَ اللَّهُ عنهُ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حَاجًّا، فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائفَةً مِنْهُمْ فِيهمْ أَبُو قَتَادَةَ، وَقَالَ:” خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْـرِ، حَتَّى نَلْتَقِيَ “ فأَخَذوا سَاحِلَ الْبَحْـرِ، فَلَمَّا انْصـرَفُوا أَحْرَمُـوا كُلُّهُمْ، إِلا أَبَا قَتَادَةَ، لَمْ يُحْرِمْ، فبينَمَا هم يسيرُونَ إذْ رَأَوْا حُمُـرَ وَحْشٍ، فحملَ أبو قتادةَ عَلَى الْحُمُرِ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا وأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثمَّ قُلْنَا: أَنأْكُلُ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا، فَأَدْرَكْنَا رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فقَالَ: مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قالُوا: لاَ. قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا “.
وفي روايةٍ: “ هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ “ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ، فأَكَلَ مِنْهَا أو فَأَكَلَهَا.(46)
الْحَدِيثُ الثامنُ والأرْبَعُونَ بعدَ الْمِائَتَيْنِ
عن الصَّعْبِ بنِ جَثَّامةَ الليثيِّ رضِيَ اللَّهُ عنه، أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ - أَوْ بوَدَّانَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا في وَجْهِهِ، قَالَ: “ إِنَّا لَم نَرُدَّهُ عَلَيْكَ، إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ “.
وفي لفظٍ لمسلمٍ: رِجْلَ حِمَارٍ.
وفي لفظٍ: شِقَّ حِمَارٍ.
وفي لفظٍ: عَجُزَ حِمَارٍ.
قال المصنِّفُ: وجْهُ هذا الحديثِ: أنَّهُ ظنَّ أنَّهُ صِيدَ لأجلِهِ، والمُحْرِمُ لاَ يأكلُ ما صِيدَ لأجلِهِ.(47)
__________________
( 46 ) الغريبُ:
خرجَ حاجًّا: من المُعتمَدِ أنَّ ذلك في ( عُمرةِ الحديبيَةِ ) فأطلقَ علَى العُمْرَةِ الحجَّ، وهو جائزٌ.
فإنَّ الحجَّ: القصدُ، والمُعتمِرُ قاصدٌ البيتَ.
حُمُرُ وَحْشٍ: نوعٌ من الصيدِ علَى صفةِ الحمارِ الأهليِّ، ومفردُهَا حمارٌ.
ونُسِبَتْ إلَى الوَحْشِ، لتوحُّشِهَا، وعدمِ استئناسِهَا.
أتانًا: هي الأنثَى من الحُمُرِ.
المعنَى الإجماليُّ:
خرجَ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عامَ الحديبيَةِ، يريدُ العُمْرَةَ، وقبلَ أنْ يصلَ إلَى مَحْرَمِ المدينةِ، القريبِ منهَا، وهو ( ذُو الحُلَيْفَةِ ) بلَغَهُ أنَّ عَدُوًّا أتَى من قِبَلِ ساحلِ البحرِ يُرِيدُهُ، فأمرَ طائفةً من أصحابِهِ ـ فيهم أبو قتادةَ ـ أنْ يأخذُوا ذاتَ اليمينِ، علَى طريقِ الساحلِ ليَصُدُّوهُ، فسارُوا نحوَهُ، فلمَّا انصرفُوا لمقابلَةِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في ميعادِهِ، أحرمُوا إلا أبَا قتادةَ، فلم يُحرمْ. وفي أثناءِ سيرِهم، أبْصَرُوا حُمُرَ وَحْشٍ، وتمنَّوْا بأنفسِهم لو أبْصَرَهَا أبو قتادةَ؛ لأنَّهُ حلالٌ، فلمَّا رآهَا حملَ عليهَا فعَقَرَ منهَا أتانًا، فأكلُوا من لحْمِها، ثم وقعَ عندهم شكٌّ في جوازِ أكْلِهم منهَا، وهم مُحْرِمُونَ، فحَملُوا ما بقِيَ من لحْمِها حتَّى لَحِقُوا النبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فسألُوهُ عن ذلك، فاستفسرَ منهم: هلْ أمَرَهُ أحدٌ منهم، أو أعانَهُ بدَلالةٍ، أو إشارةٍ؟ قالُوا: لم يحصلْ شيءٌ من ذلك.
فَطَمْأَنَ قلوبَهم بأنَّهَا حلالٌ؛ إذْ أمرَهُم بأكْلِ ما بقِيَ منهُ، وأكَلَ هو صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ منهَا.
ما يُؤخذُ من الحديثِ:
1- أنَّ مَن كانَ لهُ ميقاتانِ؛ قريبٌ وبعيدٌ، فهو مخيَّرٌ بسلوكِ أيِّ الطريقيْنِ شاءَ، ويُحْرِمُ من ميقاتِ ذلك الطريقِ الذي سلَكَهُ.
2- جوازُ أكْلِ الحمارِ الوَحْشيِّ، وأنَّهُ من الصيدِ، بخلافِ الحمارِ الأهليِّ، فإنَّهُ رِجْسٌ.
3- جوازُ أكْلِ المُحرِمِ ممَّا صادَهُ الحلالُ، إذا لم يَصِدْهُ لأجلِهِ، وهي مسألةٌ خلافيَّةٌ، يأتِي بحْثُهَا في الحديثِ الذي بعدَ هذا، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى.
4- أنَّهُ لا يجوزُ للمُحرِمِ الاصطيادُ، ولا الإعانةُ عليهِ بدَلالةٍ، أو إشارةٍ، أو مُناولةِ سلاحٍ، أو غيرِ ذلك ممَّا يُعينُ علَى قتْلِهِ أو صيدِهِ.
5- جوازُ الاجتهادِ في المسائلِ العلميَّةِ، حتَّى في زمنِ النبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، ولكنَّ النصَّ مُقدَّمٌ علَى ما فُهِمَ بطريقِ الاجتهادِ.
ولذا فإنَّ الصحابةَ بعدَما أكلُوا من الحمارِ الوحشيِّ مجتهدينَ، وحصلَ لهم شكٌّ في جوازِ أكْلِهم رجَعُوا في تحقيقِ ذلك إلَى النبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ.
6- تطمينُ المُسْتَفْتِي بالقولِ والفعلِ، إذا أمكَنَ ذلك؛ لأنَّهُ أبلَغُ في تعليمِهِ، وأبعدُ للشكِّ عنهُ.
7- فيهِ أدبُ المُفتِي، ومنهُ أنْ يُسْتَفْصَلَ السائلُ عن مُلابِساتِ الفتوَى، وما يَخْتَلِفُ الحُكْمُ لأجلِهِ.
( 47 ) الغريبُ:
الصَّعبُ: بفتحِ الصادِ المُهمَلةِ، وسكُونِ العينِ المهملةِ.
جَثَّامَة: بفتْحِ الجيمِ والميمِ، وتشديدِ الثاءِ المثلَّثةِ.
الأبْوَاءُ، وَدَّان: تقدَّمَ ضبطُ الأبواءِ، وأنَّهُ المكانُ المعروفُ بـ ( مَسْتُورةَ ).
وأمَّا ( وَدَّانُ ) فموضعٌ قريبٌ منهُ، وهو بفتحِ الواوِ، وتثقيلِ الدالِ المهملةِ، بعدَهَا ألفٌ ونونٌ.
لم نَرُدَّهُ: اسْتُعْملَ بفتحِ الدالِ، ويجوزُ ضمُّهَا.
إنَّا حُرُمٌ: بكسرِ الهمزةِ وفتْحِهَا.
فالكسرُ: علَى أنَّهَا ابتدائيَّةٌ لاستئنافِ الكلامِ. والفتحُ: علَى حذفِ لامِ التعليلِ.
والأصلُ: ( إنَّا لم نَرُدَّهُ عليكَ إلا لأنَّنا حُرُمٌ ). و ( حُرُمٌ ) بضمِّ الحاءِ، والراءِ المهملتيْنِ، أي مُحرِمُونَ.
المعنَى الإجماليُّ:
لمَّا خرجَ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في حجَّةِ الوداعِ، وبلغَ إمَّا الأبواءَ أو وَدَّانَ، وأحدُهما قريبٌ من الثانِي، أهدَى إليهِ ( الصَّعْبُ بنُ جثامةَ ) حمارًا وحشيًّا.
وكان من عادتِهِ الكريمةِ، وتواضُعِهِ المعروفِ، قبولُ الهَدِيَّةِ، مهما قلَّتْ، ومِن أيِّ أحدٍ.
وقد ردَّهُ عليهِ؛ لأنَّهُ ظنَّ أنَّهُ صادَهُ لأجلِهِ، وهو أَوْلَى مَنْ تورَّعَ عن المُشْتَبِهِ، وما صادَهُ الحلالُ للمُحرِمِ، فإنَّهُ لا يحِلُّ لهُ.
وأخبرَهُ بسببِ ردِّهِ عليهِ، وهو أنَّهم مُحرِمُونَ، والمُحرمونَ لا يأكلونَ ممَّا صِيدَ لهم؛ لئلاَّ يقعَ في نفسِهِ شيءٌ من ردِّ هديَّتِهِ.
ما يُؤخذُ من الحديثِ:
1- قبولُهُ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الهَدِيَّةَ؛ جبرًا لقلوبِ أصحابِهَا.
2- ردُّ الهَدِيَّةِ إذا وُجِدَ مانعٌ من قبولِهَا، وإخبارُ المُهْدِي بسببِ الردِّ؛ لتطمئنَّ نفسُهُ، وتَزُولَ وَساوسُهُ.
3- تحريمُ صيدِ الحلالِ علَى المُحرِمِ، إذا كانَ قد صِيدَ من أجلِهِ.
اختلافُ العُلماءِ:
اختلَفَ العُلماءُ في أكْلِ الصيدِ المَصِيدِ للمُحرِمِ.
فمذهبُ أبي حنيفةَ، وعطاءٍ، ومُجَاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، جوازُ أكلِ المُحرِمِ لِمَا صادَهُ الحلالُ من الصيدِ، سواءٌ أصادَهُ لأجلِهِ أم لا.
وهو مَرْوِيٌّ عن جملةٍ من الصحابةِ، منهم: عمرُ بنُ الخطَّابِ، والزبيرُ، وأبو هريرةَ.
وحُجَّةُ هؤلاءِ: حديثُ أبي قتادةَ المذكورُ في هذا البابِ.
فإنَّ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أكَلَ منهُ، وأقَرَّ رُفْقةَ أبي قتادةَ علَى أكْلِهم قبلَ أنْ يأتُوا إليهِ، وأمَرَهم بالأكْلِ منهُ أيضًا.
وذهبَ طائفةٌ إلَى تحريمِ لحْمِ الصيدِ علَى المُحرِمِ مطلقًا، سواءٌ أَصِيدَ لأجلِهِ، أمْ لم يُصَدْ لأجلِهِ.
ومِن هؤلاء: عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عبَّاسٍ، وابنُ عمرَ، ومَرْوِيٌّ عن طاووسٍ، وسفيانَ الثوريِّ.
وحجَّةُ هؤلاء عمومُ قولِهِ تعالَى: ( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ) [المائدة: 96].
وحديثُ ( الصَّعْبِ بنِ جَثَّامةَ ) الذي معنا، فإنَّ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ردَّهُ، وعلَّلَ الردَّ بمجرَّدِ الإحرامِ.
وذهبَ جمهورُ العُلماءِ - ومنهم الأئمَّةُ: مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ ـ إلَى التوسُّطِ بين القوليْنِ.
فما صادَهُ الحلالُ لأجلِ المُحرِمِ، حُرِّمَ علَى المُحرِمِ، وما لم يَصِدْهُ لأجلِهِ، حَلَّ لهُ.
وقد صحَّ هذا التفصيلُ عن عثمانَ بنِ عفانَ.
وأرادَ بهذا التفصيلِ الجمعَ بين حديثِ أبي قتادةَ، وحديثِ الصعبِ بنِ جثامةَ؛ لأنَّ كلَيْهِمَا صحيحٌ، لا يمكنُ ردُّهُ.
وممَّا يُؤيِّدُ هذا الرأيَ، ما روَى الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، والنَّسَائِيُّ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: " صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلاَلٌ، وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ ".
وبهذا تجتمعُ الأدلَّةُ، وإعمالُهَا أحسنُ من إهمالِ بعضِهَا مع صحَّتِهَا.
وهو جمعٌ مستقيمٌ، ليسَ فيهِ تكلُّفٌ أو تعسُّفٌ.
قد يُسْتَبْعَدُ أنْ يَصيدَ أبو قتادةَ الحمارَ الوحشيَّ لأجلِهِ وحدَهُ، دونَ رفقتِهِ، وهو إشكالٌ في موضعِهِ.
والذي يُزيلُ هذا الإشكالَ هوَ أنْ نَفْهَمَ أنَّ الصيدَ عندَ العربِ هِوَايَةٌ مُحَبَّبَةٌ لديهم، وظَرْفٌ يَتَعَشَّقُهُ مُلوكُهم وكِبَارُهُم.
فلا يبعُدُ أنَّ أبا قتادةَ لمَّا رأَى حُمُرَ الوحشِ، شاقَهُ طِرَادُهَا قبلَ أنْ يُفكِّرَ في أنَّهُ سيصيدُهَا ليأكلَ لحْمَهَا هو وأصحابُهُ.
محمد أبو زيد
11-12-2008, 12:32 PM
بابُ المُحْرِمِ يَأْكُلُ مِن صيدِ الحلالِ
252 - الحديثُ الأَوَّلُ: عن أبِي قتادةَ الأنصاريِّ، أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حَاجًّا، فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ - فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ - وَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ البَحْرِ، حَتَّى نَلْتَقِيَ، فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كلُّهُمْ، إِلاَّ أَبَا قَتَادَةَ، فَلَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَما هُمْ يَسِيرُونَ، إِذ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِها، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قالُوا: لاَ.قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِي مِنْ لَحْمِهَا)). وَفِي روايةٍ: ((قَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ فقلتُ: نَعَمْ. فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ، فأَكَلَ مِنْهَا)).
تَكَلَّمُوا فِي كونِ أبِي قتادةَ لم يكنْ مُحْرِمًا، مَعَ كونِهم خَرَجُوا للحجِّ، وَمَرُّوا بالميقاتِ، ومن كَانَ كَذَلِكَ وجبَ عَلَيْهِ الإِحرامُ مِن الميقاتِ، وَأُجِيبَ بوجوهٍ: مِنْهَا مَا دلَّ عَلَيْهِ أَوَّلُ هَذَا الحديثِ، مِن أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى جهةٍ أخرى لكشفِها، وَكَانَ الالتقاءُ بعدَ مُضِيِّ مكانِ الميقاتِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ قبلَ توقيتِ المواقيتِ.
و((الْأَتَانُ)) الأُنْثَى مِن الحُمُرِ، وقولُهم: ((نأْكلُ مِن لَحْمِ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ )). ورجوعُهم إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ دليلٌ عَلَى أمرينِ: أحدُهما: جوازُ الاجتهادِ فِي زمنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنَّهُم أَكَلُوه باجتهادٍ، وَالثَّانِي: وجوبُ الرجوعِ إِلَى النصوصِ عندَ تَعَارُضِ الأشباهِ والاحتمالاتِ.
وقولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ )). فِيْهِ دليلٌ عَلَى أنهم لَوْ فعلُوا ذَلِكَ لكانَ سببًا للمَنْعِ.
وقولُه عَلَيْهِ السَّلامُ: ((فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا )). دليلٌ عَلَى جوازِ أَكْلِ المُحْرِمِ لَحْمَ الصيدِ، إِذَا لم يَكُنْ مِنْهُ دلالةٌ وَلاَ إشارةٌ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَكْلِ المُحْرِمِ لحمَ الصيدِ عَلَى مذاهبَ: أحدُها: أَنَّهُ ممنوعٌ مطلقًا، صِيدَ لأجلِه أَوْ لاَ، وَهَذَا مذكورٌ عن بَعْضِ السلفِ، ودليلُه حديثُ الصَّعْبِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُه. وَالثَّانِي: أَنَّهُ ممنوعٌ إن صادَه أَوْ صِيدَ لأجلِه، سواءٌ كَانَ بإذنِه أَوْ بغيرِ إذنِه، وَهُوَ مذهبُ مَالكٍ وَالشَّافعيِّ. والثالثُ: أَنَّهُ إن كَانَ باصطيادِه، أَوْ بإذنِه، أَوْ بدلالتِه حُرِّمَ، وإن كَانَ عَلَى غيرِ ذَلِكَ، لم يُحَرَّمْ.
وحديثُ أبِي قتادةَ هَذَا يدلُّ عَلَى جوازِ أَكْلِهِ في الْجُمْلَةِ، وَهُوَ عَلَى خلافِ مَذْهَبِ الأَوَّلِ، ويَدُلُّ ظاهرُه عَلَى أَنَّهُ إِذَا لم يُشِر المُحْرِمُ إليه، وَلاَ دلَّ عَلَيْهِ، يجوزُ أَكْلُه، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الموانعَ المانعةَ مِن أَكْلِه، والظاهرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ غيرُها مانعًا لذُكِرَ، وإِنما احتَجَّ الشَّافعيُّ عَلَى تحريمِ مَا صِيدَ لأجلِه مطلقًا، وإِن لم يكنْ بدلالتِه وإذنِه بأمورٍ أُخْرَى، مِنْهَا حديثُ جابرٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لحمُ الصيدِ لكم حلالٌ، مَا لم تَصِيدُوه، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ)).
وَالَّذِي فِي الروايةِ الأُخْرَى مِن قولِه عَلَيْهِ السَّلامُ: ((هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ )). فِيْهِ أمرانِ: أحدُهما تَبَسُّطُ الإِنسانِ إِلَى صاحبِه فِي طلبِ مثلِ هَذَا. وَالثَّانِي: زيادةُ تَطْيِيبِ قُلُوبِهِمْ فِي مُوافَقَتِهِمْ فِي الأكلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لنا قولُه، عَلَيْهِ السَّلامُ: ((لَوْ اسْتَقْبَلْتُ من أمري مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَما سُقْتُ الهديَ )). والإِشارةُ إِلَى أنَّ ذَلِكَ لِطَلبِ موافقتِهم فِي الحلقِ، فَإِنَّهُ كَانَ أطيبَ لِقُلُوبِهِمْ.
253 - الحديثُ الثَّانِي: عن الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ الليثيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ((أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بالأبْوَاءِ - أَوْ بودَّانَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رأى مَا فِي وَجْهِي، قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عليكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ)). وَفِي لفظٍ لِمُسْلِمٍ: ((رِجْلَ حِمَارٍ)). وَفِي لفظٍ:((شِقَّ حِمَارٍ)). وَفِي لفظٍ: ((عَجُزَ حِمَارٍ)).
وجهُ هَذَا الحديثِ أَنَّهُ ظنَّ أَنَّهُ صِيدَ لأجلِه والمُحْرِمُ لاَ يأكلُ مَا صِيدَ لأجلِه.
((الصَّعْبُ)) بالصادِ المهملةِ والعينِ المهملةِ أَيْضًا، و((جَثَّامَةَ)) بفتحِ الجيمِ وتشديدِ الثاءِ المثلثةِ وفتحِ الميمِ. وقولُه: ((أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) الأصلُ أن يَتَعَدَّى ((أَهْدَى)) بإلى، وَقَدْ يتعدَّى باللامِ، ويكونُ بمعناه، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تكونَ اللامُ بمعنى ((أَجْلِ)) وَهُوَ ضعيفٌ.
وقولُه: ((حِمَارًا وَحْشِيًّا )). ظاهرُه أَنَّهُ أَهْدَاهُ بِجُمْلَتِه، وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حيًّا، وَعَلَيْهِ يدلُّ تبويبُ البخاريِّ، رحمَه اللهُ. وقيلَ: إِنَّهُ تأويلُ مَالكٍ، رحمَه اللهُ، وَعَلَى مقتضاه يُسْتَدَلُّ بالحديثِ عَلَى مَنْعِ وضعِ المُحْرِمِ يَدَهُ عَلَى الصيدِ بطريقِ التَّمَلُّكِ بالهديةِ، ويُقَاسُ عليها مَا فِي معناها مِن البيعِ والْهِبَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ رُدَّ هَذَا التأويلُ بالرواياتِ التي ذَكَرَها المُصَنِّفُ عن مُسْلِمٍ، مِن قولِه: ((عَجُزَ حِمَارٍ، أَوْ شِقَّ حِمَارٍ، أَوْ رِجْلَ حِمَارٍ )). فَإِنَّهَا قويَّةُ الدلالةِ عَلَى كونِ المُهْدَى بعضًا وغيرَ حيٍّ، فَيَحْتَمِلُ قولُه: ((حِمَارًا وَحْشِيًّا)) المجازَ، وتسميةَ البعضِ باسمِ الكلِّ، أَوْ فِيْهِ حذفُ مضافٍ، وَلاَ تَبْقَى فِيْهِ دلالةٌ عَلَى مَا ذُكِرَ مِن تَمَلُّكِ الصيدِ بالهبةِ عَلَى هَذَا التقديرِ.
وقولُه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عليكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ )). ((إِنَّا)) الأُولَى مكسورةُ الهمزةِ؛لأنها ابتدائيةٌ، والثانيةُ مفتوحةٌ؛ لأنها حُذِفَ مِنْهَا اللامُ التي للتعليلِ، وأصلُه: إِلاَّ لأنَّا.
وقولُه: ((لَمْ نَرُدَّهُ)) المشهورُ عندَ المُحَدِّثِينَ فِيهِ فتحُ الدالِ، وَهُوَ خلافُ مذهبِ المُحَقِّقِينَ مِن النحاةِ، ومُقْتَضَى مذهبِ سيبويهِ ضَمُّ الدالِ، وَذَلِكَ فِي كلِّ مُضَاعَفٍ مجزومٍ، أَوْ موقوفٍ، اتَّصَلَ بِهِ هاءُ ضميرِ المُذَكَّرِ، وَذَلِكَ مُعَلَّلٌ عِنْدَهُمْ بأنَّ الهاءَ حرفٌ خَفِيٌّ، فكأنَّ الواوَ تاليةٌ للدالِ، لعدمِ الاعتدادِ بالهاءِ، وَمَا قبلَ الواوِ يُضَمُّ، وَعَبَّرُوا عن ضَمَّتِهَا بالإِتْبَاعِ لما بعدَها، وَهَذَا بخلافِ ضميرِ المُؤَنَّثِ إِذَا اتَّصَلَ بالمُضَاعَفِ المُشَدَّدِ، فَإِنَّهُ يُفْتَحُ باتِّفَاقٍ. وحُكِيَ فِي مثلِ هَذَا الأَوَّلِ الموقوفِ لغتانِ أُخْرَيَانِ، إحدَاهُما: الفتحُ، كَمَا يقولُ المُحَدِّثُونَ. والثانيةُ: الكسرُ، وَأُنْشِدَ فِيْهِ:
قَالَ أَبُو ليلى لحُبْلَى مُدِّه حَتَّى إِذَا مَدَدْتِه فَشُدِّه
إن أبا ليلى نَسيجُ وَحْدِه
وقولُه عَلَيْهِ السَّلامُ: ((إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ )). يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي منعِ أكلِ المُحْرِمِ لحمَ الصيدِ مطلقًا، فَإِنَّهُ عُلِّلَ ذَلِكَ بمجرَّدِ الإِحرامِ، والذين أَبَاحُوا أَكْلَه لاَ يكونُ مجرَّدُ الإِحرامِ عندَهم عِلَّةً، وَقَدْ قيلَ: إن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا رَدَّهُ؛لأنه صِيدَ لأجلِه، جمعًا بينَه وَبَيْنَ حديثِ أبِي قتادةَ، و((الحُرُمُ)) جَمْعُ حَرَامٍ.
و((الأبْوَاءِ)) بفتحِ الهمزةِ وسكونِ الباءِ الموحَّدَةِ والمدِّ، و((وَدَّانُ)) بفتحِ الواوِ وتشديدِ الدالِ، آخرُه نونٌ، موضعانِ معروفانِ فيما بَيْنَ مكَّةَ والمدينةِ.
ولمسألةِ أكلِ المُحْرِمِ الصَّيدَ، تعليقٌ بقولِه تَعَالَى: )وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) [المائدة: 96]، وَهَلْ المرادُ بالصيدِ نفسُ الاصطيادِ أَوْ المَصِيدُ؟ وللاستقصاءِ فِيهِ موضعٌ غيرُ هَذَا، ولكنَّ تعليلَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنهم حُرُمٌ قَدْ يكونُ إشارةً إليه.
وَفِي اعتذارِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للصَّعْبِ تطييبٌ لقلبِه، لِمَا عَرَضَ لَهُ من الكراهةِ فِي ردِّ هديَّتِه، ويُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ مثلِ ذَلِكَ من الاعتذارِ.
وقولُه: ((فَلَمَّا رَأى مَا فِي وَجْهِي )). يريدُ مِن الكراهةِ بسببِ الردِّ.
محمد أبو زيد
11-12-2008, 12:35 PM
باب المحرم يأكل من صيد الحلال
عن أبي قتادة الأنصاري، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجاً، فخرجوا معه، فصرف طائفةً منهم وبهم أبو قتادة، وقال: ((خذوا ساحل البحر حتى نلتقي)) فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة فلم يحرم، فبينما هم يسيرون إذْ رأوا حُمُر وحشٍ، فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل من لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عن ذلك، فقال: ((منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟)) قالوا: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلوا ما بقي من لحمها، وفي رواية: ((هل معكم منه شيء؟)) فقلت: نعم: فناولته العضد فأكل منها.
وعن الصعب بن جثامة الليثي، رضي الله عنه أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا، وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرُم)) وفي لفظ لمسلم: رِجل حمار وفي لفظ: شِقَّ حمار وفي لفظ: عَجُزَ حمار قال المصنف، وجه هذا الحديث أنه ظن أنه صيد لأجله، والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله.
الشرح: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد، فهذان الحديثان الصحيحان، حديث أبي قتادة الأنصاري، وحديث الصعب بن جثامة الليثي في شأن الصيد الذي يُهدى للمحرم، الصيد الذي يُهدى للمحرم فيه تفصيل، فإن كان الصيد الذي يُهدى للمحرم حيا، كحمار وحش حي أو غزال حي أو أرنب حي، فلا يقبله المحرم، كما رد النبي صلى الله عليه وسلم على الصعب بن جثامة الحمار الوحشي؛ لأن المحرم لا يصيد ولا يشتري الصيد، ولا يقبله هدية وهو محرم، أما إن كان مذبوحا فهذا فيه تفصيل، فإن كان الصيد ذبحه مُحْرِم لم يحل للمحرم ولا لغير المحرم؛ لأنه ذبح غير شرعي، فيكون في حقه كالميتة، حرام، أما إذا كان الذي ذبحه حلال، ولم يذبحه لأجل المحرم، بل ذبحه لنفسه أو لبيعه، أو لياكل منه، ثم أهدى منه للمحرم، فلا حرج في ذلك، ولهذا لما صاد أبو قتادة الحمار الوحشي، وأهدى منه للصحابة المحرمين أكلوا فلما توقفوا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: لا بأس إذا كنتم لم تأمروه، ولم تشيروا عليه في شيء، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم، ناولوه العضد فأكل منها، فدل ذلك على أن الحلال إذا صاد صيدا، ولم يساعده محرم لا بإشارة ولا بأمر ولا بآلة ولم يُصده من أجله فلا حرج، أما إن كان المحرم ساعده أو أشار إليه أو أعطاه السوط أو أعطاه الرمح أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يحل له، أو صاده الحلال لأجل المحرم، فلا يحل للمحرم، وعلى هذا يحمل رواية الصعب بن جثامة التي فيها أنه أهدى رجل حمار أو عجز حمار أو شق حمار، يحمل على أنه صاده، لأجل النبي صلى الله عليه وسلم، فلهذا رده النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا معنى حديث جابر. وفي السنن قال صلى الله عليه وسلم: ((صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصد لكم)) إذا صاده المحرم أو صيد من أجله فلا يحل، أما إذا كان ما صاده المحرم ولا صيد لأجله وصاده الحلال فلا بأس، وهذا معنى: ((صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصد لكم)) فإذا صاده المحرم حُرم، أو صيد لأجله حرم، أما إذا كان صاده الحلال كما فعل أبو قتادة لا لأجل المحرم فإنه حلال، يأكل منه المحرم ويأكل الحلال؛ لأنه لم يصد من أجله ولم يساعده فيه ولم يشارك بشيء، فإذا ساعد عليه بإشارة أو بسلاح أو بأمر أو أتى حيا وسُلِّم له حي أو صيد لأجله، فهذه أحوال ثلاثة
1. الأولى: أن يصاد لأجله.
2. والثانية: أن يساعد فيه، ويشير إليه.
3. والثالثة أن يكون حيا، لا يحل له.
أما غير هذه الثلاث فلا بأس، إذا صاده الحلال، وليس له نية أن يعطيه المحرم، ولم يساعده ولم يعطيه إلا قطعة من ...
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir