محمد أبو زيد
11-12-2008, 01:19 PM
بَابُ الْعَرَايَا(62)
الحديثُ الْحَادِي والسِّتُّونَ بعدَ الْمائَتَيْنِ
261- عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّ رَسُولَ اللهِِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ، أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا.
ولمسلمٍ: ((بِخَرْصِهَا تمْراً، يَأْكُلُونَهَا رُطَباً)).(63)
الحَدِيثُ الثَّانِي والسِّتُّونَ بعدَ الْمائَتَيْنِ
262- عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ في بَيْعِ الْعَرَايَا في خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ.(64)
بَابُ بَيْعِ النَّخْلِ بعدَ التَّأْبِيرِ
الحديثُ الثَّالِثُ والسِّتُّونَ بعدَ الْمائَتَيْنِ
263- عَنْ عَبْدِ اللهِِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:((مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا للْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ )).
ولـ(( مُسْلِمٍ )) وَ ((وَمَن ابْتَاعَ عَبْداً فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إلاَّ أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ )).(65)
بَابُ نَهْيِ الْمْشْتَرِي
عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ
الحَدِيثُ الرَّابِعُ والسِّتُّونَ بعدَ الْمائَتَيْنِ
264- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَن ابْتَاعَ طَعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوفِيَهُ)).
وفي لفظٍ: (( حَتَّى يَقْبِضَهُ )). وعن ابنِ عبَّاسٍ.. مِثْلُهُ.(66)
بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الخبائِثِ(67)
الحَدِيثُ الخَامسُ والسِّتُّونَ بعدَ الْمائَتَيْنِ
265- عن جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ:((إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ؟ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فقَالَ:((لاَ، هُوَ حَرَامٌ))، ثمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عِنْدَ ذَلِكَ، ((قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا، جَمَلُوهُ، ثمَّ بَاعُوهُ، فأَكُلُوا ثَمَنَهُ)).
جَمَلُوهُ: أَذَابُوهُ.(68)
_____________________
62- هذا البابُ يَذْكُرُ فيهِ ما جاءَ في جوازِ بيعِ العَارِيةِ - ويأتِي تعريفُهَا: وهيَ مسألةٌ مستثناةٌ مِن تحريمِ ((بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ)) الذي تقدَّمَ الكلامُ عليهِ في الحديثِ رقم [257] ويأتِي توضيحُ ذَلِكَ وتوجيهُهُ إنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى.
63- الغريبُ:
الْعَرِيَّةُ: فَعِيلَةٌ بمعنى مفعولةٍ. وجَمْعُهَا عَرَايَا مثلُ: مَطِيَّةٌ و مَطَايَا. قالَ في مختارِ الصِّحَاحِ: وإنَّمَا أُدْخِلتْ فيهَا الهاءُ؛ لأَنَّها أفردتْ فصارتْ في عِدَادِ الأسماءِ، كَالنَّطِيحَةِ، والأكيلَةِ. وسُمِّيَتْ ((عَرِيَّةٌ)) لانفرادِهَا بالرُّخْصَةِ عن أخواتِهَا.
المَعْنَى الإِجْمَالِيُّ:
تقدَّمَ أنَّ بيعَ التَّمْرِ على رؤوسِ النَّخيلِ بتمرٍ مثلهِ محرَّمٌ؛ لأَنَّهُ بيعُ الْمُزَابَنَةِ المَنْهِيُّ عنهُ؛ لِمَا فيهِ مِن الجهلِ بتساوي النَّوْعينِ الرِّبَوِيَّيْنِ
وأشدُّ حالاتِهِ إذا باعَهُ على رؤوسِهِ, وهوَ رُطَبٌ، بتمرٍ جافٍّ، فقد خَفِيَ تساوِيهِ مِن وِجْهتينِ:
1- كونُهُمَا بيعاً خَرْصاً.
2- وكونُ أحدِهِمَا رطباً، والآخرُ جافًّا، فهذا البيعُ أحدُ صورِ ((رِبَا الْفَضْلِ )).
كانت الأثمانُ قليلةً في الزَّمَنِ الأوَّلِ، فيأتِي الرُّطَبُ في المدينةِ والتَّفَكُّهُ بهِ، والنَّاسُ مُحْتَاجُونَ إليهِ، وليسَ عندَ بعضِهِمْ ما يَشْتَرِي بهِ مِن النُّقُودِ، فَرَخَّصَ لهمْ أَنْ يَشْتَرُوا ما يَتَفَكَّهُونَ بهِ مِن الرُّطَبِ بالتَّمْرِ الجافِّ؛ ليأكلُوهَا رطبةً مُرَاعِينَ في ذَلِكَ تَسَاوِيهِمَا لوْ آلَتْ ثمارُ النَّخْلِ إلى الجفافِ.
مَا يُسْتَفَادُ مِن الحديثِ:
1- تحريمُ بيعِ التَّمْرِ على النَّخْلِ بتمرٍ مِثْلِهِ؛ لأَنَّهُ بيعُ الْمُزَابَنَةِ المَنْهِيُّ عنهُ، ومَأْخَذُهُ في هذا الحديثِ لفظُ: ((رَخَّصَ)).
2- جوازُ بيعِ العريةِ – وتَقَدَّمَ شَرْحُهَا لغةً وشرعاً - وهوَ مُسْتَثْنًى مِن التَّحْرِيمِ السَّابقِ في الْمُزَابَنَةِ.
3- أنَّ الرُّخْصَةَ لِمَن احتاجَ إلى أكلِ الرُّطَبِ خاصَّةًً.
4- أَنْ يُقَدَّرَ الرُّطَبُ على النَّخْلَةِ تمراً بقدرِ التَّمْرِ الذي جعُِلَ ثمناً لهُ.
فائدتانِ:
الأُولَى: تقدَّمَ التَّحْرِيمُ في بيعِ الْمُزَابَنَةِ الذي هو إحدى صورِ الرِّبَا المُحَرَّمِ، واسْتُثْنِيَ مِن هذا التَّحْرِيمِ مسألةُ ((العَرَايَا)).
فَلَمَّا جاءتْ على خلافِ الأصلِ، اشترطَ العلماءُ لِلْرُّخْصَةِ فيهَا شروطاً، بعضُهَا مأخوذٌ مِن أحاديثِهَا، وبعضُها باقٍ على أصلِ معاملةِ الرِّبَا.
1- أَنْ تُخْرَصَ النَّخْلَةُ بِمَا تؤولُ إليهِ تمراً لطلبِ المماثلةِ.
2- أَنْ تكونَ لمحتاجٍ إلى الرُّطَبِ ليأكُلَهُ رطباً.
والمشهورُ مِن مذهبِنَا المنعُ في عكسِ هذهِ ِ المسألةِ: وهوَ أَنْ يشترِيَ المحتاجُ إلى التَّمْرِ بِرُطَبِهِ تمراً , وفي وجْهٍ يجوزُ؛ لأَنَّهُ إذا جازَ لِمَن يريدُ التَّفَكُّهَ بالرُّطَبِ، فكيفَ لاَ يجوزُ لِمَن احتاجَ إلى التَّمْرِ ليأكلَ؟!
3- أَنْ لا يكونَ معهُ نقودٌ يشترِي بِهَا.
4- أَنْ يَتَقَابَضَا قبلَ التَّفَرُّقِ، فَالتَّمْرُ بِكَيْلِهِ، والنَّخْلَةُ بِتَخلِيَتِهَا.
5- أَنْ لا تزيدَ عن خمسةِ أَوْسُقٍ، ويأتي في الحديثِ الذي بعدَ هذا.
6- إذا اشترَى اثنانِ فأكثرُ مِن الرُّطَبِ , لكلِّ واحدٍ خمسةَ أَوْسُقٍ مِن رجلٍ واحدٍ صَحَّ، ولو اشترَى شخصٌ مِن بَائِعَيْنِ فأكثرَ خمسةَ أوسقٍ صَحَّ أيضاً. أمَّا إذا اشترَى مِن اثنينِ فأكثرَ أزيدَ مِن خمسةِ أوسقٍ فلا يَصِحُّ.
الفائدةُ الثَّانيةُ:
الجمهورُ مِن العلماءِ يَقْصُرونَ الجوازَ على النَّخْلِ خاصَّةًً، ورَخَّصَ بهِ طائفةٌ مِن العلماءِ , ومِنْهُمْ شيخُ الإسلامِ في سائرِ الثِّمَارِ؛ لأنَّ الرُّطَبَ فاكهةُ المدينةِ , ولكلِّ بلدٍ فاكهةٌ، والحكمةُ المُرَخِّصَةُ موجودةٌ فيها كُلِّهَا، والرُّخْصَةُ عامةٌ.
64- المَعْنَى الإِجْمَالِيُّ:
لَمَّا كانتْ مسألةُ ((الْعَرَايَا)) مُبَاحَةً للحاجةِ مِن أصلٍ مُحَرَّمٍ، اقْتُصِرَ على القَدْرِ المحتاجِ إليهِ غالباً، فَرُخِّصَ فِيمَا قَدْرُهُ خمسةُ أَوْسُقٍ فقطُ أو ما دونَ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ في هذا القدرِ تحصلُ الكفايةُ للتَّفَكُّهِ بالرُّطَبِ.
مَا يُسْتَفَادُ مِن الحديثِ:
1- الرُّخْصَةُ في بيعِ العَرَايَا للحاجةِ إلى التَّفَكُّهِ بِالرُّطَبِ.
2- أَنْ تكونَ الرُّخْصَةُ بقدرِ الكفايةِ؛ لأنَّ الرُّخْصَةَ لا يُتَجاوزُ بها قدرُ الحاجةِ.
3- الْوَسْقُ- بسكونِ السِّينِ ـ سِتُّونَ صَاعاً نَبَوِيّاً، فيكونُ ِثَلاَثَمائَِةِ صاعٍ. وتَقَدَّمَ أَنَّ الصَّاعَ النَّبَوِيَّ، ينقُصُ عن صاعِنَا الحاضرِ {وَكَيْلَتِنَا} الخُمْسُ وخُمْسُ الخُمْسِ، وهذا هوَ الحدُّ الأعلَى للجوازِ.
اختلافُ العلماءِ:
ذهبَ كثيرٌ مِن العلماءِ، و مِنْهُمْ الشَّافعيَّةُ والحنابلةُ والظَّاهريَّةُ إلى أَنَّهُ لا يجوزُ بيعُ العَرَايَا إِلاَّ فيمَا دونَ خمسةِ أوسقٍ؛ لأنَّ الأصلَ التَّحْرِيمُ، وبيعُ العرايَا رخصةٌ، فيؤخذُ بِمَا يَتَحَقَّقُ فيهِ الجوازُ، ويُلْغَى الشَّكُّ الذي وقعَ في الحديثِ [خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَو دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ] وهوَ شَكٌّ وَقَعَ لأحدِ رواةِ الحديثِ. وهوَ داودُ بنُ الحُصَيْنِ، فلذَلِكَ جَوَّزْنَا ((دُونَ خَمْسَةِ أَوسُقٍ ))لأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عليها, ومَنَعْنَا ((الْخَمْسَةَ)) لِلشَّكِّ فيها.والأصلُ التَّحْرِيمُ للنَّهْيِ عن الْمُزَابَنَةِ.
وذهبَ بعضُهمْ - و مِنْهُمْ المَالِكيةُ - إلى الجوازِ في الخمسةِ عملاً بروايةِ الشَّكِّ، وبِمَا رُوِيَ عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ [ أَنَّ العَرِيَّةَ ثَلاَثَةُ أَوْسُقٍ أَوْ أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ ] وَهُوَ روايةٌ عن الإِمَامِ أحمدَ، نَظَرَ فيها إلى عمومِ الرُّخْصَةِ، فَلا يَضُرُّ الشَّكُّ في الزِّيَادَةِ القليلةِ، واختارَهَا شَيْخُنَا ((عبدُ الرَّحْمَنِ آلُ سَعْدِيٍّ)) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
65- الغريبُ:
أُبِّرَتْ: بتخفيفِ الباءِ وتَشْدِيدِهَا.
فالأوَّلُ: أَبَرْتُ النَّخْلَ أَبْراً، بوزنِ أَكَلْتُ أكلاً.
والثَّاني: أَبَّرْتُ النَّخْلَ تَأْبِيراً، بوزنِ عَلَّمْتُهُ أُعَلِّمُهُ تَعْلِيماً.
والتَّأْبِيرُ: التَّلْقِيحُ، وهوَ وضعُ شيءٍ مِن طَلْعِ ذكَرِ النَّخْلِ، في طَلْعِ إِنَاثِهِ.
المُبْتَاعُ: هوَ المُشْتَرِي، بِقَرِينَةِ الإشارةِ إلى البَائِعِ , ويأتِي اللَّفْظُ للبائعِ والْمُشْتَرِي،فهوَ مِن الأضدادِ.
المَعْنَى الإِجْمَالِيُّ:
أَوَّلُ العملِ في ثَمَرَةِ النَّخْلِ هوَ تَلْقِيحُهُ، ولهذا فإنَّ الشَّارِعَ أناطَ بهِ الحُكْمَ. فمَن باعَ أصولَ نخلٍ، فإنْ كانت الثَّمَرةُ مُؤَبَّرَةً قد عملَ بهَا صاحبُهَا , واسْتَشْرَفَتْ نفسُهُ لَهَا، فهيَ للبائعِ مُبْقاةً على أصولِهَا إلى أوانِ جُذَاذِهَا. وإِنْ لمْ تُؤَبَّرْ فهي داخلةٌ في بيعِ الأصولِ، فتكونُ للمشترِي , هذا ما لمْ يشترِطِ الْمُشْتَرِي في الصُّورةِ الأُولَى، دخولَ الثَّمَرةِ أو بعضِهَا في البيعِ، أو يَسْتَثْني البائعُ الثَّمَرةَ أو بعضَها في الصُّورةِ الثَّانيةِ. فتكونُ باقيةً على أصولِهَا إلى أوانِ جُذَاذِهَا؛ لأنَّ المسلمينَ على شروطِهِم الصَّحِيحةِ، وهذا مِنْهَا. وكذَلِكَ العبدُ الذي جعلَ سيِّدُهُ بيدِهِ مالاً، فإنْ باعَهُ فمالُهُ لسيِّدِهِ الذي باعَهُ؛ لأنَّ العقدَ لا يتناولُهُ، إِلاَّ أَنْ يشترطَهُ الْمُشْتَرِي، أو يشترطَ بعضَهُ، فيدخلُ في البيعِ , ولو كانَ المالُ الذي معهُ مِمَّا يَجْرِي فيهِ الرِّبَا مع الثَّمَنِ فَإِنَّهُ جائزٌ؛ لأَنَّهُ تابعٌ غيرُ مقصودٍ لذاتِهِ, والتَّابِعُ لا حكمَ لهُ؛ لأَنَّهُ في حكمِ المتبوعِ.
مَا يُؤْخَذُ مِِن الحديثِِ:
1- أَنَّ مَن باعَ نخلاً قد أُبِّرَ، فثمرتُهُ للبائعِ، وهذا منطوقُ الحديثِ.
2- أنَّ مَن باعَ نخلاً لمْ يُؤَبَّرْ، فثمرتُهُ للمشترِي، وهذا مفهومُ الحديثِ.
3- إن استثْنَى البائعُ الثَّمَرةَ التي لمْ تُؤَبَّرْ، أو بعضَهَا فهي لهُ بشرطِهِ.
4- إن اشترطَ الْمُشْتَرِي دخولَ الثَّمَرةِ المؤبَّرَةِ بالعقدِ، فهي لهُ بشرطِهِ.
5- صِحَّةُ اشتراطِ بعضِ الثَّمَرةِ مأخوذٌ مِن حذفِ المفعولِ بهِ مِن قولِهِ. [ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ] فهوَ صادقٌ عليهِ كُلِّهِ، وعلى بعضِهِ.
6- إنْ كانَ بعضُ ثمرهِ مُؤَبَّراً، وبعضُهُ غيرَ مُؤَبَّرٍ، فالصَّحِيحُ أنَّ لكلٍّ حُكْمَهُ؛ لأنَّ الحُكْمَ يدورُ مع عِلَّتِهِ وجوداً وعَدَماً. إِلاَّ إذا كانَ التَّأْبِيرُ في نخلةٍ واحدةٍ, فتكونُ كلُّ ثمرتِهَا للبائعِ؛ لأنَّ باقيَهَا تَبَعٌ لأوَّلِهَا.
7- ألحقَ الفقهاءُ بالبيعِ جميعَ التَّصَرُّفَاتِ, كأَنْ يكونَ النَّخْلُ عِوَضَ صُلْحٍ، أو صَدَاقاً، أو جعلهُ صاحبُهُ أُجْرَةً، أو هِبَةً أو غيرَ ذَلِكَ مِمَّا فيهِ نقلُ المِلْكِ.
8- دخولُ الثَّمَرةِ في البيعِ إذا اشْتُرِيَتْ قبلَ التَّأْبِيرِ، أو اشْتَرَطَهَا الْمُشْتَرِي, وهيَ مُؤَبَّرَةٌ، يُعَدُّ بَيْعاً للثَّمَرِ قبلَ بُدُوِّ صلاحِهِ، لكنْ رُخِّصَ فيهِ؛ لأَنَّهُ تابعٌ لأَصْلِهِ, وليسَ مستقلاّ. والقاعدةُ العامةُ ((يَثْبُتُ تَبَعاً، مَا لاَ يَثْبُتُ اسْتِقْلاَلاً )) وهذهِ ِ الصُّورةُ مِنْهَا, وبهذا يُجْمَعُ بينَ النَّصَّيْنِ.
9- أنَّ مَن باعَ عبداً، وقدْ جعلَ بينَ يديهِ مالاً يَتَصَرَّفُ بهِ، فالمالُ للبائعِ إِلاَّ أَنْ يشترطَهُ الْمُشْتَرِي مع الصَّفْقةِ، أو يشترطَ بعضَهُ، فيدخلُ مع المبيعِ. وحينئذٍ يُشْتَرَطُ فيهِ ما يُشْتَرَطُ في غيرِهِ مِن المبيعاتِ.
10- لا يضرُّ أَنْ يكونَ مع العبدِ المبيعِ مَا يدخلُهُ الرِّبَا مع الثَّمَنِ، كأَنْ يَبْتَعْهُ فضة,ٌ والثَّمَنُ ريالاتٌ فِضِّيِّةٌ؛ لأَنَّهُ تابعٌ.
11- قالَ شيخُ الإسلامِ: بيعُ الزَّرْعِ بشرطِ التَّبْقِيَةِ لا يجوزُ باتِّفَاقِ العلماءِ، وإن اشتراهُ بشرطِ القطعِ جازَ بالاتِّفَاقِ. وإن باعَهُ مطلقاً لمْ يَجُزْ عندَ جماهيرِ العلماءِ، فإنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن بيعِ الحَبِّ حَتَّى يشتدَّ.
66- الغريبُ:
مَن ابتاعَ: يعني مَن اشترَي.
طعاماً - لغةً - كلُّ مطعومٍ، مِن مأكولٍ ومشروبٍ.
وفي الصَّدْرِ الأوَّلِ، إذا أُطْلِقَ الطعامُ في الحجازِ، انْصَرَفَ إلى الْبُرِّ خاصَّةًً.
المَعْنَى الإِجْمَالِيُّ:
لَمَّا كانَ قبضُ الطَّعَامِ مِن مُتَمِّمَاتِ العقدِ، ومُكَمِّلاَتِ المِلْكِ، نَهَى الشَّارِعُ الحَكِيمُ الْمُشْتَرِيَ عن بيعِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ ويستوفيَهُ، ويكونَ تحتَ يدِهِ وتَصَرُّفِهِ؛ لأَنَّهُ ـ قبلَ القبضِ ـ عُرْضَةٌ للتَّلَفِ في ضمانِ البائعِ، ولأنَّ العقدَ عليهِ قبلَ القبضِ، رُبَّمَا سَبَّبَ فسخَ العقدِ الأوَّلِ.
فإنْ كانَ بخَسارةٍ، حاولَ الْمُشْتَرِي الفسخَ، وإنْ كانَ بربحٍ، حاولهُ البائعُ.
مَا يُسْتَفَادُ مِن الحديثِ:
1- النَّهْيُ عنْ بيعِ الطَّعامِ قبلَ قبضِهِ.
2- في لفظِ: [ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ]. مَا يُشْعِرُ بأَنَّهُ خاصٌّ بِمَا يُحْتاجُ إلى حقِّ تَوْفِيَةٍ، وهوَ المكيلُ والموزونُ.
وفي لفظِ:[حَتَّى يُقْبَضَ] ما يفيدُ عمومَ النَّهْيِ عن البيعِ، في الجُزَافِ، والمكيلِ، والموزونِ، ويأتي الخلافُ في ذَلِكَ، إنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى.
3- جوازُ بيعهِ بعدَ القبضِ والاستيفاءِ.
4- النَّهْيُ وردَ في الحديثِ بالتَّصَرُّفِ فيهِ بالبيعِ، ولكنْ أَلْحَقَ كثيرٌ مِن العلماءِ ـ و مِنْهُمْ الشَّافِعِيَّةُ، والحنابلةُ ـ بعضَ عقودٍ تدخلُ تحتَ مُسَمَّى البيعِ، أو تكونُ وسيلةً إليهِ كالإجارةِ، والهِبَةِ على عِوَضٍ، والرَّهْنِ، والحَوَالَةِ.
5- أمَّا ما عدَا البيعَ, وما يجرِي مجراهُ، فيجوزُ التَّصَرُّفُ فيهِ؛ لأَنَّهَا عقودٌ يُتَسَامَحُ فيها بالْغَرَرِ اليسيرِ، ولأنَّهَا لمْ تُقْصَدْ للرِّبحِ فمحذورٌ محاولةُ فسخِ العقدِ المشارِ إليهَا خفيةً.
اختلافُ العلماءِ:
ذهَبَت الحنفيَّةُ والشَّافِعِيَّةُ إلى المنعِ مِن بيعِ أيِّ شيءٍ قبلَ قبضِهِ، وهوَ روايةٌ قويةٌ عن الإِمَامِ أحمدَ، اختارَهَا مِن أَصْحَابِهِ ((ابنُ عَقِيلٍ )) والشيخُ تقيُّ الدِّينِ. وقالَ الشَّيْخُ: وعليهِ تَدُلُّ أصولُ أحمدَ، واختارهَا ((ابنُ القَيِّمِ )) وصحَّحَهَا، وذَكَرَ أنَّ أحاديثَهَا لا تُنافِي أحاديثَ الطَّعَامِ، وأطالَ القولَ فيهَا.
لكنَّ الحنفيَّةَ استثنَوْا بيعَ العَقَارِ، فيجوزُ - عندهُمْ - ولوْ قبلَ قبضِهِ.
وذهَبَت المالكيَّةُ في المشهورِ عنهمْ، إلى مَنْعِ ما بِيعَ مِن الطَّعَامِ بالكيلِ والوزنِ خاصَّةً.
وذهَبَت الحنابلةُ، في المشهورِ مِن مذهبِهِمْ إلى منعِ ما بِيعَ بِكَيْلٍ، أو وزنٍ أو عَدٍّ، أو بصفةٍ، أو رؤيةٍ مُتَقَدِّمَةٍ للعقدِ. ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بينَ المطعومِ وغيرِهِ.
وذهبَ بعضُ المالكيَّةِ إلى اختصاصِ ذَلِكَ بالمطعومِ، ويستوِي في ذَلِكَ أَنْ يكونَ جُزَافاً، أو مَكِيلاً، أو موزوناً أو غيرَها.
وفي هذا القدرِ مِن البيعِ تجتمعُ آراءُ جميعِ العلماءِ، ولمْ ينفردْ مِن فقهاءِ المذاهبِ إِلاَّ المُتَّقَيِّدُونَ بمشهورِ مذهبِ الحنابلةِ، الذينَ قَصَرُوا المنعَ على المبيعِ بالكيلِ أو الوزنِ، أو العدِّ أو الذََّرْعُ، مع أَنَّهُ - هُنَا - روايةٌ عن الإِمَامِ أحمدَ؛ منعُ بيعِ الطَّعَامِ مُطْلَقاً. مَشَى عليهَا ((الخِرَقِيُّ)) وصاحبُ الْمُغْنِي، وشارحُ المُقْنِعِ.
أدلةُ هذهِ ِ الأقوالِ:
استدلَّ الحنفيَّةُ والشَّافِعِيَّةُ ومَن وافَقَهُمْ، بمَا رواهُ أحمدُ، والنَّسائيُّ، عن حَكيمِ بنِ حِزامٍ قالَ: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَشْتَرِي بُيُوعاً، فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ؟ )).
فقالَ: ((إذا اشْتَرَيْتَ بَيْعاً فَلاَ تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ )). وفي إسنادِهِ مقالٌ للعلماءِ.
وما رواهُ أبو داودَ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وصَحَّحَهُ الحاكمُ، وابنُ حِبَّانَ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّ النّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ )). وظاهِرُ هذينِ الحديثينِ عامٌّ في كلِّ مبيعٍ.
واستدلَّ المالكيَّةُ، الذينَ يرونَ أنَّ المنعَ في مكيلِ الطَّعَامِ وموزونِهِ، بما رواهُ ((مسلمٌ ))و((أحمدُ )) عن جابرٍ قالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا ابْتَعْتَ طَعَاماً فَلاَ تَبِعْهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ )).
والاسْتِيفَاءُ، إِنَّمَا يكونُ في الكيلِ أو الوزنِ.
ومِثْلُهُ في ((مسلمٍ )) و((أحمدَ)) أيضاً, عن أبي هُرَيْرَةَ: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُشْتَرى الطَّعَامُ ثُمَّ يُبَاعَ حَتَّى يُسْتوْفَى )).
ولـ((مسْلِمٍ )): ((أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَن اشْتَرَى طَعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ )).
أمَّا الذينَ لا يفرِّقونَ في المطعومِ، بينَ الجُزَافِ وغيرِهِ، فيستدلُّونَ، بما رواهُ ((الْبُخَارِيُّ)) و((مسلمٌ)) و((أبو داودَ)) و((النَّسائيُّ)), عن ابنِ عمرَ قالَ: ((كانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ جُزَافاً بأعْلَى السُّوقِ, فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يَنْقُلُوهُ )).
وفي أحدِ ألفاظِ هذا الحديثِ: ((مَن ابْتَاعَ طَعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ )).
وهذهِ أحاديثُ تَعُمُّ الجُزَافَ وغيرَهُ، معَ أنَّ حديثَ ابنِ عمرَ نصٌّ صريحٌ بالجُزافِ.
وهذهِ الأدلَّةُ لا تُنَافِي حديثَ ابنِ عمرَ، وأبي هُرَيْرَةَ، اللذَيْنِ استدَلَّ بِهِمَا المالكيَّةُ؛ لأنَّ ثُبُوتَ وجوبِ القبضِ في المكيلِ والموزونِ، لا يستلزمُ عدمَ ثبوتِ الحُكْمِ في غيرِهِ.
وأدلةُ هاتينِ الطَّائِِِفَتَيْنِ تَدُلُّ- بمفهومِهَا - على اختصاصِ مَنْعِ البيعِ في الطَّعَامِ، سَواءً أكانَ مَكِيلاً أمْ موزوناً، كمَا هوَ مذهبُ المالكيَّةِ، أو همَا والجزافُ أيضاً، كمَا هوَ مذهبُ الذينَ بعدَهُمْ، ولكنَّهُ ((مفهومُ لقبٍ )) وليسَ بحجَّةٍ، ولوْ فرضْنَا مجيئَهُ، فَإِنَّهُ لا يُقَاوِمُ منطوقَ الأحاديثِ، التي استدلَّ بِهَا الحنفيَّةُ والشَّافِعِيَّةُ.
أمَّا أدلةُ المشهورِ من مذهبِ الحنابلةِ، فهيَ مفاهيمُ أحاديثِ الطَّعَامِ، أيضاً؛ لأَنَّهَا نصَّتْ عليهِ، فدلَّ على أنَّ هذا الحُكْمَ مقصورٌ على الطَّعَامِ، وأنَّ قصرَهُ على مَا يباعُ بالكيلِ والوزنِ؛ لأَنَّهُ هوَ الجارِي- غالباً - في بيعِهِ.
ولِمَا رُوِيَ عن ابنِ عمرَ ((مَضَت السُّنَّةُ أنَّ مَا أدْركَتْهُ الصَّفْقَةُ حَبًّا مَجْمُوعاً فَهُوَ مِن مَالِ الْمُبْتَاعِ )) رَواهُ الْبُخَارِيُّ تعليقاً، والمبتاعُ هوَ الْمُشْتَرِي.
ثُمَّ عَدَّوا هذا الحكمَ، إلى كلِّ مَا يَحْتاجُ إلى حَقِّ تَوْفِيَةٍ، مِمَّا بِيعَ بكيلٍ، أو وزنٍ، أو عَدٍّ أو ذَرْعٍ، أو بيعٍ بصفةٍ، أو رؤيةٍ مُتَقَدِّمَةٍ على العقدِ؛ لأنَّ هذا كُلَّهُ يحتاجُ إلى حَقِّ تَوْفِيَةٍ.
فائدتانِ:
الأُولَى: فقهاءُ المذاهبِ يجعلونَ ضمانَ التَّلفِ في الآفةِ السَّمَاوِيَّةِ ـ وهيَ مَا لا صُنْعَ لآدميٍّ فيها، كالحَرِّ، والبردِ، والجرادِ، ونحوِ ذَلِكَ مِن الجَوَائِحِ.
فَمَا يصحُّ عندَهُمْ تَصرُّفُ الْمُشْتَرِي فيهِ قبلَ القبضِ بالبيعِ، يكونُ ضمانُهُ عليهِ، إذا تَلَفَ أو تعيَّبَ.
وما لا يصحُّ تَصَرُّفُهُ فيهِ، فَمِن ضمانِ البائعِ على حسبِ اختلافِهِمْ المتَقَدِّمِ في ذَلِكَ.
الثَّانيةُ: في صفةِ قبضِ المبيعاتِ: يحصلُ قبضُ ما بِيعَ بكيلٍ، بكيلهِ. وما بيعَ بوزنٍ، بوزنِهِِِ. وما بيعَ بعدٍّ بعدِّهِ. وما بيعِ بذرعٍ بذرعِهِ. وما يُنْقَلُ، بنقلِهِ. وما يُتَنَاوَلُ بتناوُلِهِ.
والعَقَارُ والثَّمَرُ على الشَّجَرِ، بتخليتِهِ، بأَنْ يرفعَ البائعُ يدَهُ، ويَضَعَهَا
الْمُشْتَرِي.
67- مِن صفاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الكُتُبِ السَّابقةِ وعلى أَلْسِنَةِ الأنبياءِ عليهِم الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ: أَنَّهُ الذي يُحِلُّ الطَّيِّبَاتِ، ويُحَرِّمُ الخَبَائِثَ.
وهذا تشريعٌ عامٌّ في المآكلِ والمشاربِ، والملابسِ، والعاداتِ وغيرِ ذَلِكَ.
وهذهِ ِ قاعدةٌ كبيرَةٌ تُحَافِظُ على كلِّ طيِّبٍ، وتنفِي كلَّ خبيثٍ، كَمَا أنَّهَا مُعْتَمَدٌ لكلِّ ما جَدَّ وطَرَأَ، ليُقَاسَ بمقياسِهَا الصَّحِيحِ.
وهذا مِن كمالِ هذهِ ِ الشَريعَةِ، ومِن عناصرِ البقاءِ والخلودِ فيها.
وتأمَّل الحديثَ الآتِيَ تَجِدْ أنَّ المحرَّماتِ فيهِ عُدِّدَتْ إشارةً إلى أنَّهَا نماذجُ لِمَا يُفْسِدُ الأديانَ، والأبدَانَ، والعقولَ. فيُرَادُ بِذِكْرِهَا التَّنْبِيهُ على أنواعِهَا وأشباهِهَا. واللهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.
68- الغريبُ:
عامُ الفتحِ: هو فتحُ مكةَ، وكانَ في السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِن الهجرةِ في شهرِ رمضانَ.
حَرَّمَ: بإعادةِ الضَّمِيرِ إلى الواحدِ، تَأَدُّباً معَ اللهِ تَعَالَتْ عَظَمَتُهُ، وتَفَرَّدَ بِالْجَلاَلِ.
المَيْتَةُ: بفتحِ الميمِ، ما مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا، أو ذُكِّيَتْ ذكاةً غيرَ شَرْعِيَّةٍ.
الأصْنَامُ: مفردُهُ ((صَنَمٌ )) وهو ((الوَثَنُ)) المُتَّخَذُ مِن الأحْجَارِ وغيرِهَا، على هيئةٍ مخصوصةٍ للعبادةِ.
أرأيت َ شُحَومَ الميتةِ: أخْبِرْنِي عن حُكْمِ بيعِ شحومِ المَيْتَةِ: فهلْ يَحِلُّ معَ وجودِ هذهِ ِ المنافعِ فيهَا؟
يستصبحُ بِهَا النَّاسُ: أي يستضيئونَ بهِ، حينَ يجعلونَهُ في المصابيحِ، وهيَ السُّرُجُ.
هوَ حرامٌ: الضميرُ يعودُ على البيعِ.
قاتلَ اللهُ اليهودَ:لَعَنَهُم اللهُ؛ لِمَا ارتَكَبُوهُ مِن هذهِ ِ الحيلةِ الباطلةِ.
وفيهِ تنبيهٌ على علَّةِ تحريمِ بَيْعِ هذهِ الأشياءِ.
جَمَلُوهُ: بفتحِ الجيمِ والميمِ المخفَّفَةِ. أيْ: أَذَابُوهُ. و((الجَمِيلُ)) الشَّحْمُ المُذَابُ.
المَعْنَى الإِجْمَالِيُّ:
جاءتْ هذهِ ِ الشَريعَةُ الإسلاميةُ الساميةُ، بكلِّ ما فيهِ صلاحٌ للبشرِ، وحذَّرتْ مِن كلِّ ما فيهِ مَضَرَّةٌ تعودُ على العقولِ والأبدانِ والأديانِ.
فَأَبَاحَت الطَّيِّبَاتِ وهي أغلبُ مَا خلقَ اللهُ في الأرضِ لنَا , وحَرَّمَت الخبائثَ.
ومِن تلكَ الخبائثِ المحرَّمَةِ هذهِ ِ الأشياءُ الأربعةُ المعدودةُ في هذا الحديثِ, فكلُّ واحدٍ مِنْهَا يُشارُ بهِ إلى نوعٍ مِن المَضَارِّ.
فالخمرُ - وهيَ كلُّ مَا أَسْكَرَ وخامَرَ العقلَ - هي أُمُّ الخبائثِ، التي بِهَا تزولُ عن الإنسانِ نعمةُ العقلِ التي كَرَّمَهُ اللهُ بِهَا.ويأتي في حالِ سُكْرِهِ ولَهْوِهِ بأنواعِ المنكراتِ والعظائمِ، وإشاعةِ العداوةِ والبغضاءِ بينَ المسلمينِ، والصَّدِّ عن الخيرِ وعن ذِكْرِ اللهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الميتةَ، التي لمْ تَمُتْ - غالباً - إِلاَّ بعدَ أَنْ تَسَمَّمَتْ بالميكروباتِ والأمراضِ، أو احتَقَنَ دَمُهَا في لَحْمِهَا، فَأَفْسَدَهُ، فأكْلُهَا مضرَّةٌ كبيرةٌ على البدنِ، وهدمٌ للصِّحَّةِ. ومعَ هذا، فهيَ جِيفةٌ خبيثةٌ نتنةٌ نجسةٌ، تَعَافُّهَا النُّفُوسُ، ولوْ أُكِلَتْ مع كراهتِهَا والتَّقَزُّزِ مِنْهَا، لصَارَتْ مرضاً على مَرَضٍ، وبلاءً مع بلاءٍ.
ثُمَّ ذكرَ أخبثَ الحيواناتِ وأكرهَهَا وأبشعَهَا، وهو الخِنزيرُ الذي يحتوي على أمراضٍ وميكروباتٍ، لا تكادُ النَّارُ تقتلُهَا وتزيلُهُا, فضررُهُ عظيمٌ، ومفاسدُهُ متعدِّدَةٌ، ومعَ هذا فهوَ قَذِرٌ نَجِسٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما فيهِ الضَّرَرُ الأكبرُ والمفسدةُ العُظْمَى، وهيَ الأصنامُ التي هي ضلالُ البشريةِ وفِتْنَتُهُمْ، وهي التي بهَا حُورِبَ اللهُ تَعَالَى, وأُشْرِكَتْ في عبادتِهِ وحقِّهِ على خَلْقِهِ، فهيَ مصدرُ الضَّلاَلِ، ومَحَطُّ الفتنةِ.
وما أُرْسِلَت الرُّسُلُ، وأُنْزِلَت الكُتُبُ إِلاَّ لمحاربَتِهَا، وإنقاذِ النَّاسِ مِن شرِّهَا.
فَكَمْ فُتِنَ بِهَا مِن خَلاَئِقَ، وكَمْ ضَلَّ بهَا مِن أُمَمٍ، وكمْ اسْتُوجِبَت النَّارُ بهَا.
فهذهِ ِ الخبائثُ عناوينُ المفاسدِ والمَضَارِّ، التي تعودُ على العقلِ والبدنِ والدِّينِ.
فهيَ أمثلةٌ لاجتنابِ كلِّ خبيثٍٍ، وصيانةٌ لما يفسدُ العقولَ والاَبدانَ والأديانَ، فاجنتابُهَا وقايةٌ مِن أنواعِ المفاسدِ.
مَا يُسْتَفَادُ مِن الحديثِ:
1- تحريمُ بيعِ الْخَمْرِ وعملِهِ ومَا يعينُ عليهِ وشربِهِ، أو التَّدَاوِي بهِ.
ويدخلُ في مُسَمَّى الخمرِ كلُّ مُسْكِرٍ، سائلاً أو جامداً, أُخِذَ مِن أيِّ شيءٍ، سواءً أكانَ مِن عِنَبٍ، أمْ تَمْرٍ، أَمْ شعيرٍ، ومِثْلُهِ الحشيشُ، والأفيونُ، والدُّخَانُ، والقَاتُ، فكُلُّها خبائثُ مُحَرَّمَةٌ.
2- حُرِّمَتْ لِمَا فيهَا مِن المَضَارِّ الكبيرةِ والمفاسدِ العظيمةِ على العقلِ، والدِّينِ، والبدنِ، والمالِ، وما تَجُرُّهُ مِن الشُّرُورِ والعَدَاوَاتِ والجناياتِ،إلى غيرِ ذَلِكَ مِن مفاسدَ لا تَخْفَى.
3- تحريمُ الميتةِ، لحْمِهَا وشَحْمِهَا، ودمِهَا، وعَصَبِهَا، وكلِّ مَا تَسْرِي الحياةُ فيهِ مِن أجزائِهَا.
وحُرِّمتْ لِمَا فيها مِن المضرَّةِ على البدنِ، ولِمَا فيها مِن الخَبَثِ والقذارةِ والنَّجَاسةِ، فهيَ كريهةٌ خبيثةٌ، ومِن أجلِ هذهِ ِ المضارِّ وانتفاءِ المصالحِ، حَرُمَ بيعُهَا.
4- اسْتَثْنَى جمهورُ العلماءِ، الشَّعْرَ، والوَبَرَ، والصُّوفَ، والرِّيشَ مِن المَيْتَةِ؛ لأَنَّهُ ليسَ لهُ صِلَةٌ بِهَا, ولا تَحُلُّهُ الحياةُ، فَلاَ يكتسبُ مِن خَبَثِهَا.
أمَّا جلدُهَا، فهوَ نَجِسٌ قبلَ الدَّبْغِ، لكنْ بعدَ أَنْ يُدْبَغَ دَبْغاً جيِّداً، ويُزِيلُ الدِّبَاغُ فَضَلاتِهِ الخبيثةَ، فإنَّهُ يَحِلُّ, ويَطْهُرُ عندَ الجمهورِ. وبعضُهُمْ يَقْصُرُ استعمالَهُ على اليابساتِ.
والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((يُطَهِّرُهُ الْمَاءُ والقَرَظُ )).
5- تحريمُ بيعِ الخنزيرِ: ويحرُمُ أَكْلُهُ ومُلاَمَسَتُهُ وَقُرْبُهُ، فهوَ مِن الخبائثِ التي هيَ مَفْسَدَةٌ مَحْضَةٌ، لا مصلحةَ فيها، فَضَرَرُهُ على البَدَنِ والعقلِ عظيمٌ؛ لأَنَّهُ يُسَمِّمُ الجسدَ بأمراضِهِ، ويُورِثُ أَكْلُهُ من طباعِهِ الخبيثةِ، وهوَ مُشَاهَدٌ في الأُمَمِ التي تأَكْلُهُ، فقد عُرِفُوا بالبُرُودَةِ.
6- تحريمُ بيعِ الأصنامِ؛ لِمَا تَجُرُّهُ مِن شرٍّ كبيرٍ، على العقلِ، والدِّينِ، باتخاذِهَا وترويجِهَا؛ محادَّةً للهِ تَعَالَى.
ومِنْ ذَلِكَ الصَّلِيبُ، الذي هوَ شِعَارُ النَّصَارَى، والتَّمَاثيلُ التي تُصْنَعُ للزُّعَماءِ والوزراءِ.
ومِنْهَا أيضاً، هذهِ ِ الصُّورُ التي تظهرُ في المجلاتِ والصُّحُفِ وغيرِهَا، لا سِيَّمَا الصُّورُ الخَلِيعَةُ العاريةُ الماجنةُ، التي فَتَنَت الشَّبابَ، وأثارتْ غرائزَهُم الجنسيَّةَ.
ومِنْهَا الأفلامُ السِّينمائيَّةُ، خصوصاً المناظرَ الماجنةَ السَّافِرَةَ عن الدَّعَارةِ والفُجُورِ.
فهذهِ ِ كُلُّها شرٌّ لا خيرَ فيهِ، ومَفْسَدَةٌ لا مصلحةَ فيها، ولكنْ ألِفَ النَّاسُ المنكرَ، حَتَّى صارَ معروفاً، فاللهُ المستعانُ.
7- أَنْ درءَ المفاسدِ مُقَدَّمٌ على جَلْبِ المصالحِ، لا سِيَّمَا إذا كَانَت المفاسدُ أرجحَ مِن المصالحِ.
فإنَّ مصالحَ شحومِ المَيْتَةِ، لمْ يُبِحْ بَيْعَهَا، والمعاملةَ بِهَا، ولذا - لَمَّا عَدَّدُوا لهُ مَنَافِعَهَا، لعلَّهَا تُسَوِّغُ بيعَهَا - قالَ: لا، هُوَ حَـَرامٌ.
8- استعمالُ النَّجَاسَةِ على وجهٍ لا يتعدَّى لا بأسَ بهِ، فَإِنَّهُ لمْ يَنْهَهُمْ عنهُ لَمَّا أَعْلَمُوهُ بهِ , والضَّمِيرُ في قولِهِ: ((هُوَ حَرَامٌ)) راجعٌ إلى البيعِ، لا إلى الاستعمالِ.
9- أنَّ التَّحَيُّلَ على مَحَارِمِ اللهِ سببٌ لِغَضَبِهِ ولَعْنِهِ، فإنَّ مَنْ يأتِي الأمرَ، عالماً تَحْرِيمَهُ، أَخَفُّ مِمَّن يَأْتِيهِ مُتَذَرِّعاً إليهِ بِالْحِيَـلِ؛
لأنَّ الأوَّلَ مُعْتَرِفٌ بِالإعْتِدَاءِ على حدودِ اللهِ، ويُرْجَى لهُ الرُّجُوعُ والاستغفارُ.
وأمَّا الثَّاني: فهوَ مخادِعٌ اللهَ تَعَالَى، وبِحِيلَتِهِ هذهِ ِ سيُصِرُّ على آثامِهِ، فلا يتوبُ، فيكونُ مَحْجُوباً عن اللهِ تَعَالَى 0
10- أنَّ الحِيَلَ هي سُنَّةُ اليهودِ المغضوبِ عليهِمْ.
11- أنَّ حُبَّهُمْ للمَادَّةِ قديمٌ، حَمَلَهُمْ علىْ الحِيَلِِ ونَقْضِ العهودِ وَغِشْيانِ المحرَّمَاتِ، ولا يزالونُ في غَيَّهِمْ يَعْمَهُونَ، شَتَّتَ اللهُ شَمْلَهُمْ.
فلمَّا ذَكَرَ لهم النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمَ هذهِ الأشياءَ، ذكَرُوا لهُ مَنافعَ في شَحْمِ المَيْتَةِ يأتُونَها، لَعَلَّهُ يَسْتَثْنِي تَحْرِيمَهَا مِن هذهِ ِ الأشياءِ المُحَرَّمَةِ، لهذهِ ِ المنافعِ المقصودةِ فقالَ: ((لاَ تَبِيعُوهَا؛فَإِنَّ بَيْعَهَا حَرَامٌ )). لاَ تُسَوِّغُهُ هذهِ ِ المنافعُ. ولَمْ يَنْهَهُمْ عن استعمالِهَا فيما ذكرُوهُ.
ثُمَّ مِن كمالِ رأفتِهِ وَنُصْحِهِ بِأمَّتِهِ، حذَّرَهُمْ ممَّا وقعَ فيهِ اليهودُ مِن استحلالِ المُحَرَّمَاتِ بالحِيَلِ الدَّنِيئَةِ السَّافِرَةِ؛ لِئَلاَّ يَقَعُوا مِثْلَهُمْ فيمَا يُشْبِهُهَا، فدَعَا على اليهودِ باللَّعْنِ لِيُشْعِرَ أُمَّتَهُ عظيمَ جريمتِهم بارتكابِ الحِيَلِ.
وبَيَّنَ لهم أَنَّهُ تَعَالَى لمَاَّ حرَّمَ على اليهودِ الشُّحُومَ، عَمَدُوا ـ مِن مُخَادَعَتِهِم اللهَ تَعَالَى , وعبَِادَتِهِمْ للمادةِ ـ إلى أَنْ أذابوا الشَّحْمَ المُحَرَّمَ عليهِمْ أكْلُهُ وباعُوهُ، وأكلُوا ثَمَنَهُ، وزعمُوا بهذَا، أنَّهُمْ لَمْ يرتكبُوا مَعْصَيةً، فهُمْ لَمْ يَأْكُلُوا الشَّحْمَ، وإنَّما أكَلُوا ثَمَنَ الشَّحْمِ، وهذَا هوَ التَّلاَعُبُ بأوامرِ اللهِ تَعَالَى ونواهيهِ، والاستخفافُ بأحكامِهِ وحدودِهِ.
ولقد أصابَنَا مَا أصابَهُمْ مِن ارتكابِ الحِيَلِ، ومُخَادَعَةِ اللهِ تَعَالَى، مِصْدَاقاً لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ )). فاللهُ الْمُسْتَعَانُ.
ونسألُ اللهَ العصمةَ والهدايةَ، وأَنْ يُرِيَنَا الحقَّ حقّاً ويرزقَنَا اتِّبَاعَهُ، ويُرِيَنَا الباطلَ باطَلِاً، ويرزقَنَا اجتنابَهُ.
12- تَحْرِيمُ الحِيَلِ، وأنَّها لا تُغَيِّرُ الحقائقَ، ولو سُمِّيَت الأشياءُ بغيرِ أسمائِهَا، وَأُزِيلَتْ بَعْضُ صِفَاتِهَا.
13- أنَّ الشَّرْعَ جاءَ بكلِّ ما فيهِ الخيرُ, والحذرُ مِن كلِّ مافيهِ شرٌّ، أوْ رَجَحَ شَرُّهُ على خيرِهِ.
14- أنَّ المُحَرَّماَتِ المعدودةَ في الحديثِ نماذجُ لأنواعِ الخبائثِ المُحَرَّمَةِ، التي يعودُ ضررُهَا على الدِّينِ، أو العقلِ، أو البَدَنِ، أو الطِّبَاعِ والأخلاقِ
فَكَأَنَّ هذا الحديثَ سِيقَ لِبَيَانِ أَنْوَاعِ الخبائثِ.
حفيدة بني عامر
01-09-2009, 05:33 AM
باب العرايا وغير ذلك
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها . ولمسلم: بخرصها تمرا يأكلونها رطبا .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق ، أو دون خمسة أوسق .
الشيخ: هذا الحديث في يتعلق بالعرايا ، والعرايا ذكرنا في الحديث الذي مر بنا في الأسبوع الماضي أنها النخلة يباع ثمرها وهو في قنوانه يباع بتمر ، وأنها مستثناة من مسألة المزابنة , قد تقدَّم أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة ورخص في العرايا ؛ وذلك لأن من أنواع الربا بيع التمر بالتمر دون أن يكون متساوياً ، أما بيعه بعضه ببعض متساوي فإنها جائز ، ولا يكون ربا , مثال ذلك أن يبيع صاع تمر بصاع تمر , هذا له نظر في هذا ، وهذا له نظر في هذا , يجوز . أو مثلا كيلوا بكيلو, يجوز . ولا يجوز التفاوت في شيء من ذلك عن غير قصد .
ورد أنه صلى الله عليه وسلم أرسل مرة بلالا يأتيه بتمر من تمر خيبر , فجاءه بتمر جنيب يعني جيد قوي نظيف حسن , فتعجب وقال: ((أكل تمر خيبر هكذا)) فقال: لا والله إنا لنشتري الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة , فقال: ((لا تفعل , بع الجمع بالدراهم ، ثم اشتر بالدراهم جنيبا)) الجمع: هو التمر المجموع الذي يكون فيه الرديء والجيد ، والجنيب: هو التمر الذي كله جيد وكله نظيف وكله طيب , يقول: إذا كان عندك تمر رديء وتريد أن تبدله بتمر جيد فلا تقل: أعطني صاعا من هذا بصاعين من هذا ؛ فإن هذا ربا ، بل هو عين الربا , لا يباع التمر بالتمر إلا مثلا بمثل متساوي , كما لا يباع البر بالبر إلا مثلا بمثل ، وكذلك جميع الحبوب , ولو اختلفت القيم , لا يباع مثلا كيس أرز بكيس أرز من جنس آخر أكبر منه , بل يباع بمثله ولو اختلفت القيم , وإذا أراد الإنسان مثلا وعنده أرز مثلا رديء ليشتري به أرزا جيدا باع الرديء بالدراهم واشترى بالدراهم جيدًا ، وهكذا في التمور ، وهكذا في الزبيب ، وهكذا في الشعير , وهكذا في القمح, وهكذا في كل الحبوب لا بد كما سيأتينا في الربا من بيعها بالدراهم ثم شراء غيرها .
يستثنى من ذلك مسألة العرايا , يتسامح فيها لأجل الحاجة , فأما لغير حاجة فلا يجوز ؛ وذلك لعدم تحقق التساوي، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم هل يباع الرطب بالتمر ؟ فقال: ((أينقص الرطب إذا يبس)) قالوا: نعم , فقال: ((فلا إذن)) بين العلة , الرطب معلوم أنه ثقيل ؛ لأن فيه ماء , فإذا وزنت مثلا تمرا جافا بتمر فيه ماؤه كالرطب فإنه قد يتوازن ، ولكن متى جفَّ ويبس هذا الرطب خف وزنه وقلَّ كيله , فلا يكون متساويا , فمن أراد أن يشتري رطبا بتمر فإن عليه أن يبيع التمر بدراهم ويشتري بالدراهم رطبا . نكمل بعد الأذان.
ذكرنا أنه يستثنى من بيع التمر بالرطب مسأله العرايا , وسببها أن بعض الناس يكون عندهم بقية تمر من السنة الماضية ، ويأتي الرطب وهو موجود عندهم ويحبون التفكه بأكل الرطب وليس عندهم دراهم يشترون بها الرطب ، فيشترون بالتمر رطبا للحاجة فرخص لهم ، واشترط لذلك خمسة شروط: .
الشرط الأول: أن يأكلوها رطبا , فإذا تركوها حتى صارت تمرا لم يصح البيع .
الشرط الثاني: ألا يجدوا دراهم ، فإذا وجدوا دراهم اشتروا بالدراهم رطبا ليأكلوه .
الشرط الثالث: أن يكون دون خمسة أوسق , والوسق: ستون صاعا , أي أقل من ثلاث مائة صاع , والصاع يقارب الآن نحو ثلاث كيلو أو أقل , أي .. وذلك لأنه لا يكون غالبا أحد يحتاج إلى أكل مثلا تسعمائة كيلو في وقت الرطب ، فلذلك لا بد أن يكون أقل من خمسة أوسق في خمسة أوسق ، أو دون خمسة أوسق .
الشرط الرابع: التقدير أو الخرص , وهو أن يأتي الذي يعرف قدرها فيقف تحت هذه النخلة فيقول: أقدرها بأنها مائة كيلو ، أو أنها مائة وخمسون ؛ لأن هناك من عندهم تخصص ومعرفة بتقديرها وإن لم يصرموها , فإذا قدَّروها باعوها بقدر ذلك من التمر القديم .
الشرط الخامس: الحلول والتقابض قبل التفرق , فيحضر صاحب التمر تمره تحت النخلة في زنبيل ، أو في عيبة أو نحو ذلك ويقول: اشتريت منك ثمرة هذا النخلة التي في رؤوسها وفي قنوانها بهذا التمر الذي في هذا الفرَق أو في هذه العيبة ونحوها, فيقول: قد بعتك , فهذا يقبض تمره وهذا يخلي بينه وبين هذا النخلة ليقطتفها وليأخذها شيئا فشيئا ليتفكه في أيام أكل الرطب ويطعم أهله .
قد يقال: إن بينها تفاوت ؛ وذلك لأن قيمة الرطب أغلى بكثير من قيمة التمر الذي قد مضى عليه سنة والغالب أنه قد اسود وقد بدأ فيه التغير , نقول: هذا صحيح ، ولكن قد يكون أرغب عند كثير , معلوم أن التمر الذي قد مضى عليه سنة أقوى حلاوة وأقوى طعما من التمر الجديد ، وإن كان التمر الجديد له حلاوة وله فاكهة وله لذة حاضرة ، ولكن بلا شك أن التمر الذي قد نضج وقد مضى عليه مدة وهو ناضج أنه يكون أقوى طعما .
...مضى عليه مدة وهو ناضج أنه يكون أقوى طعما ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية أن أهل النخل قد يحتاجون إليه علفا لدوابهم ، و قد يكون التمر الذي في النخل لا يصلح علفا ، فيأخذون هذا التمر في عيبة ونحوها ، ويبيعونه بهذا التمر الذي في النخلة .
وقد ذكرنا أيضا أنه لا بد من بدو الصلاح ، لا بد أن يكون قد بدا صلاحه في هذه الشجرة ، وبدو الصلاح أن يحمر أو يصفر ، معلوم أن البسر عندما يكون بسرا أو بلحا يكون أخضر , لونه أخضر كله ، ثم إذا قارب النضج وقارب الاستواء فإنه يصير إما أصفر وإما أحمر , معلوم هذا كما هو مشاهد ، ثم بعد ذلك يبدأ في النضج ليكون رطبا , وما كان أحمر إذا كان رطبا يكون لونه أسود أو قريبا من السواد , وغيره يكون حنطيا أو نحوه , فلا يباع إلا إذا بدا صلاحه .
العرايا لا تباع إلا إذا بدا صلاحها ، وقد تقدم أنه يجوز بيعها بالدراهم ، ولكن تبقى في رؤوسها مثلا , وتكون إذا تلفت من ضمان صاحبها ، وهو صاحب النخل , وهي المسألة التي تقدمت وعرفت بوضع الجوائح ، وهذه مسألة العرايا .
وقد قال بعضهم: إن العرايا هي المناح , وذلك أن أصحاب النخل ينزل عندهم بعض المجاورين فيعرونهم نخلا , يقول: هذه النخلة أعريتكها , لك ثمرتها مجانا ، أو يقول لأخيه الذي ليس له نخل ، أو لابن أخيه ، أو لعمه ، أو لابن عمه , أو لقريبه: أعريتك هذه النخلة , يعني أعطيتك ثمرها بدون مقابل ، فيكون هذا من جملة ما يسمى عريَّة ، ولكن الأصل في العرايا أنها ما يؤكل رطبا . وقد عرف أن أهل النخل يأكلون كثيرا من تمرهم ويعرونه , يعني يعطونه بدون مقابل لأهليهم ولأقاربهم , كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث الخراص الذين يخرصون النخل يقول لهم: ((دعوا الثلث , فإن لم تدعوه فدعوا الربع)) .
إذا كان عنده مثلا مائة وعشرين نخلة في الغالب أنه سوف يأكل منها قسطا ويعريه لأقاربه , فيقول لهم: اتركوا له الثلث نحو أربعين نخلة ، فإذا رأيتم أنها أكثر من حاجته ، فاتركوا له الربع أي ثلاثين من مائة وعشرين , يأكل هذه هو وأهله رطبا ، ويعري هذه ويعطي هذه ويمنح هذا ونحو ذلك , واخرصوا الباقي وقدروه لتؤخذ منه الزكاة . هذه مسألة العرايا .
والصحيح أنها تختص بالتمر ، وبعضهم ألحق بها الزبيب ، الزبيب هو ثمر العنب , ومعلوم أيضا أن العنب ما دام عنبا فإنه لذيذ وشهي ، وإذا زبب وأصبح زبيباً فقد تقل قيمته ، وقد تقل لذَّته ، ولكن لا يزال مرغوبا فيه ، فإذا كان إنسان عنده زبيب من العام الماضي ، وليس عنده دراهم , ويحب أن يأكل من رطب العنب الجديد فقال لصاحب شجرة العنب: بعني هذه الشجرة ثمرتها بهذا الزبيب الذي في هذا الزنبيل الذي قدره مثلا مائة كيلو أو نحو ذلك , فهل يجوز ذلك ؟ أجازه بعضهم، ومنعه الآخرون وقالوا: لم تكن العادة أن الحاجة إلى العنب تكون كالحاجة إلى الرطب ؛ فإن الرطب يكون قوتا ، وأما الزبيب والعنب فإنما هو فاكهة يتفكه بها . فعلى هذا تختص العرايا بالنخل الذي يباع برطب .
في هذه الأزمنة الناس يجدون النقود , وما داموا يجدون النقود والدراهم فليسوا بحاجة إلى أن يشتروا الرطب بتمر , سواء كان ذلك التمر جافا وقديما أو ليس بقديم , يشترون الرطب أينما كان , وسواء كان في النخل تشتري مثلا عشرين نخلة ثمرتها كل نخلة بمائة ، أو بمائتين ، أو بما تريدون , ولو تركتها إلى أن أثمرت لا يضر ذلك , إنما الشروط هذه فيما إذا باع ثمرة النخلة بتمر .
القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم .
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع, إلا أن يشترط المبتاع)) . ولمسلم ((ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه , إلا أن يشترط المبتاع)) .
وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه)) , وفي لفظ: ((حتى يقبضه)) . وعن ابن عباس مثله .
الشيخ: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على محمد .
هذه من التعليمات النبوية , يبين بها النبي صلى الله عليه وسلم ما يقع فيه الناس من هذه المبايعات ، وما يغلب عليهم ، الإنسان إذا كان عنده نخل ثم إنه أنفق عليه وسقاه السنة كلها , فطلع ثمره ، وتشقق الطلع ، وأبره يعني لقحه - تعلقت نفسه بهذا التمر ؛ لأنه ثمرة عام وجهد سنة , فنفسه قد تعلقت به ، فإذا قدر أنه باعه , بعدما طلع الثمر , فإن الأصل أن الثمرة تكون للبائع لا للمشتري ؛ ذلك لأن المشتري في الغالب إنما اشترى الأصول ، وأما هذه الثمرة فإن نفس البائع قد تعلقت بها , فلا تدخل في البيع إلا إذا شرطها المشتري , إذا قال: اشتريت منك هذا النخل بشرط أن ثمرته تابعة له ، فعند ذلك يصح الشراء , يصح ويدخل الثمر بهذا الشرط لحديث: ((المسلمون على شروطهم)) .
ويلحق بذلك أيضا بقية الثمار ، فإذا باع شجر العنب أصوله ، وكان العنب قد مدد , يعني قد تدلت عناقيده , فإن الثمرة تكون للبائع إلا إذا قال المشتري: اشتريت الشجر ومعه الثمر . كذلك أيضا بقية الثمار ، فشجر التوت والرمان والمشمش مثلا والتفاح وسائر ما يبدو شجره ..يبدو ثمره ويظهر ويعاين بالأعين - إذا باعه بعد ظهور الثمرة فإن الثمرة تكون للبائع الذي تعب عليها وسقاها ، وتعلقت نفسه بها , فيكون هو أحق بالثمرة ، والمشتري أحق بالشجرة .
ألحق النبي صلى الله عليه وسلم بذلك العبد , إذا باع إنسان عبدا وذلك العبد له مال فالمال لمالكه ؛ لأن العبد وما يملك لسيده , ليس للعبد ملك مستقل , لو مثلا أن سيده أسكنه في بيت ، وأعطاه رأس مال , وأعطاه مثلا تجارة , وأعطاه دكانا وقال له: اتجر ، أو أعطاه أدوات وقال له: احترف واكتسب , فجمع من كسبه وجمع من حرفته أموالا - فإنها لسيده؛ لأنه لا ملك له ملك استقلال ، فإذا باعه سيده لم تدخل تلك الأموال التي اكتسبها لم تدخل في البيع ، بل تكون للمالك الذي باعه , فإذا كان المالك قد باعه وباع أملاكه , قال: بعتك العبد وبعتك أمواله , فلا بد أن تعلم تلك الأموال حتى لا يكون بيع مجهول .
الحديث الذي بعده يتعلق بقبض الطعام قبل بيعه , يقول: ((إذا ابتاع إنسان طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه ، أو حتى يكتاله)) , وهذا الحديث ورد في الطعام , ويقول الرواي: ولا أحسب كل شيء إلا مثل الطعام , أي يلحق كل شيء بالطعام في أنه إذا ابتاعه فلا يتصرف فيه حتى يستلمه ويقبضه .
يقسم العلماء المبيعات إلى قسمين: قسم يحتاج إلى حق توفية، وقسم لا يحتاج إلى حق توفية .
فالذي يحتاج إلى حق توفية هو الذي يباع كيلا أو وزنا أو عدا أو زرعا , فهذا لا يتصرف فيه إلا بعد قبضه بذلك, فإذا اشترى أكياسا بالصاع فلا بد أن يكتالها بالصاع , لا يتصرف فيها ولا يبعها حتى يقبضها بالكيل ، وإذا اشترى لحوما مثلا أو حديدًا أو نحوه بالوزن فلا بد أن يستلمها بالوزن , لا بد أن توزن له بالرطل أو بالكيلو أو بالوزنة أو بالربعة مثلا أو بالأوقية أو بأية عيار يُصطلح عليه , لا يتصرف فيها حتى توزن له , وإذا اشترى شيئا يعد عددا مثل ما يباع بالعدد , كالبطيخ ونحوه الذي يباع بالعدد ، أو الدبة أو الخضار أو البيض أو التفاح أو ما أشبه ذلك ، أو المواشي الأغنام ونحوها تباع عددًا - فلا يبعها إلا إذا قبضها عددًا واستلمها .
وكذلك إذا اشترى شيئا يزرع كالحبال والأقمشة ونحوها , لا يتصرف فيها إلا إذا قبضها عددا .
أما الأشياء التي تباع بغير كيل ولا وزن ولا عدد ولا زرع فلا بد من استلامها , كقطع الأراضي والبساتين مثلا والدور ، وكذلك الأدوات الكبيرة كالسيارات مثلا والماكينات ، وما أشبهها , هذه لا تحتاج إلا إلى استلام , وتسليمها بالتخلية: أن يخلي بينه وبين الأرض أو بينه وبين السيارة ، أو ما أشبه ذلك , فإذا كانت يسهل نقلها نقلها كالسيارات ونحوها , وإذا كان لا تنقل كالأراضي سلم مثلا وثائقها أو مفاتيحها ، أو نحو ذلك , وبعد ذلك يتصرف فيها المشتري كما يشاء ، ولا يجوز له أن يتصرف فيها قبل أن يستلمها.
روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: ابتعت من رجل زيتا , وقبل أن أنقله جاءني رجل وأعطاني فيه ربحا , فأردت أن أضرب على يده , أبيعه , فقبضني إنسان من خلفي , فالتفت فإذا هو زيد بن ثابت فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم , يعني حتى تقبض ، أو حتى تنقل , لا بد من حوزها وقبضها، كل شيء بحسبه .
فإذن من اشترى شيئا فلا يتصرف فيه إلا بعدما يستلمه ويقبضه , سواء أراد أن يبيعه أو أراد أن يعمل فيه غير البيع هدية ، أو وقفا ، أو نحو ذلك , لا بد من استلامه حتى يتم بذلك تملكه .
يقع كثير من الناس بالأخص الذين يبيعون بالدَّين في مخالفات لهذا كثير , فعليهم الانتباه , حيث أن كثيرا من السلع يبيعونها خمس مرات وعشرين مرة وهي في مكانها لا تغير ، وهذا خطأ ، بل لا بد أن ينقلها المشتري الذي اشتراها وسلم ثمنها قبل أن يبيعها على الذي أراد شراءها منه ؛ حتى يسلم من الإثم .
أمر في هذا الحديث بأن تباع ، وإذا كان الذي اشتراها دينا يريد بيعها فلا يبعها أيضا إلا بعدما يحوزها أو ينقلها ؛ حتى يسلم بذلك من المخالفة التي تضمنها هذا الحديث .
ويقول بعضهم: ولا أحسب كل شيء إلا مثل الطعام ، يعني أن الطعام ورد فيه هذا الحديث , نهى أن يباع الطعام حتى يكتال ، يعني حتى يقبضه كيلا ، وكل شيء يلحق بالطعام ، فالأقمشة مثلا ولو أنها معبأة كراتين ، أو رباط ، أو نحوها مثل الطعام ، وكذلك الأحذيه، وكذلك الأواني , كل شيء إذا اشتراه لا بد أن يحوزه ويقبضه قبل أن يتصرف فيه .
ويمكن أن يكون بعضها يقبض بالتخلية مثل الأشياء التي ليس للبائع مكان مخصص , الذين يجلبون الخضار ثم ينزلونها في الأرض من سياراتهم ويبيعونها وهي أكوام , سواء في كراتين أو على الأرض كالبطيخ ونحوه , هذه قبضها بالتخلية؛ وذلك لأنها ليست في ملك يختص بالبائع , فإذا خلى بينه وبينها , البائع ليس له هذه البقعة ، إنما هي مشتركة بين البائع وغيره ، فالبائع نزل حمولة سيارته في هذه البقعة ثم باعها جملة: مائة كرتون أو مائتين ، أو نحو ذلك , اشتراها هذا الشخص ونزل منزلته , فله أن يبيعها أفرادا ، ولو لم ينقلها .
وأما إذا كانت مثلا في السيارة فلا بد من إنزالها قبل أن يبدأ في بيعها ، وكذلك لو كانت في الدكان فلا بد من نقلها وإخراجها قبل أن يبيعها , أو كانت في مستودع فلا بد من إخراجها أو حيازتها ؛ حتى يتم بذلك قبضها .
ولا يكتفى بالعدد كونه يأتي إلى مائة كيس من مثلا الأرز أو الهيل أو نحو ذلك , ويقول: بعتك هذه المائة بمائة ألف, فيقول: واحد اثنين عشرة مائة , فيقول: هذا هو القبض , ما يكفي , القبض لا بد أن يكون نقلا وحيازة ؛ حتى يمتثل الأمر الذي أرشده إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فعند ذلك يربحه الله ويبارك له بامتثال الأوامر الشرعية .
القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم , الحمد لله رب العالمين , وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . قال المؤلف رحمنا الله تعالى:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح: ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)) فقيل يا رسول الله: أرأيت شحوم الميتة , فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصمح بها الناس , فقال: ((لا , هو حرام)) , ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: ((قاتل الله اليهود ؛ إن الله لما حرم عليهم شحومهما جملوه ، ثم باعوه فأكلوا ثمنه)) قال: جملوه أي: أذابوه .
الشيخ: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه .
هذا الحديث يدل على تحريم بيع كل ما هو حرام , أن ثمنه حرام إذا كان أكله حرام واقتناؤه حرام , الله تعالى حرم الميتة فثمنها حرام ؛ وذلك لأنه لا يجوز أكلها ، فكذلك لا يجوز أكل ثمنها , ولو وجد من يستحلها . وكذلك كل الدواب المحرمة لا يحل ثمنها ، فمثلاً الكلاب والخنازير محرمة , محرمة الأكل ، فكذلك ثمنها محرَّم ، فالذين مثلا يتبايعون الخنازير في البلاد الغربية ليسو بمسلمين ، أو لو باعه مسلم ، أو ملكه مسلم لم يحل له أن يأخذ عليه عوضا , فعوضه محرم .
وقد ورد في الأحاديث تحريم ثمن الكلب ، كما أن أكله ولحمه حرام فثمنه حرام , ولو وجد من يأكله , ولو وجد من يستحل ثمنه , فإذا حرم الله بيع شيء فإن من باعه قد أكل حراما، وإذا حرم أكل شيء فإن بيعه يكون حراما .
حرم الله الخمر , وإذا كانت محرمة فإن ثمنها حرام ، بل ورد لعن عشرة في الخمر في قوله عليه السلام: ((لعن الله الخمر وبائعها ومشتريها , وشاربها وساقيها , وعاصرها ومعتصرها ، وحاملها والمحمولة إليه ، وآكل ثمنها)) هؤلاء لما كانوا متعاونين على صناعتها اشتركوا في الإثم ، والشاهد أنه جعل ثمنها محرما .
ولما حرمت الخمر في أول الأمر كان هناك بعض الصحابة عندهم خمر لأيتام , مال يتيم , فاستأذنوا في بيعها ؛ حتى لا تذهب على اليتامى ، وكان هناك من يشتريها من اليهود فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها)) .
كذلك كل شيء محرم , فمثلا الصور التي أُمرنا بإتلافها ((لا تدع صورة إلا طمستها)) هذه الصورة محرَّم اقتناؤها ومحرم أيضا ثمنها , فالذي يأكل من ثمنها يعتبر قد أكل حراما ، والذي يبيعها أو يجعلها بضاعته يعتبر يتعامل بحرام .
كذلك الصلبان ، الصليب مأمورون بأن نتلفه ؛ لأنه معبَد من معابد النصارى , فالذين يبيعون الصلبان ويستفيدون من ثمنها يشترونها ، ثم يربحون فيها ، أو يعملونها ثم يبيعونها - لا شك أنهم يبيعون حراما ، ويأكلون حراما . كذلك جميع المعبودات , النبي صلى الله عليه وسلم مثّل بالأصنام التي هي عبارة عن صور منحوتة , ينحتون صورة من خشب أو من حجر على صورة شخص ، أو رجل صالح , ثم يبيعونها لمن يعبدها ، أو لمن ينصبها ، أو لمن يتبرك بها , هذه الصور ولو كانت صور صالحين , سواء كانت منقوشة أو منحوتة , داخلة في الأصنام التي أخبر بأن بيعها حرام .
فهذه المحرمات سواء كانت تباع على من يستحلها كبيع الخمر على اليهود ، وبيع الصلبان مثلا على النصارى , أو تباع على مسلم يرى حرمتها ، أو تباع على مسلم يرى حلَّها ، ولكنَّ البائع يعتقد حرمتها كبيع الكلاب والخنازير وما أشبهها ، أو تباع على من تباح له كالميتة يبيعها على مضطر على جائع وهي ميتة حلال له أن يأكل منها لكن ثمنها حرام , هذا الذي يبيعها وهو يعلم أنها ميتة حرام , إن كان جائعا فله أن يأكل منها , وأما كونه يبيعها فليس له ذلك , وهكذا يقال في آلات اللهو ...
الوجـه الثانـي
...الملاهي كلها لما كنا مأمورين بإتلافها بمحق العود والطنبور والطبول ، والمزامير وما أشبهها , مأمورون بإتلافها, فإن ثمنها يكون حراما , من باعها وأكل ثمنها اعتبر قد أكل حراما , فهذا معنى قوله في بعض رويات الحديث: ((إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه)) يعني إذا حرم عينها حرم بيعها ؛ وذلك لأن الأصل كون أكلها حرام لكونه يكسب البدن غذاء خبيثا , لا شك أن الله حرم الميتة لكونها قذرة ، والتغذي بها يؤذي ويسبب أمراضا ، وإنما أباحها للضرورة لمن اشتد به الحال وأحس بالموت من الجوع , فأباحها في قوله تعالى: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} ولكن عند الاستغناء يحرم أكلها , وإذا كان يحرم أكلها فكذلك يحرم أيضا بيعها .
كذلك ما حرم الخنزير إلا لمضرته لكونه قذرا ونجسا , وغذاؤه خبيث , فإذا كان نجسا ومستقذرا فإن أكله يكسب آكله خبثا وضررا , فإذا كان كذلك فإنك إذا بعته على من يأكله شاركته في هذا الإثم . نكمل بعد الأذان .
لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله حرم بيع الميتة استشكل بعض الصحابة أنه قد ينتفع بشيء منها , فهل يكون هذا الانتفاع مسوغا لبيع ذلك الشحم ؟ شحم الميتة ذكروا أنه ينتفع به في غير الأكل في ثلاثة هذه الأشياء:
الأول: أنه تطلى به السفن ، السفينة معلوم أنها تصنع من خُشب ، وأنها تسبح في البحر ، ومعلوم أن ماء البحر لملوحته قد تتآكل منه تلك الخشبة التي هي السفينة , فتحتاج إلى أنهم يدهنونها قبل أن تدخل في البحر حتى يكون ذلك الدهن مضادا لتأثير الماء في الخشبة ، هذا معنى أنها تطلى بها السفن ، يطلون بها ظاهر السفينة .
كذلك يدهنون بها الجلود , بمنزله الدباغ , الجلد مثلا , أو بعض الأواني الجلدية كالقربة والسقاء والدلو , قد يكون يابسا ويحتاج إلى من يلينه , فيلينونه بدهن .
كذلك كانوا يوقدون السرج بالشحم , ليس عندهم الكهرباء الموجودة ولا الأجهزة الجديدة ولا ما استحدث من النفط: من الغاز أو الجاز أو ما أشبهه , ما كانوا يوقدون السراج إلا بالشحم أو بالزيت , فقالوا: هل يجوز لنا أن نوقد السُّرج التي هي المصابيح بشحم الميتة ؟ وهل يجوز لنا أن نطلي السفينة بشحم الميتة ؟ الناقة إذا ماتت نأخذ شحمها ونذيبه ونطلي به السفينة ، ولا يتأثر , لا يتأثر بها شيء ؛ لأنه لا يصلى عليه ولا يضر أحدًا , والدلو مثلا أو نحوه إذا كان يابساً هل يضره أن ندهنه بهذا الشحم ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا , هو حرام)) ومن العلماء من يقول: إنه ما حرَّم إلا البيع , وكأنهم يقولون: ما دام أن هذه الشحوم ينتفع بها فيوقد بها السراج ، وتطلى بها السفينة ، ويدهن بها الجلد قبل دبغه , ألا يكون ذلك مبررا في أن نبيعها على من يدهن بها وينتفع بها ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا , هو حرام)) لا خلاف أن بيعها حرام , ولو كان الذي يشتريها يوقد بها السراج , ولو كان الذي يشتريها يدهن بها السفينة , بيعها حرام .
ولكن هل يجوز أن تطلى بها السفن أو تتخذ سرجا مصابيح ؟ في ذلك خلاف ، والأقرب أنها إذا كانت لا تتعدى نجاستها فإن ذلك جائز ، فالسراج مثلا إذا لم يكن في المسجد جاز أن يوقد بالدهن المتنجس ، أو بالدهن النجس ، أما في المسجد فلا يجوز ؛ وذلك لأنه يتحلل منه دخان وذلك الدخان دخان نجاسة ، وأما في البيوت وغيرها فإنه لا تتعدى نجاسته .
وأما طلاء السفينة ، فالسفينه أيضا لا تتعدى ؛ وذلك لأنها تخرج في لجة البحر ، والبحر لا يتنجس ؛ لعمقه ولكثرة مائه , فلا تتعدى نجاستها ؛ ولأن الذي يطلى إنما هو ظاهرها الذي يلي البحر، وأما باطنها الذي يركبون فيه فلا يطلى , فلأجل ذلك يجوز أن تطلى بالشحم المتنجس أو النجس ، أو نحو ذلك .
ولما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم , أو أخبرهم بهذا , أخبرهم بفعل اليهود في احتيالهم على أكل الحرام , قد حرم الله على اليهود بعض الشحوم وبعض اللحوم , فحرم عليهم كل ذي ظفر وهو الإبل , حرام عليهم أكل لحمها وشرب لبنها أو شرب مرقها ، أو الادِّهان بدهنها ، وكذلك ما يشبهها في الخلقة كالنعام لا يأكلونه .
وحرم عليهم من شحوم البقر والغنم شحم السرب وشحم الكليتين وشحم القلب ونحوها حرمها عليهم قال تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} ، أي خف {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم} فأباح لهم شحم الظهر ، وأباح لهم شحم الألية ؛ لأنه مختلط بعظم , وأباح شحم الحوايا التي هي شحم المصارين ، وحرم عليهم السروب التي في البطن وشحم الكلية ، وما أشبه ذلك .
ولما حرمت عليهم هذا الشحوم ، وكذلك شحوم الإبل , احتالوا فأذابوها , صاروا يجمعون هذا الشحم ثم يذيبونه حتى يذوب يعني يميع على النار ، ثم يبيعونه على العرب الذين هو مباح لهم ويأكلون ثمنه , وهذه حيلة إلى أكل ما هو حرام , فإن الله لما حرم الأكل كان مما يتبع ذلك تحريم الثمن , فكأنه ينهى أمته عن مثل هذه الحيلة .
ورد في حديث قال صلى الله عليه وسلم: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود , فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)) الحيلة: كونه يأتي الحرام من جهة وهو يعلم أنه حرام , فيقول: ما أتيته من الجهة التي هو حرام فيها , وإنما من جهة أخرى , مثل حيلة أصحاب السبت , لمَّا حرم الله عليهم صيد السمك في يوم السبت ، وابتلاهم بأن كانت الأسماك تخرج في ذلك اليوم ، وإذا كان في يوم الأحد غابت عنهم واختفت في البحر , فأهمهم ذلك , كيف أنها لا تخرج إلا في اليوم الذي منعوا من الصيد فيه ؟ فاحتالوا بأن نصبوا شبابيك , نصبوها في يوم الجمعة شبابيك ، شباك كبير , إذا خرجت يوم السبت أمسكها ذلك الشباك ، ثم يأخذونها في يوم الأحد ، فأصبحوا يمسكونها في يوم السبت , تمسكها لهم شبكاتهم ، فعاقبهم الله بالعقوبة الذي ذكرها في القرآن في قوله تعالى: {فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين}.
والحاصل أن هذا من الحيل التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم , يعني كون الإنسان يحتال فيقول: هذا الشيء حرام عليَّ أكله ، وما دام أن هناك من يأكله فلماذا لا أبيعه عليه وآكل ثمنه؟ .
سمعت أن هنا من يستحل أكل الكلاب من هؤلاء النصارى من الفلبين ونحوهم , يستحلون أكل الكلاب وأنهم يقتنصونها ويقتلونها ثم يأكلونها ، وكذلك يأكلون السنانير , يأكلون القطط هذه وكأنها عندهم شيء معتاد ونظيف لا محظور فيه ، وأن بعض الشباب ..أو بعض الصبيان قد يجلبون لهم في محلهم القط أو نحوه ويعوضونهم عليه , لا شك أن هذا حرام ، ولو كان أولئك أطفال لم يبلغوا ولكن على أوليائهم إذا عرفوا أن ينهوهم عن مثل ذلك وأن يخبروهم . وبكل حال فلا تجوز المساعدة على أكل الشيء المحرم بأي نوع من أنواع الإعانات والمساعدات .