المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [المحرمات في النكاح]


عبد العزيز الداخل
11-08-2008, 02:55 AM
عن أمِّ حبيبةَ بنتِ أبِي سفيانَ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا أَنَّها قَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ، فقالَ: ((أوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟)) فقلتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لكَ بِمُخْلِيةٍ، وَأَحَبُّ مَن شَارَكَنِي في خَيْرٍ: أُخْتِي، فقالَ النَّبِيُّ صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((إِنَّ ذَلِكَ لاَ يَحِلُّ لِي)) قالَتْ : فإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبي سَلَمَةَ، قَال: ((بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ؟!)) قلتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي في حِجْرِي، ما حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لابْنَةُ أَخِي مِن الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْني وَأَبا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلاَ تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلا أَخَوَاتِكُنَّ)) .
قالَ عُرْوَةُ : وَثُوَيْبَةُ مَوْلاةٌ لأَبِي لَهَبٍ، كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَت النَّبِيَّ صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ، فَلَمَّا ماتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قالَ : لهُ مَاذَا لَقِيتَ ؟ قَالَ له أَبو لَهَبٍ : لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خَيْرًا، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ في هذِهِ بِعِتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ )) .
الْحِيبَةُ : الْحَالَةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ .
عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ((لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلاَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا)) .

محمد أبو زيد
11-13-2008, 10:55 AM
حديثُ أمِّ حبيبةَ قولُه : قالَ عروةُ : وثُوَيْبَةُ مولاةٌ لأبي لَهَبٍ إلى آخِرِه يُوهِمُ أنه من المتَّفَقِ عليه وليس كذلك فهو من أَفْرادِ البخاريِّ خَاصَّةً كما قالَه عبدُ الحقِّ في ( جَمْعِه بينَ الصحيحين ) .

محمد أبو زيد
11-13-2008, 10:59 AM
قولُه : لست لك بِمُخْلِيَةِ: هو بضمِّ الميمِ وإسكانِ الخاءِ المعجَمَةِ وكسْرِ اللامِ ومعناه لست أُخَلِّي بغيرِ ضَرَّةٍ وقولُها: وأُحِبُّ من شارَكَني وفي روايةِ شَرَكَنِي بفتْحِ الشينِ وكسْرِ الراءِ .
الْحِجْرُ للإنسانِ بفتْحِ الحاءِ وكسرِها وجَمْعُه حجورٌ .
قوله : بِشَرِّ حِيبَةٍ : هي بالحاءِ المهمَلةِ المكسورةِ أي حالةٍ .
كذا قالَه المصنِّفُ وابنُ الأثيرِ في ( النهايةِ ).
قال : والْحِِيبةُ والحَوْبَةُ الغَمُّ و الحُزْنُ ووَقَعَ مضبوطًا في بعضِ نسَخِ البخاريِّ بالخاءِ المعجَمَةِ ونقَلَ عن الْحُميديِّ أنه ضبَطَها بفتْحِ الخاءِ وقالَ : وهى الحالةُ وفي بعضِ نُسَخِ البخاريِّ بشَرٍّ وحِيبةٍ بواو العطْفِ .
قولُه : غيرَ أنِّي سُقِيتُ في هذه وأشارَ إلى نُقرَةِ إبهامِه .
قال ابنُ بطَّالٍ : ومعناه أن اللهَ سقاه ماءً في مِقدارِ نُقرَةِ إبهامِه لأجْلِ عِتق ثُوَيْبَةَ كما ذكَرَ في حديثِ أبي طالبٍ أنه في ضَحْضَاحٍ من نارٍ لا في النارِ بسببِ حِفْظِه لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بخلافِ أبي لَهَبٍ فإنه كان يُؤذيه فكان نصيبُه من الرفْقِ والرحمةِ دونَ أبي طالبٍ وقالَ غيرُه : أرادَ النُّقرةُ التي بينَ إبهامِه وسبَّابتِه إذا مَدَّ إبهامَه .
فصارَ بينَهما نُقرةٌ فَسُقِيَ من الماءِ بقَدْرِ ما يَسَعُ تلك النُّقرةِ ذكَرَ ذلك أبو ذرٍّ عن الحرْبِيِّ في (غريبِه ) .

محمد أبو زيد
11-13-2008, 11:00 AM
بابُ المُحَرَّمَاتِ في النكاحِ

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ
عنْ أمِّ حبيبةَ بنتِ أبِي سفيانَ أَنَّها قَالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ، فقالَ: ((أوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟)) فقلتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لكَ بِمُخْلِيةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي في خَيْرٍ: أُخْتِي، فقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي)) قالَتْ: فإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبي سَلَمَةَ، قَال: ((بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ؟!)) قلتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي في حِجْرِي، ما حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِن الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْني وَأَبا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلا أَخَوَاتِكُنَّ)).
قَالَ عُرْوَةُ: وثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لِأَبِي لَهَبٍ , كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا , فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ, فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيه بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ , قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خَيْرًا غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ في هَذِهِ بعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ.
الِحيبَةُ: الحَالَةُ، بِكَسْرِ الحَاءِ

المُفْرَدَاتُ:
قَوْلُهُ: (بِمُخْلِيَةٍ). بضمِّ الميمِ وسكونِ الحاءِ وكسرِ اللامِ، اسمُ فاعلٍ منْ (أَخْلَى) أيْ: لَسْتُ بِمُنْفَرِدَةٍ بكَ.
قَوْلُهُ: (نُحَدَّثُ). مَبْنِيٌّ للمجهولِ.
قَوْلُهُ: (رَبِيبَتِي). مُشْتَقَّةٌ من الربِّ وهوَ الإصلاحُ.
قَوْلُهُ: (بِشَرِّ حِيبَةٍ). بكسرِ الحاءِ المهملةِ وسكونِ الياءِ ثمَّ باءٍ، أيْ بسوءِ حالٍ.

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تحريمُ وفسادُ نكاحِ أختِ زَوْجَتِهِ مَا دَامَت الأُولَى زوجته أوْ مُعْتَدَّتَهُ.
الثَّانِيَةُ: تحريمُ وفسادُ نكاحِ الرَّبِيبَةِ، وهيَ بِنْتُ الزوجةِ التي وَطِئَها.
الثَّالِثَةُ: تحريمُ وفسادُ نكاحِ بنتِ الأخِ من الرضاعةِ؛ لأنَّهُ يَحْرُمُ من الرضاعةِ ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ
عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا)).

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تحريمُ الجمعِ بينَ نكاحِ المرأةِ وَعَمَّتِهَا، ولا بَيْنَهَا وخالتِهَا لِمَا بينَ الضَّرَّتَيْنِ من الغَيرَةِ الشديدةِ التي رُبَّمَا أَدَّتْ إلى العداوةِ والبغضاءِ، فَمُنِعَ بينَ ذَوِي المحارمِ؛ لِئَلَّا يَقَعَ بَيْنَهُم العداوةُ والتَّقَاطُعُ.

محمد أبو زيد
11-13-2008, 11:02 AM
بَابُ المُحَرَّماتِ في النِّكاحِ(117)

الجَمْعُ بينَ الأُخْتَيْنِ
الحَديثُ الثَّلاثُمِائةٍ
300- عنْ أُمِّ حَبِيبةَ بِنتِ أبِي سُفْيَانَ رضي اللهُ عنهما أنَّها قالَتْ : يا رَسُولَ اللِه، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ. فقالَ :((أوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ ؟)) فقلتُ : نَعَمْ، لَسْتُ لكَ بِمُخْلِيةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَاركَني في خَيْرٍ أُخْتِي. فقال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :((إِنَّ ذَلِكَ لاَ يَحِلُّ لي)). قالَتْ : فإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. قَال :((بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ ؟!)) قلتُ : نَعَمْ. فَقَالَ: ((إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي في حِجْرِي، ما حَلَّتْ لي، إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْني وَأَبا سَلَمةَ ثُوَيْبَةُ، فَلاَ تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلا أَخَوَاتِكُنَّ)) .
قالَ عُرْوَةُ : وَثُوَيْبَةُ مَوْلاةٌ لأَبِي لَهَبٍ، كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَتِ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا ماتَ أَبُو لَهَبٍ رَآهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قَالَ : مَاذَا لَقِيتَ ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ : لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خَيْرًا، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ (118).
الْحِيبَةُ، بِكَسْرِ الْحَاءِ: الحَالَةُ.

* الْجَمْعُ بَيْنِ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا والْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا *
الحَديثُ الْأَوَّلُ بَعْدَ الثلَاثِمِائَةٍ
301- عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عَنْه,ُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :((لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلاَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا)).(119)
___________________
(117) المُحَرَّماتُ في النِّكاحِ قِسْمانِ:
1- قِسْمٌ يَحْرُمُ إلى الأَبَدِ.
2- وقِسْمٌ يَحْرُمُ إلى أَمَدٍ.
فالأَوَّلُ : سَبْعٌ مِن النَّسَبِ هُنَّ:
1- الأُمَّهاتُ, وإنْ عَلَوْنَ.
2- والبَناتُ ,وإنْ نَزَلْنَ.
3- والأخَواتُ مِن أبَوَينِ ، أو أَبٍ أو أُمٍّ.
4- وبَناتُهُنَّ.
5- وبَناتُ الإخْوَةِ.
6- والعَمَّاتُ.
7- والخَالاتُ.
ودَليلُ تَحْرِيمِ هَؤلاءِ قَولُهُ تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ...إلخ).
ويَحْرُمُ ما يُماثِلُهُنَّ مِن الرَّضاعَةِ؛ لِقَولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (يَحْرُمُ مِن الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِن النَّسَبِ).
وَيَحْرُمُ أَرْبَعٌ بالمُصاهَرَة,ِ وهُنَّ:
1- أُمَّهاتُ الزَّوجاتِ, وإنْ عَلَوْنَ.
2- وبَناتُهُنَّ, وإنْ نَزَلْنَ, إنْ كانَ قدْ دُخِلَ بِهِنَّ.
3- وزَوجاتُ الآباءِ والأجْدادِ, وإنْ عَلَوْا.
4- وزَوجاتُ الأبْناءِ ,وإنْ نَزَلوا.
والثَّاني : أمَّا المُحرَّماتُ إلى أَمَدٍ، فَهُنَّ أُخْتُ الزَّوْجَةِ، وعَمَّتُها، وخالَتُها، والخامِسَةُ للحُرِّ الَّذي عِنْدَهُ أَرْبَعُ زَوْجاتٍ، والزَّانِيةُ حتَّى تَتوبَ، ومُطَلَّقَتُهُ ثَلاثًا حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، والمُحْرِمَةُ بِنُسُكٍ حتَّى تَحِلَّ، والمُعْتَدَّةُ مِن غَيْرِهِ حتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها.
وما عَدا هَؤلاءِ فَهُوَ حَلَالٌ، كَما قالَ تعالى,حِينَ عَدَّدَ المُحَرَّماتِ : (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاءَ ذَلِكُمْ).
وفِي هَذَينِ الحَديثَينِ الآتِيَينِ في هذا البابِ، الإشارَةُ إلى بَعضِ ما تَقَدَّمَ.
(118) الْغَرِيبُ:
بِمُخْلِيَةٍ: بِضَمِّ المِيمِ، وسُكونِ الخاءِ المُعْجَمَةِ، وكَسْرِ اللَّامِ: اسْمُ فاعِلٍ من ((أَخْلى يُخْلِي )) أيْ: لَسْتُ بِمُنْفَرِدَةٍ بِكَ، ولا خالِيَةً مِن ضَرَّةٍ.
نُحَدَّثُ: بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ الحاءِ بالبِناءِ للمَجْهولِ.
بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ: اسْتِفْهامٌ قُصِدَ بهِ التَّثَبُّتُ لِرَفْعِ الاحْتِمَالِ في إِرادَةِ غَيْرِها.
رَبِيبَتي في حِجْرِي: الرَّبِيبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِن الرَّبِّ، وهُوَ الإصْلاحُ؛ لِأنَّهُ يَقومُ بِأَمْرِها.
والحِجْرُ بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِها، ولَيْسَ لهُ مَفْهومٌ، بَلْ لِمُجَرَّدِ مُراعاةِ لَفْظِ الآيَةِ، ثُوَيْبَةُ: بِالمُثَلَّثَةِ المَضْمُومَةِ، ثُمَّ وَاوٍ مَفْتُوحَةٍ، ثُمَّ ياءِ التَّصْغِيرِ، ثُمَّ باءٍ مُوَحَّدَةٍ، ثُمَّ هاءٍ.
بِشَرِّ حِيبَةٍ: بِكَسْرِ الحَاءِ المُهْمَلَةِ، وَسُكونِ الباءِ التَّحْتِيَّةِ، ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ، أَيْ: بِسُوءِ حَالٍ . ووَقَعَ مَضْبوطًا في بَعْضِ نُسَخِ البُخارِيِّ بالخاءِ المُعْجَمَةِ.
المَعْنى الإجْمالِيُّ:
أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيَانَ هِيَ إِحْدَى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ رضي اللهُ عَنْهُنَّ، وكانَتْ حَظِيَّةً وسَعيدَةً بِزَواجِها مِن رَسولِ اللهِ صلَّّى اللهُ عليه وسلَّم - وَحُقَّ لَها ذلكَ - فالتَمَسَتْ مِن النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَها.
فَعَجِبَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كَيْفَ سَمَحَتْ أنْ يَنْكِحَ ضَرَّةً لَها، لِمَا عِنْدَ النِّساءِ من الغَيْرَةِ الشَّديدَةِ في ذلكَ، ولِذا قال -مُسْتَفْهِمًا مُتَعَجِّبًا- :((أوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ ؟)) فَقَالتْ : نَعَمْ, أُحِبُّ ذَلكَ.
ثُمَّ شَرَحَتْ لَهُ السَّبَبَ الَّذي مِن أَجْلِهِ طابَتْ نَفْسُها بِزَواجِهِ مِن أُخْتِها، وهُوَ أنَّهُ لابُدَّ لها مِن مُشَارِكٍ فيهِ مِن النِّساءِ، ولنْ تَنْفَرِدَ بهِ وَحْدَها، فإذًا فَلْيَكُنِ المُشَارِكُ لَها في هذا الخَيْرِ العَظيمِ هُوَ أُخْتَها.
وكأنَّها غَيْرُ عالِمَةٍ بِتَحْرِيمِ الجَمْعِ بَينَ الأخْتَيْنِ، ولِذا فإنَّهُ أخْبَرَها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ أُخْتَها لا تَحِلُّ لهُ،
فَأَخبَرَتْهُ أنَّها حُدِّثَتْ أنَّهُ سَيَتَزَوَّجُ بِنْتَ أَبي سَلَمَةَ.
فاسْتَفْهَمَ مِنْها مُتَثَبِّتًا: تُريدِينَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ قالَتْ: نَعَمْ.
فقالَ - مُبَيِّنًا كَذِبَ هذهِ الشَّائِعَةِ - :((إنَّ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ لا تَحِلُّ لي لِسَبَبَيْنِ؛ أَحَدُهُما: أنَّها رَبيبَتي الَّتي قُمْتُ على مَصالِحِها في حِجْري، فَهِيَ بِنْتُ زَوْجَتِي.
والثَّانِي: أنَّها بِنْتُ أَخِي مِن الرَّضاعَةِ، فَقدْ أَرْضَعَتْني، وأَبَاها أَبَا سَلَمَةَ، ثُوَيْبَةُ- وهِيَ مَوْلاةٌ لأبِي لَهَبٍ- فَأَنا عَمُّها أيْضًا، فَلا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَناتِكُنَّ وأخَواتِكُنَّ، فَأنا أدْرَى، وأَوْلى مِنْكُنَّ بِتَدْبيرِ شَأْني في مِثلِ هذا )).
ما يُؤْخَذُ مِن الحَديثِ:
1- تَحْريمُ نِكاحِ أُخْتِ الزَّوْجَةِ، وأنَّهُ لا يَصِحُّ.
2- تَحْريمُ نِكاحِ الرَّبِيبَة,ِ وهِيَ بِنْتُ زَوْجَتِهِ الَّتي دَخَلَ بها, والمُرَادُ بالدُّخُولِ هُنا الوَطْءُ، فَلا يَكْفِي مُجَرَّدُ الخَلْوَةِ.
3- لَيسَ ((الحِجْرُ)) هُنا مُرادًا، وإنَّما ذُكِرَ لِقَصْدِ التَّبْشيعِ والتَّنْفِيرِ.
4- تَحْريمُ بِنْتِ الأَخِ مِن الرَّضاعَةِ، لأنَّهُ يَحْرُمُ مِن الرَّضاعَةِ؛ ما يَحْرُمُ مِن النَّسَبِ.
5- أنَّهُ يَنْبَغِي للمُفْتِي - إذا سُئِلَ عن مَسْألَةٍ يَخْتَلِفُ حُكْمُها بِاخْتِلافِ أَوْجُهِها- أنْ يَسْتَفْصِلَ عن ذلكَ.
6- أنَّهُ يَنْبَغِي تَوجِيهُ السَّائِلِ بِبَيانِ ما يَنْبَغي لهُ أنْ يُعْرِضَ عنهُ، وما يُقْبِلُ عليهِ، لا سِيَّما إذا كانَ مِمَّنْ تَجِبُ تَرْبيَتُهُ وتَعْليمُهُ، كالولَدِ والزَّوْجَةِ.
7- الظَّاهِرُ أنَّ أُمَّ حَبيبَةَ فَهِمَتْ إِباحَةَ أُخْتِ الزَّوْجَةِ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن بابِ الخُصوصِيَّةِ لهُ, ذلكَ أنَّهُ لا قِيَاسَ بَيْنَ أُخْتِ الزَّوجَةِ والرَّبيبَةِ، وإِنَّما لَمَّا سَمِعَتْ أَنَّهُ سَيَتَزَوَّجُ بِرَبيبَتِهِ، وهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِنَصِّ الآيَةِ الَّتي حُرِّمَ فيها الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَينِ, فَظَنَّتِ الخُصوصِيَّةَ مِن هذا العُمومِ.
(119) المَعْنى الإجْمالِيُّ:
جاءَتْ هذهِ الشَّريعَةُ المُطَهَّرَةُ بِكُلِّ ما فيهِ الخَيْرُ والصَّلَاحُ، وحَارَبَتْ كُلَّ ما فيهِ الضَّرَرُ والفَسادُ، ومِن ذلكَ أنَّها حثَّتْ على الأُلْفَةِ، والمَحَبَّةِ، والمَوَدَّةِ، ونَهَتْ عن التَّباعُدِ، والتَّقاطُعِ، والبَغْضَاءِ.
فلمَّا أباحَ الشَّارِعُ تَعَدُّدَ الزَّوجاتِ لِما قدْ يَدْعو إليهِ مِن المَصالِحِ، وكان غالِبًا جَمْعُ الزَّوْجاتِ عِنْدَ الرَّجُلِ يُوَرِّثُ بَيْنَهُنَّ العَداوَةَ والبَغْضاءَ، لِما يَحْصُلُ مِن الغَيْرَةِ، نَهى أنْ يَكونَ التَّعَدُّدُ بَيْنَ القَريباتِ؛ خَشْيَةَ أنْ تَكونَ القَطيعَةُ بَيْنَ الأقارِبِ.
فَنَهى أنْ تُنْكَحَ الأُخْتُ على الأُخْتِ، وأنْ تُنْكَحَ العَمَّةُ على بِنْتِ الأخِ، وابْنَةُ الأُختِ على الخالَةِ، وغَيْرُهُنَّ، ممَّا لو قُدِّرَ إحْداهُما ذَكَرًا والأُخْرى أُنْثى حُرِّمَ عليهِ نِكاحُها في النَّسَبِ؛ فإنَّهُ لا يَجوزُ الجَّمْعُ, والحالُ هذهِ.
وَهذا الحَديثُ يُخَصِّصُ عُمُومَ قولِهِ تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ). وأَدْمَجْنا أحْكامَهُ فلا حاجَةَ إلى تَفْصيلِها، لِوُضوحِها مِن المَعْنى الإجْمالِيِّ.
فائِدَةٌ:
الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَينِ ، وبَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها ، والمَرْأَةِ وخالَتِها ، قالَ ابنُ المُنْذِرِ : لَسْتُ أَعْلَمُ في ذلكَ خِلافًا اليومَ، واتَّفَقَ أَهْلُ العِلْمِ على القولِ بِهِ، ونَقَلَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، وابْنُ حَزْمٍ، والقُرْطُبِيُّ، والنَّوَوِيُّ الإجْماعَ. قالَ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ: وهُوَ ممَّا أُخِذَ مِن السُّنَّةِ. وإنْ كانَ إطْلاقُ الكِتابِ يَقْتَضِي الإباحَةَ لقولِهِ تعالى : (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ). إلَّا أنَّ الأئِمَّةَ من عُلَماءِ الأمْصارِ خَصُّوا ذلكَ العُمومَ بِهذا الحَديثِ، وهُوَ دَلِيلٌ على جَوَازِ تَخْصيصِ عُمومِ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وهُوَ مَذْهَبُ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ.
قالَ الصَّنْعَانِيُّ: لَيْسَ المُرادُ بالواحِدِ الفَرْدَ، بَلْ ما عَدا المُتَواتِرَ، فالحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ذَكَرَ أنَّ هذا الحَديثَ رَواهُ من الصَّحابَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفَرًا، وعَدَّهُمْ، فَفيهِ رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ إلَّا أبو هُرَيْرَةَ.
فائِدَةٌ ثَانِيَةٌ: نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ جَائِزٌ:
نِكاحُ الكِتابِيَّةِ جائِزٌ بِآيَةِ المائِدَةِ، وهُوَ مَذْهَبُ جَماهِيرِ السَّلَفِ والخَلَفِ من الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ وغَيْرِهِمْ . فإنْ قيلَ: فَقَدْ وصَفَهُمْ (أيْ: أَهْلَ الكِتابِ) بالشِّرْكِ بقولِهِ : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابنَ مَريَمَ وَمَآ أُمِرُوا إِلَّا لِيَعبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبحَانَهُ عَمَّا يُشرِكُونَ). قيلَ : إنَّ أَهْلَ الكِتابِ لَيْسَ في أَصْلِ دِينِهِمْ شِرْكٌ، وَحَيْثُ وُصِفُوا بِأنَّهُمْ أَشْرَكُوا فَلِأجْلِ ما ابْتَدَعُوا مِن الشِّرْكِ، فَأصْلُ دينِهِم اتِّباعُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ الَّتي جاءَتْ بالتَّوحيدِ لا بالشِّركِ . ا . هـ . من كَلامِ شَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ.

محمد أبو زيد
11-13-2008, 11:03 AM
306 - الحديثُ الرَّابعُ : عن أُمِّ حَبِيبَةَ بنتِ أَبِي سُفيانَ ، رَضِيَ اللهُ عنها ، أَنَّهَا قَالَتْ: ((يَا رَسُولَ اللهِ ، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ ، قَالَ: أَوَتحبيِّنَ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيةٍ ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ ذَلِكَ لاَ يَحِلُّ لِي ، قَالَتْ: إِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ: بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ ، قَالَ: إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبتي فِي حِجْرِي ، مَا حَلَّتْ لِي ، إِنَّهَا لابَنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ ، فَلاَ تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ ، وَلاَ أَخَوَاتِكُنَّ)).
قَالَ عُرْوَةُ: ((وَثُوَيْبَةُ مَوْلاَةٌ لأَبِي لَهَبٍ ، أَعْتَقَهَا ، فَأَرْضَعَت النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ ، رَآهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ خِيَبَةٍ ، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكَمُ خَيْرًا ، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ)) الْخِيبَةُ : الْحَالَةُ ، بِكَسْرِ الْخَاءِ.
الجمعُ بينَ الأُخْتَيْنِ وتحريمُ نكاحِ الربِيبَةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كتابِ اللهِ تعالى ، ويَحْتَمِلُ أنْ تكونَ هذه المرأةُ السائلةُ لنكاحِ أختِها لم يبلغْهَا أمرُ هذا الحُكْمِ ، وهو أقربُ مِن نكاحِ الربيبةِ ؛ فإن لفظَ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشْعِرُ بتقدُّمِ نزولِ الآيةِ ، حيثُ قَالَ: ((لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبيبتي فِي حِجْرِي)) ، وتحريمُ الجمعِ بينَ الأختينِ فِي النكاحِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فأمَّا بِمِلْكِ اليمينِ ، فكذلكَ عندَ علماءِ الأمصارِ ، وعن بعضِ الناسِ فيه خلافٌ ، ووقعَ الاتفاقُ بعدَه عَلَى خلافِ ذلكَ مِن أهلِ السُّنَّةِ ، غيرَ أن الجمعَ فِي مِلْكِ اليمينِ ، إنما هو فِي استباحةِ وَطْئِهَا ؛ إذ الجمعُ فِي مِلْكِ اليمينِ غيرُ مُمْتَنِعٍ اتفاقًا. وَقَالَ الفقهاءُ: إذا وَطِىءَ إحدى الأُخْتَيْنِ ، لم يطأِ الأخرى ، حتى يُحَرِّمَ الأُولَى ببيعٍ ، أو عتقٍ ، أو كتابةٍ ، أو تزويجٍ ؛ لئلَّا يكونَ مُسْتَبِيحًا لِفَرْجَيْهِمَا معًا.
وقولُها: ((لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيةٍ)) مضمومُ الميمِ ، ساكنُ الخاءِ المُعْجَمَةِ ، مَكْسُورُ اللامِ ، معناه لستُ أُخْلِى بغيرِ ضَرَّةٍ.
وقولُها: ((وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي)) ، وَفِي روايةٍ: ((شَرِكَنِي)) ، بفتحِ الشينِ ، وكسرِ الراءِ ، وأَرَادَتْ بالخيرِ ههنا مَا يَتَعَلَّقُ بصحبةِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن مصالحِ الدنيا والآخرة ، وأختُها اسمُها ((عَزَّةُ)) ، بفتحِ العينِ ، وتشديدِ الزايِ المعجمةِ.
وقولُها: ((إِنَّا كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ)) ، هذه يقالُ لها: ((دُرَّةُ)) ، بضمِّ الدالِ المهملةِ ، وتشديدِ الراءِ المهملةِ أيضًا ، ومَن قَالَ فيه: ((ذَرَّةُ)) ، بفتحِ الذالِ المعجمةِ ، فقد صحَّفَ.
وقد يَقَعُ من هذِهِ المُحَاوَرَةِ فِي النفسِ أنها إنما سألتْ نكاحَ أختِها لاعتقادِها خُصُوصِيَّةَ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإباحةِ هذا النكاحِ ، لا لعدمِ عِلْمِها بما دلَّتْ عَلَيْهِ الآيةُ ، وذلك أنه إذا كانَ سببُ اعتقادِها التحليلَ ، اعتقادَها خصوصَّيةَ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ناسَبَ ذلك أن تَعْتَرِضَ بنكاحِ دُرَّةَ بنتِ أبي سلمةَ ، فكأنها تقولُ: كما جَازَ نكاحُ دُرَّةَ - مع تناوُلِ الآيةِ لها - جازَ الجمعُ بينَ الأختينِ ، للاجتماعِ فِي الخصوصيَّةِ ، أما إذا لم تكنْ عَالِمَةً بِمُقْتَضَى الآيةِ ، فلا يلزمُ مِن كونِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بتحريمِ نكاحِ الأختِ عَلَى الأختِ ، أن يَرِدَ عَلَى ذلكَ تجويزُ نكاحِ الربيبةِ لزومًا ظاهرًا ؛ لأنهما إنما يَشْتَرِكَانِ حينئذٍ فِي أمرٍ أَعَمَّ ، أمَّا إذا كانتْ عالمةً بمدلولِ الآيةِ ، فيكونُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي أَمْرٍ خاصٍّ ، وهو التحريمُ العامُّ ، واعتقادُ التحليلِ الخاصِّ.
وقولُه عَلَيْهِ السَّلامُ: ((بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ؟)). يَحْتَمِلُ أن يكونَ للاسْتِثْبَاتِ ونفيِ الاشتراكِ ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لإظهارِ جهةِ الإنكارِ عليها ، أو عَلَى مَن قَالَ ذلك.
وقولُه عَلَيْهِ السلامُ : ((لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبتِي فِي حِجْرِي)) ، و((الربيبةُ)) بنتُ الزوجةِ ، مُشْتَقَّةٌ من ((الربِّ)) ، وهو الإصلاحُ ؛ لأنه يَرُبُّها ، ويقومُ بأمورِها وإصلاحِ حالِها ، ومَن ظنَّ مِن الفقهاءِ أنه مُشْتَقٌّ من التربيةِ ، فقد غَلَطَ ؛ لأن شرطَ الاشتقاقِ الاتِّفاقُ فِي الحروفِ الأصليَّةِ ، والاشتراكُ مفقودٌ ، فإن آخرَ ((رب)) باءٌ مُوَحَّدَةٌ ، وآخرُ ((ربي)) ياءٌ مُثَنَّاةٌ مِن تحتٍ ، و((الحجرُ)) بالفتحِ أفصحُ ، ويجوزُ بالكسرِ.
وقد يَحْتَجُّ بهذا الحديثِ مَن يرى اخْتِصَاصَ تحريمِ الربيبةِ بكونِها فِي الحِجْرِ ، وهو الظاهريُّ ، وجمهورُ الفقهاءِ عَلَى التحريمِ مطلقًا ، وَحَمَلُوا التخصيصَ عَلَى أنه خرجَ مَخْرَجَ الغالبِ ، وقالُوا: مَا خرجَ مخرجَ الغالبِ ، لا مفهومَ له ، وعندي نظرٌ فِي أن هذا الجوابَ المذكورَ فِي الآيةِ فيه - أنه خرجَ مخرجَ الغالبِ - هلْ يَرِدُ فِي لفظِ الحديثِ أو لا؟.
وَفِي الحديثِ دليلٌ عَلَى أن تحريمَ الجمعِ بينَ الأختينِ شاملٌ للجمعِ عَلَى صفةِ الاجتماعِ فِي عقدٍ واحدٍ ، وعلى صفةِ الترتيبِ.

306 - الحديثُ الخامسُ: عن أبي هريرةَ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، ولا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِها)) جمهورُ الأُمَّةِ عَلَى تحريمِ هذا الجمعِ أيضًا ، وهو ممَّا أُخِذَ مِن السُّنَّةِ ، وإن كَانَ إطلاقُ الكتابِ يقتَضِي الإِباحةَ ؛ لقولِهِ تعالى :( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم – الآيةَ) (النساء : 24 ) إِلا أنَّ الأَئِمَّةَ مِن علماءِ الأمصارِ خَصَّوا ذلكَ العمومَ بهذا الحديثِ ، وهوَ دليلٌ على جوازِ تخصيصِ عُمومِ الكتابِ بخبِرِ الواحدِ، وظاهرُ الحديثِ يقتضِي التَّسويةَ بينَ الجمعِ بينهُمَا على صفةِ المعِيَّةِ ، والجمعِ على صفةِ الترتيبِ . وإذا كان النَّهْيُ واردًا على مُسَمَّى الجمعِ – وهو محمولٌ على الفسادِ – فيقتضِي ذَلكَ : أنَّه إذا نَكَحَهُمَا معًا ، فنكاحُهُمَا باطلٌ ؛ لأنَّ هذا عقدٌ حصلَ فيه الجمعُ المنْهِيُّ عنه فيفسُدُ. وإن حصلَ التَّرتيبُ في العقدَيْنِِ ، فالثْانِي : هو الباطِلُ ؛ لأنَّ مُسَمَّى الجمعِ قد حصلَ بهِ. وقد وقعَ في بعضِ الرِوَاياتِ لهذا الحديثِ "لاَ تُنْكَحُ الصُّغْرى عَلَى الْكُبرَى ، ولا الكُبْرَى على الصُّغْرى". وذلكَ مصرِّحٌ بتحريِم جمعِ التَّرتِيبِ.
والعلَّةُ في هذا النَّهْيِ : ما يقعُ بِسببِ الْمُضارَّةِ ، من التَّباغُضِ والتَّنافُرِ فَيفضِي ذلكَ إلى قطيعةِ الرَّحمِ. وقد وَرَدَ الإشْعارُ بهذا التَّعلِيلِ.

محمد أبو زيد
11-13-2008, 11:17 AM
المتن:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال المؤلف، رحمه الله تعالى: في (كتاب النكاح)
عن أم حبيبة بنت أبي سفيان، رضي الله عنهما أنها قالت: (يا رسول الله انكح أختي ابنة أبي سفيان) قال: ((أو تحبين ذلك؟)) فقلت: (نعم لست لك بمُخْلَية، وأحب من شاركني في خير أختي) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن ذلكِ لا يحل لي))، قالت: (فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة)، قال: ((بنت أم سلمة؟))، قلت: (نعم)، فقال: ((إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثوبية، مولاة أبي لهب فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن)) قال عروة: وثوبية مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر خيبة فقال له: ماذا لقيت؟، قال له أبو لهب: لم ألق بعدكم خيرا، غير أني سُقيت في هذه بعتاقتي ثوبية.
عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها)))
عن عقبة بن عامر، رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج)).
الشرح:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة، كلها تتعلق بالنكاح، والحديث الأول حديث أم حبيبة، بنت أبي سفيان بن حرب، أم المؤمنين، رضي الله عنها، وعن أبيها، أنها قالت: (يا رسول الله انكح أختي ابنة أبي سفيان) فقال لها عليه الصلاة والسلام: ((أو تحبين ذلك؟)) يعني استغرب النبي ذلك لأن المرأة في الغالب ما ترضى أن يكون لها جارة، فأجابت بقولها: (لست لك بمُخْلَية) يعني: لست لك بمتروكة لابد من جارات، فإذا كان لابد من جارات، فأحب من شاركني في خير أختي، يعني معناها لو كنت أسلم من الجارات ما أحببت أن تنكح أختي، لكن إذا كان لابد من جارات فأختي أولى من غيرها، وهذا يدل على عقلها وفضلها، ولهذا قالت: (وأحب من شاركني في خير أختي) لأن زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الخير لها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن ذلكِ)) يُخاطب المرأة, بكسر الكاف إن ذلك لا يحل لي)) يعني أن جمعه بين المرأة وأختها لا يحل له؛ لأن الله تعالى قال: { وأن تجمعوا بين الأختين }، فلا يحل للرجل أن يجمع بين أختين في نكاح، ولا بين المرأة وعمتها، كما في الحديث الثاني، ولا بين المرأة وخالتها؛ لأن الرسول نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، والحكمة في ذلك، والله أعلم كما قال جمع من أهل العلم؛ أنه وسيلة للقطيعة؛ لأن من عادة النساء فيما بينهن بغض الجارة، فإذا كانت أختُها ضرةً لها أو عمتها أو خالتها، سبب القطيعة، ومن رحمة الله أن حرَّم نكاح المرأة على أختها أو عمتها أو خالتها، أما بنت العم فلا بأس، وابنة الخال، لأنها قرابة بعيدة فلا بأس أن يجمع بين المرأتين من بنات العم أو بنات الخال أو بنات الخالة لا حرج في ذلك، قالت: (إننا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة بن عبد الأسد ) قال: ((بنت أم سلمة؟)) قالت: (نعم) قال عليه الصلاة والسلام: ((إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها بنت أخي من الرضاعة)) والله حرم بنت الأخ من الرضاعة كما حرم بنت الأخ من النسب، فالمحرمات التي ذكرها الله في سورة (النساء)، منها بنات الأخ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) فدل ذلك على أن ابنة الأخ من الرضاع حرام، كما أن بنت الأخ من النسب حرام، ((أرضعتني وأبا سلمة ثوبية مولاة لأبي لهب)) فدل على أنها محرمة من جهتين، محرمة من جهة أنها ابنة أخيه من الرضاعة ومحرمة من جهة أنها بنت أم سلمة، لأنها ربيبة، وقد دخل بأمها والله يقول: { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } فصارت بنت أم سلمة محرمة من جهتين: 1.من جهة أنها بنت زوجته. 2. ومن جهة أنها بنت أخيه من الرضاعة.
ولهذا قال: ((فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن)) (تعرضن) خطاب للنساء (بناتكن)؛ لأن بنت الزوجة المدخول بها لا تحل، (ولا أخواتكن)، لكن فَرْقٌ بينهما, بنت الزوجة محرمة على الأبد، إذا دخل بأمها تحريما أبديا، أما تحريم الأخت فهو تحريم أمدي، له أمد، وهو فراق الأخت، إذا فارق أختها أو ماتت أختها حلت أختها، وتحريم الأخت والعمة والخالة ليس مؤبدا، بل مؤمدا، له أمد محدود وهو موت الزوجة، إذا ماتت الزوجة أو طُلقت، وانتهت عدتها، حلت أختها وعمتها وخالتها.
وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: "لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها" هذا يعم النسب والرضاع، المرأة وعمتها، من النسب أو من الرضاع، وكذلك المرأة وخالتها من النسب أو من الرضاع، لا يجوز الجمع بينهما بالنص من السنة أما الجمع بين الأخوات فهذا محرم بالإجماع بالنص من القرآن، وأما الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها فهذا محرم بالنص من السنة، وبإجماع أهل العلم، فلا يجوز أن يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها، لا من النسب ولا من الرضاع.

حفيدة بني عامر
01-10-2009, 05:36 AM
القارئ:
الحمد لله رب العالمين وصَلَّى اللهُ على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه:
عن أم حبيبه بنت أبي سفيان رضي الله عنها , أنها قالت: يا رسول اللهِ انكح أختي ابنت أبي سفيان قال: ((أوتحبين ذلك)) ؟ فقلت: نعم , لست لك بمخلية ، وأحب من شاركني في خير أختي , فقال رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إن ذلك لا يحل لي)) قالت: إنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة , قال: ((بنت أم سلمة)) ؟ , قلت: نعم , قال: ((إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي , إنها لابنة أخي من الرضاعة , أرضعتني وأبا سلمة ثويبة , فلا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن)) , قال عروة: وثويبة مولاة أبي لهب , أعتقها فأرضعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبةٍ , فقال له: ماذا لقيت ؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم خيرا , غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة .
الحيبة: الحالة بكسر الحاء .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يجمع بين المرأة وعمتها ، ولا بين المرأة وخالتها)) .
الشيخ:
أم حبيبة هي إحدى أمهات المؤمنين بنت أبي سفيان أخت معاوية , كانت من المسلمين الأولين ، هاجرت مع المهاجرين إلى الحبشة ، وتوفي زوجها هناك ، وبقيت في الحبشة , فرغب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتزوجها حتى تكون من أمهات المؤمنين ، مع أن أباها كان في ذلك الوقت من المحاربين للإسلام ، ولكن أراد تثبيتها وأراد تسليتها في زوجها فأرسل مَن يخطبها ، أرسل عمرو بن أمية الظمري ، فتزوجها كوكيل عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أصدقها عنه النجاشي ملك الحبشة بأربعة آلاف دينار , وجاء بها عمرو بن أمية من الحبشة إلى المدينة , حيث لم يكن لها محرم في ذلك الوقت ؛ لأن أهلها لم يسلموا ولم يهتموا بأمرها ، فاضطر إلى أن يرسل إليها من يأتي بها ، أصبحت من أمهات المؤمنين .
ولما كان الصلح بين المسلمين وبين أهل مكة ونقض أهل مكة الصلح بقتالهم مع بني بكر لخزاعة ، وخافوا أن يكون ذلك نقضاً للعهد والصلح الذي في الحديبية جاء أبو سفيان إلى المدينة ، وأراد أن يجدد الصلح ، ويزيد في المدة ، فدخل على ابنته التي هي أم حبيبة ، ولما دخل طوت فراش النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأجلسته على الأرض , فقال: يا بنية هل رغبتي بي عن هذا الفراش ، أو رغبتي به عني ؟ أي: هل أنت قد نزهتيني عن هذا الفراش ؛ لأنه لا يناسب ، أو نزهتيه عني ؟ فقالت: هو فراش رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وأنت مشرك فلا أجلسك عليه , فقال: لقد أصابك يا بنيه بعدي شر . ولكن هداه الله بعد ذلك ، وأسلم في سنة الفتح ، ولما أسلم كان لها أختٌ أيضاً لم تتزوج .
ففي هذا الحديث أنها عرضت عليه أختها ، وقالت: ألا تتزوج أختي , تتزوجها معي , فسألها: لماذا ترغبين أن أتزوج أختك ؟ فقالت: لست لك بمخلية ، وأحب من شاركني في خيرٍ أختي , تقول: أنا لا أترك وحدي معك ، بل لا بد من شريكات ، فالآن هناك زوجاتك قد شاركنني ويمكن أن يوجد أيضاً زوجات أخرى يشاركنني فلست بمفردةٍ بك ، ولست بمخلية لك ، ولست بمخلا لي ، بل لا بد من شركاء , فإذا كان لا بد هناك من يشاركني فأحب من يشاركني في هذا الخير هي أختي , هكذا اعتذرت .
أخبرها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن ذلك لا يحل , كما أن الله حرَّم الجمع بين الأختين على المؤمنين فكذلك حرمه على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قال تعالى في آية المحرمات: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} .
فلما ذكرت أختها ، وذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لا يحل له الجمع بين الأختين كما لا يحل لغيره- ذكرت أمراً أعجب , وقالت: كنا نتحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة . أبو سلمة هو من المهاجرين أيضاً ، هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى المدينة ، وتوفي بالمدينة ، ولما توفي كان له أطفال , تزوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمهم أم سلمة , وأما أولاده ومنهم بنته زينب بنت أبي سلمه , فإنهم تربوا في حجر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فأصبحت بنت أبي سلمة زينب ربيبة للنبي صلى الله عليه وسلم بنت زوجته وربيبته وفي حجره .
فتقول أم حبيبة: إنك تريد أن تنكحها , فتعجب من ذلك ، وأخبر بأنه لا يحل له حتى ولو لم تكن ربيبة له ، ولو لم تكن في حجره ، ولو لم تكن بنت زوجته ؛ فإن هناك مانع آخر وهو الرضاعة ، يقول: إنها ابنة أخي من الرضاعة . أبو سلمة كان قد أرضعته ثويبة وهي جارية لأبي لهب , يقول: أرضعتني وأبا سلمة ثويبة . إذا كانت قد أرضعته , أرضعت أبا سلمة وأرضعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصبحا أخوين , رضعا من امرأةٍ ، وإن لم تكن والدة أحدهما ، بل هي أخرى ، فأفاد أن الاثنين إذا ارتضعا من لبن امرأةٍ أجنبية صارا أخوين , اجتمعا في أنها أمك وأم فلانٍ ، يعني من الرضاعة .
فهذه ثويبة كانت مملوكة لأبي لهب ، ولما ولد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاءته وبشرته بأنه وُلد لأخيك ولد , فأعتقها بهذه البشارة . ولما أعتقها احتضنت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , صارت حاضنته وصارت مربية له ، وأرضعته في سن الرضاعة ، وأرضعت معه أيضاً أبا سلمة ، وهي من الجواري اللاتي أسلمن في أول الأمر .
في هذه القصة أن أبا لهب لما قتل رآه بعض أهله بعد موته , لما مات رأوه في شر حيبة ، أي في شر حالةٍ , فسألوه فقال: لم ألق بعدكم خيراً إلا أني سقيت في هذه بعتقي لثويبة ، أشار إلى النقرة التي بين الإصبعين ، وسقيت في هذه بعتقي ثويبة ؛ لأن الله تعالى ذكر أنه من أهل النار بقوله: {سيصلى ناراً ذات لهب} .
والحاصل أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأم حبيبة: ((لا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن ؛ فإنهن لا يحل لي نكاحهن)) فلا تعرضي يا أم حبيبة أختك علي ؛ لكونها أخت زوجتي ، ولا يحل لي الجمع بين الأختين . ولا تعرضي يا أم سلمة ابنتك , مع أن أم سلمة لم تعرض ذلك ؛ فإنها لا تحل لي لكونها ربيبتي .
وبهذا يعرف أن المحرمات علينا محرماتٍ على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , والمباح لأمته مباح له ، ولأجل ذلك قال تعالى: {إنا أحللنا لك أزواجك} {أحللنا لك أزوجك} ، ثم ذكر منهن فقال: {وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك} , فهؤلاء يحل نكاحهن له ، وكذا لغيره , يحل لك نكاح بنت عمك ، وبنت عمتك ، وبنت خالك ، وبنت خالتك . فكذلك تحل للنَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كما تحل لك زوجة أخيك بعد طلاقه ، وزوجة عمك ، وزوجة خالك بعد طلاقه لها ... سقط ... بحال . فهذا دليل على أن الرضاعة يصير سبياً في التحريم ، وأن الجمع بين الأختين لا يجوز .
والحديث الذي بعده يقول فيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يحل الجمع .. أو ((لا يجمع بين المرأة وعمتها ، ولا المرأة وخالتها)) فأفاد بأنه لا يجوز أن يجمع بينهن , يجمع الرجل بينهن , الله تعالى نهى عن الجمع بين الأختين , والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أضاف إلى ذلك الجمع بين المحارم , بحيث لو كانت إحداهما ذكر لم يحل له نكاح الثانية , فلا يجوز أن يجمع بين المرأة وبنت أخيها . إذا كانت عندك امرأة لا يحل لك أن تنكح عمتها ، ولا أن تنكح خالتها حتى تطلق زوجتك ، ولا أن تنكح بنت أخيها ، ولا بنت أختها , ما دام زوجتك عندك يحرم عليك هؤلاء الأربع .
أما الذي يكون محرَما لك من أقاربها فهن بنتها وأمها , إذا تزوجت امرأة فإن أمها تصير محرما لك دائما ، وبنتها بالدخول تصير محرماً لك دائماً ، وأختها محرمة عليك ما دامت في ذمتك ، وعمتها كذلك محرمة عليك ما دامت في عصمتك، وخالتها محرمة عليك ما دامت في عصمتك , وبنت أخيها وبنت أختها هؤلاء أقارب زوجتك سبعٌ: أمها وبنتها حرامٌ عليك أبداً بعد الدخول ، أما عمتها وخالتها وبنت أخيها وبنت أختها فهولاء يحل لك نكاحههن بعد فراق زوجتك , وأما معها فلا , أختها نصَّ الله عليها , عمتها وخالتها وبنت أخيها وبنت أختها نص عليها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أصبح أقاربها الخمس تحريمهن تحريم مؤقت ، وأقاربها الثنتان بنتها وأمها تحريمهن مؤبد .
والحكمة في ذلك وردت في بعض الروايات أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم)) وسبب ذلك: معلوم أن الضرتين يصير بينهما منافسة , إذا كان للرجل زوجتان فالغالب أن بينهما منافسة , كل واحدة تفتخر على الأخرى ، وكل واحدة قد تحسد الثانية ، وقد تضارها ، وقد تفتخر عليها ونحو ذلك , حتى تسوءها ؛ وذلك لأنها شريكتها في هذا الرجل , فلأجل ذلك سميتا ضرتين . فإذا كانت أختان تحت رجل واحد فلا بد أن يقع بينهما شيء من هذه المنافسة , وشيء من هذه المحاسدة فيحصل القطيعة ، فتحصل بذلك قطيعة الرحم , والله تعالى قد رتب على قطيعة الرحم وعيداً شديدا بقوله تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله وأصمهم وأعمى أبصارهم} .
فلأجل ذلك نقول: إن الحكمة في الجمع بين هذه المحارم ؛ كونه سبباً في قطيعة الرحم ، فالأم والبنت تحريمهن مؤبد، ومعلوم أنه لا يتصور الجمع بين المرأة وأمها أو بنتها ، والأخت تحريمها مؤقت منصوص عليه في القرآن ، ومعلوم أيضاً أنه الجمع سبب للتقاطع بين الأختين . وكذلك إذا تزوج امرأة وعمَّتها حصل بينها وبين عمتها منافسة . كذلك إذا تزوج امرأة ثم تزوج عليها بنت أخيها حصل بينهما منافسة ؛ لأن هذه نقول: هذه بنت أخي ، وهذه تقول: هذه عمتي , كيف يحصل الوئام والوداد وهما ضرتان تحت رجل ؟! لا شك أن هذا سبب للمنافسة ، وسبب للمقاطعة ، وقطيعة الرحم .
وكذلك إذا تزوج عليها خالتها أو بنت أختها حصل بينهما أيضاً هذا الإثم الذي هو التقاطع . والإسلام جاء بالمودة، وجاء بالمحبة وجاء بالصلة ، ونهى عن كل شيء فيه تقاطع . فهذا هو السبب , الحكم يختص بالمحارم , بحيث لو كانت إحداهما محرماً رجلاً أصبح محرماً .
ثم العلماء ألحقوا بذلك القرابة من الرضاعة ؛ لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) .
الوجـه الثانـي
فهذه المحرمية من النسب لا شك أن لها تأثير , فكذلك يلحق بها المحرمية من الرضاعة , فلا يجوز أن يجمع بين المرأة وبنتها من الرَّضاع ، وأمها من الرضاع ، وأختها من الرضاع , حتى ولو لم تكونا بنتي امرأة واحدة . إذا كان هناك ابنتان إحداهما رضعت من زينب ، والثانية رضعت من زينب ، وكلاهما متباعدتان لم يحل لك أن تجمع بينهما لكونهما أختين من الرضاع . وكذلك المرأة وعمتها من الرضاع , إذا كانت مثلاً أخت أبيها من الرضاع لم تحل لك أن تنكحها مع زوجتك . وكذلك بنت أخيها من الرضاع . وكذلك خالتها أو بنت أختها من الرضاع , كل هؤلاء لا يحل الجمع بينهن ؛ لهذه الحكمة وهي قوله: ((إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم)) .