مشاهدة النسخة كاملة : [ التعزير ]
عبد العزيز الداخل
11-08-2008, 05:34 AM
وعن أبِي بُرْدةَ هانئِ بنِ نِيارٍ البلَوِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ؛ أنَّهُ سمعَ رَسُولَ اللهِ صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ يقولُ: ((لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسوَاطٍ، إِلاَّ في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ)) .
محمد أبو زيد
11-16-2008, 12:41 PM
بابُ التَّعْزِيرِ
الْحَدِيثُ الثَّانِي والخمسونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
عنْ أبِي بُرْدةَ هانئِ بنِ نِيارٍ البلَوِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ؛ أنَّهُ سمعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: ((لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسوَاطٍ، إِلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ)).
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: أنَّ تَرْكَ الأوامرِ وفِعْلَ المَنَاهِي لها عُقُوبَاتٌ تَرْدَعُ عنها، إمَّا مُقَدَّرَةٌ من الشارعِ، أوْ رَاجِعٌ تَقْدِيرُهَا إلى المصلحةِ التي يَرَاهَا الحاكمُ.
الثَّانِيَةُ: أنَّ تَأْدِيبَ الصبيانِ والنساءِ والخَدَمِ ونَحْوِهِم يكونُ خَلِيقًا بقدرِ التوجيهِ والتخويفِ، فلا يُزَادُ على عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، وهذا المرادُ منْ هذا الحديثِ.
محمد أبو زيد
11-16-2008, 12:42 PM
بَابُ التَّعْزِيرِ(179)
الحَديثُ الرابِعُ والخَمْسُونَ بَعْدَ الثلَاثِمِائَةٍ
354- وعن أبِي بُرْدَةَ هَانِئِ بْنِ نِيَارٍ البَلَوِيِّ الأنْصارِيِّ رضي الله عنه, أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: ((لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسوَاطٍ، إِلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ))(180).
__________________
(179) التعْزِيرُ - لُغَةً - هُوَ مَصْدَرُ ((عَزَّرَ))، وأَصْلُ العَزْرِ : المَنْعُ، فَأُخِذَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِن الوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ.
وشَرْعًا: التأَدِيبُ على ذَنْبٍ، لا حَدَّ فيهِ، ولا كَفَّارَةَ، كالاسْتِمْتَاعِ مِن المَرْأَةِ بِما دُونَ الفَرْجِ، أو السرِقَةِ مِن غَيْرِ حِرْزٍ، والقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنا، والمَعاصِي التي لم يُقَدَّرْ لها حُدُودٌ هِيَ الكَثْرَةُ الغالِبَةُ.
أمَّا ما فيه ِحدٌّ مُقَدَّرٌ مِن الشارِعِ فَهُو القَليلُ المَحْصُورُ، وسَيأْتِي إنْ شاءَ اللهُ تعالى الكَلامُ على مِقْدارِ هذه العُقوبَةِ، والخِلافُ فيهِ.
أمَّا حِكْمَتُهُ التشْرِيعِيَّةُ: فَهُوَ مِن جُمْلَةِ الحُدودِ التي تَقَدَّمَ الكَلَامُ في فَوائِدِها ومَنافِعِها.
وحُكْمُهُ ثابِتٌ في الكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإجْماعِ، ونُصوصُهُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ.
(180) المَعْنى الإجْمالِيُّ:
يُرادُ بِحُدودِ اللهِ تعالى أوامِرُهُ ونَواهِيهِ, فهذه لها عُقوباتٌ رادِعَةٌ عنها، إمَّا مُقَدَّرَةٌ، كالزِّنا والقَذْفِ، أو غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ، كالإفْطارِ في نَهارِ رَمَضانَ، ومَنْعِ الزَّكاةِ، وغَيْرِ ذلكَ مِن قِبَلِ المُحَرَّماتِ، أو تَرْكِ الواجِباتِ.
وهُناكَ تَأْدِيباتٌ وتَعْزِيراتٌ للنِّساءِ والصبْيانِ، لِغَيْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ.
وإنَّما تُفْعَلُ لِتَقْويمِهِمْ وتَهْذِيبِهِمْ, فهذه لا يُزادُ فيها على عَشْرَةِ أَسْواطٍ، ما دامُوا لم يَتْرُكوا واجِبًا مِن دِينِهِمْ، أو يَفْعَلوا مُحَرَّمًا عليهِمْ مِن رَبِّهِمْ.
ما يُسْتَفادُ مِن الحَديثِ:
1- أنَّ حُدودَ اللهِ تعالى التي أَمَرَ بِها، أو نَهَى عنها لها عُقُوباتٌ تَرْدَعُ عنها، إمَّا مُقَدَّرَةٌ مِن الشارِعِ، أو راجِعٌ تَقْدِيرُها إلى المَصْلَحةِ التي يَراها الحاكِمُ، وهِيَ أَنْواعٌ كما يأْتِي.
2- أنَّ تأْدِيبَ الصِّبْيانِ والنِّساءِ والخَدَمِ ونَحْوِهِمْ يَكُونُ خَفِيفًا بِقَدْرِ التوْجِيهِ والتخْويفِ، فلا يُزادُ فيه على عَشَرَةِ أَسْواطٍ.
والأَوْلَى تَهْذِيبُهُمْ بِدُونِ الضرْبِ، بَلْ بالتوْجِيهِ، والتعْليمِ، والإرْشادِ، والتشْوِيقِ، فَهُوَ أَدْعَى للقَبولِ واللُّطْفِ في التعْلِيمِ.
والأحْوالُ في هذا المَقامِ تَخْتَلِفُ كَثِيرًا، فَيَنْبَغِي فِعْلُ الأصْلَحِ.
3- ظاهِرُ هذا الحَديثِ تَحْرِيمُ الزيادَةِ على عَشَرَةِ أَسْواطٍ؛ لِأَنَّ الحَديثَ جاءَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ، ويَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.
اخْتِلافُ العُلَماءِ في المُرادِ بِكَلِمَةِ الحُدودِ:
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ مِن مَعنى قَوْلِهِ: ((إلَّا في حَدٍّ مِن حُدودِ اللهِ )). فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ : إلى أنَّ المُرادَ (بالحُدودِ) هِيَ التي قُدِّرَتْ عُقُوباتُها شَرْعًا كَحَدِّ الزِّنا، والقَذْفِ، والسَّرِقَةِ، والقِصاصِ في النفْسِ، وما دُونَها مِن الأطْرافِ والجُروحِ.
فعلى هذا يكونُ ما عَداها مِن المَعاصِي هُوَ الذي عُقُوبَةُ مُرْتَكِبِهِ التعْزِيرُ، وهُوَ مِن عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ فَأَدْنى، وهذا هُوَ المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الإمامِ أَحْمَدَ.
على أنَّ الأصْحابَ يُريدونَ بالتَّعْزِيرِ المُقَدَّرَ، لِمَنْ كانَ قَدْ فَعَلَ المَعْصِيَةَ.
أمَّا المُقِيمُ عَلَيْها فيُعَزَّرُ حتَّى يُقْلِعَ عَنْها، ولِذا قالَ شَيْخُ الإسْلامِ : (والذينَ قدَّرُوا التعْزِيرَ مِن أَصْحابِنا، إنَّما هُوَ فِيما إذا كانَ تَعْزِيرًا على ما مَضَى مِن فِعْلٍ أو تَرْكٍ.
فإنْ كانَ تَعْزِيرًا لِأَجْلِ تَرْكِ ما هُوَ فاعِلٌ لَهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَتْلِ المُرْتَدِّ والحَرْبِيِّ، وقِتالِ الباغِي. وهذا تَعْزِيرٌ لَيْسَ يُقَدَّرُ، بَلْ يَنْتَهِي إلى القَتْلِ، كما في الصائِلِ لِأَخْذِ المالِ يَجُوزُ أنْ يُمْنَعَ، ولو بالقَتْلِ )، ولهُ بَقِيَّةٌ.
وعنْهُ أنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ لها مِثْلُ المُقَدَّرِ، لا يَبْلُغُ بِها حَدَّ المُقَدَّرِ، كَأَنْ يَزْنِيَ بِجارِيَةٍ، لهُ فيها شِرْكٌ، فَيُجْلَدُ مِائَةَ سَوْطٍ إلَّا واحِدًا.
ومَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، والشافِعِيِّ: أنَّهُ لا يُبْلَغُ بالتعْزِيرِ الحُدُودُ المُقَدَّرَةُ.
وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ مَعْنَى قولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ((إلَّا في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ )). أنَّ المُرادَ بِحُدودِ اللهِ أَوامِرُهُ ونَواهِيهِ، وأنَّهُ ما دامَ التعْزِيرُ لِأَجْلِ ارْتِكابِ مَعْصِيَةٍ بِتَرْكِ واجِبٍ أو فِعْلِ مُحَرَّمٍ، فَيُبْلَغُ بِهِ الحَدُّ الذي يَراهُ الإمامُ رادِعًا وزاجِرًا مِن ارْتِكابِهِ والعَوْدَةِ إليهِ، وذَلك يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ المَكانِ والزمانِ، وباخْتِلافِ الأشْخاصِ، وباخْتِلافِ المَعْصِيَةِ.
فلِلأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ حُكْمٌ بالتَّخْفيفِ أو التشْدِيدِ في عُقُوبَةِ العُصاةِ، وكذلكَ الأشْخاصُ، لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَدَبُهُ اللائِقُ والكافي لِرَدْعِهِ.
فَبَعْضُهُمْ يَكْفِيهِ التوْبِيخُ، وبَعْضُهُم الضرْبُ والجَلْدُ، وبَعْضُهُم الحَبْسُ، وبَعْضُهُم أَخْذُ المالِ.
والذينَ يَنْدُرُ أنْ تَقَعَ مِنْهُم المَعاصي - وهُم ذَوُو الهَيْئاتِ - فَيَنْبَغِي التجاوُزُ عَنْهُمْ.
وبَعْضُهُمْ مُجاهِرونَ مُعانِدونَ، فَيَنْبَغِي النِّكايَةُ بِهِمْ، والمَعاصِي تَخْتَلِفُ في عِظَمِها وخِفَّتِها.
فَيَنْبَغِي للحاكِمِ مُلَاحَظَةُ الأحْوالِ، والظُّروفِ، والمُلابَساتِ؛ لِيَكُونَ على بَصِيرَةٍ مِن أَمْرِهِ، ولِتَكُونَ تَعْزِيراتُهُ وتَأْدِيباتُهُ واقِعَةً مَواقِعَها، وافِيَةً بِمَقْصُودِها، وهُوَ راجِعٌ إلى رَأْيِ الحاكِمِ، فَقَدْ يَكُونُ بالتوْبِيخِ، وقَدْ يَكُونُ بالهَجْرِ، وقَدْ يَكُونُ بالجَلْدِ، وقَدْ يَكُونُ بالحَبْسِ، وقَدْ يَكُونُ بِأَخْذِ المالِ، وقَدْ يَكُونُ بالقَتْلِ، وكُلُّ هذه العُقُوباتِ لها أَصْلٌ في الشَّرْعِ، وإلَيْكَ كَلَامُ العُلَماءِ في هذا البابِ.
قالَ الإمامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى ـ فِيمَنْ شَرِبَ خَمْرًا في نَهارِ رَمَضانَ، أو أَتَى شَيْئًا نَحْوَ هذا ـ : ((أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ، وغُلِّظَ عَلَيْهِ، مِثْلَ الذي يَقْتُلُ في الحَرَمِ، دِيَةٌ وثُلُثُ دِيَةٍ )).
وقالَ أيْضًا: ((إذا أَتَت المَرْأَةُ المَرْأَةَ تُعاقَبانِ وتُؤَدَّبانِ ).
وقالَ أيْضًا ـ فَيمَنْ طَعَنَ على الصحابَةِ ـ : (إنَّهُ قَدْ وَجَبَ على السُّلْطانِ عُقُوبَتُهُ، فإنْ تابَ وإلَّا أَعادَ العُقُوبَةَ ).
وقَدْ أَطالَ الناقِلُ عن شَيْخِ الإسْلَامِ في ((الاخْتِياراتِ )) في هذا البابِ, فَنَجْتَزِئُ مِن ذلكَ بِفِقْرَاتٍ تُبَيِّنُ رأْيَهُ، وتُنِيرُ الطرِيقَ في هذه المَسْأَلَةِ.
قالَ رَحِمَهُ اللهُ :(وقَدْ يَكُونُ التعْزِيرُ بالعَزْلِ، والنَّيْلِ مِن عِرْضِه، مِثْلَ أنْ يُقالَ : يا ظالِمُ، يا مُعْتَدِي. وبإقامَتِهِ مِن المَجْلِسِ ).
وقالَ: ( والتعْزِيرُ بالمالِ سائِغٌ، إتْلافًا، وأَخْذًا، وهُوَ جارٍ على أَصْلِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ لم يَخْتَلِفْ أَصْحابُهُ أنَّ العُقُوباتِ في الأمْوالِ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ كُلَّها).
وقولُ الشيْخِ أبي مُحَمَّدٍ المَقْدِسِيِّ ((ابْنِ قُدَامَةَ )): (ولا يَجُوزُ أَخْذُ مالِ المُعَزَّرِ). إِشارَةً مِنْهُ إلى ما يَفْعَلُهُ الوُلَاةُ الظَّلَمَةُ.
وقالَ: ( ويَمْلِكُ السُّلْطانُ تَعْزِيرَ مَن ثَبَتَ عِنْدَهُ أنَّهُ كَتَمَ الخَبَرَ الواجِبَ، كما يَمْلِكُ تَعْزِيرَ المُقِرِّ إقْرَارًا مَجْهُولًا حتَّى يُفَسِّرَهُ، أو مَنْ كَتَمَ الإقْرارَ ).
وقَدْ يَكُونُ التعْزِيرُ بِتَرْكِهِ المُسْتَحَبَّ، كمَا يُعَزَّرُ العاطِسُ الذي لم يَحْمَد اللهَ، (بِتَرْكِ تَشْمِيتِهِ).
وقالَ : (وأَفْتَيْتُ أَمِيرًا مُقَدَّمًا على عَسْكَرٍ كَبيرٍ في الحَرْبِيَّةِ، فإذا نَهَبُوا أَمْوَالَ المُسْلِمِينَ، ولم يَنْزَجِرُوا إلا بالقَتْلِ، أَنْ يَقْتُلَ مَن يَكُفُّونَ بِقَتْلِهِ، ولو أَنَّهُمْ عَشْرَةٌ إذْ هُوَ مِن بابِ دَفْعِ الصائِلِ ). وقالَ ((ابْنُ القَيِّمِ)): (الصوَابُ أنَّ المُرادَ بالحُدودِ هُنا الحُقُوقُ التي هِيَ أَوَامِرُ اللهِ ونَواهِيهِ، وهِيَ المُرادَةُ بِقولِهِ تعالى : (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). وفي أُخْرَى: (فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ). وقالَ: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا). فلا يُزادُ على الجَلَدَاتِ العَشْرِ، في التأْدِيباتِ التي لا تَتَعَلَّقُ بِمَعْصِيَةٍ، كَتَأْدِيبِ الأبِ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ ).
وقالَ أبو يُوسُفَ, صاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ : (التعْزِيرُ على قَدْرِ عِظَمِ الذنْبِ وصِغَرِهِ، وعلى قَدْرِ ما يَرَى الحاكِمُ مِن احْتِمالِ المَضْرُوبِ، فيما بَيْنَهُ وبَيْنَ أَقَلَّ مِن ثَمانِينَ).
وقالَ الإمامُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: التعْزِيرُ على قَدْرِ الجُرْمِ، فإنْ كانَ جُرْمُهُ أَعْظَمَ مِن القَذْفِ ضُرِبَ مِائَةً أو أَكْثَرَ).
وقالَ أَبُو ثَوْرٍ: (التعْزِيرُ على قَدْرِ الجِنايَةِ، وتَسَرُّعِ الفاعِلِ في الشَّرِّ، وعلى قَدْرِ ما يَكُونُ أَنْكَلَ وأَبْلَغَ في الأدَبِ، وإنْ جاوَزَ التعْزِيرُ الحَدَّ، إذا كانَ الجُرْمُ عَظِيمًا، مِثْلَ أنْ يَقْتُلَ الرجُلُ عَبْدَهُ، أو يَقْطَعَ مِنْهُ شَيْئًا، أو يُعاقِبَهُ عُقُوبَةً يُسْرِفُ فيها، فَتَكُونُ العُقُوبَةُ فيه على قَدْرِ ذلكَ، وما يَراهُ الإمامُ إذا كانَ عَدْلًا مَأْمُونًا).
وقالَ شَيْخُنا ((عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِيٍّ)) رَحِمَهُ اللهُ تعالى : و(الصحِيحُ جَوازُ الزيادَةِ في التعْزِيرِ على عَشْرِ جَلَدَاتٍ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ والزَّجْرِ ). فهذه أَقْوالُ الأئِمَّةِ، وآرَاؤُهُمْ في التعْزِيرِ، رَحِمَهُم اللهُ تعالى.
والمُرادُ بِقولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يُجْلَدَ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إلَّا في حَدٍّ مِن حُدودِ اللهِ )). أنَّ المُرادَ بِهِ المَعْصِيَةُ، وأنَّ الذي لا يُزادُ على ذلكَ تَأْدِيبُ الصغِيرِ، والزَّوْجَةِ، والخادِمِ، ونَحْوِهِمْ في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ.
فَوائِدُ مَنْقُولَةٌ عن شَيْخِ الإسْلامِ:
الأُولَى: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يُكَرِّرُ التعْزِيرَ في الفِعْلِ إذا اشْتَمَلَ على أَنْواعٍ مِن المُحَرَّماتِ فكانَ يُعَزِّرُ في اليَوْمِ الأَوَّلِ مِائَةً، وفي الثانِي مِائَةً، وفي الثالِثِ مِائَةً، يُفَرِّقُ التعْزِيرَ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلى فَسادِ بَعْضِ الأعْضاءِ.
الثانِيَةُ: الذي عِنْدَهُ مَمالِيكُ، وغِلْمانٌ يَجِبُ عليه أنْ يَأْمُرَهُمْ بالمَعْرُوفِ، ويَنْهاهُمْ عن المُنْكَرِ، وإذا كانَ قادِرًا على عُقُوبَتِهِمْ فَيَنْبَغِي لهُ أنْ يُعَزِّرَهُمْ على ذلكَ إذا لم يُؤَدُّوا الواجِباتِ، ويَتْرُكوا المُحَرَّماتِ.
الثالِثَةُ: الاسْتِمْنَاءُ بالَيْدِ حَرامٌ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ، وهُوَ أَصَحُّ القَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وفي القَوْلِ الآخَرِ هُوَ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، وأَكْثَرُهُمْ لا يُبِيحُونَهُ لِخَوْفِ العَنَتِ .. ونُقِلَ عن طائِفَةٍ مِن الصحابَةِ والتابِعِينَ أنَّهُمْ رَخَّصُوا فيه للضرُورَةِ، مِثْلَ أنْ يَخْشَى الزِّنَا، فلا يُعْصَمُ مِنْهُ إلا بهِ، ومِثْلَ إنْ لم يَفْعَلْهُ أنْ يَمْرَضَ، وهذا قولُ أَحْمَدَ وغَيْرِهِ. وأمَّا بِدونِ الضَّرورَةِ فما عَلِمْتُ أَحَدًا أَرْخَصَ فيهِ .واللهُ أَعْلَمُ.
محمد أبو زيد
11-16-2008, 12:44 PM
359 – الحـديثُ الثانِي: عن أبي بُرْدةَ – هانئِ بنِ نِيـارٍ – البَلَـويِّ رضيَ اللَّهُ عنهُ: أنَّهُ سمـعَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ يقولُ: "لا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ".
فيه مسألتانِ. إحداهُمَا: إثباتُ التعزيرِ في المعاصِي التي لا حدَّ فيها؛ لِمَا يقتضِيهِ من جوازِ العشرةِ فما دُونَهَا.
المسألةُ الثانيةُ: اختلفُوا في مقدارِ التعزيرِ. والمنقولُ عن مالكٍ: أنَّهُ لا يُتقدَّرُ بهذا القَدْرِ ويُجيزُ في العقوباتِ فوقَ هذا. وفوقَ الحدودِ، علَى قدْرِ الجريمةِ وصاحبِهَا، وأنَّ ذلك موكولٌ إلَى اجتهادِ الإمامِ. وظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ: أنَّهُ لا يُبْلَغُ بالتعزيرِ إلَى الحدودِ. وعلَى هذا: ففي المُعتَبَرِ وجهانِ. أحدُهما: أدنَى الحدودِ في حقِّ المُعزَّرِ. فلا يُزادُ في تعزيرِ الحُرِّ علَى تسْعٍ وثلاثينَ ضربةً؛ ليكونَ دونَ حدِّ الشربِ. ولا في تعزيرِ العبدِ علَى تسعةَ عشَرَ سوطًا. والثانِي: أنَّهُ يُعتبَرُ أدنَى الحدودِ علَى الإطلاقِ؛ فلا يُزادُ في تعزيرِ الحرِّ أيضًا علَى تسْعَةَ عشَرَ سوطًا أيضًا، وفيه وجْهٌ ثالثٌ: أنَّ الاعتبارَ بحدِّ الأحرارِ فيجوزُ أنْ يُزادَ تعزيرُ العبدِ علَى عشرينَ.
وذهبَ غيرُ واحدٍ إلَى ظاهرِ الحديثِ. وهو أنَّهُ لا يُزادُ في التعزيرِ علَى عشرةٍ. وإليه ذهبَ من الشافعيَّةِ صاحبُ التقريبِ، وذكرَ بعضُ المصنِّفينَ منهم: أنَّ الأظهرَ أنَّهُ يجوزُ الزيادةُ علَى العشْرِ.
واختلفَ المخالفونَ لظاهرِ هذا الحديثِ في العُذْرِ عنه. فقالَ بعضُ مصنِّفِي الشافعيَّةِ: إنَّهُ منسوخٌ بعملِ الصحابةِ بخلافِهِ. وهذا ضعيفٌ جدًا؛ لأنَّه يتعذَّرُ عليهِ إثباتُ إجماعِ الصحابةِ علَى العملِ بخلافِهِ. وفِعْلُ بعضِهم أو فتواهُ لا يدلُّ علَى النسْخِ. والمنقولُ في ذلك: فعْلُ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهَ: "أنَّهُ ضربَ صَبِيغًا أكثرَ من الحدِّ، أو من مائةٍ" وصَبِيغٌ هذا – بفتْحِ الصادِ المهملةِ، وكسرِ ثانِي الحروفِ، وآخِرُهُ غينٌ مُعجَمةٌ- وقالَ بعضُ المالكيَّةِ: وتأوَّلَ أصحابُنَا الحديثَ علَى أنَّهُ مقصورٌ علَى زمنِ النبيِّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ؛ لأنَّه كانَ يكفِي الجانِي منهم هذا القدْرُ. وهذا في غايةِ الضعفِ أيضًا؛ لأنَّه تَرْكٌ للعمومِ بغيرِ دليلٍ شرعيٍّ علَى الخصوصِ. وما ذكرَهُ مناسبةٌ ضعيفةٌ، لا تستقلُّ بإثباتِ التخصيصِ.
قالَ هذا المالكِيُّ: وتأوَّلُـوهُ أيضًا علَى أن المرادَ بقولـِهِ: "فِي حَدٍّ من حدودِ اللَّهِ" أيْ: حقٍّ من حقوقِهِ، وإنْ لم يكنْ من المعاصِي المُقدَّرَةِ حدودُهَا؛ لأنَّ المحرَّماتِ كلَّها من حدودِ اللَّهِ.
وبلغنِي عن بعضِ أهلِ العصرِ: أنَّهُ قرَّرَ هذا المعنَى بأنَّ تخصيصَ الحدِّ بهذهِ المُقدَّراتِ أمْرٌ اصطلاحيٌّ فقهيٌّ، وأنَّ عُرْفَ الشرعِ في أوَّلِ الإسلامِ لم يكنْ كذلك، أو يُحتَمَلُ أنْ لا يكونَ كذلك – هذا أو كما قالَ – فلا يخرجُ عنه إلا التأديباتُ التي ليستْ عن مُحرَّمٍ شرعيٍّ.
وهذا – أوَّلًا – خروجٌ في لفظةِ: "الحدِّ" عن العُرْفِ فيها. وما ذكرَهُ هذا العصريُّ: يُوجبُ النَّقْلَ. والأصلُ عَدَمُهُ.
وثانيًا: أنَّا إذا حملناهُ علَى ذلك، وأجزْنَا في كلِّ حقٍّ من حقوقِ اللَّهِ: أنْ يُزادَ، لم يبقَ لنا شيءٌ يختصُّ المنعُ فيه بالزيادةِ علَى عشَرَةِ أسواطٍ؛ إذ ما عدَا المحرَّماتِ كلَّها، التي لا تجوزُ فيها الزيادةُ: ليسَ إلا ما ليسَ بمُحرَّمٍ. وأصلُ التعزيرِ فيه ممنوعٌ. فلا يبقَى لخصوصِ منْعِ الزيادةِ معنًى. وهذا أوردْنَاهُ علَى ما قالَهُ المَالكِيُّ في إطلاقِهِ لحقوقِ اللَّهِ. وقد يتعذَّرُ عنه بما أشرْنَا إليهِ، من أنَّهُ لا يخرجُ عنه إلا التأديباتُ علَى ما ليسَ بمُحرَّمٍ. ومع هذا فيحتاجُ إلَى إخراجِهَا عن كوْنِهَا من حقوقِ اللَّهِ.
وثالثًا – علَى أصْلِ الكلامِ، وما قالَهُ العصريُّ - فيما نُقِلَ عنه – ما تقدَّمَ في الحديثِ قبْلَهُ من حديثِ عبدِ الرحمنِ: "أَخَفُّ الحُدودِ ثمانونَ" فإنَّهُ يقطعُ دابرَ هذا الوهمِ، ويدلُّ علَى أنَّ مصطلحَهُمْ في الحدودِ: إطلاقُهَا علَى المُقدَّرَاتِ التي يُطلِقُ عليها الفقهاءُ اسمَ "الحدِّ" فإنَّ ما عدا ذلك لا ينتهِي إلَى مقدارِ أربعينَ، فهو ثمانونَ. وإنَّمَا المُنتهَى إليه: هي الحدودُ المُقدَّراتُ. وقد ذهبَ أشهبُ من المالكيَّةِ إلَى ظاهرِ هذا الحديثِ، كما ذهبَ إليه صاحبُ التقريبِ من الشافعيَّةِ. والحديثُ مُتعرِّضٌ للمنْعِ من الزيادةِ علَى العشَرَةِ. ويبقَى ما دونَهَا لا نعرضُ للمنْعِ فيه. وليسَ التخييرُ فيه، ولا في شيءٍ ممَّا يُفوَّضُ إلَى الولاةِ: تخييرُ تَشَهٍّ، بل لا بدَّ عليهم من الاجتهادِ.
وعن بعضِ المالكيَّةِ: أنَّ مُؤدِّبَ الصبيانِ لا يزيدُ علَى ثلاثةٍ. فإنْ زادَ اقْتُصَّ منه. وهذا تحديدٌ يُبعدُ إقامةَ الدليلِ المتينِ عليه؛ ولعلَّهُ يأخذُهُ من أنَّ الثلاثَ: اعتبِرَتْ في مواضعَ. وهو أوَّلُ حدِّ الكثرةِ. وفي ذلك ضعْفٌ.
والذي ذكرَهُ المصنِّفُ – من أنَّ أبا بُردةَ: هو هانئُ بنُ نيارٍ – مختَلَفٌ فيه، فقد قيلَ: إنَّه رَجُلٌ من الأنصارِ.
محمد أبو زيد
11-16-2008, 12:45 PM
................................
حفيدة بني عامر
01-12-2009, 04:53 AM
وأما جلد التأديب الذي ذكر في حديث أبي بردة في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله )) . فالمراد به جلد التأديب , أن يؤدب الرجل ولده ، أو يؤدب خادمه , أو يؤدب زوجته ، أو نحو ذلك, فلا يزيد على عشرة أسواط , يعني عشر جلدات ، أما حدود الله وحقوقه والعقوبة على معاصية , فإنه يجلد فيها الجلد الذي يردع , فجلد عقوبة تارك الصلاة لا شك أنه يجلد بما ينزجر به ، ولو زاد على المائة ، أو نحوها ، وكذلك عقوبة من يبيع المحرم ، أو يتعاطى ربا مثلا أو يغش في معاملات أو نحوها , يجلد ولو زاد على الخمسين أو السبعين , أو نحو ذلك بما يرتدع به ، وهكذا عقوبة الظلمة وأهل الغصب وأهل النهب وأهل السلب وقطاع الطرق وما أشبههم , يعاقبون بما ينزجرون به وبما تخف به المعاصي .
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir