حفيدة بني عامر
01-12-2009, 05:37 AM
القارئ:
باب النذر
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله , إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة - وفي رواية: يوما - في المسجد الحرام . فقال: ((فأوف بنذرك)) .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما , عن النبي صلى الله عليه وسلم , أنه نهى عن النذر , وقال: ((إن النذر لا يأتي بخير , وإنما يستخرج به من البخيل)) .
الشيخ: هذه الأحاديث تتعلق بالنذر , وقد عرفوه بأنه: أن يلزم المكلف نفسه شيئا ما ألزمه به الشرع , إلزام المكلف نفسه ما لم يجب عليه شرعا . وتارة يكون بلفظ النذر , كأن يقول: نذرت كذا وكذا , وتارة يقول: لله علي نذر أن أفعل كذا وكذا , وأحيانا لا يذكر كلمة النذر , ولكن يقول: علي أن أفعل كذا وكذا ، أو ألزم نفسي علي كذا , أو ما أشبه ذلك .
وقد يكون معلقا بشرط مستقبَل , كأن يقول يعني يقول مثلا: إن رزقني الله ولدا ذكرا فعلي أن أحجَّ ماشيا مثلا ، أو أن أتصدَّق بألف , وكذلك لو قال: إن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا , أو أصلي لله كذا وكذا , أو أصوم كذا وكذا .
وذكرنا أمثلة لذلك فيما مضى . والآن عندنا مثال لذلك , وهو حديث عمر , يقول: إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام . فقال: ((أوف بنذرك)) . هذا مثال , والظاهر أن عمر نذر نذرا مطلقا بأن قال: علي أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام , ويمكن أنه نذر نذرا معلقا بقوله: إن نصر الله نبيه فعلي , أو إن فتح الله علينا مكة فعلي أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام , أو يوما في المسجد الحرام , فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء ؛ وذلك لأنه نذْر طاعة , الاعتكاف طاعة وعبادة , فيوفي به من نذره .
ودليل وجوب الوفاء بالنذر إذا كان طاعة قوله صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) . وفي حديث آخر قال عليه السلام: ((لا نذر في معصية الله , وكفارته كفارة يمين)) . فنذر الطاعة مثل نذر الاعتكاف , إذا نذر أن يعتكف يوما , سواء نذرا مطلقا , كأن يقول: لله علي أن أعتكف في هذا المسجد يوما , أو لله علي أن أعتكف في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي أو في المسجد الأقصى يوما . أو معلق كأن يقول: إن قدم غائبي , إن شفي مرضي , إن ربحت تجارتي , مثلا إن نجح ابني أو مثل ذلك فلله علي أن أعتكف في المسجد الحرام أو في غيره , أو في هذا المسجد أو نحو ذلك , يلزمه الوفاء إذا تحقق الشرط , إذا وجد ما شرطه من الربح مثلا أو الشفاء أو القدوم أو ما أشبهه فيلزمه الوفاء به ؛ لهذا الحديث: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) . ولقوله لعمر: ((أوف بنذرك)) .
لكن إذا كان النذر اعتكافا فقد اختلف فيه , هل يجب الوفاء به أم لا ؟ والجمهور على أنه واجب . والحنفيه قالوا: لا يجب , وإنما يستحب ؛ وذلك لأنهم لا يوجبون إلا ما جنسه واجب بأصل الشرع , وليس من الاعتكاف شيء واجب بأصل الشرع , هكذا عللوا , يقولون: إذا نذر أن يصوم فيلزمه ؛ لأن هناك صيام واجب كرمضان , إذا نذر أن يصلي صلاة ركعتين أو أربعا ، أو نحو ذلك , فإن عليه أن يوفي به ؛ لأن هناك صلاة واجبة كالصلوات الخمس , إذا نذر حجا أو عمرة فإن عليه الوفاء به ؛ وذلك لأن هناك حج وعمرة واجبة , وكذلك لو نذر صدقة أو نفقة في سبيل الله ، أو في بر أو عمل صالح , فإنه يوفي به ؛ وذلك لأن جنسه واجب بأصل الشرع .
وأما جمهور الأمة والأئمة فإنهم يرون وجوب الوفاء بالاعتكاف ؛ لهذا الحديث: ((أوف بنذرك)) .
ثم إذا كان النذر نذر معصية كفر وترك الوفاء . في حديث ثابت بن الضحاك , قال: نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة, فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((هل فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد)) ؟ قالوا: لا . قال: ((هل فيها عيد من أعيادهم)) ؟ قالوا: لا . قال: ((أوف بنذرك ؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ، ولا فيما لا يملك ابن آدم)) . فإذا كان النذر نذر معصية لم يجز الوفاء به , وكان عليه الكفارة لحديث: ((لا نذر في معصية الله , وكفارته كفارة يمين)) . فإذا قال مثلا: إن نجاني الله من هذا العدو فإني ألزم نفسني أن أشرب خمرا , أو أن أزني بفلانة مثلا أو أن أسرق أو أنتهب ، أو أقتل فلانا المسلم , هذا نذر معصية يحرم عليه الوفاء به ، ويكفر كفارة يمين .
ومثله النذور التي يفعلها القبوريون , كثيرا ما يقول أحدهم إذا شفي مريضي فعلي للسيد الفلاني صاحب القبر الفلاني أن أسرج قبره ليلة أو ليالي ، أو أن أهريق على قبره سمنا ، أو أن أذبح عند قبره شاة أوبقرة ، أو أن أعتكف عند قبره ليلة أو ليالي ، أو أن أصلي عند القبر الفلاني كذا وكذا صلاة .
لا شك أن مثل هذا كله نذر معصية , يحرم الوفاء به ، فعرفنا من ذلك أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به ، وأما نذر الطاعة فإنه يجب الوفاء به , إذا قال: أن أصلي لله ، أو أن أنفق في سبيل الله أو ما أشبه ذلك .
قوله صلى الله عليه وسلم في النذر: ((إنه لا يأتي بخير , وإنما يستخرج به من البخيل)) . يراد بهذا نذر الصدقة , نذر النفقة بالمال أو نحوه , البخيل لا يخرج المال إلا إذا نذره وألزم به نفسه . وقد يعتقد أن النذر يؤثر في الأمور المستقبلة , وهذا أيضا خطأ , النذر لا يغير شيئا من الأمور المستقبلة المقدرة , فالذي يعتقد أنه يؤثر اعتقاده خاطئ , ونذكر لذلك أمثلة حتى يتضح المراد:
فالذي يعتقد أن الله لا يشفي مريضه إلا إذا نذر أن يتصدق بألف , فيقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بألف . هل النذر سبب شفاء المريض ؟ الله تعالى قدَّر الشفاء , سواء نذرت أو لم تنذر . وكذلك إذا قال: إن ربحت تجارتي فلله علي أن أتصدق بألف , كأنه بخيل , ما كان ينويه أن يتصدق إلا إذا أربح الله تجارته ، تجارتك قد قدر الله لها ما قدر , إما خسرانا وإما ربح , ليس خسرانها بسبب عدم النذر , وليس ربحها بسبب النذر . النذر لم يغير شيئا من قدر الله .
وكذلك لو قال مثلا: إن قدم ولدي سالما من هذا الغزو مثلا , أو من هذا السفر الذي فيه خطر , فلله علي أن أتصدق بألف أو نحو ذلك ، أو أن أنحر شاة أو عشرين شاة , هل نذرك بهذه الصدقة أو بهذه الذبائح هو الذي سبب أن ولدك يقدم سالما ؟ الله قد قدر ما قدره , قدر لك أنه يقدم أو لا يقدم , وكتب ذلك , فليس النذر هو الذي سبب لك هذا, فالنذر لا يغير من قدر الله شيئا ، النذر لا يأتي بخير , هذا بخيل , الذي ما تصدَّق إلا بعد أن تحقق له نذره , ما تصدق إلا إذا نجح ولده , ما يتصدق إلا إذا شفي مريضه ، ما يتصدق إلا إذا قدم غائبه , أو إذا ربحت تجارته , أو ما أشبه ذلك .
فعرف بذلك أن النذر ليس يغير شيئا من أمر الله , ولا من قضاء الله وقدره , وإنما يستخرج به من البخيل , الواجب عليك أن تتصدق إذا كنت عازما , سواء نجحت أو لم تنجح , سواء ربحت أم لم تربح , أن تعزم على الصدقة سواء شفي مريضك أو لم يشف , أن تعزم على الصدقة , أو كذلك على غير الصدقة إذا كان النذر عملا صالحا , يعني كصيام مثلا , نقول: ما يخطر لك الصيام إلا إذا نجحت مثلا أو إذا ربحت , عليك أن تتقرب بالصيام , ما تخطر لك الصلاة أو الحج مثلا أو العمرة إلا إذا حصل لك مقصودك , هذا ما كان ينبغي عليك أن تأتي بالقربات وبالأعمال الصالحة , سواء حصل لك مقصدك ومطلبك أو لم يحصل , عليك أن تتقرب بالصدقات وأن تتقرب بالحج أو العمرة ، و أن تتقرب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وما أشبه ذلك , وأن تتقرب بالصدقات والصلوات وما أشبهها , سواء حصل لك مقصودك أو لم يحصل , سواء ربحت أو لم تربح , سواء نجحت أو لم تنجح ، سواء قدم غائبك أو لم يقدم ، شفي أو لم يشفى , عليك أن تشكر الله ، وأن تتقرب إليه بهذه العبادات ؛ فإن ذلك هو شأن المؤمن التقي الذي يعبد الله بكل حال , في عسره وفي يسره , وفي رخائه وفي شدته , هذا هو حقيقة العبودية لله تعالى .
القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمدُ لله رب العالمينَ ، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين . قال المؤلفُ رحمنا الله تعالى وإيَّاه:
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية , فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاستفتيته فقال: ((لتمشي ولتركب)) .
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: استفتى سعد بن عبادة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في نذرٍ كان على أمه , توفيت قبل أن تقضيه , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فاقضه عنها)) .
وعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله , إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمسك عليك بعض مالك , فهو خير لك)) .
الشيخ: هذه الأحاديث تتعلَّق بالنذور ، والنذر: هو إلزامُ الإنسان المكلَّف نفسه ما لا يلزمه شرعا , سواء من العبادات , أو من العادات ، أو من المحرمات , فمثال العادات* (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=4890#_ftn1) أن يقول: لله علي أن أصوم شهرا ، أو أتصدق بمائة . ومثال العادات أن يقول: لله علي أن أشتري ثوبا جديدا , أو ألا ألبس خلقا ، أو أن أسكن دارا فارهة أو نحو ذلك ، ومثال المحرمات كأن يقول: لله علي أن أشرب خمرا ، أو أن أقتل مسلما ، أو نحو ذلك .
فمن نذر نذر طاعة فعليه الوفاء ؛ لقوله تعالى: {وليوفوا نذورهم} , ومن نذر معصية فعليه الكفارة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا نذر في معصية الله , وكفارته كفارة يمين , ومن نذر مباحا فله الخيار: إن شاء وفى به , وإن شاء كفر)). وكذلك من نذر نذرا فيه مشقة وليس فيه طاعة , قد ذكرنا في الدرس الماضي حديث أبي إسرائيل , رآه النبي صلى الله عليه وسلم قائما في الشمس , فسأل , فقالوا: إنه نذر أن يقوم ولا يجلس , ولا يستظل , ولا يتكلم ، ويصوم . ولما كان هذا ليس فيه عبادة إلا الصوم قال: ((مروه أن يجلس , ويستظل ويتكلم , ويتم صومه)) . الصوم عبادة , أمره بأن يتمه ، وأما تعذيب نفسه بالوقوف قائما أو بالمثول في الشمس: عدم الاستظلال ، أو بترك الكلام , فهذا ليس فيه طاعة , فنهاه أن يفي به , والصحيح أن عليه كفارة ؛ لقوله في الحديث: ((لا نذر في معصية الله , وكفارته كفارة يمين)) .
وكذلك أخت عقبة نذرت كما سمعنا أن تحجَّ ماشية ، وفي بعض الروايات حافية , أن تحج من المدينة إلى مكة على قدميها ، ولا تلبث نعلا . ولا شك أن في هذا تعذيب للنفس في كونها تسير هذه المدة الطويلة دون أن تركب , ودون أن تنتعل , فتعذب نفسها , قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((لتمشي ولتركب)) . لكن معلوم أن المشي للطاعة عبادة ، ولذلك قال تعالى: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} , فالمشي إلى المساجد عبادة ، والمشي إلى أماكن الطاعات عبادة أيضا ، والمشي في الجهاد عبادة .
ورد أن بعضا من الغزاة في عهد بعض الصحابة كانوا سائرين في غزو من خراسان , متوجهين إلى بعض البلاد الأفغانيَّة غزاةً , فحدث بعض الصحابة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أغبرت قدماه في سبيل الله لم تمسَّه النار)) . لما سمعوا بذلك نزلوا عن رواحلهم ، وصاروا يمشون في تلك الأرض التي فيه غبار ؛ حتى يغبروا أقدامهم ، لكونهم غزاة في سبيل الله , امتثلوا هذا الأمر ، فأفاد بأن المشي طاعة وعبادة .
لكن إذا كان فيه تعذيب للنفس فالله تعالى رحيم بعباده , ليس لأحد أن يكلف نفسه فوق طاقتها ، وأن يشق عليها بعبادة يعجز عنها ، ولذلك لو نذر عبادة فيها مشقة أُمر بأن يفعل منها قدر ما يستطيع ، أو أن يكفر إذا كان ما قصد العبادة وإنما قصد الامتناع .
كثير من الناس في هذه الأزمنة ينذر أحدهم صيام شهر ، ولكنه نذر معلق , يقصد بذلك منع نفسه ، أو ينذر صيام سنة ، أو ينذر نحر جزور ، أو نحر عشر من الإبل , ولكن إذا نظرنا وإذا هو لم يقصد الطاعة ، وإنما قصد منع نفسه , إنسان مبتلى بشرب الدخان فعاهد وقال: لله علي إن عدت أشربه أن أصوم سنة , ما قصد العبادة ، ومع ذلك يقولون: لم يصبر ورجع إليه والعياذ بالله , فهل يصوم سنة ؟ لا شك أن في ذلك مشقة , مع أنه ورد النهي عن صوم الدهر ، فمثل هذا يكفر كفارة يمين ؛ لأنه ما قصد إلا منع نفسه من هذا الدخان ، أو نحوه ...
الوجـه الثانـي
... وكذلك من نذرَ نذرًا ليس فيه طاعة , أو فيه بعض من طاعة وفيه بعض من معصية , يفعل ما يستطيعه ، فنذر أخت عقبة فيه طاعة ، وهو المشي , وفيه مشقة وهو عدم الانتعال , كونها حافية ، وفيه أيضا مشقة وهو تعذيب النفس بطول المسير عشرة أيام وهي سائرة , ربما يسيرون في كل يوم ثنتي عشرة ساعة متواصلة , فكان في ذلك تعذيب للنفس , فلذلك قال في بعض الروايات: ((إن الله لا يصنع بتعذيب أختك نفسها شيئا , مرها فلتمشي ولتركب)) يعني تمشي بقدر نشاطها ، ثم تركب إذا تعبت وعجزت {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} .
أما حديث سعد فذكر أن أمه ماتت , وعليها صيام شهر , نذرت أن تصوم شهرا ، فأمره بأن يوفي عنها , أن يصوم عنها . وثبت أيضا في حديث آخر أن امرأة قالت: يارسول الله: إن أمي ركبت البحر , فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرا ، ثم إنها ماتت ولم تصم . فقال صلى الله عليه وسلم: ((أرأيت لو كان على أمك دين , أكنت قاضيته ؟ اقضوا الله ؛ فالله أحق بالوفاء)) . أمرها بأن تصوم عنها ، أو تقضي عنها .
فمن مات وعليه صيام نذر فإنه يصام عنه ، وأما صيام غير النذر فقد تقدَّم في كتاب الصيام قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) . حمله بعض العلماء على صيام النذر ؛ لأنه الذي ورد في حديث تلك المرأة الخزعمية , وقال بعضهم: إنه عام في صيام الفرض , وفي صيام النذر , فصيام النذر دليله حديث سعد هذا , سعد بن عبادة ماتت أمه وهو حي , وذكر أن عليها صيام نذر , وأنها لم تقضه , وكذلك حديث الخزعمية ماتت أمها وعليها صيام شهر نذرته , فأمرها أن تقضيه , فأفاد بأن صيام النذر يقضى عن الميت , شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالدين الذي في ذمة الميت يقضيه ورثته , ولو لم يخلف مالا , يعني يتبرعون بقضاء دين والدهم أو والدتهم .
وكذلك هذا الصيام , إن تبرع أحد أن يصومه فإنه يجزيه , ولكن إذا تعذروا ، أو لم يكن هناك ورثة يستعدون للصيام عن ميتهم فلا بد من الإطعام , عن كل يوم طعام مسكين , نصف صاع من البر ، أو نحوه ، ويجوز أن يقضيه أكثر من واحد , يجوز إذا كان له مثلا أربعة أولاد وعليه صيام عشرين يوما أن يصوم كل منهم خمسة , ويجزي ذلك عنه ، ويجزى أيضا أن يصوم الأبعد مع وجود الأقرب , فيصوم مثلا .. تصوم عنه أخته مع وجود بنته أو ابنه , وتصوم عنه خالته مع وجود أمه مثلا , يصوم عنه البعيد ولو كان هناك من هو أقرب منه , ما دام أنه تبرع بصيام عن متوفى .
فهذا في قضاءِ الصومِ , من مات كان عليه صيام نذر ، وأمَّا إذا كان النذر غير صيام كنذر الصلاة فلم يأتِ دليل على أنه يصلي عنه ، لكنْ إنْ نَذَرَ اعتكافا ، أو حجًّا ، أو طوافا , إذا قال: لله عليَّ أن أحج حجتين ، أو أن أعتمر عمرة أو عمرتينِ ، ولم يقدر حتى ماتَ , لم يفعل , فإن ورثته يقضون عنه ، أو يوكلون من يحج ، أو يعتمر , أو يطوف عنه , ولو بأجرة ، وكذلك الاعتكاف , يعتكف عنه أحد ورثته ، وكذلك الصدقة , يتصدقون عنه من ماله , إذا نذر أن يتصدق بمائة فلم يفعل فإنها تكون دينا في ذمته , تقضى من تركته , فإن لم يكن له تركة قضاها أحد ورثته ، أو أحد أقاربه , وكذا لو تبرع عنه أجنبي .
وأمَّا قصةُ كعب بن مالك , فقيل: إنها نذر , وقيل: إنها ليست بنذر وإنما هي توبة , خبر أخبر به عن نفسه ؛ وذلك لأنه لما تاب الله عليه بعد تخلفه في غزوة تبوك , ونزلَ قولُ الله تعالى: ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا} إلى قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} , التزم بقوله إن الله إنما أنجاني بالصدق ، وإن من توبتي ألا أحدث إلا بحديث صدقٍ , فالتزم بذلك , وقال: ما تعمَّدت كذبة منذ قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وإني لأرجو أن يحفظني الله في بقية حياتي .
ثم أراد أن ينخلعَ من مالِهِ ، ويجعله كله صدقة ؛ رجاء أن تقبل توبته , إن من توبتي أن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله ورسوله , جعل هذا توبة ، فبعض العلماء يقول: إن هذا نذر , أنه نذر أن يتصدق بكل ماله . وبعضهم يقول: هذا ليس بنذر ، وإنما هو التزام ، أو عهد ، أو توبة أو نحو ذلك , فلا يكون نذرا ؛ لأنه يوفى بالنذر . وإذا قلنا: إنه نذر فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن في الوفاء به شيء من المشقة لقوله: ((أمسك عليك بعض مالك ؛ فهو خير لك)) . فقال: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر . وكأنه كان له أملاك في المدينة فتصدق بها , تصدق بملكه الذي في المدينة وأرضه ، ونحوها , وأمسك أرضا له جاءته من خيبر لما قسمت أرض خيبر ، فجعل هذا توبة له . وفي بعض الروايات أنه قال: ((يكفيك الثلث)).
فاستدلوا به: أن من نذر أن يتصدَّق بجميع ماله اكتفى بالثلث , فإن سعد بن أبي وقاص لما مرِض في حجة الوداع قال: يا رسولَ اللهِ إنه لا يرثني إلا ابنة , وإني ذو مال , أفأتصدق بثلثي مالي . قال: ((لا)) . قال: فالشطرُ . قال: ((لا)) . قال: فالثلث . قال: ((الثلث , والثلث كثير)) . نذر أن يتصدق.. أو التزم أن يتصدق بثلثيه , فاكتفى بثلثه ، فأفاد بأنه يكفيه الثلث إن كان نذرا على ما في هذا الحديث .
* (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=4890#_ftnref1) لعل الشيخ يقصد: العبادات.