المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : باب النذر


عبد العزيز الداخل
11-08-2008, 05:42 AM
بَابُ النـَّـذْرِ
عن عمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ : قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ ! إِنِّي نَذَرْتُ في الْجَاهِلِيَّةِ، أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً - وفي روايَةٍ : يَوْمًا- في المَسْجِدِ الْحَرَامِ ؟ قَالَ : ((فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ)) .
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا، عن النَّبِيِّ صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ، (( أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقال: إِنَّهُ لاَ يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِن الْبَخِيلِ )).
عن عقبةَ بنِ عامرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَالَ: نَذَرتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتَنْي: أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَها رَسُولَ اللهِ صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فقالَ: لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ)) .
عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا، أنَّهُ قالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللهِ صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ في نَذْرٍ كانَ عَلَى أُمِّهِ - تُوُفِّيتْ قَبْلَ أَنْ تَقضِيَهُ- قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((فَاقْضِهِ عَنْهَا)) .
عن كعبِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: قلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِن تَوْبَتِي، أَنْ أَنْخَلِعَ مِن مَالِي، صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) .

محمد أبو زيد
11-17-2008, 11:21 AM
بابُ النَّذْرِ

الْحَدِيثُ الستُّونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
عنْ عمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ في الْجَاهِلِيَّةِ، أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً- وفي روايَةٍ: يَوْمًا- في المَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: ((فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: أنَّ الاعتكافَ عِبَادَةٌ للَّهِ.
الثَّانِيَةُ: أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ معَ الاعتكافِ الصيامُ.
الثَّالِثَةُ: وُجُوبُ الوفاءِ بالنذرِ المُطْلَقِ، وهوَ نذرُ الطاعةِ لم يُعَلَّقْ على شيءٍ.
الرَّابِعَةُ: أنَّ النذرَ يَنْعَقِدُ من الكافرِ، وعَلَيْهِ الوفاءُ بهِ.

الْحَدِيثُ الواحدُ والستُّونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُمَا، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ((أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقال: إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِن الْبَخِيلِ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: النهيُ عن النذرِ؛ لأنَّهُ لا يَأْتِي بِخَيْرٍ، فلا يَرُدُّ قَضَاءً، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُمْ بهِ الناذرُ فَيَأْثَمَ.
الثَّانِيَةُ: فائدةُ النذرِ أنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بهِ من البخيلِ.
الثَّالِثَةُ: حَمْلُ النَّهْيِ فِيهِ على الكراهةِ إنْ كانَ لِوَجْهِ اللَّهِ، فإنْ كانَ لِقَبْرٍ أوْ وَلِيٍّ أوْ جِنِّيٍّ فهوَ الشِّرْكُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي والستُّونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
عنْ عقبةَ بنِ عامرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتَنْي: أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَها رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فقالَ: لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: أن مَنْ نَذَرَ المَشْيَ إلى المسجدِ الحرامِ أوْ أَحَدِ المَسْجِدَيْنِ مَاشِيًا، فلا يَجِبُ عَلَيْهِ الوفاءُ، بلْ تَكْفِيهِ الكَفَّارَةُ.
الثَّانِيَةُ: أنَّ العباداتِ يُسْرٌ، فلم يَتَعَبَّدْنَا اللَّهُ بِمَا يَشُقُّ عَلَيْنَا، كما أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ إلَّا بِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ.
الثَّالِثَةُ: إذا اشْتَمَلَ النَّذْرُ على عبادةٍ وغيرِهَا، فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ. فَيَجِبُ الوفاءُ بالعبادةِ، ويَكْفِي عنْ غَيْرِهَا الكَفَّارَةُ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ والستُّونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُمَا، أنَّهُ قالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نَذْرٍ كانَ عَلَى أُمِّهِ- تُوُفِّيتْ قَبْلَ أَنْ تَقضِيَهُ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَاقْضِهِ عَنْهَا)).

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: أنَّ النذرَ معَ كونِهِ مَكْرُوهًا، فهوَ عبادةٌ يَجِبُ الوفاءُ بها.
الثَّانِيَةُ: أنَّ مَنْ مَاتَ، عَلَيْهِ نَذْرٌ، قَضَاهُ عنهُ وَارِثُهُ.
الثَّالِثَةُ: فَضْلُ بِرِّ الوالدَيْنِ ولوْ بَعْدَ وَفَاتِهِمَا، وَقَضَاءِ ما عَلَيْهِما من الحقوقِ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ والستُّونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
عنْ كعبِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: قلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي، أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: أنَّ مَنْ نَذَرَ الصدقةَ بِكُلِّ مالِهِ أَبْقَى منهُ ما يَكْفِيهِ ومَنْ يَعُولُ، وعندَ الحَنَابِلَةِ يُخْرِجُ الثُّلُثَ فقطْ.
الثَّانِيَةُ: أنَّ الأحسنَ أَلَّا يَنْهَكَ الإنسانُ مالَهُ بالصدقةِ؛ لأنَّ عَلَيْهِ واجباتٍ؛ لأنَّ النفقةَ على النفسِ والأهلِ صدقةٌ جليلةٌ.
الثَّالِثَةُ: أنَّ الصدقةَ سببٌ في مَحْوِ الذنوبِ.

محمد أبو زيد
11-17-2008, 11:24 AM
بَابُ النَّذرِ(188)
الحديثُ الثاني والستونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
362- عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كنْتُ نَذَرْتُ في الْجَاهِلِيَّةِ، أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً - وَفِي رِوَايَةٍ : يَوْمًا- في المَسْجِدِ الْحَرَامِ ؟ قال :((فأوْفِ بِنَذْرِكَ)) .(189)

الحديثُ الثالثُ والستونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
363- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ نَهَى عَن النَّذْرِ، وَقالَ: إن النَّذْرَ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ .(190)

الحديثُ الرابعُ والستونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
364- عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتَنْي: أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فقالَ: لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ)) .(191)

الحديثُ الخامسُ والستونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
365- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نَذْرٍ كانَ عَلَى أُمِّهِ - تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ - فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:((فَاقْضِهِ عَنْهَا)) . (192)

الحديثُ السادسُ والستونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
366- عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي، أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) .(193)
_____________________
(188) النذرُ لُغَةً : الإيجابُ .
وشَرْعًا : إلزامُ المكلَّفِ نفسَهُ عِبادةً لم تكنْ لازمةً بأصلِ الشرعِ .
والأصلُ فيهِ الكتابُ، وَالسنَّةُ، وَالإجماعُ .
أَمَّا الكتابُ فَقَوْلُهُ تعالى : (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) .
وأَمَّا السنَّةُ : فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلا يَعْصِهِ ) رواهُ البخاريُّ .
وقد أجمعَ المسلمونَ عَلَى صحتِهِ فِي الجملةِ .
وقرنَ العلماءُ بينَ اليمينِ وَالنذرِ؛ لأنَّهما متقاربانِ فِي الأحكامِ، فكلٌّ منهما يُقصدُ بهِ التأكيدُ .
لكن موجبُ اليمينِ البرُّ بيمينِهِ أَو الكفَّارةُ .
وأَمَّا موجبُ النذرِ، فهوَ الوفاءُ بما نذرَهُ، ما لم يقصدْ بالنَّذرِ الحثَّ أَو المنعَ، فيكونُ حكمُهُ ومجراهُ مجرى اليمينِ، تُحلُّه كفَّارةُ اليمينِ .
وأَمَّا الفروقُ التي بينَهما، فمجملُها ما يأتي :
1- ما تَقَدَّمَ من أنَّ النذرَ الشرعيَّ لَا بُدَّ من الوفاءِ بهِ ولا يقومُ غيرُه مقامَه وأَمَّا اليمينُ فتحلُّه الكفَّارةُ .
2- إنَّ النذرَ يُقصدُ بهِ مجرَّدُ التقرُّبِ وَقَدْ يكونُ الحاملُ حصولَ مطلوبٍ أَوْ زوالَ مكروهٍ .
وأَمَّا اليمينُ فيُقصدُ بهِ الحثُّ عَلَى فعلِ شيءٍ، أَو المنعُ منهُ .
3- إنَّ عقدَ النذرِ مكروهٌ، وأَمَّا اليمينُ فمباحٌ، وَقَدْ يشرعُ إذا دعَتْ إليهِ الأسبابُ .
4- إنَّ النذرَ يجبُ الوفاءُ بهِ، وأَمَّا اليمينُ ففيهِ تفصيلٌ يرجعُ إِلَى ما يَتَرَتَّبُ عليهِ .
فقد يكونُ التحلُّلُ مِنْهُ مباحًا، أَوْ مكروهًا، أَوْ مستحبًّا، أَوْ وَاجبًا، أَوْ محرَّمًا، حَسَبَ المصالحِ أَو المفاسدِ المُتَرَتِّبَةِ عليهِ .
(189) مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ :
تَقَدَّمَ شرحُ هَذَا الحديثِ فِي (بابِ الاعتكافِ) .
ونُجْمِلُ - هنا - ما فيهِ من الأحكامِ بما يأتي :
1- إنَّ الاعتكافَ عِبادةٌ للهِ تعالى؛ ولذا وجبتْ بالنذرِ .
2- إِنَّهُ لا يُشترَطُ فِي الاعتكافِ الصيامُ؛ إذ أمرَهُ أن يُوفيَ بنذرِهِ اعتكافَ ليلةٍ، وَالليلُ ليسَ مَحَلًّا للصومِ، وَالجمعُ بينهما أكملُ
3- وجوبُ الوفاءِ بالنذرِ المطلقِ، وَهُوَ نذرُ الطاعةِ الذي لم يعلَّقْ عَلَى شيءٍ . بل قُصِدَ بهِ مجرَّدُ التبرُّرِ .
4- إنَّ النذرَ من الكافرِ صحيحٌ منعقدٌ، يجبُ عليه الوفاءُ بهِ .
(190) المعنى الإجماليُّ :
نهى النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن النذرِ، وعَلَّلَ نهيَه بأنَّهُ لا يأتي بخيرٍ؛ وذلكَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عليهِ من إيجابِ الإنسانِ عَلَى نفسِهِ شيئًا، هُوَ فِي سَعَةٍ منهُ، فيُخشى أن يُقَصِّرَ فِي أَدائِهِ، فيتعرَّضَ للإثمِ، ولِمَا فيه من إرادةِ المعاوضةِ معَ اللهِ تعالى فِي التزامِ العِبادةِ معلَّقةً عَلَى حصولِ المطلوبِ، أَوْ زوالِ المكروهِ .
وربَّما ظنَّ - وَالعياذُ باللهِ - أَنَّ اللهَ تعالى أجابَ طلبَهُ؛ ليقومَ بعِبادتِهِ .
لهذهِ المحاذيرِ وغيرِها؛ نهى عنهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إيثارًا للسلامةِ، وطمعًا فِي جُودِ اللهِ تعالى بلا دالَّةٍ ولا مُشارطةٍ، وإنَّما بالرجاءِ وَالدعاءِ .
وليس بالنذرِ فائدةٌ، إلَّا أنَّهُ يُستخرَجُ بهِ من البخيلِ، الذي لا يقومُ إلَّا بما وجبَ عليهِ فعلُه وتحتَّمَ عليه أداؤُه، فيأتي بهِ مُكْرَهًا، متثاقلًا، فارغًا من أساسِ العملِ، وهي النيَّةُ الصالحةُ، وَالرغبةُ فيما عِنْدَ اللهِ تعالى .
مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ :
1- النهيُ عن النذرِ، وأصلُ النَّهْيِ للتحريمِ، وَالذي صَرَفَهُ عنِ التحريمِ مدحُ الموفينَ بهِ .
2- العِلَّةُ فِي النَّهْيِ أَنَّهُ لا يأتي بخيرٍ؛ لأَنَّهُ لا يَرُدُّ من قضاءِ اللهِ شيئًا؛ ولِئَلَّا يَظُنَّ الناذرُ أنَّهُ عوضُ حصولِ مطالبِةِ .
واللهُ تعالى غنيٌّ عن الأعواضِ، وعن الخلقِ أجمعين، فهم الفقراءُ، وطاعتُهم لا تزيدُ فِي ملكِه شيئًا .
3- واللهُ تباركَ وتعالى قدَّرَ الواجباتِ عَلَى العِبادِ، بقدرِ طاقتِهم، وجعل الزائدَ نوافلَ؛ لأَنَّهَا خارجةٌ عمَّا يحتملونَهُ منَ العِباداتِ
والناذرُ خَالَفَ هذهِ الحكمةَ وَالتقديرَ، ولعلَّهُ يَعجَزُ عن القيامِ بما نذرَ، فيكونَ آثمًا متسبِّبًا فِي الإثمِ .
4- فائدةُ النذرِ أنَّهُ يُستخرجُ بهِ من البخيلِ، الذي غايتُه القيامُ بالواجبِ ويَثْقُلُ عليه ما عداهُ .
فالنذرُ وسيلةٌ لقيامِه بِمَا لم يجبْ عليه بأصلِ الشرعِ .
5- هَذَا البابُ من غرائبِ العلمِ .
فالأصلُ أنَّ الوسائلَ لها أحكامُ المقاصدِ إلَّا النذرَ، فالوفاءُ بهِ وَاجبٌ، وعقدُهُ مكروهٌ، فيكونُ مخالفًا لغيرِهِ . وَالحكمةُ ظاهرةٌ كما تَقَدَّمَ .
6- يُكرهُ النذرُ إذا كَانَ طاعةً للهِ تعالى .
فأَمَّا النذرُ الذي يُقَدَّمُ للموتى وَالقبورِ، ويُوَفَّى بهِ عِنْدَ الأضرحةِ وَالقبابِ، أَوْ يُرضى به ويَستخدمُ الشياطينَ، فهَذَا هُوَ الشركُ الذي كَانَ يفعلُهُ المشركونَ لأصنامِهم، ويقربونَهُ لأوثانِهم . وحكمُه معروفٌ . نعوذُ باللهِ من غضبِهِ وعقابِهِ .
7- ذكرَ الصنعانيُّ أنَّ هَذَا بابٌ وَاسعٌ، مَنْ تَتَبَّعَهُ عرفَ أنَّ العبدَ إذا أولجَ نفسَهُ فيما لم يُوجبْهُ اللهُ عليهِ كَانَ مُعَرَّضًا لعدمِ الوفاءِ بتقصيرِهِ وتثبيطِ الشيطانِ لهُ، وأَنَّهُ لا يفي بهِ إلَّا القليلُ، وَهُوَ المشارُ إليهم بقولِهِ : (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) .
(191) مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ :
1- إنَّ مَن نذرَ الْمَشْيَ إِلَى المسجدِ الحرامِ، أَوْ أحدِ المسجدينِ ماشيًا لا يجبُ عليه الوفاءُ به؛ لأنَّ هَذَا ليسَ نذرَ عِبادةٍ مقصودةٍ، وإنَّما هُوَ نذرُ مباحٍ، ونذرُ المباحِ إنْ لم يَفِ به فعليهِ الكفَّارةُ .
2- أَنَّه إذا اشتملَ النذرُ عَلَى أمرٍ مباحٍ وعِبادةٍ، فلكلٍّ حكمُهُ، فيؤمرُ بالعِبادةِ؛ لأَنَّهَا التي يجبُ الوفاءُ بها؛ إِذْ قَد اشتملَ أداؤُها عَلَى المصلحةِ .
3- ومنها : أنَّهُ لا يُتَعَبَّدُ إلَّا بما شَرَعَهُ اللهُ تعالى من الطاعاتِ .
فالأصلُ فِي العِباداتِ الحظرُ، فلا يُشرَّعُ إلَّا ما شرَّعَهُ اللهُ ورسولُه . ومَن زادَ فِي الشرعِ، فقد أرادَ الاستدراكَ عَلَى اللهِ تعالى ورسولِه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
4- في الحديثِ بيانٌ لبعضِ العللِ فِي كراهةِ الشارعِ للنذرِ، وَهُوَ العجزُ عن القيامِ بالمنذورِ .
فالظاهرُ أنَّ هَذِه المرأةَ لما نذرت المشْيَ، علمتْ من نفسِها عدمَ القدرةِ، فاضطرتْ إِلَى الخروجِ من هَذَا المأزقِ .
(192) مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ :
1- إنَّ النذرَ عِبادةٌ، يجبُ الوفاءُ بها، وأداؤُها .
2- إنَّ مَن ماتَ وعليه نذرٌ، قضاهُ عنهُ وَارثُهُ .
3- لم يُذكرْ فِي هَذَا الحديثِ نوعُ النذرِ : هَلْ هُوَ بَدَنيٌّ أَوْ مَالِيٌّ ؟
فأَمَّا الماليُّ - ومنه الحجُّ - فتدخلُه النيابةُ عِنْدَ جمهورِ العلماءِ .
وقد تَقَدَّمَ أنَّ الصحيحَ فِي الصيامِ أنَّ النيابةَ تدخلُ البدنيَّ أيضًا؛ لحديثِ عائشةَ فِي الصحيحينِ مرفوعًا: ((مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ )) .
ونَذْرُ أمِّ سعدٍ قيلَ: كَانَ صومًا . وقيل : عِتْقًا، وقيل : صدقةً، وقيل : نذرًا مطلقًا .وكلٌّ من هذهِ الأقوالِ استدَلَّ أصحابُها عليها بأحاديثَ .
وحديثُ الصومِ وَالعِتْقِ قَدْ تَكَلَّمَ فيهما العلماءُ .
وأَمَّا حديثُ الصدقةِ، فليس صريحًا أَنَّهَا نذرتْ ذلكَ .
وقال القاضي عياضٌ : ((والذي يظهرُ أنَّهُ كَانَ نذرُها فِي المالِ أَوْ مبهمًا )) .
وقالَ ابنُ حجرٍ : ((بل ظاهرُ حديثِ البابِ أنَّهُ كَانَ مُعيَّنًا عن سعدٍ )) .
4- وفي الحديثِ برُّ الوالدينِ بعد وفاتِهما .
وأعظمُ برِّهما وفاءُ ما عليهما من الديونِ أَو الحقوقِ وَالواجباتِ، سواءً كَانَت للهِ تعالى أَوْ للآدَميِيِّنَ .
(193) المعنى الإجماليُّ :
كان كعبُ بنُ مالكٍ الأنصاريُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أحدَ الثلاثةِ الذين خُلِّفُوا عن ((غزوةِ تبوكَ )) بلا نفاقٍ ولا عذرٍ .
فلما رجعَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تلكَ الغزوةِ، هَجَرَهُمْ، وأمرَ أصحابَه بهجرِهم .
وما زالوا مهجورينَ، حتى نزلتْ توبتُهم ورضيَ اللهُ عنهم، فرضيَ الرسولُ وَالصحابةُ .
فكان من شدَّةِ فرحِ كعبٍ برضا اللهِ عَنْهُ وقبولِ توبتِهِ، أنْ أرادَ أن ينخلعَ من كلِّ مالِهِ، ويخرجَ منه؛ صدقةً لوجهِ اللهِ تعالى، فيكونَ إنفاقُه فيما يُرضي اللهَ ورسولَهُ .
فقال له النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أمسِكْ عليكَ، فاللهُ تعالى لَمَّا علمَ صدقَ نيتِكَ وحسنَ توبتِكَ، غفرَ لكَ ذنبَكَ، وتجاوزَ عنكَ .
ولو لم تفعلْ هَذَا، فاللهُ لا يُكَلِّفُ نفسًا إلَّا وُسعَها .
وقد أنفقَ بعضَ مالِهِ؛ فرحًا برضا اللهِ تعالى، وليجدَ ثوابَه مُدَّخَرًا عندَهُ وأَبْقَى بعضَه؛ ليقومَ بمصالِحِهِ ونفقاتِهِ الواجبةِ من مؤونةِ نفسِه، ومؤونةِ مَن يَعُولُ .واللهُ رءوفٌ بعِبادهِ .
ما يُستفادُ من الحديثِ :
1- إنَّ مَن نذرَ الصدقةَ بمالِهِ كلِّهِ، أبقى منهُ ما يَكفيهِ ويَكفي مَن يَعُولُ، وأَخرجَ الباقيَ .
والمذهبُ عِنْدَ الحنابِلَةِ، يُخرجُ الثلثَ، ويُمسكُ الباقيَ .
واستدلُّوا بأبي لُبَابَةَ حين انخلعَ من مالِهِ كلِّهِ، فقد أمرَهُ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُمسكَ الثلثَ . رواهُ أحمدُ .
والقولُ الأوَّلُ : أولى وأقربُ إِلَى مفهومِ الشارعِ فِي قِصَّةِ كعبٍ .
ولأَنَّهُ لما نذرَ كلَّ مالِهِ، صارَ الذي بقدرِ نفقاتِهِ الواجبَةِ، كالمستثنى شرعًا، فلا يجوزُ التصرُّفُ فيه، كما لو نذرَ صيامَ سنةٍ، فلنْ يَدْخُلَ فِي نذرِهِ ما يجبُ فطرُهُ كالعيدينِ .
2- إنَّ الأَوْلَى وَالأحسنَ أن لا يُنهِكَ الإنسانُ مالَهُ بالصدقاتِ؛ لأنَّ عليه نفقاتٍ وَاجبةً، وَالنبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: ((ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ )) .
3- إنَّ النفقةَ عَلَى النفسِ وَالزوجةِ وَالقريبِ، عِبادةٌ جليلةٌ، وصدقةٌ عظيمةٌ مَعَ النيَّةِ الحسنةِ .
فالأحسنُ أن يَتَصَدَّقَ بنيَّةِ التقرُّبِ، وأنْ لا تطغى نيَّةُ قضاءِ الشهوةِ وَالشفقةِ المجرَّدَةِ وَالمحبَّةِ، عَلَى نيَّةِ العملِ .
4- إنَّ الصدقةَ سببٌ فِي مَحْوِ الذنوبِ لما فيها من رضا الربِّ تباركَ وتعالى وَالإحسانِ إِلَى الفقراءِ وَالمساكينِ، وَاستجلابِ دعائِهم .

محمد أبو زيد
11-17-2008, 11:25 AM
بابُ النَّذْرِ
368 - الحديثُ الأوَّلُ: عن عمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، قالَ: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ في الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً –وفي روايةٍ: يَوْمًا- في المَسْجِدِ الْحَرَامِ ؟ قالَ: ((فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ)).
فيهِِِِِ دليل ٌعلى الوفاءِِِِِ بِِِِِالنَّذْرِِِِِ الْمُطْلَقِِِِِ. وَالنُّذُورُ ثلاثةُ أقسامٍ:
أَحدُهَا: مَا عُلِّقَ على وجودِِِِِ نعمةٍ، أو دَفْعِِِِِ نِِِِِقْمَةٍ. فَوُجِِِِِدَ ذلكَ، فيَلْزَمُ الوفاءُ بهِِِِِ.
والثَّانِِِِِي: مَا عُلِّقَ على شيءٍ لقصدِِِِِ المنعِِِِِ أو الْحَثِّ، كقولِِهِِِِِ: إن دَخَلْتَ الدَّارَ فَلِِِِِلَّهِِِِِ عَلَيَّ كَذَا. وقد اخْتَلَفُوا فيهِِِِِ. وللشَّافعِِِِِيِّ قولٌ: إِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الوفاءِِِِِ بِِِِِمَا نَذَرَ، وبينَ كَفَّارَةِِِِِ يمينٍ، وَهَذَا الَّذِِِِِي يُسَمَّى "نَذْرَ اللَّجَاجِِِِِ والغضبِِِِِ".
وَالثَّالِِِِِثُ: مَا يُنْذَرُ مِِِِِنَ الطَّاعَةِِِِِ مِِِِِنْ غيرِِِِِ تعليقٍ بشيءٍ، كقولـِِِِِهِِِِِ: "لِِِِِلَّهِِِِِ عَلَيَّ كَذَا"، فالمشهورُ: وجوبُ الوفاءِِِِِ بذلكَ، وَهَذَا الَّذِِِِِي أَرَدْنَاهُ بقولِِِِِنَا "النَّذْرُ الْمُطْلَقُ" وَأَمَّا مَا لم يُذْكَرْ مَخْرَجُهُ، كقولِِِِِِهِ: "لِِِِِلََّهِِِِِ عَلَيَّ نَذْرٌ " هَذَا هوَ الَّذِِِِِي يقولُ مالكٌ: إِِِِِنَّهُ يَلْزَمُ فيهِِِِِ كفَّارةُ يمينٍ.
وفيهِِِِِ دليلٌ على أَنَّ الاعتكافَ قُرْبةٌ تَلْزَمُ بِِِِِالنَّذْرِِِِِ. وقد تَصَرَّفَ الفقهاءُ الشَّافِِِِِعِِِِِيَّةُ فيمَا يَلْزَمُ بِِِِِالنَّذْرِِِِِ مِِِِِنَ العباداتِِِِِ. وليسَ كُلُّ مَا هوَ عبادةٌ مُثَابٌ عليهِِِِِ لازمًا بِِِِِالنَّذْرِِِِِ عندهُمْ. فتكونُ فائدةُ هَذَا الحديثِِِِِ مِِِِِنْ هذا الوجهِِِِِ: أَنَّ الاعتكافَ من الْقِسْمِِِِِ الَّذِِِِِي يَلْزَمُ بِِِِِالنَّذْرِِِِِ.
وفيهِِِِِ دليلٌ عِنْدَ بعضهِِِِِمْ: على أنَّ الصَّوْمَ لا يُشْتَرَطُ في الاعتكافِِِِِ لقولِِِِِِهِِِِِ: "لَيْلَةً" وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافعِِِِِيِّ. ومذهبُ أَبِِِِِي حَنِِِِِيفَةَ ومالكٍ: اشتراطُ الصَّوْمِِِِِ، وقد أُوِّلَ قولُـهُ: "لَيْلَةً" على اليومِِِِِ. فَإِِِِِنَّ العربَ تُعَبِّرُ بِِِِِاللَّيْلَةِِِِِ عن اليومِِِِِ. وَلَا سِِِِِيِّمَا وقد وَرَدَ في بعضِِِِِ الرِّوَايَاتِ: "يومًا".
وَاسْتُدِِِِِلَّ بِِِِِهِِِِِ على أَنَّ نَذْرَ الكافرِِِِِ صحيحٌ. وهوَ قولٌ في مَذْهَبِِِِِ الشَّافعِِِِِيِّ. والمشهورُ: أَنَّهُ لا يَصِِِِِحُّ. لِِِِِأَنَّ الكافرَ ليسَ مِِِِِنْ أهلِِِِِ التزامِِِِِ الْقُرْبَةِِِِِ، ويَحْتَاجُ -على هذا- إلى تأويلِِِِِ الحديثِِِِِ. وَلَعَلَّهُ أن يُقَالَ: إِِِِِنَّهُ أَمَرَهُ بأن يأتِِِِِيَ بعبادةٍ تُمَاثِِِِِلُ مَا الْتَزَمَ في الصُّورَةِِِِِ، وهوَ اعتكافُ يومٍ. فَأُطْلِِِِِقَ عليْهَا وَفَاءٌ بِِِِِالنَّذْرِِِِِ، لِِِِِمُشَابَهَتِِِِِهَا إِِِِِيَّاهُ ؛ ولأنَّ المقصودَ قد حَصَلَ. وهوَ الإتيانُ بهذه العبادةِِِِِ.
369 - الحديثُ الثَّانِِِِِي: عن عبدِِِِِ اللهِِِِِ بنِِِِِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وسلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وقال: (( إَنَّ النَّذْرَ لَا يَأْتِي بِخَيَرٍ، وِإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِن الْبَخِيلِ)).
مَذْهَبُ المالكيَّةِِِِِ: العملُ بظاهرِِِِِ الحديثِِِِِ، وهوَ أَنَّ نَذْرَ الطاعةِِِِِ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كانَ لازمًا، إِِِِِلَّا أنَّ سياقَ بعضِِِِِ الأحاديثِِِِِ يَقْتَضِِِِِي أحدَ أقسامِِِِِ النَّذْرِِِِِ الَّتي ذَكَرْنَاهَا. وهوَ مَا يُقْصَدُ بهِِِِِ تحصيلُ غرضٍ، أو دفعُ مَكْرُوهٍ. وذلكَ لقولـِِِِِهِِِِِ "وَإِِِِِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِِِِِهِِِِِ مِِِِِن الْبَخِِِِِيلِِِِِ".
وفي كراهةِِِِِ النَّذْرِِِِِ إشكالٌ على القواعدِِِِِ. فإنَّ القاعدةَ تَقْتَضِِِِِي أنَّ وسيلةَ الطَّاعةِِِِِ طاعةٌ. ووسيلةَ المعصيةِِِِِ معصيةٌ. وَيَعْظُمُ قُبْحُ الوسيلةِِِِِ بِِِِِحَسْبِِِِِ عِِِِِظَمِِِِِ الْمَفْسَدَةِِِِِ. وكذلكَ تَعْظُمُ فضيلةُ الوسيلةِِِِِ بِِِِِحَسْبِِِِِ عِِِِِظَمِِِِِ المصلحةِِِِِ. وَلَمَّا كانَ النَّذْرُ وسيلةً إلى التزامِِِِِ قُرْبَةٍ لَزِِِِِمَ على هذا أنْ يكونَ قُرْبَةً، إِِِِِلَّا أنَّ ظاهرَ إطلاقِِِِِ الحديثِ دَلَّ على خِِِِِلَافِِِِِهِِِِِ. وإذا حَـَملْنَاهُ على الْقِسْمِِِِِ الَّذِِِِِي أَشَرْنَا إليهِِِِِ مِِِِِنْ أقسامِِِِِ النَّذْرِِِِِ -كَمَا دَلَّ عليْهِِِِِ سياقُ الحديثِِِِِ- فذلكَ المعنَى الموجودُ في ذلكَ القسمِِِِِ: ليسَ بموجودٍ في النَّذْرِِِِِ الْمُطْلَقِِِِِ. فإنَّ ذلكَ خرجَ مَخْرَجَ طَلَبِِِِِ الْعِِِِِوَضِِِِِ، وتوقيفِِِِِ العبادةِِِِِ على تحصيلِِِِِ الغرضِِِِِ، وليسَ هذا المعنَى موجودًا في التزامِِِِِ العبادةِِِِِ والنَّذْرِِِِِ بها مُطْلَقًا.
وقد يُقَالُ: إنَّ البخيلَ لا يأتِِِِِي بالطَّاعةِِِِِ إِِِِِلَّا إذا اتَّصَفَتْ بالوجوبِِِِِ. فيكونُ النَّذرُ هوَ الَّذِِِِِي أَوْجَبَ لهُ فِعْلَ الطَّاعةِِِِِ، لِِِِِتَعَلُّقِِِِِ الوجوبِِِِِ بهِِِِِ.
ولو لم يَتَعلَّقْ بهِِِِِ الوجوبُ لَتَرَكَهُ البخيلُ؛ فيكونُ النذرُ الْمُطْلَقُ أيضًا: مِِِِِمَّا يُسْتَخْرَجُ بهِِِِِ من البخيلِِِِِ، إِِِِِلَّا أنَّ لَفْظَةُ: "البخيلِِِِِ" هنا قد تُشْعِرُ بما يَتَعَلَّقُ بالمالِِِِِ، وعلى كُلِّ تقديرٍ: فَاتِّبَاعُ النُّصوصِِِِِ أَوْلَى.
وقولـُهُ عليهِِِِِ السَّلامُ: "إِِِِِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِِِِِهِِِِِ مِِِِِن الْبَخِِِِِيلِِِِ" الأظهرُ في معنَاهُ: أنَّ البخيلَ لا يُعْطِِِِِي طاعةً إِِِِِلَّا في عِوَضٍ ومقابلٍ يَحْصُلُ لهُ. فيكونُ النَّذرُ هوَ السَّببُ الَّذِِِِِي اسْتُخْرِِِِِجَ منهُ تلكَ الطَّاعةُ.
وقولـُهُ عليهِِِِِ السَّلامُ: "لَا يَأْتِِِِِي بِخَيْرٍ" يَحْتَمِِِِِلُ أنْ تكونَ "الباءُ" باءَ السَّبَبِِِِِيَّةِِِِِ كأنَّهُ يقولُ: لا يأتِِِِِي بسببِِِِِ خيرٍ في نفسِِِِِ النَّاذِرِِِِِ وطَبْعِِِِِهِِِِِ في طَلَبِِِِِ الْقُرْبِِِِِ والطَّاعةِِِِِ مِِِِِنْ غيرِِِِِ عِِِِِوَضٍ يَحْصُلُ لهُ. وإنْ كانَ يَتَرَتَّبُ عليهِِِِِ خيرٌ، وهوَ فِِِِِعْلُ الطَّاعةِِِِِ الَّتِِِِِي نَذَرَهَا. ولكنَّ سببَ ذلكَ الخيرِِِِِ: حصولُ غَرَضِِِِِهِِِِِ.
370 - الحديثُ الثَّالثُ: عن عُقْبَةَ بنِِِِِ عامرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ: نَذَرَتْ أُخْتِِِِِي أنْ تَمْشِيَ إلى بيتِِِِِ اللهِِِِِ الحرامِِِِِ حافيةً، فَأَمَرَتْنِِِِِي أنْ أَسْتَفْتِِِِِيَ لهَا رسولَ اللهِِِِِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فقالَ: "لِِِِِتَمْشِِِِِ وَلْتَرْكَبْ".
نَذْرُ المشيِِِِِ إلى بيتِِِِِ اللهِِِِِ الحرامِِِِِ لازمٌ عِنْدَ مالكٍ مُطْلَقًا وتعليقًا. فيحتاجُ إلى تأويلِِِِِ قولِِِِِـهِِِِِ: "وَلْتَرْكَبْ" فَيُمْكِِِِِنُ أنْ يُحْمَلَ على حالةِِِِِ العجزِِِِِ عن المشيِِِِ فإنَّهَا تركبُ، وفيما يَلْزَمُ عن ذلكَ الركوبِِِِِ تَفْصِِِِِيلٌ مَذْهَبِِِِِيٌّ عندهُمْ.
371- الحديثُ الرَّابعُ: عن عبدِِِِِ اللهِِِِِ بنِِِِِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا أنَّهُ قال: اسْتَفْتَى سعدُ بنُ عُبَادَةَ رسولَ اللهِِِِِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ في نَذْرٍ كانَ على أُمِّهِِِِِ، تُوُفِِِِِّيَتْ قبلَ أنْ تَقْضِِِِِيَهُ. قالَ رسولُ اللهِِِِِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: "فَاقْضِِِِِهِِِِِ عَنْهَا".
فيهِِِِِ دليلٌ على جوازِِِِِ قضاءِِِِِ الْمَنْذُورِِِِِ عن الْمَيِّتِِِِِ. وقولـُهُ "عن نَذْرٍ" هوَ نَكِِِِِرَةٌ في الإثباتِِِِِ. ولم يُبَيِِِِِّنْ في هذه الرِّوايةِِِِِ: مَا كانُ النَّذرُ.
وقد انقسمَت العبادةُ إلى مَالِِِِِيَّةٍ وَبَدَنِِِِِيَّةٍ: وَالْمَالِيَّةُ لا إشكالَ في دخولِِِِِ النِّيَابَةِِِِِ فيها، والقضاءِِِِِ على الْمَيِّتِِِِِ. وإنَّمَا الإشكالُ في العبادةِِِِِ الْبَدَنِِِِِيَّةِِِِِ، كالصَّومِِِِِ.
372-الحديثُ الخامسُ: عن كعبِِِِِ بنِِِِِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِِِِِ، إنَّ مِِِِِنْ توبَتِِِِِي: أنْ أَنْخَلِِِِِعَ مِِِِِنْ مالِِِِِي، صَدَقَةً إلى اللهِِِِِ وإلى رسولِِِِِهِِِِِ. فقالَ رسولُ اللهِِِِِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: "أَمْسِِِِِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِِِِِكَ َفهُوَ خَيْرٌ لَكَ".
فيهِِِِِ دليلٌ على أنَّ إمساكَ مَا يُحْتَاجُ إليهِِِِِ من المالِِِِِ أَوْلَى من إخراجِِِِِه كُلِّهِِِِِ في الصَّدقةِِِِِ. وقد قَسَّمُوا ذلكَ بِحَسْبِِِِِ أخلاقِِِِِ الإنسانِِِِِ. فإنْ كانَ لا يصبرُ على الإضافةِِِِِ كُرِِِِِهَ لهُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِِِِِكُلِّ مالِِِِِهِِِِِ. وإنْ كانَ ممَّن يصبرُ لم يُكْرَهْ.
وفيهِِِِِ دليلٌ على أنَّ الصدقةَ لها أثرٌ في مَحْوِِِِِ الذُّنوبِِِِِ. ولِِِِِأَجْلِِِِِ هذا شُرِِِِِعَت الْكَفَّارَاتُ الْمَالِِِِِيَّةُ. وفيها مَصْلَحَتَانِِِِِ، كلُّ واحدةٍ منهما تَصْلُحُ للمَحْوِِِِِ.
إحداهُمَا: الثَّوابُ الحاصلُ بسبِِِِِبها. وقد تَحْصُلُ بهِِِِِ الْمُوَازَنَةُ، فتمحُو أَثَرَ الذَّنبِِِِِ.
والثَّانيةُ: دُعَاءُ مَن يُتَصَدَّقُ عليهِِِ، فقد يكونُ سببًا لمَحْوِِِِِ الذُّنوبِِِِِ.
وقد وَرَدَ في بعضِِِِِ الرِّواياتِِِِِ: "يَكْفِِِِِيكَ مِِِِِنْ ذَلِِِِِكَ الثُّلُثُ".
واسْتَدَلَّ به بعضُ المالكيَّةُ على أنَّ مَن نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِِِِِكُلِّ مالِِِِِهِ: اكْتَفَى منهُ بالثُّلثِِِِِ. وهوَ ضعيفٌ؛ لِِِِِأنَّ اللفظَ الَّذِِِِِي أتَى بهِ كعبُ بنُ مالكٍ ليسَ بِِِِِتَنْجِِِِِيزِِِِِ صدقةٍ، حتَّى يَقَعَ في مَحَلِّ الخلافِِِِِ. وإنَّما هوَ لفظٌ عن نِِِِِيَّةِِِِِ قَصْدِِِِِ فِعْلِِِِِ مُتَعَلَّقِِِِِهَا. ولم يَقَعْ بعدُ. فأشارَ عليهِِِِِ السَّلامُ بأن لا يَفْعَلَ ذلكَ، وأنْ يُمْسِِِِِكَ بعضَ مالِِِِِهِ. وذلكَ قبلَ إيقاعِِِِِ مَا عَزَمَ عليهِِِِِ. هذا ظاهرُ اللَّفظِِِِِ. أو هوَ مُحَتَمِلٌ لـه. وكيفَما كانَ: فَتَضْعُفُ منه الدَّلالةُ على مسألةِِِِِ الخلافِِِِِ. وهوَ تَنْجِِِِِيزُ الصَّدقةِِِِِ بِِِِِكُلِّ المالِِِِِ نَذْرًا مُطْلَقًا، أو مُعَلَّقًا.

محمد أبو زيد
11-17-2008, 11:25 AM
........................

حفيدة بني عامر
01-12-2009, 05:37 AM
القارئ:
باب النذر

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله , إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة - وفي رواية: يوما - في المسجد الحرام . فقال: ((فأوف بنذرك)) .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما , عن النبي صلى الله عليه وسلم , أنه نهى عن النذر , وقال: ((إن النذر لا يأتي بخير , وإنما يستخرج به من البخيل)) .
الشيخ: هذه الأحاديث تتعلق بالنذر , وقد عرفوه بأنه: أن يلزم المكلف نفسه شيئا ما ألزمه به الشرع , إلزام المكلف نفسه ما لم يجب عليه شرعا . وتارة يكون بلفظ النذر , كأن يقول: نذرت كذا وكذا , وتارة يقول: لله علي نذر أن أفعل كذا وكذا , وأحيانا لا يذكر كلمة النذر , ولكن يقول: علي أن أفعل كذا وكذا ، أو ألزم نفسي علي كذا , أو ما أشبه ذلك .
وقد يكون معلقا بشرط مستقبَل , كأن يقول يعني يقول مثلا: إن رزقني الله ولدا ذكرا فعلي أن أحجَّ ماشيا مثلا ، أو أن أتصدَّق بألف , وكذلك لو قال: إن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا , أو أصلي لله كذا وكذا , أو أصوم كذا وكذا .
وذكرنا أمثلة لذلك فيما مضى . والآن عندنا مثال لذلك , وهو حديث عمر , يقول: إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام . فقال: ((أوف بنذرك)) . هذا مثال , والظاهر أن عمر نذر نذرا مطلقا بأن قال: علي أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام , ويمكن أنه نذر نذرا معلقا بقوله: إن نصر الله نبيه فعلي , أو إن فتح الله علينا مكة فعلي أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام , أو يوما في المسجد الحرام , فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء ؛ وذلك لأنه نذْر طاعة , الاعتكاف طاعة وعبادة , فيوفي به من نذره .
ودليل وجوب الوفاء بالنذر إذا كان طاعة قوله صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) . وفي حديث آخر قال عليه السلام: ((لا نذر في معصية الله , وكفارته كفارة يمين)) . فنذر الطاعة مثل نذر الاعتكاف , إذا نذر أن يعتكف يوما , سواء نذرا مطلقا , كأن يقول: لله علي أن أعتكف في هذا المسجد يوما , أو لله علي أن أعتكف في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي أو في المسجد الأقصى يوما . أو معلق كأن يقول: إن قدم غائبي , إن شفي مرضي , إن ربحت تجارتي , مثلا إن نجح ابني أو مثل ذلك فلله علي أن أعتكف في المسجد الحرام أو في غيره , أو في هذا المسجد أو نحو ذلك , يلزمه الوفاء إذا تحقق الشرط , إذا وجد ما شرطه من الربح مثلا أو الشفاء أو القدوم أو ما أشبهه فيلزمه الوفاء به ؛ لهذا الحديث: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) . ولقوله لعمر: ((أوف بنذرك)) .
لكن إذا كان النذر اعتكافا فقد اختلف فيه , هل يجب الوفاء به أم لا ؟ والجمهور على أنه واجب . والحنفيه قالوا: لا يجب , وإنما يستحب ؛ وذلك لأنهم لا يوجبون إلا ما جنسه واجب بأصل الشرع , وليس من الاعتكاف شيء واجب بأصل الشرع , هكذا عللوا , يقولون: إذا نذر أن يصوم فيلزمه ؛ لأن هناك صيام واجب كرمضان , إذا نذر أن يصلي صلاة ركعتين أو أربعا ، أو نحو ذلك , فإن عليه أن يوفي به ؛ لأن هناك صلاة واجبة كالصلوات الخمس , إذا نذر حجا أو عمرة فإن عليه الوفاء به ؛ وذلك لأن هناك حج وعمرة واجبة , وكذلك لو نذر صدقة أو نفقة في سبيل الله ، أو في بر أو عمل صالح , فإنه يوفي به ؛ وذلك لأن جنسه واجب بأصل الشرع .
وأما جمهور الأمة والأئمة فإنهم يرون وجوب الوفاء بالاعتكاف ؛ لهذا الحديث: ((أوف بنذرك)) .
ثم إذا كان النذر نذر معصية كفر وترك الوفاء . في حديث ثابت بن الضحاك , قال: نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة, فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((هل فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد)) ؟ قالوا: لا . قال: ((هل فيها عيد من أعيادهم)) ؟ قالوا: لا . قال: ((أوف بنذرك ؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ، ولا فيما لا يملك ابن آدم)) . فإذا كان النذر نذر معصية لم يجز الوفاء به , وكان عليه الكفارة لحديث: ((لا نذر في معصية الله , وكفارته كفارة يمين)) . فإذا قال مثلا: إن نجاني الله من هذا العدو فإني ألزم نفسني أن أشرب خمرا , أو أن أزني بفلانة مثلا أو أن أسرق أو أنتهب ، أو أقتل فلانا المسلم , هذا نذر معصية يحرم عليه الوفاء به ، ويكفر كفارة يمين .
ومثله النذور التي يفعلها القبوريون , كثيرا ما يقول أحدهم إذا شفي مريضي فعلي للسيد الفلاني صاحب القبر الفلاني أن أسرج قبره ليلة أو ليالي ، أو أن أهريق على قبره سمنا ، أو أن أذبح عند قبره شاة أوبقرة ، أو أن أعتكف عند قبره ليلة أو ليالي ، أو أن أصلي عند القبر الفلاني كذا وكذا صلاة .
لا شك أن مثل هذا كله نذر معصية , يحرم الوفاء به ، فعرفنا من ذلك أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به ، وأما نذر الطاعة فإنه يجب الوفاء به , إذا قال: أن أصلي لله ، أو أن أنفق في سبيل الله أو ما أشبه ذلك .
قوله صلى الله عليه وسلم في النذر: ((إنه لا يأتي بخير , وإنما يستخرج به من البخيل)) . يراد بهذا نذر الصدقة , نذر النفقة بالمال أو نحوه , البخيل لا يخرج المال إلا إذا نذره وألزم به نفسه . وقد يعتقد أن النذر يؤثر في الأمور المستقبلة , وهذا أيضا خطأ , النذر لا يغير شيئا من الأمور المستقبلة المقدرة , فالذي يعتقد أنه يؤثر اعتقاده خاطئ , ونذكر لذلك أمثلة حتى يتضح المراد:
فالذي يعتقد أن الله لا يشفي مريضه إلا إذا نذر أن يتصدق بألف , فيقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بألف . هل النذر سبب شفاء المريض ؟ الله تعالى قدَّر الشفاء , سواء نذرت أو لم تنذر . وكذلك إذا قال: إن ربحت تجارتي فلله علي أن أتصدق بألف , كأنه بخيل , ما كان ينويه أن يتصدق إلا إذا أربح الله تجارته ، تجارتك قد قدر الله لها ما قدر , إما خسرانا وإما ربح , ليس خسرانها بسبب عدم النذر , وليس ربحها بسبب النذر . النذر لم يغير شيئا من قدر الله .
وكذلك لو قال مثلا: إن قدم ولدي سالما من هذا الغزو مثلا , أو من هذا السفر الذي فيه خطر , فلله علي أن أتصدق بألف أو نحو ذلك ، أو أن أنحر شاة أو عشرين شاة , هل نذرك بهذه الصدقة أو بهذه الذبائح هو الذي سبب أن ولدك يقدم سالما ؟ الله قد قدر ما قدره , قدر لك أنه يقدم أو لا يقدم , وكتب ذلك , فليس النذر هو الذي سبب لك هذا, فالنذر لا يغير من قدر الله شيئا ، النذر لا يأتي بخير , هذا بخيل , الذي ما تصدَّق إلا بعد أن تحقق له نذره , ما تصدق إلا إذا نجح ولده , ما يتصدق إلا إذا شفي مريضه ، ما يتصدق إلا إذا قدم غائبه , أو إذا ربحت تجارته , أو ما أشبه ذلك .
فعرف بذلك أن النذر ليس يغير شيئا من أمر الله , ولا من قضاء الله وقدره , وإنما يستخرج به من البخيل , الواجب عليك أن تتصدق إذا كنت عازما , سواء نجحت أو لم تنجح , سواء ربحت أم لم تربح , أن تعزم على الصدقة سواء شفي مريضك أو لم يشف , أن تعزم على الصدقة , أو كذلك على غير الصدقة إذا كان النذر عملا صالحا , يعني كصيام مثلا , نقول: ما يخطر لك الصيام إلا إذا نجحت مثلا أو إذا ربحت , عليك أن تتقرب بالصيام , ما تخطر لك الصلاة أو الحج مثلا أو العمرة إلا إذا حصل لك مقصودك , هذا ما كان ينبغي عليك أن تأتي بالقربات وبالأعمال الصالحة , سواء حصل لك مقصدك ومطلبك أو لم يحصل , عليك أن تتقرب بالصدقات وأن تتقرب بالحج أو العمرة ، و أن تتقرب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وما أشبه ذلك , وأن تتقرب بالصدقات والصلوات وما أشبهها , سواء حصل لك مقصودك أو لم يحصل , سواء ربحت أو لم تربح , سواء نجحت أو لم تنجح ، سواء قدم غائبك أو لم يقدم ، شفي أو لم يشفى , عليك أن تشكر الله ، وأن تتقرب إليه بهذه العبادات ؛ فإن ذلك هو شأن المؤمن التقي الذي يعبد الله بكل حال , في عسره وفي يسره , وفي رخائه وفي شدته , هذا هو حقيقة العبودية لله تعالى .
القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمدُ لله رب العالمينَ ، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين . قال المؤلفُ رحمنا الله تعالى وإيَّاه:
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية , فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاستفتيته فقال: ((لتمشي ولتركب)) .
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: استفتى سعد بن عبادة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في نذرٍ كان على أمه , توفيت قبل أن تقضيه , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فاقضه عنها)) .
وعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله , إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمسك عليك بعض مالك , فهو خير لك)) .
الشيخ: هذه الأحاديث تتعلَّق بالنذور ، والنذر: هو إلزامُ الإنسان المكلَّف نفسه ما لا يلزمه شرعا , سواء من العبادات , أو من العادات ، أو من المحرمات , فمثال العادات* (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=4890#_ftn1) أن يقول: لله علي أن أصوم شهرا ، أو أتصدق بمائة . ومثال العادات أن يقول: لله علي أن أشتري ثوبا جديدا , أو ألا ألبس خلقا ، أو أن أسكن دارا فارهة أو نحو ذلك ، ومثال المحرمات كأن يقول: لله علي أن أشرب خمرا ، أو أن أقتل مسلما ، أو نحو ذلك .
فمن نذر نذر طاعة فعليه الوفاء ؛ لقوله تعالى: {وليوفوا نذورهم} , ومن نذر معصية فعليه الكفارة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا نذر في معصية الله , وكفارته كفارة يمين , ومن نذر مباحا فله الخيار: إن شاء وفى به , وإن شاء كفر)). وكذلك من نذر نذرا فيه مشقة وليس فيه طاعة , قد ذكرنا في الدرس الماضي حديث أبي إسرائيل , رآه النبي صلى الله عليه وسلم قائما في الشمس , فسأل , فقالوا: إنه نذر أن يقوم ولا يجلس , ولا يستظل , ولا يتكلم ، ويصوم . ولما كان هذا ليس فيه عبادة إلا الصوم قال: ((مروه أن يجلس , ويستظل ويتكلم , ويتم صومه)) . الصوم عبادة , أمره بأن يتمه ، وأما تعذيب نفسه بالوقوف قائما أو بالمثول في الشمس: عدم الاستظلال ، أو بترك الكلام , فهذا ليس فيه طاعة , فنهاه أن يفي به , والصحيح أن عليه كفارة ؛ لقوله في الحديث: ((لا نذر في معصية الله , وكفارته كفارة يمين)) .
وكذلك أخت عقبة نذرت كما سمعنا أن تحجَّ ماشية ، وفي بعض الروايات حافية , أن تحج من المدينة إلى مكة على قدميها ، ولا تلبث نعلا . ولا شك أن في هذا تعذيب للنفس في كونها تسير هذه المدة الطويلة دون أن تركب , ودون أن تنتعل , فتعذب نفسها , قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((لتمشي ولتركب)) . لكن معلوم أن المشي للطاعة عبادة ، ولذلك قال تعالى: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} , فالمشي إلى المساجد عبادة ، والمشي إلى أماكن الطاعات عبادة أيضا ، والمشي في الجهاد عبادة .
ورد أن بعضا من الغزاة في عهد بعض الصحابة كانوا سائرين في غزو من خراسان , متوجهين إلى بعض البلاد الأفغانيَّة غزاةً , فحدث بعض الصحابة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أغبرت قدماه في سبيل الله لم تمسَّه النار)) . لما سمعوا بذلك نزلوا عن رواحلهم ، وصاروا يمشون في تلك الأرض التي فيه غبار ؛ حتى يغبروا أقدامهم ، لكونهم غزاة في سبيل الله , امتثلوا هذا الأمر ، فأفاد بأن المشي طاعة وعبادة .
لكن إذا كان فيه تعذيب للنفس فالله تعالى رحيم بعباده , ليس لأحد أن يكلف نفسه فوق طاقتها ، وأن يشق عليها بعبادة يعجز عنها ، ولذلك لو نذر عبادة فيها مشقة أُمر بأن يفعل منها قدر ما يستطيع ، أو أن يكفر إذا كان ما قصد العبادة وإنما قصد الامتناع .
كثير من الناس في هذه الأزمنة ينذر أحدهم صيام شهر ، ولكنه نذر معلق , يقصد بذلك منع نفسه ، أو ينذر صيام سنة ، أو ينذر نحر جزور ، أو نحر عشر من الإبل , ولكن إذا نظرنا وإذا هو لم يقصد الطاعة ، وإنما قصد منع نفسه , إنسان مبتلى بشرب الدخان فعاهد وقال: لله علي إن عدت أشربه أن أصوم سنة , ما قصد العبادة ، ومع ذلك يقولون: لم يصبر ورجع إليه والعياذ بالله , فهل يصوم سنة ؟ لا شك أن في ذلك مشقة , مع أنه ورد النهي عن صوم الدهر ، فمثل هذا يكفر كفارة يمين ؛ لأنه ما قصد إلا منع نفسه من هذا الدخان ، أو نحوه ...
الوجـه الثانـي
... وكذلك من نذرَ نذرًا ليس فيه طاعة , أو فيه بعض من طاعة وفيه بعض من معصية , يفعل ما يستطيعه ، فنذر أخت عقبة فيه طاعة ، وهو المشي , وفيه مشقة وهو عدم الانتعال , كونها حافية ، وفيه أيضا مشقة وهو تعذيب النفس بطول المسير عشرة أيام وهي سائرة , ربما يسيرون في كل يوم ثنتي عشرة ساعة متواصلة , فكان في ذلك تعذيب للنفس , فلذلك قال في بعض الروايات: ((إن الله لا يصنع بتعذيب أختك نفسها شيئا , مرها فلتمشي ولتركب)) يعني تمشي بقدر نشاطها ، ثم تركب إذا تعبت وعجزت {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} .
أما حديث سعد فذكر أن أمه ماتت , وعليها صيام شهر , نذرت أن تصوم شهرا ، فأمره بأن يوفي عنها , أن يصوم عنها . وثبت أيضا في حديث آخر أن امرأة قالت: يارسول الله: إن أمي ركبت البحر , فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرا ، ثم إنها ماتت ولم تصم . فقال صلى الله عليه وسلم: ((أرأيت لو كان على أمك دين , أكنت قاضيته ؟ اقضوا الله ؛ فالله أحق بالوفاء)) . أمرها بأن تصوم عنها ، أو تقضي عنها .
فمن مات وعليه صيام نذر فإنه يصام عنه ، وأما صيام غير النذر فقد تقدَّم في كتاب الصيام قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) . حمله بعض العلماء على صيام النذر ؛ لأنه الذي ورد في حديث تلك المرأة الخزعمية , وقال بعضهم: إنه عام في صيام الفرض , وفي صيام النذر , فصيام النذر دليله حديث سعد هذا , سعد بن عبادة ماتت أمه وهو حي , وذكر أن عليها صيام نذر , وأنها لم تقضه , وكذلك حديث الخزعمية ماتت أمها وعليها صيام شهر نذرته , فأمرها أن تقضيه , فأفاد بأن صيام النذر يقضى عن الميت , شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالدين الذي في ذمة الميت يقضيه ورثته , ولو لم يخلف مالا , يعني يتبرعون بقضاء دين والدهم أو والدتهم .
وكذلك هذا الصيام , إن تبرع أحد أن يصومه فإنه يجزيه , ولكن إذا تعذروا ، أو لم يكن هناك ورثة يستعدون للصيام عن ميتهم فلا بد من الإطعام , عن كل يوم طعام مسكين , نصف صاع من البر ، أو نحوه ، ويجوز أن يقضيه أكثر من واحد , يجوز إذا كان له مثلا أربعة أولاد وعليه صيام عشرين يوما أن يصوم كل منهم خمسة , ويجزي ذلك عنه ، ويجزى أيضا أن يصوم الأبعد مع وجود الأقرب , فيصوم مثلا .. تصوم عنه أخته مع وجود بنته أو ابنه , وتصوم عنه خالته مع وجود أمه مثلا , يصوم عنه البعيد ولو كان هناك من هو أقرب منه , ما دام أنه تبرع بصيام عن متوفى .
فهذا في قضاءِ الصومِ , من مات كان عليه صيام نذر ، وأمَّا إذا كان النذر غير صيام كنذر الصلاة فلم يأتِ دليل على أنه يصلي عنه ، لكنْ إنْ نَذَرَ اعتكافا ، أو حجًّا ، أو طوافا , إذا قال: لله عليَّ أن أحج حجتين ، أو أن أعتمر عمرة أو عمرتينِ ، ولم يقدر حتى ماتَ , لم يفعل , فإن ورثته يقضون عنه ، أو يوكلون من يحج ، أو يعتمر , أو يطوف عنه , ولو بأجرة ، وكذلك الاعتكاف , يعتكف عنه أحد ورثته ، وكذلك الصدقة , يتصدقون عنه من ماله , إذا نذر أن يتصدق بمائة فلم يفعل فإنها تكون دينا في ذمته , تقضى من تركته , فإن لم يكن له تركة قضاها أحد ورثته ، أو أحد أقاربه , وكذا لو تبرع عنه أجنبي .
وأمَّا قصةُ كعب بن مالك , فقيل: إنها نذر , وقيل: إنها ليست بنذر وإنما هي توبة , خبر أخبر به عن نفسه ؛ وذلك لأنه لما تاب الله عليه بعد تخلفه في غزوة تبوك , ونزلَ قولُ الله تعالى: ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا} إلى قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} , التزم بقوله إن الله إنما أنجاني بالصدق ، وإن من توبتي ألا أحدث إلا بحديث صدقٍ , فالتزم بذلك , وقال: ما تعمَّدت كذبة منذ قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وإني لأرجو أن يحفظني الله في بقية حياتي .
ثم أراد أن ينخلعَ من مالِهِ ، ويجعله كله صدقة ؛ رجاء أن تقبل توبته , إن من توبتي أن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله ورسوله , جعل هذا توبة ، فبعض العلماء يقول: إن هذا نذر , أنه نذر أن يتصدق بكل ماله . وبعضهم يقول: هذا ليس بنذر ، وإنما هو التزام ، أو عهد ، أو توبة أو نحو ذلك , فلا يكون نذرا ؛ لأنه يوفى بالنذر . وإذا قلنا: إنه نذر فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن في الوفاء به شيء من المشقة لقوله: ((أمسك عليك بعض مالك ؛ فهو خير لك)) . فقال: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر . وكأنه كان له أملاك في المدينة فتصدق بها , تصدق بملكه الذي في المدينة وأرضه ، ونحوها , وأمسك أرضا له جاءته من خيبر لما قسمت أرض خيبر ، فجعل هذا توبة له . وفي بعض الروايات أنه قال: ((يكفيك الثلث)).
فاستدلوا به: أن من نذر أن يتصدَّق بجميع ماله اكتفى بالثلث , فإن سعد بن أبي وقاص لما مرِض في حجة الوداع قال: يا رسولَ اللهِ إنه لا يرثني إلا ابنة , وإني ذو مال , أفأتصدق بثلثي مالي . قال: ((لا)) . قال: فالشطرُ . قال: ((لا)) . قال: فالثلث . قال: ((الثلث , والثلث كثير)) . نذر أن يتصدق.. أو التزم أن يتصدق بثلثيه , فاكتفى بثلثه ، فأفاد بأنه يكفيه الثلث إن كان نذرا على ما في هذا الحديث .


* (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=4890#_ftnref1) لعل الشيخ يقصد: العبادات.