عبد العزيز الداخل
11-08-2008, 05:46 AM
عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنهَا قالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَدٌّ)) .
وفي لفظٍ : ((مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ)) .
وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنهَا قالَتْ : دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ - امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ- عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ. فقَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لاَ يُعْطِينِي منَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلاَّ مَا أخَذْتُ مِن مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فَهَلْ عَلَيَّ في ذلِكَ مِن جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((خُذِي مِن مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيكِ)) .
محمد أبو زيد
11-17-2008, 11:28 AM
حديثُ عائشةَ (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ))
هذا الحديثُ عَزَاه النَّوويُّ في ( أربعينِه ) إلى مسلِمٍ خَاصَّةً وصرَّحَ عبدُ الحقِّ في ( جَمْعِه بينَ الصحيحين ) بأن البخاريَّ لم يُخرِّجْه فإنه لما ذكَرَه عن مسلِمٍ باللفظين .
قالَ : أخرَجَ البخاريُّ اللفظَ الأوَّلَ (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا )) أي دونَ الثاني لكن البخاريَّ ذكَرَه معلَّقاً في أثناءِ صحيحِه من كتابِ (الاعتصامِ).
قالَ : بابُ إذا اجتَهَدَ العالِمُ أو الحاكِمُ فأخطأَ خلافَ الصوابِ من غيرِ علمٍ فحُكْمُه مردودٌ لقولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ :(( مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ )) هذا لفظُه .
محمد أبو زيد
11-17-2008, 11:29 AM
كتابُ القضاءِ
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ والستُّونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
عنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهَا قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَدٌّ)).
وفي لفظٍ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ)).
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: هذا الحديثُ قاعدةٌ عظيمةٌ منْ قواعدِ الإسلامِ، ومِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الثَّانِيَةُ: هذا الحديثُ صريحٌ في ردِّ الخرافاتِ والمُنْكَرَاتِ.
الثَّالِثَةُ: أنَّ الأصلَ في العباداتِ المَنْعُ، فلا يُشْرَعُ منها إلَّا ما شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
الرَّابِعَةُ: أنَّ حُكْمَ القاضِي إذا خَالَفَ أَمْرَ الرسولِ فإنَّهُ يُرَدُّ.
الْخَامِسَةُ: قالَ النَّوَوِيُّ: (يَنْبَغِي حِفْظُهُ واسْتِعْمَالُهُ في إبطالِ المنكراتِ وإشاعةُ الاستدلالِ بهِ).
الْحَدِيثُ السَّادِسُ والستُّونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
وعنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهَا قالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ- امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ- عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقَالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي منَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ في ذلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيكِ)).
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: وُجُوبُ نفقةِ الزوجةِ والأولادِ الفقراءِ بقدرِ الكفايةِ.
الثَّانِيَةُ: جوازُ ذِكْرِ الإنسانِ بما يَكْرَهُ للشَّكْوَى والفُتْيَا، إذا لم يَقْصِد النِّيَّةَ.
الثَّالِثَةُ: وفِيهِ اعتمادُ العُرْفِ في الأمورِ التي ليسَ فيها تحديدٌ شَرْعِيٌّ، فقدْ جَعَلَ لها من النفقةِ الكفايةَ.
محمد أبو زيد
11-17-2008, 11:32 AM
كِتَابُ الْقَضَاءِ(194)
الحديثُ السابعُ والستونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
367- عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :((مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَدٌّ)) .
وِفِي لَفْظٍ :((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عليه أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)) .(195)
الحديثُ الثامنُ والستونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ
368- عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ - امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ - عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فَهَلْ عَلَيَّ في ذلِكَ مِنْ جُنَاحٍ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:((خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيكِ)) .(196)
______________________
(194) القضاءُ بالمَدِّ لُغَةً : إحكامُ الأمرِ وَالفراغُ مِنْهُ قَالَ تعالى : (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) يعني أَحْكَمَهُنَّ وفرغَ منهنَّ .
وفي الشرعِ : تَبْيِينُ الحكمِ الشرعيِّ وَالإلزامُ بهِ وفصلُ الخصوماتِ .
والأصلُ فِي القضاءِ ومَشْرُوعِيَّتِهِ الكتابُ، وَالسنَّةُ، وَالإجماعُ، وَالقياسُ .
فأَمَّا الكتابُ، فمثلِ قولِهِ تعالى : (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى) وقولِهِ : (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) وغيرِهما .
وأَمَّا السنَّةُ، فكثيرةٌ، ومنها : ما جاءَ فِي الصحيحينِ عن عمرِو بنِ العاصِ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ : ((إذا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وإذا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ)) .
وَأَجْمَعَ المسلمونَ عَلَى مشروعِيَّتِهِ .
ويقتضيهِ القياسُ، فلا تستقيمُ الأحوالُ إلَّا بهِ، وَهُوَ فرضُ كفايةٍ .
قال فِي ((المغني)) : [وفيه فضلٌ عظيمٌ لمَن قَوِيَ عَلَى القيامِ بهِ، وأداءِ الحقِّ فيه؛ ولذلكَ جعلَ اللهُ فيه أجرًا مَعَ الخطأِ، وأسقطَ عنهُ حكمَ الخطأِ؛ ولأنَّ فيه أمْرًا بالمعروفِ، ونصرةً للمظلومِ، وأداءَ الحقِّ إِلَى مستحقِّهِ وردعًا للظالِمِ عن ظلمِهِ، وإصلاحًا بينَ الناسِ، وتخليصًا لبعضِهم البعضَ، وذلكَ من أبوابِ القُرَبِ؛ ولذلك تولَّاه النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالأنبياءُ قبلَهُ، فكانوا يحكمونَ لأممِهم .
وبَعَثَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليًّا إِلَى اليمنِ قاضيًا، وبعثَ مُعَاذًا قاضيًا .
وقد رُوي عن ابنِ مسعودٍ أنَّهُ قَالَ: لأنْ أجلسَ قاضيًا بينَ اثنينِ، أحبُّ إليَّ من عِبادةِ سبعينَ سنةً . وفيه خطرٌ عظيمٌ ووزرٌ كبيرٌ لمن لم يُؤَدِّ الحقَّ فيهِ؛ ولذلكَ كَانَ السلفُ رحمةُ اللهِ عليهم يمتنعونَ منهُ أشدَّ الامتناعِ، ويخشَوْنَ عَلَى أنفسِهم خطرَهُ ].
أَمَّا حكمتُه التشريعيَّةُ فيكفيكَ منها ما ذكرَهُ ((صاحبُ المغني)) .
ولا يمكنُ حصرُ ما فيه من حِكَمٍ وأسرارٍ .
وقال الإمامُ أحمدُ :[لَا بُدَّ للناسِ من حاكمٍ، أتذهبُ حقوقُ الناسِ ؟!] .
ولولا القضاءُ وفصلُ الخصوماتِ، وردُّ المظالمِ، وتَبيينُ الحقِّ؛ لصارَت الحياةُ فَوْضَى . فيكفي أنَّهُ ضرورةٌ من ضروراتِ الحياةِ .
(195) المعنى الإجماليُّ :
هَذَا حديثٌ جليلٌ، وأصلٌ عظيمٌ فِي الشريعةِ، وقاعدةٌ من قواعدِ الإسلامِ العُظْمَى .
فقد أبانَ أنَّ كلَّ أمرٍ ليس من شرعِ اللهِ تعالى، وكلَّ عملٍ لا يقومُ عَلَى أمرِ اللهِ، فهو مردودٌ باطلٌ لا يُعْتَدُّ بهِ ولا بما يَتَرَتَّبُ عليهِ، فهَذَا من جوامعِ كَلِمِه صلى اللهُ عليه وسلمَ، جعلَهُ مقياسًا لجميعِ الأمورِ وَالأعمالِ .
فما كَانَ منها عَلَى مرادِ اللهِ وشرعِهِ، فهيَ المقبولَةُ . وما كَانَ عَلَى غيرِ أمرِهِ ولا شرعِهِ فهيَ المردودةُ .
مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ :
1- قال النوويُّ :((وهَذَا الحديثُ قاعدةٌ عظيمةٌ من قواعدِ الإسلامِ، ومن جوامعِ كَلِمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
2- وقال أيضًا : فإنَّهُ (أيْ : الحديثُ) صريحٌ فِي ردِّ كلِّ البدعِ وَالمخترعاتِ .
3- وقال أيضًا :((وفي هَذَا الحديثِ دليلٌ لمَن يقولُ من الأصولِيِّينَ: إنَّ النهيَ يقتضي الفسادَ )) .
4- وقال أيضًا :((وهَذَا الحديثُ ينبغي حفظُهُ، وَاستعمالُهُ فِي إبطالِ المنكراتِ، وإشاعةُ الاستدلالِ بهِ )) .
5- وفيه دليلٌ عَلَى أنَّ الأصلَ فِي العِباداتِ الحظرُ، فلا يُشْرَعُ منها ولا يُزَادُ فيها إلَّا ما شَرَعَهُ اللهُ ورسولُهُ .
6- قال النوويُّ أيضًا :((فيه دليلٌ عَلَى أنَّ المأخوذَ بالعقدِ الفاسِدِ يجبُ رَدُّهُ عَلَى صاحِبِه ولا يُمَلَّكُ )) .
ويدلُّ عليه أيضًا حديثُ ((وإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابني الرجْمَ فَافْتَدَيْتُ منهُ بمائةِ شاةٍ ووليدةٍ )) .
فقال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ((الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ )) .
7- قال النوويُّ أيضًا : ((وفيه دليلٌ عَلَى مَن ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ بدعةً لا تُوافقُ الشرعَ فإثمُهما عليهِ، وعملُه مردودٌ عليهِ، وأَنَّهُ يستحقُّ الوعيدَ )) .
8- قال شيخُنا ((عبدُ الرحمنِ بنُ سَعْدِي )) : [ووجهُ مناسبةِ هَذَا الحديثِ لهَذَا البابِ : إِنَّهُ لو تَبَيَّنَ أنَّ حُكْمَ القاضي مخالِفٌ لأمرِ الرسولِ فإنَّهُ يُردُّ، وإنَّ القضاءَ يَتَرَتَّبُ عَلَى أحكامِ الشرعِ، فلا يُلتفتُ إِلَى ما يحدثهُ القضاةُ ] .
9- قال الصنعانيُّ : يفيدُ أنَّ كلَّ عملٍ ليسَ عليهِ أمرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مردودٌ - وَالذي عليه هُوَ كلُّ ما دلَّ عليهِ الكتابُ وَالسنَّةُ، وليس مُحْدَثًا مُبْدَعًا فِي الدِّينِ - فإنَّهُ مردودٌ عَلَى فاعلِهِ . وكلُّ عملٍ كَانَ عليه أَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنَّهُ مقبولٌ . فإنَّ هَذَا الحديثَ نصفُ العِلْمِ، بلِ العِلْمُ كلُّهُ؛ إذ منطوقُهُ دالٌّ عَلَى ردِّ كلِّ عملٍ لمْ يكنْ عليهِ أمرُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومفهومُهُ أفادَ أنَّ كُلَّ عملٍ كَانَ عليه أمرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقبولٌ .
قال شيخُ الإسلامِ رحمهُ اللهُ تعالى :
دعاوي التُّهَمِ مثلُ القتلِ أَوْ قطعِ الطريقِ أَو السرقةِ وَالعدوانِ عَلَى الخلقِ بالضربِ وغيرِهِ (تنقسمُ) إِلَى ثلاثةِ أقسامٍ :
1- إنْ كَانَ المتهمُ برًّا لم تَجُزْ عقوبتُهُ بالاتفاقِ .
2- أنْ يكونَ مجهولَ الحالِ لا يُعرفُ ببرٍّ أَوْ فجورٍ، فهَذَا يُحبسُ حتى تَنْكَشِفَ حالُه عِنْدَ عامَّةِ علماءِ الإسلامِ وَالحبسُ ليس هُوَ السجنَ، وإنَّما هُوَ تعويقُ الشخصِ ومنعُهُ من التصرُّفِ بنفسِهِ، سواءً فِي بيتٍ أَوْ بتوكيلِ نفسِ الخصمِ عليهِ .
3- أن يكونَ المتهمُ معروفًا بالفجورِ، فإذا جازَ حبسُ المجهولِ فحبسُ المعروفِ بالفجورِ أَوْلَى، وما عَلِمْتُ أحدًا من أئمَّةِ المسلمينَ قَالَ : إنَّ المُدَّعَى عليه فِي جميعِ هذهِ الدعاوي يَحْلِفُ ويُرْسَلُ بلا حبسٍ ولا غيرِهِ . ومَن زعمَ أنَّ هَذَا عَلَى إطلاقِهِ وعمومِهِ هُوَ الشرعُ فهوَ غالطٌ غلطًا فاحشًا مخالفًا لنصوصِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولإجماعِ الأمَّةِ، وبمثلِ هَذَا الغلطِ الفاحشِ استجرأَ الولاةُ عَلَى مخالفةِ الشرعِ وَاعْتَدُوا حُدُودَ اللهِ فِي ذلكَ، وتولَّدَ من جهلِ الفريقينِ بحقيقةِ الشرعِ خروجُ الناسِ عنهُ إِلَى أنواعٍ من البدعِ السياسِيَّةِ .
(196) مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ :
يؤخذُ من هَذَا الحديثِ فوائدُ وأحكامٌ، سألخصُها من شرحِ الإمامِ النوويِّ عَلَى صحيحِ مسلمٍ وأزيدُ عليها ما تَيَسَّرَ نقلُهُ أَوْ فهمُهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ :
1- وجوبُ نفقةِ الزوجةِ وَالأولادِ الفقراءِ وَالصغارِ.
2- إنَّ النفقةَ تُقَدَّرُ بكفايةِ المنفَقِ عليهِ وحالِهِ .
3- جوازُ سماعِ كلامِ الأجنبيَّةِ للحاجةِ . وَاللهُ المستعانُ .
4- جوازُ ذكرِ الإنسانِ بما يَكرهُ للشكْوَى وَالفُتيا،إذا لم يَقْصِد الغِيبةَ .
5- فيه [مسألةُ الظَّفَرِ] وَهِيَ أَنَّ مَن كَانَ لهُ عَلَى إنسانٍ حقٌّ فمنعَهُ مِنْهُ وتمكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ منهُ بغيرِ علمِهِ فهلْ لهُ ذلكَ أَوْ لا ؟ المذاهبُ فيها ثلاثةٌ :
1- المنعُ مطلقًا .
2- والجوازُ مطلقًا .
3- والتفصيلُ : وَهُوَ أنَّهُ مَن كَانَ حقُّه ظاهرًا كالنفقةِ جازَ أَنْ يأخذَ بقدرِ حقِّهِ وإِنْ كَانَ سببَ حقِّهِ خفيَّاً كوديعةٍ لم يَجُزْ لهُ أن يأخذَ شيئًا لقولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ((وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ)) وفيه فتحُ بابٍ للشرِّ، وسدُّ الذرائعِ مطلوبٌ .وهَذَا التفصيلُ هُوَ الصحيحُ من الأقوالِ .
6- اختلفَ العلماءُ : هَلْ هَذَا الحُكْمُ من النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهندٍ قضاءٌ أَوْ فتوى ؟ فيترتَّبُ عليهما ما يأتي :
إنْ كَانَ قضاءً، ففيه الحُكْمُ عَلَى الغائبِ، وإن ْكانتْ فتوى فليسَ فيه دليلٌ .
إنْ كَانَ قضاءً، ففيه أنَّهُ لا يجوزُ لغيرِ هندٍ أن تَستقلَّ بنفقةِ أولادِهَا إلَّا بإذنِ القاضي، وإن كَانَت فتوى فيجوزُ الإنفاقُ لكلِّ امرأةٍ أَشْبَهَتْهَا .
والصحيحُ أَنَّهَا فُتيا من النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا قضاءٌ، ومذهبُنا أَنَّهُ قضاءٌ .
7- وفيه اعتمادُ العُرْفِ فِي الأمورِ التي ليسَ فيها تحديدٌ شرعيٌّ، فقد جعلَ لها من النفقةِ الكفايةَ، وهَذَا راجعٌ إِلَى ما كَانَ متعارَفًا فِي نفقةِ مثلِها وأولادِها .
محمد أبو زيد
11-17-2008, 11:33 AM
بابُ القضاءِِِِِ
373 - الحديثُ الأوَّلُ: عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِِِِِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ أَحْدَثَ فِِِِِى أَمْرِِِِِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِِِِِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ)).
وفى لفظٍ: ((مَنْ عَمِِِِِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِِِِِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)).
هذا الحديثُ أحدُ الأحاديثِِِِِ الأركانِِِِِ من أركانِِِِِ الشَّريعةِِِِِ، لكثرةِِِِِ مَا يدخلُ تحتَهُ من الأحكامِِِِِ.
وقولـُهُ: "فَهُوَ رَدٌّ" أيْ: مردودٌ. أَطْلَقَ المصدرَ على اسمِِِِِ المفعولِِِِِ.
وَيُسْتَدَلُّ بهِ على إبطالِِِِِ جميعِِِِِ العقودِِِِِ الممنوعَةِِِِِ، وعَدَمِِِِِ وجودِِِِِ ثمراتِِِِِهَا.
وَاسْتُدِِِِِلَّ بهِ في أصولِِِِِ الفقهِِِِِ على أنَّ النَّهيَ يقتضِِِِِي الفسادَ.
نعمْ قد يَقَعُ الغلطُ في بعضِِِِِ المواضعِِِِِ لبعضِِِِِ النَّاسِِِِِ فيمَا يَقْتَضِِِِِيهِ الحديثُ من الرَّدِّ. فإنَّهُ قد يَتَعَارَضُ أمرانِِِِِ. فيَنْتَقِلُ من أحدِِِِِهِمَا إلى الآخرِِِِِ. ويكونُ العملُ بالحديثِِِِِ في أحدِِِِِهِمَا كافيًا ويقعُ الحكمُ بهِ فِي الآخَرِ في مَحَلِّ النِّزاعِِِِِ. فللخَصْمِِِِِ أن يَمْنَعَ دلالَتَهُ عليهِ. فَتَنَبَّهْ لذلكَ.
374 - الحديثُ الثَّانِِِِِي: عن عائشـةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالَتْ: دَخَلَـتْ هندُ بنتُ عُتْبَةَ -امرأةُ أبِِِِِي سفيانَ- على رسولِِِِِ اللهِِِ صَلَّى اللَّهُ عَليْهِ وَسَلَّمَ، فقالَتْ: يا رسـولَ اللهِِِِِ، إنَّ أَبَا سفيانَ رجـلٌ شَحِِِِِيحٌ، لَا يُعْطِِِِِينِِِِِي من النَّفقةِِِِِ مَا يَكْفِِِِِينِِِِِي وَيَكْفِِِِِي بَنِِِِِيَّ، إِِِِِلَّا مَا أخذْتُ من مالِِِِِه بغيرِِِِِ عِلْمِِِِِه. فهلْ عَلَيَّ في ذلكَ منْ جُنَاحٍ ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِِِِِ صَلَّى اللَّهُ عَليْهِ وسلَّمَ: ((خُذِِِِِي مِِِِِنْ مَالِِِِِهِِِِِ بِِِِِالْمَعْرُوفِِِِِ مَا يَكْفِِِِِيكِِِِِ وَيَكْفِِِِِي بَنِِِِِيكِِِِ)).
اسْتَدَلَّ بهِ بعضُهُمْ على القضاءِِِِِ على الغائبِِِِِ. وفيه ضَعْفٌ، من حَيْثُ إنَّهُ يَحْتَمِِِِِلُ الْفَتْوَى، بلْ نَدَّعِِِِِي أنَّه يَتَعَيَّنُ ذلكَ للفتوَى؛ لِِِِِأَنَّ الْحُكْمَ يحتاجُ إلى إثباتِِِِِ السَّببِِِِِ الْمُسَلَّطِِِِِ على الأخذِِِِِ من مالِِِِِ الغيرِِِِِ، ولا يحتاجُ إلى ذلكَ في الْفَتْوَى. وربَّما قيلَ: إنَّ أبَا سفيانَ كانَ حاضراً في البلدِِِِِ، ولا يُقْضَى على الغائبِِِِِ الحاضرِِِِِ في البلدِِِِِ، معَ إمكانِِِِِ إحضارِِِِِهِ وسماعِِِِِهِ للدَّعْوَى علَيهِ، في المشهورِِِِِ من مذاهبِِِِِ الفقهاءِِِِِ. فإنْ ثَبَتَ أنَّه كانَ حاضرًا فهوَ وجهٌ يُبْعِِِِِدُ الاستدلالُ عنه الأكثرينَ من الفقهاءِِِِِ وهذا يُبْعِِِِِدُ ثبوتَه، إِِِِِلَّا أنْ يُؤْخَذَ بطريقِِِِِ الِِِِِاسْتِِِِِصْحَابِِِِِ بحالِِِِِ حضورِِِِِه.
نعمْ فيهِِِِِ دليلٌ على مسألةٍ للظَّفرِِِِِ بالحقِّ، وأخذِِِِِهِ من غيرِِِِِ مُرَاجَعَةِِِِِ مَن هوَ عليْهِ.
ولم يَدُلَّ الحديثُ على جوازِِِِِ أخذِِِِِهَا من الجنسِِِِِ، أو من غيرِِِِِ الجنسِِِِِ. ومَن يَسْتَدِِِِِلُّ بالإطلاقِِِِِ في مِثْلِ هذا يَجعَلْهُ حُجَّةً في الجميعِِِِِ.
وَاسْتُدِِِِِلَّ بهِ على أنَّه لا يَتَوَقَّفُ أَخْذُ الحقِّ من مالِِِِِ مَن عليْهِ على تَعَذُّرِِِِِ الإثباتِِِِِ عِنْدَ الحاكمِِِِِ. وهوَ وجهٌ للشَّافعيَّةِِِِِ؛ لأنَّ هنداً كانَ يُمْكِِِِِنُهَا الرَّفعُ إلى رسولِِِِِ اللهِِِِِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ، وأخذُ الحقِّ بِِِِِحُكْمِِِِِهِِِِِ.
وفيه دليلٌ على أنَّ النَّفقةَ غيرُ مُقَدَّرَةٍ بمقدارٍِِِِ مُعَيَّنٍ. بلْ بالكفايةِِِِِ، لقولِهِ: "مَا يَكْفِِِِِيكِِِِِ وَبَنِِِِِيكِِِِِ".
وفيه دليلٌ على تَصَرُّفِِِِِ المرأةِِِِِ في نفقةِِِِِ ولدِِِِِهَا في الجملةِِِِِ.
وقد يَسْتَدِِِِِلُّ بهِ مَن يَرَى أنَّ للمرأةِِِِِ وِِِِِلَايَةً على ولدِِِِِهَا، من حَيْثُ إنَّ صَرْفَ المالِِِِِ إلى المحجورِِِِِ عليْهِ، أو تمليكَهُ لـهُ يحتاجُ إلى وِِِِِلَايَةٍ، وفيهِ نَظَرٌ لوجودِِِِِ الأبِِِِِ. فيحتاجُ إلى الجوابِِِِِ عن هذا التَّوجيهِِِِِ المذكورِِِِِ. فقد يُقَالُ: إنَّ تَعَذُّرَ استيفاءِِِِِ الحقِّ من الأبِِِِِ أو غيرِِِِِهِ، معَ تَكَرُّرِِِِِ الحاجةِِِِِ دائمًا يجعلُهُ كالمعدومِِِِِ، وفيه نَظَرٌ أيضًا.
وفيهِ دليلٌ على جوازِِِِِ ذِِِِِكْرِِِِِ بعضِِِِِ الأوصافِِِِِ المذمومَةِِِِِ إذا تَعَلَّقَتْ بهَا مصلحةٌ أو ضرورةٌ. وفيهِ دليلٌ على أنَّ مَا يُذْكَرُ في الِاسْتِِِِِفْتَاءِِِِِ لأجلِِِِِ ضرورةِِِِِ معرفةِِِِِ الْحُكْمِِِِِ، إذا تَعَلَّقَ بهِ أَذَى الغيرِِِِِ: لا يُوجِبُ تعزيرًا.
محمد أبو زيد
11-17-2008, 11:33 AM
.........................
حفيدة بني عامر
01-12-2009, 05:58 AM
القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم .
باب القضاء
عن عائشة رضي الله عنها , قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) . وفي لفظ: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت هنْد بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقالت: يا رسول الله , إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني , إلا ما أخذت من ماله بغير علمه , فهل علي في ذلك من جناح ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك)) .
الشيخ: بعدما أورد الأحاديث التي تتعلق بالحدود والعقوبات والمعاصي ، وكذلك بالأيمان والنذور , ذكر باب القضاء الذي هو الحكم بين الناس فيما يختلفون فيه ؛ وذلك لأنه من ضروريات الحياة . ومن الواقع أن الناس يحصل من بعضهم اعتداء وظلم وأخذ لغير ما يستحقه , وادعاءات منها ما هو حق ، ومنها ماهو باطل , فكان لا بد من أن يكون هناك من يفصل بينهم ويحسم النزاع الذي يوجد فيما بينهم ، ويكون هذا الذي يفصله هو القاضي الذي يحكم بين الناس .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يتولى القضاء في حياته , عندما يختلف اثنان ويتنازعان يترافعان إليه ، فيقضي بينهما ، ويخبر بمن عليه الحق ، ويأمره بأداءِ الحق الذي عليه ، وهكذا الخلفاء بعده , إلا أنه قد أرسل في بعضِ الجهاتِ من يقضي بين الناس , فلما أرسل معاذا إلى اليمن أمره بأن يقضي بين الناس ، وأرسل عليًّا أيضا إلى جهة أخرى من اليمن وأمره بأن يقضي بينهم فيما يختلفون فيه ، وعلمه شيئا مما يقضي به , فثبتَ عنه أنه قال: ((إذا سمعتَ كلامَ الخصمِ فلا تقضي حتى تسمع كلام الآخر ؛ فإنَّك تعرف كيف تقضي)) . قال علي: فما زلت قاضيًا . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((أعلمكم بالحلال والحرامِ معاذ بن جبل ، وأقضاكم علي , وأفضلكم زيدٌ))... إلى آخر الحديث . جعل عليا ممن له معرفة بالقضاء , وجرت له مسائل قضى فيها بين الناس وافقه عليها أهل زمانه .
وبكل حال فالقضاء في الأصل هو الحكم بين الناس فيما يختلفون فيه , قال الله تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بما أنزل الله} , {فاحكم بين الناس بما أنزل الله} الحكم بين الناس: هو القضاء بينهم بالحق الذي أنزله الله . وهكذا يقول الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} أي: قضيتم بينهم فالتمسوا الحق والعدل ، فهذا هو المراد بالقضاء .
وقد اشترطوا للقضاء شروطا , واشترطوا للقاضي , واشترطوا فيه صفات لا بد أن تتوفر فيه , مذكورة في كتب الأحكام وكتب الفقهِ , ولا بدَّ أن تتوفر تلك الشروط ؛ حتى يتمكن من القضاء ، وإذا تخلفت ، أو تخلف بعضها ، اختل أو اختلت أهليته للقضاء .
وبكل حال الأحاديث التي فيها تعليم القضاء لم يكنْ فيها شيء متفق عليه بين البخاري ومسلم , مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((البينة على المدعي , واليمين على من أنكر)) . ومثل قوله: ((لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجال دماء قوم وأموالهم , ولكن البينة على المدعى عليه)) . ومثل قوله: ((كيف تقْضي)) ؟ قال: بكتاب الله . قال: ((فإن لم تجد)) . قال: بسنة رسول الله . قال: ((فإن لم تجد)) . قال: أجتهد رأيي . وهو حديث عن معاذ .
وغيرها من الأحاديث , لم تثبت على شرط الشيخين فلذلك لم يذكرها المؤلف صاحب العمدة , ذكر لنا هذا الحديث العامّ ، وهو حديث عائشة , وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) . وفي رواية لمسلم: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) . وذلك لأنه حديثٌ جامع يعتمد في إثبات السنن وفي رد البدع ، فيعتمد في أن القاضي عليه أن يتحرى السنة , وعليه أن يعمل بها , وعليه أن يعمل بما ورد له , وأن يتجنب القضاء الذي يتبع فيه الهوى ، ويتجنب أن يحكم بين الناس برأيه , ويتجنب أن يجور في الحكمِ , وأن يظلم هذا لهذا ؛ فإن ذلك كله خلاف ما أمر الله به , وخلاف ما عليه أمر الله وأمر رسوله , ولا شكَّ أنَّ هذا الحديث جاء في بيان الشريعةِ ، وهو أن شريعة الله سبحانه قد بلغها النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلَّق بالأحكام ، وفيما يتعلق بالآداب ، وبالحلال والحرام ، وبالسنن وبالواجبات وما أشبهها .
ذكروا أنَّ هَذا الحديث: ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)) جاء في إثبات السننِ وردِّ البدع , وأن كل من عمل عملا مضافا إلى الشريعةِ لا أصل له بالدين فإنه مردود , سواء كان تغييرا في العبادة أو زيادة فيها أو شرعية عبادة أخرى , ويدخل في ذلك الإضافات التي يضيفها المبتدعةُ سواء في أذكارٍ أو في أدعية ، أو ما أشبه ذلك .
وبكل حال الذي يتعلق بالقضاء منه هو أن يقال: إن القضاء من أمر الله وبأمر رسوله ، وأن القاضي عليه أن يتقيَّد بكتاب الله , فإذا جاءه أمر في كتاب الله قضى به , وإذا لم يقض فإنه يتقيد بسنة رسول الله , فإذا لم يجد اجتهد , فإذا قضى مخالِفا لأمر الله فقضاؤه مردود , ولو كان ما كان , إذا أمر بمنكر أو نهى عن معروف , أو قضى للظالم وظلم بعض الناس ، قضى على هذا بأنه ظالم مع أنه مظلوم , وقضى على هذا بأنه مظلوم مع أنه ظالم , وثبت حكمه , فإن حكمه يرد ، ثبت هذا الحكم الذي هو مخالف لعين الصواب , فيقال: هذا مردود ؛ لأنَّه عملٌ ليس عليه أمر الله ، ولا أمر رسوله .
فاستدلوا بذلك على نقض حكم الحاكم الذي خالف فيه الصوابَ , ولو كان ما كان ؛ وذلك لأن الحاكم بشرٌ وحكمه يصدر عن اجتهاد , وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه بأنه لا يعلم الغيب ، وإنما يجتهد بحسب ما يصل إليه إدراكه وفهمه , فقال: ((إنكم تختصمون إلي , ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ؛ فأقض له (غير مسموع) مما أسمع , فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار , فليأخذها أو ليدعها)) . يعظ بذلك المتخاصمين اللذين اختلفا , هذا يقول: الحق معي ، وهذا يقول: الحق معي . إذا كان أحدهما يعلم أنه كاذب وأنه ظالم فإن حكم الحاكم لا يبرر موقفه ، لا يحل له ما كان حراما , يقول الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} , يعني: إلى القضاة {لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} , فإذا غلط القاضي وحكم لك بشيء من حق أخيك ، ولو شيئا يسيرا ، ولو شبرا من الأرض , ولو درهما أو جزء يسيرا من المال ، فلا تأخذه وأنت تعلم أنك كاذب ، وأنك لا تستحقه . والقاضي متى تبين له خطأ نفسه فإن عليه الرجوع , والقضاة الآخرون إذا علموا جور هذا القاضي ، وعلموا خطأه ، وعرفوا أنه مخطئ في حكمه لم يجز إبقاؤه على هذا , بل يرد حكمه , فيقال: حكمك مردود ولو كنت من كنت .
من القضايا التي قضى فيها النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة مع امرأة أبي سفيان , وهو أنها ذكرت له أن أبا سفيان بخيل وشحيح ، ولا يعطيها كامل حقها من النفقة , استأذنتْ أن تأخذَ من مالِه وهو لا يدري كمالَ نفقتها لأولادها, ما يكفيها لطعامهم وما يكفيها لكسوتهم ، وما يكفيها لفرشهم وحاجاتهم , فرخَّص لها النبي صلى الله عليه وسلم في أن تأخذ بالمعروف , يعني لا تأخذ زيادة على ما تستحقه , وإنما تأخذ بحقها , تأخذ الذي تستحقه دون زيادةٍ حتى لا يكون عليها نقص , فقال: ((خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)) .
اختلف العلماءُ هل هذا قضاء أو فتيا ؛ وذلك لأنَّه لم يحضر الخصم الثاني الذي هو أبو سفيان , فالذين قالوا: إنه قضى قالوا: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عرف صدقها ؛ لأنه يعرف أبا سفيان واتصافه بالإمساك وقلة الإنفاق , وكأنَّ ذلك أمر مشهور عنه , فقضى لها وقال: ((خذي من ماله قدر الكفاية)) , فجعلوا هذه قضية , دعوى , ادَّعت على أبي سفيان فقضى لها . وأيضا معروف أنها واجب عليه نفقتها ونفقة عيالها بحكم الزوجية , فهي زوجته , والمرأة ينفق عليها زوجها ؛ لقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} , فملعوم أنه يلزمه نفقتها , وإذا كان يلزمه وقد عرف بالبخل فإن ذلك حكم ، حكم لها بأن تأخذ حقها , هكذا قال الذين ادعوا أنه حكم وقضية , وقال آخرون: ليس هو حكم ، وإنما هو فتيا ؛ وذلك لأنه في غيبة أبي سفيان وهو عليه الصلاة والسلام , قال: إذا سمعت كلام خصم فلا تقضي له حتى تسمع كلام الخصم الثاني ، أو كما قال , نهى القاضي أن يحكم لأحد الخصمينِ قبل أن يحضر الخصم الثاني ، فربما يكون عند الخصم الثاني حجج قوية تبرر موقفه وتبين عذره , فلا يسمع من أحد الخصمينِ ، بل يسمع منهما معا , هكذا قالوا: إنه فتيا ، وأيضا فقد أفتاها بهذا بقوله: ((إن أعطاك ما يكفيك , وإلا فخذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)) فجعل هذا لها كأنه يقول: أفتي بأنه يلزمه النفقة ، وأن المرأة لها الحق في أن تأخذ نفقتها من مال زوجها إذا أمسك , نفقتها ونفقة ولدها أي ما يكفيهم ، فهذا دليل من يقول: إنها فتيا وليست بقضاء , ليست حكما وقضاء . وبكل حال من الكتب التي ..أو الأبواب التي تذكر في كتب الفقه ...
ا هـ .
عمدة الأحكام
شريط (62) للشيخ: ابن جبرين
... من الكتب التي أو الأبواب التي تذكر في كتب الفقه باب النفقة ، فيذكرون أن الزوج يلزمه أن ينفق على زوجته ، وأن ينفق على أولاده نفقة تكفيهم ، وأنه مطالب بذلك , ينفق الرجل على أولاده ؛ وذلك لأنه إنما يجمع المال ويكتسبه لأجل أن ينفق عليهم , يطعمهم ويكسوهم ، ويعطيهم ما يكفيهم ، ويكنهم ويسكنهم ، ويقضي لهم الحاجات .
فكل ذلك متعلق بوالدهم ، والمرأة متعلق حقها بزوجها ؛ وذلك لأنه أخذها من أبويها ، واستباح نكاحها ، وحلَّ له وطؤها ، فأصبحت في حوزته ، وفي حجره ، وتحت إمرته ، وتحت تصرفه , لا تقدر أن تتكسب إلا بإذنه ، ولا تقدر أن تخرج من بيته إلا بإذنه ، فأصبح لها حق عليه ، وأصبحت هي تشتغل في بيته ، وتخدمه ، وتخدم ولده ، وتربي له أولاده ، فلا بد أن ينفق عليها ، وأن يعطيها ما يكفيها مقابل تمكينها له من الاستمتاع بها ، ومن قضاء وطره ، فلا بد أن ينفق عليها ، وأن يعطيها حقها , وهذا مجمع عليه .
وقد بين العلماء الواجب على الرجل , فذكروا أن الناس ثلاثة أقسام: غني ، ومتوسط ، وفقير ، وأن الغني ينفق على أهله من أفضل النفقة وأعلاها , النفقة المعتادة , يعني النفقة المعتادة من البر ومن الأرز مثلا ، وكذلك من الأطعمة المعتادة ، ومن اللحوم ، ومن الفواكه وما أشبه ذلك على عادة أهل بلده . والتوسع في ذلك قد نهي عنه . وأما المتوسط فإنه يقتصد في النفقة , فينفق من أوسط الطعام ، من أوسط طعام البلد , فلا يتكلف شراء الغالي ورفيع الثمن سواء من الطعام كالبر والأرز، أو من اللحوم ، بل يأخذ من الوسط . وأما الفقير فإنه يأخذ من أرخص الأطعمة ؛ وذلك لفقره ، ولأنه لو أنفق زيادة على ذلك لاحتاج ولاضطر إلى الاستدانة , لذلك يُؤمر بأن ينفق على أهله من أرخص الأطعمة ، وأن لا يشتري الأشياء التي ليست ضرورية ، فليقتصر على الخبز مثلا ، أو على الأرز , دون أن يتكلف بشراء اللحوم ، وبشراء الفواكه ، وبشراء الخضار وما أشبه ذلك .
وهكذا يقال أيضا في الكسوة ، كسوة الغني الثري يشتري لأولاده ولزوجته كسوة كل سنة مرة ، أو مرتين , ولكن تكون من أرفع الأقمشة وأحسنها ، وأفضلها ، والمتوسط من متوسطها ، والفقير من أرخصها , هكذا ذكروا .
ويقال كذلك أيضا في سائر الأشياء , فالأمتعة تتفاوت أيضا , الأمتعة التي يحتاج إليها ، وهذا كله داخل في قوله: ((خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)) . أي لا تأخذي زيادة , إذا كان مثلا هو من الأغنياء فالمعروف هو نفقة الأغنياء ، وإذا كان من المتوسطين فالمعروف نفقة أمثاله من المتوسطين , سواء في القوت والغذاء ، أو في الكسوة أو في الفرش، أو في الأواني ، أو ما أشبه ذلك .
وبهذا يعلم أن الشريعة تكفلت ببيان كل ما يحتاج إليه ، فبينت أمور النفقة ، وتدخل الفقهاء في أمور الناس ، وذكروا من ينفق كيفية إنفاقه من كثير ، أو من قليل . ومع ذلك كله فإنهم نهوا عن الإسراف ، وعن الإفساد ، وعن التبذير الذي فيه إتلاف للمال في غير فائدة ، ولو كان الإنسان ما كان , ولو أثرى ، ولو ملك مئات الألوف ، أو ألوف الألوف , فلا يجوز له أن يفسد الأموال لا بالأطعمة ، ولا بالأكسية ، ولا في الأواني ، ونحوها ، بل يمسك المال ولا يسرف فيه ، ولا يفسده ، ويصرفه في وجوهه التي يؤجر عليها , فإنه سوف يجد من يتقبله من الفقراء ، وسوف يجد مشاريع خيرية ينفق فيها، ويصرف فيها هذا الزائد الذي هو ليس بحاجة إليه ، وبذلك يخرج من قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} ومن قوله: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} .