المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب العتق


عبد العزيز الداخل
11-08-2008, 07:44 AM
كِتَـابُ الْعِتْـقِ
عن ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ: ((مَن أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)) .
عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، عن النَّبِيِّ صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ: ((مَن أَعْتَقَ شِقْصًا مِن مَمْلُوكٍ، فَعَلَيْهِ خَلاَصُهُ في مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوِّمَ المَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)) .

محمد أبو زيد
11-17-2008, 06:19 PM
كتابُ العِتْقِ

الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ بَعْدَ الأَرْبَعُمِائَةٍ
عن ابنِ عمرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: جَوَازُ الاشتراكِ في العَبْدِ أو الأَمَةِ في المِلْكِ.
الثَّانِيَةُ: أنَّ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ وعَتَقَ عَلَيْهِ أيضًا نَصِيبُ شَرِيكِهِ إنْ كانَ مُوسِرًا، وَوَقَفَ مَنْ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ، وَدَفَعَ لهُ القيمةَ، فإنْ لم يَكُنْ مُوسِرًا بِعِتْقِ نصيبِ شريكِهِ، فإنْ كانَ عندَهُ بعضُ القيمةِ عَتَقَ عَلَيْهِ بِقَدْرِهَا.
الثَّالِثَةُ: تَشَوُّفُ الشارعِ إلى عِتْقِ الرقيقِ، حيثُ جَعَلَ لهُ هذهِ السِّيَادَةَ والنُّفُوذَ.


الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ بَعْدَ الأَرْبَعُمِائَةٍ
عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكٍ، فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ في مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوِّمَ المَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ في الحديثِ قَبْلَهُ وَزَادَ.
الثَّانِيَةُ: إذا لم يَكُنْ عندَ المُعْتِقِ نَصِيبُهُ +مالًا فإنَّهُ يَطْلُبُ من العبدِ السَّعْيَ بقدرِ قُدْرَتِهِ حتَّى يَكْسِبَ قِيمَةَ بَعْضِهِ الذي لم يُعْتَقْ، ثمَّ يُعْتَقُ كُلُّهُ.
الثَّالِثَةُ: ظاهِرُ الحَدِيثَيْنِ التَّعَارُضُ، فقالَ العلماءُ: إنَّ قَوْلَهُ: فإنْ لَمْ يَكُنْ.... إلخ مُدْرَجٌ. وقالَ بعضُهُم: إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ في الحديثِ الأَوَّلِ: (وَإلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) أيْ بِإِعْتَاقِ مَالِكِ الحِصَّةِ حِصَّتَهُ، وَحِصَّةُ شَرِيكِهِ تُعْتَقُ بالسِّعَايَةِ.

محمد أبو زيد
11-17-2008, 06:20 PM
كِتَابُ العِتْقِ(244)
الحديثُ الثامنَ عَشَرَ بَعْدَ الَأَرْبَعِمِائَةٍ
418- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)) .(245)

الحديثُ التاسعَ عَشَرَ بَعْدَ الَأَرْبَعِمِائَةٍ
419- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ مَمْلُوكٍ، فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ كُلُّهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوِّمَ المَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثمَّ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)) .(246)
____________________
(244) العِتْقُ - لُغَةً - : بكسرِ العينِ، وسكونِ القافِ .
قال الأزهريُّ : هُوَ مُشْتَقٌّ من قولِهم : عَتَقَ الفرسُ إذا سبقَ ونجَا، وعتقَ الفرخُ طارَ وَاستقلَّ؛ لأنَّ العبدَ يتخلَّصُ بالعتقِ ويذهبُ حيثُ شاءَ .
وشَرْعًا : تحريرُ الرقبةِ وتخليصُها من الرِّقِّ، وتثبيتُ الحريَّةِ لها .
والأصلُ فيه الكتابُ، وَالسنَّةُ، وإجماعُ الأُمَّةِ .
فأَمَّا الكتابُ، فمثلِ قولِهِ تعالى : (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ) .
وأَمَّا السنَّةُ، فكثيرةٌ جدًّا، ومنها ما فِي الصحيحينِ عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ )) وأحاديثُ البابِ الآتيةُ .
وأجمعت الأُمَّةُ عَلَى صحةِ العتقِ وحصولِ القربةِ بهِ .
وهنا مبحثانِ أحدُهما : فِي فضلِهِ، وَالثاني : فِي موقفِ الإسلامِ من الرقِّ وَالعِتْقِ .
أَمَّا فضلُهُ، فيكفيكَ فيه هَذَا الحديثُ الصحيحُ، وما رواهُ الترمذيُّ عن أبي أُمَامَةَ وغيرِهِ من الصحابةِ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا كَانَ فكَاكَهُ مِنَ النَّارِ )) .
والأحاديثُ وَالآثارُ الحاثَّةُ عَلَى العتقِ وَالمرَغِّبةُ فيه كثيرةٌ .
وقد جعلهُ اللهُ تعالى أوَّلَ الكَفَّاراتِ؛ لِمَا فيه من مَحْوِ الذنوبِ، وتكفيرِ الخطايا وَالآثامِ، وَالأجرِ العظيمِ، بقدرِ ما يَتَرَتَّبُ عليه من الإحسانِ .
وليسَ إحسانٌ أعظمَ من فَكاكِ المسلمِ من غُلِّ الرقِّ، وقيدِ المِلْكِ فبعتقِهِ تَكْمُلُ إنسانيَّتُهُ بعد أن كَانَ كالبهيمةِ فِي تصريفِها وتدبيرِها .
فمَن أَعْتَقَ رَقَبَةً، فقد فازَ بثوابِ اللهِ، وَاللهُ عندهُ حُسْنُ الثوابِ .
المبحثُ الثاني : نَعَى بعضُ أعداءِ الدِّينِ الإسلاميِّ إقرارَ الشريعةِ الإسلاميَّةِ الرقَّ الذي هُوَ ـ فِي نظرِهم ـ من الأعمالِ الهمجيَّةِ جملةً .
لذا نُحِبُّ أن نُبَيِّنَ حالَ الرقِّ فِي الإسلامِ وغيرِهِ، ونبيِّنَ موقفَ الإسلامِ منهُ بشيءٍ من الاختصارِ؛ لأنَّ المُقَامَ لَنْ يُخصَّصَ لهَذِه البحوثِ .
فالإسلامُ لم يختصَّ بالرقِّ، بل كَانَ منتشرًا فِي جميعِ أقطارِ الأرضِ .
فهو عِنْدَ الفرسِ وَالرومِ وَالبابليِّينَ وَاليونانِ، وأقرَّهُ أساطينُهم من أمثالِ ((أفلاطونَ)) و((أرسطو)) .
وللرقِّ - عندهم - أسبابٌ متعددةٌ فِي الحربِ، وَالسبْيِ، وَالخطفِ، وَاللصوصيَّةِ .
بل يبيعُ أحدُهم مَنْ تحتَ يدِهِ من الأولادِ، وبعضُهم يعدُّون َالفلَّاحينَ أرقَّاءَ .
وكانوا ينظرونَ إِلَى الأرقَّاءِ بعينِ الاحتقارِ وَالازدراءِ، فكانوا يمتهنونَهم فِي الأعمالِ القذرةِ وَالأعمالِ الشاقَّةِ:
فـ((أرسطو)) من الأقدمينَ، يَرى أَنَّهم غيرُ مخلَّدِينَ لا فِي عذابٍ لا فِي نعيمٍ، بل هم كالحيواناتِ .
والفراعنةُ استعبَدُوا بني إسرائيلَ أشنعَ استعِبادٍ، حتى قَتلُوا أبناءَهم، وَاستحيَوْا نساءَهم .
والأوروبيُّون َ- بعد أن اكتشفُوا أمريكا - عامَلُوا الأمريكيِّينَ أسوأَ معاملةٍ . هَذَا هُوَ الرقُّ بأسبابِهِ وآثارِهِ، وكثرتِهِ فِي غيرِ الإسلامِ .
ولم نأتِ إِلَّا عَلَى القليلِ مِن شنائِعِهِ عندَهُم .
فللنَنْظُر الرقَّ فِي الإسلامِ .
أَوَّلًا : إنَّ الإسلامَ ضيَّقَ موردَ الرقِّ؛ إذ جعلَ الناسَ كلَّهم أحرارًا لا يطرأُ عليهم الرقُّ إلَّا بسببٍ وَاحدٍ : ((وهو أن يُؤسرُوا وهم كفارٌ مقاتِلُونَ )) مَعَ أنَّ الواجبَ عَلَى القائدِ أن يختارَ الأصلحَ منَ الرقِّ، أَو الفداءِ، أَو الإطلاقِ بلا فداءٍ، حسبَ المصلحةِ العامَّةِ .
فهَذَا هُوَ السببُ وحدَهُ فِي الرِّقِّ، وَهُوَ سببٌ كما جاءَ فِي النقلِ الصحيحِ، فإنَّهُ يوافقُ العقلَ الصحيحَ أيضًا .
فإنَّ مَن وقفَ فِي سبيلِ عقيدتي ودعوتي، وأرادَ الحدَّ من حُرِّيتِي، وألبَّ عَلَيَّ وحارَبني، فجزاؤُه أنْ أُمْسِكَهُ عندي؛ لِيُفْسِحَ المجالَ أمامي وأمامَ دعوتي .
هَذَا هُوَ سببُ الرقِّ فِي الإسلامِ لا النهبُ، وَالسلبُ، وبيعُ الأحرارِ وَاستِعْبَادُهم كما هُوَ عِنْدَ الأممِ الأخرى .
ثانيًا : إنَّ الإسلامَ رفقَ بالرقيقِ، وعطفَ عليهِ، وتوعَّدَ عَلَى تكليفِهِ وإرهاقِهِ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((اتَّقُوا اللهَ وما ملكتْ أيمانُكم )) .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضًا : ((لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَقُوتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ )) رواهُ مسلمٌ .
بل إنَّ الإسلامَ رفعَ من قدرِ الرقيقِ حتى جَعَلَهم إخوانَ أسيادِهم .
فقد قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((هُمْ إِخْوَانُكُمْ وَخَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، ولْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ )) متَّفَقٌ عليهِ .
ورفعَ من مَقَامِهم عِنْدَ مخاطبتِهم حَتَّى لا يَشعُرُوا بالضَّعَةِ؛ وَلِذا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي )) .
كما أنَّ المقياسَ فِي الإسلامِ لكرامةِ الإنسانِ فِي الدُّنْيَا وَالآخرةِ لَا يَرْجِع ُإِلَى الأنسابِ وَالأعراقِ، وإنَّما يَرْجِعُ إِلَى الكفاءاتِ وَالقيِّمِ المعنويَّةِ (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) .
وقد بلغَ شخصياتٌ من الموالي - لفضلِ علْمِهم، وقدرَتِهم - ما لم تبلغْهُ ساداتُهم؛ إذ قادُوا الجيوشَ، وساسُوا الأممَ، وتولَّوا القضاءَ وَالأعمالَ الجليلةَ بكفاءتِهم التي هِيَ أصلُ مجدِهم .
ومع ما رفَعَهُ الشارعُ من مقامِ المملوكِ، فإنَّ له تَشَوُّفًا وتطلُّعًا إِلَى تحريرِ الرقابِ، وفكِّ أغلالِهم .
فقد حثَّ عَلَى ذلكَ، ووعدَ عليه النجاةَ من النارِ، وَالفوزَ بالجنةِ، وَقَدْ تقدَّمَ بعضٌ مِن ذلكَ .
ثم إِنَّهُ جعلَ لتحريرِهم عدَّةَ أسبابٍ، بعضُها قهريَّةٌ وبعضُها اختياريَّةٌ .
فمن القهريَّةِ أَنَّ مَن جَرَحَ مملوكَه عَتَقَ عليه .
فقد جاءَ فِي الحديثِ : أنَّ رجلًا جَدَعَ أنفَ غُلَامِهِ، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ )) .
فقالَ : يا رسولَ اللهِ فَمَوْلَى مَن أنا ؟ قَالَ : ((مَوْلَى اللهِ ورَسُولِهِ )) .
ومَن أعتقَ نصيبَهُ من مملوكٍ مشتركٍ، عَتَقَ نصيبُ شريكِهِ قهرًا، كما فِي الحديثِ [مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، وَجَبَ عليهِ أنْ يَعْتَقَ كُلُّهُ ] رواهُ البخاريُّ عَلَى تفصيلٍ فيهِ يَأْتِي .
ومَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرمٍ عَلَيْهِ عَتَقَ عليهِ قهرًا لحديثِ : [مَنْ مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ] رواهُ أَهْلُ السُّنَنِ .
فهَذِه أسبابٌ قهريَّةٌ تُزيلُ مِلْكَ السيِّدِ عن رقيقِهِ خاصَّةً فِي هَذَا البابِ لما لهُ من السرايةِ الشرعيَّةِ، وَالنفوذِ القويِّ الذي لم يجعلْ فِي عتقِهِ خيارًا ولا رجعةً .
ثُمَّ إن المشرِّعَ - مَعَ حثِّهِ عَلَى الإعتاقِ - جعلَهُ أوَّلَ الكفَّاراتِ فِي التخلُّصِ من الآثامِ، وَالتحلُّلِ من الأيمانِ .
فالعتقُ هُوَ الكفَّارةُ الأُولى فِي الوَطْءِ فِي نهارِ رمضانَ، وفي الظهارِ، وفي الأيمانِ، وفي القتلِ .
دينُ العزَّةِ وَالكرامةِ وَالمساواةِ :
فكيفَ - بعدَ هَذَا - يأتي الغربيُّونَ وَالمستغربُونَ فيَعِيبُونَ عَلَى الإسلامِ إقرارَهُ الرقَّ، ويتشدَّقُون بالحريَّةِ وَالمناداةِ بحقوقِ الإنسانِ، وهم الذين استعبَدُوا الشعوبَ، وأذلُّوا الأممَ، وَاسترقُّوهم فِي عُقْرِ دارِهم وأكلُوا أموالَهم، وَاستحلُّوا ديارَهم ؟!
أفيرفعُون رُءُوسَهم، وهم الذين يُعامِلُونَ بعضَ الطبقاتِ فِي بلادِهم أَدنى من معاملةِ العبيدِ؟!
فأينَ مساواةُ الإسلامِ مِمَّا تفعلُهُ أمريكا بالزنوجِ، الذي لا يُبَاحُ لهم دُخولُ المدارسِ، ولا تحلُّ لهم الوظائفُ، ويجعلونَهم وَالحيواناتِ سواسيةً ؟!
وأينَ رفقُ الإسلامِ وإحسانُهُ، مما يفعلُهُ الغربُ بأَسَارى الحربِ الذين لا يزالُون فِي المجاهلِ وَالمتاهاتِ وَالسجونِ المظلمةِ ؟!
وأينَ دولةُ الإسلامِ الرحيمةُ، التي جَعَلَت الناسَ عَلَى - اختلافِ طَبقاتِهم وأديانِهم وأجناسِهم - أُمَّةً وَاحدةً فِي مَا لَها وما عليها، مما فَعَلَتْهُ ((فرنسا)) المجرمةُ بأحرارِ الجزائرِ، فِي بلادِهم وبينَ ذويهم ؟! إنَّها دَعاوَى باطلةٌ .
بعد هَذَا، أَلَمْ يَأْنِ للمصلحينَ وَمُحِبِّي السلامِ أن يُبْعِدُوا عن أعينِهم الغشاوةَ، فيُرَاجِعُوا تعاليمَ الإسلامِ بتدبُّرٍ وإنصافٍ؛ لِيَجِدُوا ما فيهِ من سعادةِ الإنسانيَّةِ فِي حاضرِهِا ومستقبلِها ؟!!
اللهمَّ انصرْ دينَكَ، ووفِّقْ لهُ الدعاةَ المصلحينَ .
(245) الغريبُ :
شِرْكًا لهُ : بكسرِ الشينِ وسكونِ الراءِ : أي جزءًا ونصيبًا .
عَدْل : بفتحِ العينِ، وسكونِ الدالِ : أيْ من غيرِ زيادةٍ فِي قيمتِهِ، ولا نقصانٍ .
المعنى الإجماليُّ :
للشارعِ الحكيمِ الرحيمِ تشوُّفٌ إِلَى عتقِ الرِّقابِ من الرِّقِ، فقد حثَّ عليهِ، ورغَّبَ فيهِ، وجعلَهُ أَجَلَّ الكفَّاراتِ وأعْظَمَ الإحسانِ، وجعلَ لهُ من السِّرايةِ وَالنفوذِ، ما يُفَوِّتُ عَلَى مالكِ الرقيقِ رقَّهُ بغيرِ اختيارِهِ فِي بعضِ الأحوالِ، التي منها ما ذُكِرَ فِي هَذَا الحديثِ، وهي أنَّ مَنْ كَانَ لهُ شراكةٌ، ولو قليلةً، فِي عبدٍ، أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ أَعْتَقَ جزءًا منهُ، عَتَقَ نصيبُهُ بنفسِ الإعتاقِ .
فإن كَانَ المعتِقُ موسِرًا - بحيثُ يستطيعُ دَفْعَ قيمةِ نصيبِ شريكِهِ - عَتَقَ العبدُ كُلُّهُ: نصيبُهُ ونصيبُ شريكِهِ، وقُوِّمَ عليهِ نصيبُ شريكِهِ بقيمتِهِ التي يُساويها وأعطى شريكَه القيمةَ .
وإن لم يكنْ موسِرًا - بحيثُ لا يملكُ قيمةَ نصيبِ صاحبِهِ - فلا إضرارَ عَلَى صاحبِهِ، فَيَعْتَقُ نصيبُهُ فقط، ويبقى نصيبُ شريكِهِ رقيقًا كما كَانَ .
مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ :
1- جوازُ الاشتراكِ فِي العبدِ وَالأَمَةِ فِي المالِكِ .
2- إنَّ مَن أعتقَ نصيبَهُ عَتَقَ عليه، وعَتَقَ عليه أيضًا نصيبُ شريكِهِ إن كَانَ موسِرًا، وقُوِّمت عليه حِصَّةُ شريكِهِ بما يُساويهِ، وَدَفَعَ لهُ القيمةَ .
3- إنْ لم يكن الشريكُ المعتِقُ موسِرًا، فلا يَعْتَقُ نصيبُ شريكِهِ . وبعضُهم مَن يرى أنَّهُ يَعْتَقُ، ويَسْعَى العبدُ بالقيمةِ، ويأتي الخلافُ فيهِ .
4- أَنَّه إنْ مَلَكَ بعضَ قيمةِ نصيبِ شريكِهِ، عتقَ عليه بقدرِ ما عندَهُ من القيمةِ .
5- تَشَوُّفُ الشارعِ إِلَى عتقِ الرقابِ؛ إذ جَعَلَ للعتقِ هَذِه السرايةَ وَالنفوذَ .
(246) مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ :
معنى هَذَا الحديثِ تَقَدَّمَ فِي الذي قبلَهُ، إلَّا أنَّهُ زادَ تَسْعِيَةَ العبدِ عِنْدَ إعسارِ المُعْتِقِ، وإجمالُ معناهُ ما يأتي :
1- إنَّ مَن أَعْتَقَ شِرْكًا لهُ فِي عبدٍ، وكَانَ لهُ ما يَبْلُغُ ثمنَ العبدِ عَتَقَ عليهِ كُلُّهُ وقُوِّمَ عليه حِصَّةُ شريكِهِ بقدرِ قيمتِهِ .
2- فإنْ لم يكنْ لهُ مالٌ، عَتَقَ العبدُ أيضًا وطُلِبَ من العبدِ السَّعْيُ؛ لِيُحَصِّلَ للذي لم يَعْتَقْ نصيبُهُ مباشرةً، قيمةَ حِصَّتِهِ، ولا يُشَقُّ عليهِ فِي التحصيلِ، بل يُقَدِّرُ عليهِ أصحابُ الخِبْرَةِ قَدْرَ طاقتِهِ .
3- ظاهرُ الحديثينِ، هَذَا وَالذي قبلَهُ، الاختلافُ فِي عَتْقِ العبدِ كلِّهِ، مَعَ إعسارِ مباشرِ العتقِ وَاستسعاءِ العبدِ .
الجمعُ بينَ الحديثينِ :
دَلَّ الحديثُ الأَوَّلُ - فِي ظاهِرِهِ - عَلَى أنَّ مَن أعتقَ نصيبَهُ من عبدٍ مشترَكٍ، عَتَقَ نَصيبُهُ .
فإن كَانَ موسِرًا عَتَقَ باقِيهِ وغَرِمَ لشريكِهِ قيمةَ نصيبِهِ .
وإِنْ كَانَ معسِرًا لم يَعْتَقْ نصيبُ شريكِهِ، وصارَ العبدُ، مُبَعَّضًا، بعضُهُ حُرٌّ، وبعضُهُ رقيقٌ .
وَدَلَّ الحديثُ الثاني عَلَى أنَّ المباشرَ لعتقِ نصيبِهِ، إن كَانَ معسِرًا عَتَقَ العبدُ كلُّه أيضًا، ولكن يُسْتَسْعَى العبدُ بقدرِ قيمةِ نصيبِ الذي لم يُعْتِقْ وتُعْطَى له .
ذهبَ إِلَى الأخذِ بظاهرِ الحديثِ الأَوَّلِ، الأئمَّةُ : مالكٌ، وَالشافعيُّ، وأحمدُ فِي المشهورِ من مذهبِهِ، وأهلُ الظاهرِ .
ودليلُهم ظاهرُ الحديثِ وجَعَلُوا الزيادةَ فِي الحديثِ مُدْرَجَةً، وهي قولُهُ : ((فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ )) .
قال ابنُ حجرٍ فِي ((بلوغِ المرامِ )) : [وقيلَ : إنَّ السعايةَ مُدْرَجَةٌ] .
قال النسائيُّ : [بَلَغَنِي أنَّ هَمَّامًا رواهُ، فجعلَ هَذَا الكلامَ - أعني الاستسعاءَ - من قولِ قتادةَ ] وكذا قَالَ الإسماعيليُّ : [إنَّما هُوَ من قولِ قتادةُ، مُدْرَجٌ عَلَى ما روى همَّامٌ ] .
وجزمَ ابنُ المُنْذِرِ، وَالخطابيُّ بأَنَّه من فُتْيَا قتادةَ .
ولكن قَالَ صاحبُ شرحِ البلوغِ : [وقد رُدَّ جميعُ ما ذُكِرَ مِن إدراجِ السعايةِ باتفاقِ الشيخينِ عَلَى رفعِهِ، فإنَّهُما فِي أعلى درجاتِ الصحيحِ ] .
ولذا فإنَّهُ ذهبَ إِلَى الأخذِ بهذهِ الزيادةِ الإمامُ أحمدُ فِي إحدى الروايتينِ عنهُ، وَاختارَهَا بعضُ أصحابِهِ، ومنهم شيخُ الإسلامِ ((ابنُ تيميةَ)) و((ابنُ القيِّمِ)) وشيخُنَا ((عبدُ الرحمنِ آلُ سَعْدِي)) رحمهم اللهُ تعالى، وجمعَ بينَ الحديثينِ .
وصفةُ الجمعِ ما قالَهُ شارحُ بلوغِ المرامِ : [إنَّ معنى قولِهِ فِي الحديثِ الأَوَّلِ (وإلَّا لقدَ عَتَقَ مِنْهُ ما عَتَقَ ) أيْ بإعتاقِ مالكِ الحصَّةِ حصَّتَهُ، وحصَّةُ شريكِهِ تُعْتَقُ بالسعايةِ، فَيَعْتَقُ العبدُ بعدَ تسليمِ ما عليه، ويكونُ كالمكاتبِ وهَذَا هُوَ الذي جزمَ به البخاريُّ .
ويظهرُ أنَّ ذلكَ يكونُ باختيارِ العبدِ لقولِهِ : ((غيرَ مشقوقٍ عليهِ )) .
فلو كَانَ ذلكَ عَلَى جهةِ الإلزامِ، بأن يُكَلَّفَ العبدُ الاكتسابَ وَالطلبَ حتى يحصُلَ ذلكَ؛ لحصلَ لهُ بذلكَ غايةُ المشقةِ، وَهُوَ لا يَلْزَمُ في الكتابةِ ذلك عِنْدَ الجمهورِ؛ ولأَنَّهَا غيرُ وَاجبةٍ، فهَذَا مثلُها .
وإلى هَذَا الجمعِ ذهبَ البيهقيُّ وقال : لا تَبْقَى معارضةٌ بين الحديثينِ أصلًا .
وهو كما قَالَ : إلَّا أنَّهُ يلزمُ مِنْهُ أن يبقى الرِّقُّ فِي حِصَّةِ الشريكِ إذا لم يختر العبدُ السعايةَ .اهـ

محمد أبو زيد
11-17-2008, 06:22 PM
كتابُ الْعِتْقِ
425 - الحديثُ الأوَّلُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهمَا: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُِ عَليهِ وسلَّمَ قالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ: قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)).
الكلامُ عليْهِ من وجوهٍ:
الأوَّلُ: صِيغَةُ "مَنْ" للعمومِ. فَيَقْتَضِي دخولَ أصنافِ الْمُعْتِقِينَ في الْحُكْمِ المذكورِ، ومنهمْ المريضُ وقد اخْتُلِفَ في ذلكَ. فالشَّافعيَّةُ يَرَوْنَ أنَّه إن خرجَ من الثُّلُثِ جميعُ العبدِ قُوِّمَ عليْهِ نصيبُ الشَّريكِ، وعَتَقَ عليْهِ؛ لأنَّ تَصَرُّفَ المريضِ في ثُلُثِهِ: كَتَصَرُّفِ الصَّحيحِ في كُلِّهِ، ونَقَلَ أحمدُ: أنَّه لا يقومُ في حالِ المريضِ، وذَكَرَ قاضِي الجماعةِ -أبُو الوليدِ بنُ رُشْدٍ المالِكِيُّ عن ابنِ الْمَاجِشُونِ من المالكيَّةِ- فيمَن أَعْتَقَ حَظَّهُ من عبدٍ بينهُ وبينَ شريكِهِ في المرضِ: أنَّه لا يُقَوَّمُ عليْهِ نصيبُ شريكِهِ إلَّا من رأسِ مالِهِ، إن صَحَّ. وإن لم يَصِحَّ: لم يُقَوَّمْ في الثُّلُثِ على حالٍ، وعَتَقَ من حَظِّهِ وحدَهُ. والعمومُ كمَا ذَكَرْنَا يَقْتَضِي التَّقويمَ، وتخصيصُهُ بمَا يَحْتَمِلُهُ الثُّلُثُ: مأخوذٌ من الدَّليلِ الدَّالِّ على اختصاصِ تَصَرُّفِ المريضِ بالتبرُّعَاتِ في الثُّلُثِ.
الثَّانِي: العمومُ يدخلُ فيهِ المسلمُ والكافرُ. وللمالكيَّةِ تَصَرُّفٌ في ذلكَ. فإن كانَ الشَّريكانِ والعبدُ كُفَّارًا: لم يُلْزَمُوا بالتَّقويمِ. وإن كانَا مُسْلِمَيْنِ والعبدَ كافرًا: فالتَّقويمُ وإن كانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا والآخَرُ كافرًا. فإن أُعْتِقَ المسلمُ كُمِّلَ عليْهِ، كانَ العبدُ مسلمًا أو ذِمِيًّا. وإن أَعْتَقَ الكافرُ فقد اخْتَلَفُوا في التَّقويمِ على ثلاثةِ مذاهبَ: الْإِثْبَاتِ، والنَّفْيِ، والْفَرْقِ بَيْنَ أن يكونَ العبدُ مسلمًا. فيَلْزَمُ التَّقويمُ، وبَيْنَ أن يكونَ ذميًّا، فلا يَلْزَمُ. وإن كانَا كَافِرَيْنِ والعبدُ مسلمًا فروايَتَانِ. وللحنابِلَةِ أيضًا وجهانِ فيمَا إذا أَعْتَقَ الكافرُ نصيبَهُ من مسلمٍ، وهوَ مُوسِرٌ: هل يَسْرِي إلى بَاقِيهِ ؟:
وهذا التَّفصيلُ الَّذي ذَكَرْنَاهُ يَقْتَضِي تخصيصَ صُوَرٍ من هذه الْعُمُومَاتِ.
أَحَدُهَا: إذا كانَ الجميعُ كفَّارًا، وسببُهُ: مَا دَلَّ عندهُمْ على عدمِ التَّعَرُّضِ للكفَّارِ في خصوصِ الأحكامِ الفرعيَّةِ. وثانِيهَا: إذا كانَ الْمُعْتِقُ هوَ الكافرُ، على مذهبِ مَن يَرَى أن لا تقويمَ، أو لا تقويمَ إذا كانَ العبدُ كافرًا.
فأمَّا الأوَّلُ: فَيَرَى أنَّ المحكومَ عليهِ بالتَّقويمِ هو الكافرُ. ولا إلزامَ لهُ بأحكامِ فروعِ الإسلامِ. وأمَّا الثَّانِي: فَيَرَى أنَّ التقويمَ إذا كانَ العبدُ مسلمًا لِتَعَلُّقِ حقِّ الْعِتْقِ بالمسلمِ. وثالثُهَا: إذا كانَا كافريْنِ. والعبدُ مسلمًا على قولٍ. وسببُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ من تَعَلُّقِ حقِّ المسلمِ بِالْعِتْقِ.ْ
واعْلَمْ أنَّ هذه التخصيصاتِ: إن أُخِذَتْ من قاعدةٍ كُلِيَّةٍ لا مُسْتَنَدَ فيهَا إلى نَصٍّ مُعَيَّنٍ، فتحتاجُ إلى الاتِّفاقِ عليْهَا، وإثباتِ تلكَ القاعدةِ بدليلٍ. وإن اسْتَنَدَتْ إلى نَصٍّ مُعَيِّنٍ، فلا بدَّ من النَّظرِ في دلالتِهِ مع دلالةِ هذا العمومِ، ووجهِ الْجَمْعِ بينهمَا أو التَّعَارُضِ.
الثَّالثُ: إذا أَعْتَقَ أحدُهُمَا نصيبَهُ، ونصيبُ شريكِهِ مرهونٌ، ففي السِّرَايَةِ إلى نصيبِ الشَّريكِ اختلافٌ لأصحابِ الشَّافعِيِّ. وظاهرُ العمومِ: يَقْتَضِي التسوِيَةَ بَيْنَ المرهونِ وغيرِهِ. ولكنَّهُ ظاهرٌ، ليسَ بالشَّديدِ القوَّةِ. لأنَّه خارجٌ عن المعنَى المقصودِ بالكلامِ. لأنَّ المقصودَ إثباتُ السِّرَايَةِ إلى نصيبِ الشَّريكِ على الْمُعْتِقِ من حَيْثُ هوَ كذلكَ، لا معَ قيامِ المانعِ.
فالْمُخَالِفُ لظاهرِ العمومِ: يَدَّعِي قيامَ المانعِ من السِّرَايَةِ، وهوَ إبطالُ حقِّ الْمُرْتَهِنِ، ويُقَوِّيهِ بأنَّ تَنَاوُلَ اللَّفظِ لصُوَرِ قيامِ المانعِ غيرُ قويٍّ لأنَّه غيرُ المقصودِ.
والموافقُ لظاهرِ العمومِ: يَلْغِي هذا المعنَى بأنَّ الْعِتْقَ قد قَوِيَ على إبطالِ حقِّ المالكِ في الْعَيْنِ بالرجوعِ إلى القيمةِ فلَأنْ يَقْوَى على إبطالِ حقِّ الْمُرْتَهِنِ كذلكَ أَوْلَى. وإذا أَلْغَى المانعُ عملَ اللَّفظِ العامِّ عَمِلَهُ.
الرَّابعُ: كاتَبَا عبدًا. ثم أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نصيبَهُ: فيهِ من البحثِ مَا قَدَّمْنَاهُ من أمرِ العمومِ والتَّخصيصِ بحالةِ عدمِ المانعِ.
والمانعُ ههنَا: صيانةُ الكتابةِ عن الإبطالِ. وههنَا زيادةُ أمرٍ آخَرَ، وهوَ أن يكونَ لفظُ "العبدِ" عِنْدَ الإطلاقِ مُتَناوِلًا للْمُكَاتَبِ. ولا يَكْتَفِي في هذا بثبوتِ أحكامِ الرِّقِّ عليْهِ؛ لأنَّ ثبوتَ تلكَ الأحكامِ لا يَلْزَمُ منهُ تناولُ لفظِ "العبدِ" لهُ عِنْدَ الإطلاقِ. فإنَّ ذلكَ حُكْمٌ لَفْظِيٌّ يُؤْخَذُ من غَلَبَةِ استعمالِ اللَّفظِ. وقد لا يَغْلِبُ الاستعمالُ. وتكونُ أحكامُ الرِّقِّ ثابتةً. وهذا الْمَقَامُ إنَّما هوَ في إِدْرَاجِ هذا الشَّخصِ تَحْتَ هذا اللَّفظِ، وتَنَاوُلُ اللَّفظِ لهُ أقربُ.
الخامسُ: إذا أَعْتَقَ نصيبَهُ، ونصيبُ شريكِهِ مُدَبَّرٌ: فيهِ مَا تقدَّمَ من البحثِ، وتَنَاوُلُ اللَّفظِ ههنَا أقوَى من المكاتَبِ. ولهذا كانَ الأصحُّ من قَوْلَي الشَّافعيِّ عِنْدَ أصحابِهِ: أنَّه يقومُ عليْهِ نصيبُ الشَّريكِ. والمانعُ ههنَا: إبطالُ حقِّ الشَّريكِ من قُرْبَةِ مَهْدِ سبيلِهَا.
السَّادسُ: أَعْتَقَ نصيبَهُ من جَارِيَةٍ، ثَبَتَ الاستيلادُ في نصيبِ شريكِهِ منهَا. فالمانعُ من إعمالِ العمومِ ههنَا: أقوَى ممَّا تَقَدَّمَ؛ لأنَّ السِّرَايَةَ تَتَضَمَّنُ نَقْلَ الْمِلْكِ، وأمُّ الولدِ لا تَقْبَلُ نَقْلَ الْمِلْكِ من مِلْكٍ إلى مِلْكٍ عِنْدَ مَن يَمْنَعُ من بَيعِهَا وهذا أصحُّ وَجْهَي الشافعيَّةِ ومَن يَجْرِي على العمومِ يُلْغِي هذا المانعَ، بأنَّ الإعتاقَ وسِرَايَتَهُ كالإتلافِ، وإتلافُ أمِّ الولدِ يُوجِبُ القيمةَ، ويكونُ التَّقويمُ سبيلُهُ سبيلُ غرامةِ الْمُتْلَفَاتِ؛ وذلكَ يَقْتَضِي التَّخصيصَ بصُدُورِ أمرٍ يجعلُهُ إتلافًا.
السَّابعُ: العمومُ يَقْتَضِي أن لا فَرْقَ بَيْنَ عِتْقٍ مأذونٍ فيهِ، أو غيرِ مأذونٍ، وفَرَّقَ الحنفيَّةُ بَيْنَ الإعتاقِ المأذونِ فيهِ وغيرِ المأذونِ فيهِ. وقالُوا: لا ضمانَ في إعتاقِ المأذونِ فيهِ، كمَا لو قالَ لشريكِهِ: أَعْتِقْ نصيبَكَ.
الثَّامنُ: قولـُهُ عليْهِ السَّلامُ: "أَعْتَقَ" يَقْتَضِي صُدُورَ الْعِتْقِ منهُ، واختيارَهُ لـهُ. فيَثْبُتُ الْحُكْمُ حَيْثُ كانَ مُخْتَارًا. ويَنْتَفِي حَيْثُ لا اختيارَ، إمَّا من حَيْثُ المفهومِ، وإمَّا؛ لأنَّ السِّرَايَةَ على خلافِ القياسِ.فَتَخْتَصُّ بِمَوْرِدِ النَّصِّ، وإمَّا لِإِبْدَاءِ معنًى مناسبٍ يَقْتَضِي التَّخصيصَ بالاختيارِ: وهوَ أنَّ التَّقويمَ سبيلُهُ سبيلُ غرامةِ الْمُتْلَفَاتِ وذلكَ يَقْتَضِى التَّخصيصَ بصدورِ أمرٍ يجعلُهُ إتلافًا.
وههنَا ثلاثُ مراتِبَ:
مرتبةٌ لا إشكالَ في وَقْعِ الاختيارِ فيهَا، ومَرْتَبَةٌ لا إشكالَ في عدمِ الاختيارِ فيهَا. ومرتبةٌ مُتَرَدِّدَةٌ بينهمَا.
أمَّا المرتبةُ الْأُولَى: فإصدارُ الصِّيغةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْعِتْقِ بنفسِهَا. ولا شكَّ في دخولِهَا في مدلولِ الحديثِ.
وأمَّا المرتبةُ الثَّانيةُ: فمثالُهَا: مَا إذا وَرِثَ بعضَ قريبِهِ، فَعَتَقَ عليْهِ ذلكَ البعضَ. فلا سِرَايَةَ ولا تقويمَ عِنْدَ الشافعيَّةِ. ونصَّ عليْهِ أيضًا بعضُ مُصَنِّفِي مُتَأَخِّرِي المالكيَّةِ والحنفيَّةِ، لعدمِ الاختيارِ في الْعِتْقِ وسببِهِ معًا.
وعنْ أحمدَ روايةٌ أنَّه يَعْتِقُ عليْهِ نصيبَ الشَّريكِ، إذا كانَ مُوسِرًا. ومن أمثلتِهِ: أن يُعَجِّزَ الْمُكَاتَبُ نفسَهُ، بعدَ أن اشترَى شِقْصًا يَعْتِقُ على سِيِّدِهِ. فإنَّ الْمِلْكَ والْعِتْقَ يَحْصُلُ بغيرِ اختيارِ السيِّدِ. فهوَ كالإرثِ.
وأمَّا المرتبةُ الثَّالثةُ الْوُسْطَى: فهيَ مَا إذا وُجِدَ سببُ الْعِتْقِ باختيارِهِ. وهذا أيضًا تختلفُ رُتَبُهُ. فمنهُ مَا يَقْوَى فيهِ تنزيلُ مباشرةِ السَّببِ مَنْزِلَةَ مباشرةِ الْمُسَبَّبِ، كقولِـهِ لبعضِ قريبِهِ في بيعٍ أو هِبَةٍ أو وَصِيَّةٍ. وقد نَزَّلَهُ الشَّافعيَّةُ منزلةَ المباشِرِ. وقد نصَّ عليْهِ أيضًا بعضُ المالكيَّةِ في الشِّراءِ والْهِبَةِ. وينبغِي أن يكونَ من ذلكَ تَمْثِيلُهُ بعبدِهِ، وعندَ مَن يَرَى الْعِتْقَ بِالْمُثلَةِ. وهوَ مالكٌ وأحمدُ. ومنهُ مَا يَضْعُفُ عن هذا. وهوَ تعجيزُ السيِّدُ الْمُكَاتَبَ، بعدَ أن اشترَى شِقْصًا ممَّن يَعْتِق على سَيِّدِهِ. فَانْتَقَلَ إليهِ الْمِلْكُ بالتَّعجيزِ الَّذي هوَ سببُ الْعِتْقِ، فإنَّهُ لمَّا اختارَهُ كانَ كاختيارِهِ لسببِ الْعِتْقِ بالشراءِ وغيرِهِ. وفيهِ اختلافٌ لأصحابِ الشافعيِّ.
ووجهُ ضَعْفِ هذا عن الأوَّلِ: أنَّه لم يَقْصِد التملُّكَ. وإنَّما قَصَدَ التَّعجيزَ. وقد حَصَلَ الْمِلْكُ فيه ضِمْنًا، إلَّا أنَّ هذا ضعيفٌ. والأوَّلُ أقوَى.
التَّاسعُ: الحديثُ يَقْتَضِي الاختيارَ في الْعِتْقِ. وقد نَزَّلُوا مَنْزِلَتَهُ الاختيارَ في سببِ الْعِتْقِ على الوجهِ الَّذي قَدَّمْنَاهُ. ولا يَدْخُلُ تحتَهُ اختيارُ مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ عليْهِ بالْعِتْقِ. ففرقٌ بَيْنَ اختيارِهِ مَا يُوجِبُ الْعِتْقَ في نفسِ الأمرِ، وبينَ اختيارِهِ مَا يُوجِبُه ظاهراً.
فعلى هذا إذا قالَ أحدُ الشَّريكيْنِ لصاحبِهِ: قد أَعْتَقْتُ نصيبَكَ -وهمَا مُعْسِرَانِ عِنْدَ هذا القولِ- ثم اشترَى أحدُهُمَا نصيبَ صاحبِهِ. فإنَّه يُحْكَمُ بِعِتْقِ النَّصيبِ الْمُشْتَرَى، مُؤَاخَذَةً للمشترِي بإقرارِهِ. وهل يَسْرِي إلى نصيبِهِ ؟
مُقْتَضَى مَا قَرَّرْنَاهُ: أن لا يَسْرِيَ؛ لأنَّه لم يَخْتَرْ مَا يُوجِبُ الْعِتْقَ في نفسِ الأمرِ، وإنَّما اختارَ مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بهِ ظاهرًا.
وقالَ بعضُ الفقهاءِ مَن الحنابلَةِ: يُعْتَقُ جميعُهُ. وهوَ ضعيفٌ.
العاشرُ: الظَّاهرُ أنَّ المرادَ بالْعِتْقِ عِتْقُ التَّنْجِيزِ. وأجرَى الفقهاءُ مَجْرَاهُ: التَّعليقَ بالصفةِ، مع وجودِ الصفةِ. وأمَّا الْعِتْقُ إلى أجَلٍ فَاخْتَلَفَ المالكيَّةُ فيهِ. فالمنقولُ عن مالكٍ وابنِ القاسمِ: أنَّه يُقَوَّمُ عليْهِ الآنَ. فَيَعْتِقُ إلى أجلٍ. وقالَ سُحْنُوْنٌ: إن شاءَ الْمُتَمَسِّكُ قَوَّمَ السَّاعةَ، فكانَ جميعُهُ حُرًّا إلى سنةٍ مثلًا، وإن شاءَ تَمَاسَكَ. وليسَ لهُ بَيْعُهُ قبلَ السَّنةِ، إلَّا من شريكِهِ. وإذا تَمَّت السَّنَةُ قُوِّمَ على مُبْتَدَئِ الْعِتْقِ عِنْدَ التَّقويمِ.
الحادِي عشَرَ: "الشِّرْكُ" في الأصلِ هوَ مصدرٌ لا يقبلُ الْعِتْقَ. وأُطْلِقَ على مُتَعَلَّقِهِ. وهوَ الْمُشْتَرِكُ. ومعَ هذا لا بدَّ من إضمارٍ، تقديرُهُ "جُزْءُ مُشْتَرِكٍ" أو مَا يُقَارِبُ ذلكَ؛ لأنَّ الْمُشْتركَ في الحقيقةِ: هوَ جملةُ الْعَيْنِ، أو الجزءُ الْمُعَيَّنُ منهَا إذا أُفْرِدَ بالتَّعيِينِ، كاليدِ والرِّجْلِ مَثلًا. وأمَّا النَّصيبُ الْمُشَاعُ: فلا اشتراكَ فيهِ.
الثَّانِي عشَرَ: يَقْتَضِي الحديثُ: أن لا يُفَرَّقَ في الجزءِ الْمُعْتَقِ بَيْنَ القليلِ والكثيرِ، لأجلِ التَّنْكِيرِ الواقعِ في سياقِ الشَّرطِ.
الثَّالثَ عشَرَ: إذا أَعْتَقَ عُضْوًا مُعَيَّنًا -كاليدِ والرِّجْلِ- اقْتَضَى الحديثُ ثبوتَ الْحُكْمِ المذكورِ فيهِ. وخلافُ أبِي حنيفةَ في الطَّلاقِ جارٍ ههنَا، وتَنَاوُلُ اللَّفظِ لهذه الصورةِ أقوَى من تَنَاوُلِهِ للجزءِ الْمُشَاعِ، على مَا قَرَّرْنَاهُ؛ لأنَّ الجزءَ الَّذي أُفْرِدَ بالْعِتْقِ مُشْتَرِكٌ حقيقةً.
الرَّابعَ عشَرَ: يَقْتَضِي أن يكونَ الْمُعْتِقُ جزءًا من الْمُشْتَرِكِ. فَيَتَصَدَّى النظرُ فيمَا إذا أَعْتَقَ الجنينَ: هل يَسْرِي إلى الأمِّ؟.
الخامسَ عشَرَ: قولـُهُ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: "لَهُ" يَقْتَضِي أن يكونَ الْعِتْقُ منهُ مُصَادِفًا لنصيبِهِ. كقولـِهِ: أَعْتَقْتُ نصيبِي من هذا العبدِ، فعلى هذا لو قالَ: أَعْتَقْتُ نصيبَ شريكِي: لم يُؤَثِّرْ في نصيبِهِ. ولا في نصيبِ الشَّريكِ على المذهبيْنِ. فلو قالَ للعبدِ الَّذي يَمْلِكُ نصفَهُ: "نِصْفُكَ حُرٌّ" أو أَعْتَقْتُ نِصْفَكَ، فهلْ يُحْمَلُ على النَّصفِ الْمُخْتَصِّ بهِ، أو يُحْمَلُ على النصفِ شائعًا؟ فيهِ اختلافٌ لأصحابِ الشَّافعيِّ. وعلى كلِّ حالٍ: فقد عَتَقَ: إمَّا كلَّ نصيبِهِ، أو بعضَهُ؛ فهوَ داخلٌ تَحْتَ الحديثِ.
السَّادسَ عشَرَ: هذه الرِّوايةُ تَقْتَضِي ثبوتَ هذا الْحُكْمِ في العبدِ، والْأَمَةُ مِثْلُهُ. وهوَ بالنِّسبةِ إلى هذا اللَّفظِ قياسٌ في معنَى الأصلِ الَّذي لا يَنْبَغِي أن يُنْكِرَهُ مُنْصِفٌ، غيرَ أنَّه قد وَرَدَ مَا يَقْتَضِي دخولَ الْأَمَةِ في اللَّفظِ، فإنَّهُم اخْتَلَفُوا في الرِّوايةِ. فقالَ الْقَعْنَبِيُّ: عن مالكِ عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهمَا: "فِي مَمْلُوكٍ". وكذلكَ جاءَ في روايةِ أَيُّوبَ عن نافعٍ.
وأمَّا عُبَيْدُ اللهِ عن نافعٍ: فاختلَفُوا عليهِ. ففي روايةِ أسامةَ وابنِ نُمَيْرٍ عنهُ: "فِي مَمْلُوكٍ" كمَا في روايةِ الْقَعْنَبِيِّ عن مالكٍ. وفى روايةِ بِشْرِ بنِ الْمُفَضَّلِ، عن عُبَيْدِ اللهِ: "فِي عَبْدٍ" وفي بعضِ هذهِ الرِّواياتِ عمومٌ. وجاءَ مَا هو أقوَى من ذلكَ في روايةِ موسَى بنِ عُقْبَةَ عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ "أنَّهُ كَانَ يَرَى فِي الْعَبْـدِ والْأَمَـةِ يَكُونُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، فَيَعْتِقُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْهُ، يَقُولُ: قَدْ وَجَبَ عليْهِ عِتْقُهُ كلُّهُ" وفى آخـِرِ الحديثِ: "يُخْبِرُ بذلكَ ابنُ عمرَ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ" وكذلكَ جـاءَ في روايةِ صخـرِ بنِ جُوَيْرِيَةَ، عن نافـعٍ: "بِذِكْرِ العبدِ والْأَمَةِ" قريبًا ممَّا ذَكَرْنَاهُ من روايةِ موسَى. وفى آخـِرِهِ "رَفَعَ الحديثَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ".
السَّابعَ عشَرَ: قولـُهُ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: "وَكَانَ لَهُ مَالٌ" إن كانَ بالفاءِ "فَكَانَ لَهُ مَالٌ" اقْتَضَى ذلكَ أن يكونَ الْيَسَارُ مُعْتَبَرًا في وقتِ الْعِتْقِ، وإن كانَ بالواوِ "وَكَانَ" احْتُمِلَ أن يكونَ للحالِ، فيكونَ الأمرُ كذلكَ.
الثَّامنَ عشَرَ: قولـُهُ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: "لَهُ مَالٌ" يَخْرُجُ عنه مَن لا مالَ لهُ، وبهِ قالَ الشَّافعيَّةُ فيمَا إذا أَوْصَى أحدُ الشَّريكيْنِ بإعتاقِ نصيبِهِ بعدَ موتٍ. فَأُعْتِقَ بعدَ مَوْتِهِ. فلا سِرَايَةَ، وإن خرجَ كلُّهُ من الثُّلثِ؛ لأنَّ المالَ يَنْتَقِلُ بالموتِ إلى الوارثِ. ويَبْقَى الْمَيِّتُ لا مالَ لهُ. ولا يقومُ على مَن لا يَمْلِكُ شيئًا وقتَ نُفُوذِ الْعِتْقِ في نصيبِهِ. وكذلكَ لو كانَ يِمْلِكُ كلَّ العبدِ فَأَوْصَى بِعِتْقِ جزءٍ منهُ فَأُعْتِقَ منهُ: لم يَسْرِ. وكذا لو دَبَّرَ أحدُ الشَّريكيْنِ نصيبَهُ، فقالَ: إذا مِتُّ فنصيبِي منكَ حُرٌّ. وكلُّ هذا جَارٍ على مَا ذَكَرْنَاهُ عِنْدَ مَن قالَ بهِ. وظاهرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ المالكيَّةِ فيمَن قالَ: إذا مِتُّ فَنَصِيبِي منكَ حُرٌّ: أنَّه لا يَسْرِي. وقيلَ: إنَّه يُقَوَّمُ في ثُلُثِهِ، وجَعَلََهُ مُوسِرًا بعدَ الموتِ.
التَّاسعَ عشَرَ: أَطْْلَقَ "الثَّمَنَ" في هذه الرِّوايَةِ. والمرادُ القيمةُ؟ فإنَّ: "الثَّمَنَ" مَا اشْتُرِيَتْ بهِ الْعَيْنُ. وإنَّما يَلْزَمُ بالقيمةِ لا بالثمنِ. وقد تَبَيَّنَ المرادُ في روايةِ بِشْرِ بنِ الْمُفَضَّلِ عن عُبَيْدِ اللهِ: "مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ. يُقَوَّمُ عليْهِ قيمةَ عَدْلٍ" وفي روايةِ عمرو بنِ دينار عن سالمٍ عن أبيهِ: "أَيُّمَا عَبْدٍ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ. فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بِأَعْلَى الْقِيمَةِ -أو قَالَ- قِيمَةٍ، ولا وَكْسَ ولا شَطَطَ".
وفي روايةِ أيُّوبَ: "مَنْ كَانَ لَهُ مِن الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ"، وفي روايةِ موسَى "يُقَامُ وَمَالُهُ قِيمَةَ الْعَدْلِ" وفي هذا يُبَيِّنُ: أنَّ المرادَ بالثَّمنِ القيمةُ.
العشرونَ: قولـُهُ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: "مَا يْبَلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ" يَقْتَضِي تعليقَ الْحُكْمِ في مالٍ يَبْلُغُ ثَمَنَ العبدِ. فإذا كانَ المالُ لا يَبْلُغُ كَمَالِ القيمةِ، ولكنْ قيمةَ بعضِ النَّصيبِ، ففي السِّرَايَةِ وجهَانِ لأصحابِ الشَّافعيِّ، فَيُمْكِنُ أن يَسْتَدِلَّ بهِ مَن لا يَرَى السِّرَايَةَ بمفهومِ هذا اللَّفظِ. ويُؤَيِّدُهُ بأنَّ في السِّرَايَةِ تبعيضًا لِمِلْكِ الشَّريكِ عليْه ِ. والأصحُّ عندَهُم السِّرَايَةُ إلى الْقَدْرِ الَّذي هوَ مُوسِرٌ بهِ، تَحْصِيلًا للحريَّةِ بِقَدْرِ الإمكانِ. والمفهومُ في مِثْلِ هذا ضعيفٌ.
الحادِي والعشرونَ: إذا مَلَكَ مَا يَبْلُغُ كمالَ القيمةِ، إلَّا أنَّ عليه دَيْنًا يساوِي ذلكَ، أو يزيدُهُ عليْهِ: فهلْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ في السِّرَايَةِ والتَّقويمِ ؟ فيهِ الخلافُ الَّذي في مَنْعِ الدَّيْنِ الزَّكاةَ. ووجهُ الشَّبهِ بينَهُمَا: اشتراكُهُمَا في كوْنِهَا حقًّا للهِ، معَ أنَّ فيهَا حقًّا للآدمِيِّ. ويمكنُ أن يَسْتَدِلَّ بالحديثِ مَن لا يَرَى الدَّيْنَ مانعًا ههنَا أَخْذًا بالظَّاهرِ، ومَن يَرَى الدَّيْنَ مانعًا يُخَصِّصُ هذه الصُّورةَ بالمانعِ الَّذي يُقَيِّمُهُ فيهَا خَصْمُهُ. والمالكيَّةُ على أصلِهِمْ: في أنَّ مَن عليهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ مالِهِ: فهوَ مُعْسِرٌ.
والثَّانِي والعشرونَ: يَقْتَضِي الخبرُ أنَّه مهمَا كانَ للمعتقِ مَا يَفِي بقيمةِ نصيبِ شريكِهِ فَيُقَوَّمُ عليْهِ، وإن لم يَمْلِكْ غيرَهُ. هذا الظَّاهرُ.
والشَّافعيَّةُ أَخْرَجُوا قُوتَ يومِهِ، وقُوتَ مَن تَلْزَمُهُ نفقتُهُ، ودَسْتَ ثَوْبٍ، وسُكْنَى يومٍ. والمالكيَّةُ اختلَفُوا: فقيلَ باعتبارِ قُوتِ الأيَّامِ، وكِسْوَةِ ظَهْرِهِ، كمَا في الدُّيونِ الَّتي عليْهِ، ويُبَاعُ منزلُهُ الَّذي يسكنُ فيه وشَوارُ بيتِهِ. وقالَ أشهبُ منهُمْ: إنَّما يُتْرَكُ لهُ مَا يُوَارِيهِ لصلاتِهِ.
الثَّالثُ والعشرونَ: اختلفَ العلماءُ في وقتِ حصولِ الْعِتْقِ عِنْدَ وجودِ شرائطِ السِّرَايَةِ إلى الباقِي. وللشَّافعيِّ ثلاثةُ أقوالٍ:
أحدُهَا -وهوَ الأصحُّ عِنْدَ أصحابِهِ-: أنَّه يَحْصُلُ بنفسِ الإعتاقِ. وهيَ روايةٌ عن مالكٍ.
الثَّانِي: أنَّ الْعِتْقَ لا يَحْصُلُ إلَّا إذا أَدَّى نصيبَ الشَّريكِ. وهذا ظاهرُ مذهبِ مالكٍ.
الثَّالثُ: أن يَتَوَقَّفَ. فإن أَدَّى القيمةَ بانَ حصولُ العتقِ من وقتِ الإعتاقِ، وإلَّا بَانَ أنَّه لم يُعْتِقْ. وألفاظُ الحديثِ المذكورِ مُخْتَلِفَةٌ عِنْدَ الرُّوَاةِ: ففي بعضِهَا قوَّةٌ لمذهبِ مالكٍ. وفي بعضِهَا ظهورُ لمذهبِ الشَّافعيِّ. وفي بعضِهَا احتمالٌ مُتَقَارِبٌ.
وألفاظُ هذه الرِّوايةِ تُشْعِرُ بما قالَهُ مالكٌ: وقد اسْتَدَلَّ بهَا على هذا المذهبِ؛ لأنَّها تَقْتَضِي ترتيبَ التَّقويمِ على عِتْقِ النَّصيبِ، وتَعَقُّبِ الإعطاءِ وعِتْقِ الباقِي للتقويمِ. فهذا التَّرتيبُ بَيْنَ الإعطاءِ وعتقِ الباقِي للتقويمِ.
فالتقويمُ إمَّا أن يكونَ راجعًا إلى ترتيبٍ في الوجودِ، أو إلى تَرَتُّبٍ في الرُّتْبَةِ، والثَّانِي: باطلٌ؛ لأنَّ عِتْقَ النصيبِ الباقِي -على قولِ السِّرَايَةِ- بنفسِ إعتاقِ الأوَّلِ؛ إمَّا معَ إعتاقِ الأوَّلِ، أو عَقِيبَهُ.
فالتَّقويمُ إن أُرِيدَ بهِ الأمرُ الَّذي يُقَوِّمُ بهِ الحاكمُ والْمُقَوِّمُ: فهوَ متأخرٌ في الوجودِ عن عِتْقِ النَّصيبِ والسِّرَايَةِ معًا. فلا يكونُ عِتْقُ نصيبِ الشَّريكِ مُرَتَّبًا على التَّقويمِ في الوجودِ، معَ أنَّ ظاهرَ اللَّفظِ يَقْتَضِيهِ.
وإن أُرِيدَ بالتقويمِ: وجوبُ التقويمِ معَ مَا فيهِ من الْمَجَازِ. فالتقويمُ بهذا التفسيرِ معَ الْعِتْقِ الأوَّلِ يَتَقَدَّمُ على الإعطاءِ وعِتْقِ الباقِي. فلا يكونُ عِتْقُ الباقِي مُتَأخِّرًا عن التَّقويمِ على هذا التَّفسيرِ، لكنَّه مُتَأَخِّرٌ على مَا دَلَّ عليْهِ ظاهرُ اللَّفظِ.
وإذا بَطَلَ الثَّانِي تَعَيَّنَ الأوَّلُ. وهوَ أن يكونَ عِتْقُ الباقِي راجعًا إلى التَّرتيبِ في الوجودِ، أيْ يقعُ أوَّلًا التقويمُ ثمَّ الإعطاءُ وعِتْقُ الباقِى. وهوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مالكٍ.
إلَّا إنَّه يَبْقَى على هذا احتمالٌ أن يكونَ "وعَتَقَ" معطوفًا على "قُوِّمَ" لا على "أَعْطَى" فلا يَلْزَمُ تأخُّرُ عتقِ الباقِي على الإعطاءِ، ولا كونُهُ معَهُ في درجةٍ واحدةٍ.
فعليكَ بالنَّظرِ في أرجحِ الاحتماليْنِ. أعنِي عطفَهُ على "أَعْطَى" أو عَطْفَهُ على "قُوِّمَ".
وأقوَى منهُ: روايةُ عمرِو بنِ دينارٍ، عن سالمٍ، عن أبيهِ؛ إذ فيهَا: "فَكَانَ مُوسِرًا فَإنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بِأَعْلَى الْقِيمَةِ، أو قالَ: -قيمةٍ- وَلَا وَكْسَ َوَلَا شَطَطَ ثُمَّ يُقَوَّمُ لِصَاحبِهِ حِصَّتُهُ ثُمَّ يَعْتِقُ" فجاءَ بلفظة "ثُمَّ" الْمُقْتَضِيَةِ لترتيبِ الْعِتْقِ على الإعطاءِ والتقويمِ.
وأمَّا مَا يَدُلُّ ظاهرُهُ للشَّافعيِّ: فروايةَ حَمَّادِ بنِ زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: "مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مِن الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فَهُوَ عَتِيقٌ" وأمَّا مَا في روايةِ بِشْرِ بنِ الْمُفَضَّلِ، عن عُبَيْدِ اللهِ فما جاءَ فيهَا: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ، إنْ كَانَ لِلَّذِي عَتَقَ نَصِيبَهُ مِن المالِ: مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَيَدْفَعُ إِلَى شُرَكَائِهِ أَنْصِبَاءَهُمْ، وُيَخَلَّى سِبِيلُهُ".
فإنَّ في أوَّلِهِ: مَا يُسْتَدَلُّ بهِ لمذهبِ الشَّافعيِّ؛ لقولِهِ "فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ " فإنَّ ظاهرَهُ يَقْتَضِي: تعقيبَ عِتْقِ كلِّهِ لإعتاقِ النَّصيبِ. وفي آخرِهِ: مَا يَشْهَدُ لمذهبِ مالكٍ. فإنَّه قالَ: "يُقَوَّمُ قِيمةَ عَدْلٍ فَيَدْفَعُ" فَأَتْبَعَ إعتاقَ النَّصيبِ للتَّقويمِ ودَفْعِ القيمةِ للشركاءِ عَقِيبَ التقويمِ. وذَكَرَ تَخْلِيَةَ السَّبيلِ بعدَ ذلكَ بالواوِ.
والَّذي يظهرُ لي في هذا: أن يُنْظَرَ إلى هذه الطُّرقِ ومخارجِهَا. فإذا اخْتَلَفَت الرِّواياتُ في مخرجٍ واحدٍ أَخَذْنَا بالأكثرِ فالأكثرِ، أو بالأحفظِ فالأحفظِ. ثم نظرْنَا إلى أقربِهَا دلالةً على المقصودِ فعُمِلَ بهَا.
وأقوَى مَا ذكرْنَاهُ لمذهبِ مالكٍ لفظةُ: "ثُمَّ" وأقوَى مَا ذكرْنَاهُ لمذهبِ الشَّافعيِّ: روايةُ حَمَّادٍ، وقولُهُ: "مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مِن الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فَهُوَ عَتِيقٌ " لكنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ المرادُ: أنَّ مَآلَهُ إلى الْعِتْقِ، أو أنَّ الْعِتْقَ قد وَجَبَ لهُ وتَحَقَّقَ.
وأمَّا قضيةُ وجوبِهِ بالنِّسبةِ إلى تعجيلِ السِّرَايَةِ، أو تَوَقُّفِهَا على الأداءِ: فَمُحْتَمَلٌ.
فإذا آلَ الحالُ إلى هذا، فالواجبُ النَّظرُ في أقوَى الدَّليليْنِ، وأظهرِهِمَا دلالةً ثم على تراخِي الْعِتْقِ عن التَّقويمِ والإعطاءِ أو دلالةِ لفظةِ "عَتِيقٍ" على تَنْجِيزِ الْعِتْقِ. هذا بعدَ أن يَجْرِيَ مَا ذكرْنَاهُ من اعتبارِ اختلافِ الطُّرقِ، أو اتفاقِهَا.
الرَّابعُ والعشرونَ: يُمْكِنُ أن يَسْتَدِلَّ بهِ مَن يَرَى السِّرَايَةَ بنفسِ الإعتاقِ، على عكسِ مَا قَدَّمْنَاهُ في الوجهِ قبلَهُ. وطريقُهُ أن يُقَالَ: لو لم تَحْصُل السِّرَايَةُ بنفسِ الإعتاقِ، لمَا تَعَيَّنَت القيمةُ جزاءً للإعتاقِ، لكن تَعَيَّنَتْ: فالسِّرَايَةُ حاصلةٌ بالإعتاقِ.
بيانُ الْمُلَازَمَةِ: أنَّه إذا تأخَّرَت السِّرايةُ عن الإعتاقِ، وتوقَّفَتْ على التَّقويمِ، فإذا أعتقَ الشَّريكُ الآخرُ نصيبَهُ نَفَذَ. وإذا نَفَذَ فلا تقويمَ، فلو تأخَّرَت السِّرَايَةُ لم يَتَعَيَّن التَّقويمُ، لكنَّها مُتَعَيَّنَةٌ للحديثِ.
الخامسُ والعشرونَ: اخْتَلَفَ الحنفيَّةُ في تَجَزِّي الإعتاقِ، بعدَ اتفاقِهِمْ على عدمِ تَجَزِّي الْعِتْقِ. فأبُو حنيفةَ يَرَى التَّجَزِّي في الإعتاقِ، وصاحبَاهُ لا يَرَيَانِهِ.
وانْبَنَى على مذهبِ أبِي حنيفةَ: أنَّ للسَّاكتِ أنْ يَعْتِقَ إبقاءً لِلْمِلْكِ، ويَضْمَنَ شريكَهُ؛ لأنَّه جَنَى على مِلْكِهِ بالإفسادِ. واسْتَسْعَى العبدَ؛ لأنَّهُ مَلَكَهُ. وهذا في حالِ يَسَارِ الْمُعْتِقِ. فإن كانَ في حالِ إعسارِهِ. سقطَ التَّضمِينُ. وبَقِيَ الأمرانِ الآخرانِ.
وعندَ أبى يوسفَ ومحمَّدٍ: لمَّا لم يَتَجَزَّأ الإعتاقُ عَتَقَ كُلُّهُ، ولا يَمْلِكُ إعتاقَهُ، ولهمَا أن يَسْتَدِلَّا بالحديثِ من جهةِ مَا ذكرْنَاهُ من تَعَيُّنِ القيمةِ فيهِ. ومعَ تَجَزِّي الإعتاقِ لا تَتَعَيَّنُ القيمةُ.
السَّادسُ والعشرونَ: الحديثُ يَقْتَضِي وجوبَ القيمةِ على الْمُعْتِقِ للنَّصيبِ: إمَّا صريحًا، كمَا في بعضِ الرِّواياتِ: "يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ، فَيَدْفَعُ لِشُرَكَائِهِ حِصَصَهُمْ" وإمَّا دلالةً سياقيَّةً لا يُشَكُّ فيهَا، كمَا في روايةٍ أخرَى. وهذا يَرُدُّ مذهبَ مَن يَرَى أنَّ باقِيَ العبدِ يُعْتَقُ من بيتِ مالِ المسلمينَ. وهوَ قولٌ مَرْوِيٌّ عن ابنِ سِيرِينَ، مُقْتَضَاهُ: التَّقويمُ على الْمُوسِرِ.
وذَكَرَ بعضُهُمْ قولًا آخَرَ: أنَّه يَنْفَذُ عِتْقُ مَن أَعَتْقَ. ويَبْقَى مَن لم يُعْتِقْ على نصيبِهِ، يفعلُ فيه مَا شاءَ، ورُوِيَ في ذلكَ عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، قالَ: كانَ بينِي وبينَ الأسودِ غلامٌ، شَهِدَ القادسيَّةَ، وأَبْلَى فيهَا. فأرادُوا عِتْقَهُ. وكنْتُ صغيرًا. فذَكرَ ذلكَ الأسودُ لعمرَ، فقالَ: أَعْتِقَوا أنتمْ، ويكونُ عبدُ الرحمنِ على نصيبِهِ حتى يَرْغَبَ في مِثْلِ مَا رَغِبْتُمْ فيهِ، أو يَأْخُذَ نصيبَهُ. وفي روايةٍ عن الأسودِ قالَ: كانَ لِي ولإخوتِي غلامٌ أَبْلَى يومَ القادسيَّةِ. فأردْتُ عِتْقَهُ لِمَا صَنَعَ، فذكرْتُ ذلكَ لعمرَ، فقالَ: لا تُفْسِدْ عليهِمْ نصيبَهُمْ حتِّى يَبْلُغُوا. فإن رَغِبُوا فيمَا رَغِبْتَ فيهِ، وإلَّا لم تُفْسِدْ عليهِمْ نصيبَهُمْ" فقالَ بعضُهُمْ: لو رَأَى التَّضمينَ لم يكنْ ذلكَ إفسادًا لنصيبِهِمْ، والإسنادُ صَحيحٌ، غيرَ أنَّ في إثباتِ قولٍ بعدمِ التَّضمينِ عِنْدَ الْيَسَارَ بهذا نَظَرٌ مَا.
وعلى كلِّ تقديرٍ: فالحديثُ يَدُلُّ على التَّقويمِ عِنْدَ الْيَسَارِ المذكورِ فيهِ.
السَّابعُ والعشرونَ: "قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ" يَدُلُّ على إعمالِ الظُّنُونِ في بابِ الْقِيَمِ. هوُ أمرٌ مُتَّفَقٌ عليْهِ. لامتناعِ النَّصِّ على الجزئيَّاتِ من الْقِيَمِ في طولِ مدَّةِ الزمانِ.
الثامنُ والعشرونَ: اسْتُدِلَّ بهِ على أنَّ ضمانَ الْمُتْلَفَاتِ الَّتي ليسَتْ من ذواتِ الأمثالِ بالقيمةِ، لا بالمثلِ صورةٌ.
التَّاسعُ والعشرونَ: اشتراطُ قيمةِ الْعَدْلِ: يَقْتَضِي اعتبارَ مَا تَخْتَلِفُ بهِ القيمةُ عُرْفًا من الصِّفاتِ الَّتي يعتبرُهَا النَّاسُ.
الثلاثونَ: فيهِ التَّصريحُ بِعِتْقِ نصيبِ الشَّريكِ الْمُعْتِقِ بعدَ إعطاءِ شُرَكَائِهِ حصصَهُمْ. قالَ يونسُ -هوَ ابنُ يزيدَ- عن ربيعةَ: سألْتُهُ عن عبدٍ بَيْنَ اثنيْنِ فأَعْتَقَ أحدُهُمَا نصيبَهُ من العبدِ؟ فقالَ ربيعةُ: عِتْقُهُ مردودٌ: فقد حُمِلَ على أنَّه يمنعُ عِتْقَ الْمَشَاعَ.
[الحادِي والثَّلاثونَ: ظاهرُهُ تعليقُ الْعِتْقِ بإعطاءِ شُرَكَائِهِ حصصَهُمْ؛ لأنَّه رُتِّبَ على الْعِتْقِ التَّقـويمُ بالفاءِ. ثم على التَّقويمِ بالفاءِ الإعطاءُ والْعِتْقُ. وعلى قولِنَا: إنَّه يَسْرِي بنفسِ الْعِتْقِ: لا يَتَوَقَّفُ الْعِتْقُ على التَّقويمِ والإعطاءِ.
وقد اختلفُوا في ذلكَ على ثلاثةِ أقوالٍ: أحدُهَا: أنَّه يَسْرِي إلى نصيبِ الشَّريكِ بنفسِ الْعِتْقِ. والثَّانِي: يَعْتِقُ بإعطاءِ القيمةِ. والثَّالثِ: أنَّه موقوفٌ. فإن أعطَى القيمةَ ثَبَتَت السِّرَايَةُ من وقتِ الْعِتْقِ. وهذا القولُ قد لا يُنَافِيهِ لفظُ الحديثِ].
الثَّانِي والثَّلاثونَ: قولُهُ: "وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ" فُهِمَ منهُ عِتْقُ مَا عَتَقَ فقطْ؛ لأنَّ الْحُكْمَ السَّابقَ يَقْتَضِي عِتْقَ الجميعِ، أعنِي عِتْقَ الْمُوسِرِ. فيكونُ عِتْقُ الُمُعْسِرِ لا يَقْتَضِيهِ.
نعمْ يبقَى ههنَا: أنَّه هل يقتضِي بقاءُ الباقِي من العبدِ على الرِّقِّ، أو يُسْتَسْعَى العبدُ ؟ فيه نَظَرٌ. والَّذينَ قالُوا بالِاسْتِسْعَاءِ منعَ بعضُهُمْ أن يَدُلَّ الحديثُ على بقاءِ الرِّقِّ في الباقِي، وأنَّه إنَّما يَدُلُّ على عِتْقِ هذا النَّصيبِ فقطْ. ويُؤْخَذُ حُكْمُ الباقِي من حديثٍ آخَرَ. وسيأتِي الكلامُ في ذلكَ إن شاءَ اللهُ تعالَى.
426 - الحديثُ الثَّانِي: عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ قالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكٍ، فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ كُلُّهُ فِي مالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)).
فيهِ مسائلُ: المسألةُ الأُولَى: في تصحيحِهِ. وقد أخرجَهُ الشَّيْخانِ في صحيحَيْهِمَا. وحَسْبُكَ بذلكَ. فقد قالُوا: إنَّ ذلكَ أعلَى درجاتِ الصَّحيحِ. والَّذينَ لم يقولُوا بالِاسْتِسْعَاءِ: تَعَلَّلُوا في تضعيفِهِ بِتَعَلُّلَاتٍ لا تَصْبِرُ على النَّقدِ. ولا يُمْكِنُهُم الوفاءُ بمِثْلِهَا في المواضعِ التي يحتاجونَ إلى الاستدلالِ فيها بأحاديثَ يُرَدُّ عليهِمْ فيهَا مثلَ تلكَ التَّعَلُّلَاتِ. فَلْنَقْتَصِرْ على هذا الْقَدْرِ ههنَا في الاعتمادِ على تصحيحِ الشَّيخيْنِ، ونَتَرُكُ الْبَسْطَ فيهِ إلى مَوْضِعِ الْبَسْطِ إن شاءَ اللهُ.
المسألةُ الثَّانيةُ: قولُـهُ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: "مِنْ مَمْلُوكٍ" يَعُمُّ الذَّكرَ والأُنثَى معًا، وهوَ أدلُّ من لفظِ "مِنْ عَبْدٍ" على أنَّ بعضَ النَّاسِ: ادَّعَى أنَّ لفظَ "الْعَبْدِ" يتناولُ الذَّكرَ والأُنثَى. وقد نُقِلَ: "عَبْدٌ وعَبْدَةٌ" وهذا إلى خلافِ مرادِهِ أقربُ منهُ إلى مرادِهِ، على أنَّه قد يَتَعَسَّفُ مُتَعَسِّفٌ. ولا يَرَى أنَّ لفظَ "الْمَمْلُوكِ" يتناولُ المملوكةَ.
المسألةُ الثَّالثةُ: قولُـهُ عليْهِ السَّلامُ: "فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ" قد يُشْعِرُ بأنَّه لا يَسْرِي بنفسِ الْعِتْقِ. لأنَّه لو عَتَقَ بنفسِ الْعِتْقِ سِرايَةً لتخلَّصَ على هذا التَّقديرِ بنفسِ الْعِتْقِ. واللَّفظُ يُشْعِرُ باستقبالِ خَلَاصِهِ، إلَّا أن يُقَدَّرَ محذوفٌ، كمَا يُقَالُ: فعليْهِ عِوَضُ خَلَاصِهِ، أو مَا يُقَارِبُ هذا.
المسألةُ الرَّابعةُ: قولُـهُ عليْهِ السَّلامُ: "فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ كُلُّهُ" هذا يُرَادُ بهِ: الكُلُّ من حَيْثُ هوَ كلٌّ، أعنِي الكلَّ الْمَجْمُوعِيَّ، لأنَّ بعضَهُ قد تَخَلَّصَ بالْعِتْقِ السَّابقِ. والَّذي يُخَلِّصُهُ كلَّهُ من حَيْثُ هوَ كلٌّ: هوَ تَتْمِةُ عِتْقِهِ.
المسألةُ الخامسةُ: قولُهُ عليهِ السَّلامُ: "فِي مَالِهِ" يُسْتَدَلُّ بهِ على خلافِ مَا حُكِي عمَّن يقولُ: إنَّه يُعْتَقُ من بيتِ المالِ. وهوَ مَرْوِيٌّ عن ابنِ سِيرِينَ.
المسألةُ السَّادسةُ: قد يُسْتَدَلُّ بهِ لمَن يقولُ: إنَّ الشَّريكَ الَّذي لم يَعْتِقْ أوَّلًا ليسَ لهُ أن يَعْتِقَ بعدَ عِتْقِ الأوَّلِ، إذا كانَ الأوَّلُ مُوسِرًا؛ لأنَّه لو أَعْتَقَ ونَفَذَ، لم يَحْصُل الوفاءُ يكونُ خَلَاصُهُ من مالِهِ. لكنْ يُرَدُّ عليهِ لفظُ ذلكَ الحديثِ. فإن كانَ من لوازمِ عدمِ صِحَّةِ عِتْقِهِ: أنَّه يَسْرِي بنفسِ الْعِتْقِ على الْمُعْتِقِ الأوَّلِ. فيكونُ دليلًا على السِّرَايَةِ بنفسِ الْعِتْقِ. ويَبْقَى النَّظرُ في التَّرجيحِ بَيْنَ هذه الدَّلَالةِ وبينَ الدلالةِ الَّتي قَدَّمْنَاهَا من قولِهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: ((قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَأُعْطِيَ شُرَكَاؤهُ حِصَصَهُمْ. وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ)) فإنَّ ظاهرَهُ تَرَتُّبُ الْعِتْقِ على إعطاءِ القيمةِ. فأيُّ الدليليْنِ كانَ أظهرَ عُمِلَ بهِ.
المسألةُ السَّابعةُ: قولُهُ عليْهِ السَّلامُ: ((فَعَلَيْهِ خَلَاصَهُ كُلَّهُ مِنْ مَالِهِ)) يَقْتَضِي عدمَ اسْتَسْعَاءِ العبدِ عِنْدَ يَسَارِ الْمُعْتِقِ.
المسألةُ الثَّامنةُ: قولُهُ عليْهِ السَّلامُ: ((فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ)) ظاهرُهُ: النَّفيُ العامُّ للمالِ. وإنَّما يُرَادُ بهِ مالٌ يؤدِّي إلى خَلَاصِهِ.
المسألةُ التَّاسعةُ: قولُـهُ عليْهِ السَّلامُ ((اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ)) أيْ أُلْزِمَ السَّعْيَّ فيمَا يَفُكُّ بهِ بَقِيَّةَ رَقَبَتِهِ من الرِّقِّ. وشَرَطَ معَ ذلكَ: أن يكونَ غيرَ مشقوقٍ عليْهِ. وفي َذلك الحَوَالَةُ على الاجتهادِ، والعملُ بالظَّنِّ في مِثْلِ هذا. كمَا ذَكَرْنَاهُ في مقدارِ القيمةِ.
المسالةُ العاشرةُ: الَّذين قالُوا بِالِاسْتِسْعَاءِ في حالةِ عُسْرِ الْمُعْتِقِ: هذا مُسْتَنَدُهُمْ. ويُعَارِضُهُ مُخَالِفُوهُمْ بما قَدَّمْنَاهُ، من قولِـهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: "وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ" والنَّظرُ بعدَ الْحُكْمِ بصحَّةِ الحديثِ مُنْحَصِرٌ في تقديمِ إحدَى الدَّلالَتَيْنِ على الْأُخَرَى. أعنِي دلالةَ قولِـهِ: "عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ" على رِقِّ الباقِي. ودلالةُ "اسْتُسْعِيَ" على لزومِ الِاسْتِسْعَاءِ في هذه الحالةِ. والظَّاهرُ: ترجيحُ هذه الدلالةِ على الأُولَى.

محمد أبو زيد
11-17-2008, 06:22 PM
......................

محمد أبو زيد
11-17-2008, 06:27 PM
قولُه : ((مَنْ عَتَقَ شَرَكًا)) أي: حِصَّةً ونصيبًا .
قولُه : فكان له مالٌ يَبلُغُ ثمَنَ العبْدِ .
المرادُ ثَمَنُ نصيبِ شريكِه وهو واضحٌ وإنما نبَّهْتُ عليه لئلَّا يُتَوَهَّمَ ثَمَنُ جميعِه .
قولُه : ((فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ)) .
المشهورُ فتحُ همزةِ أَعْطَى ونَصْبُ الشركاءِ , والحِصَصُ مفعولُ أعْطَى . وضبَطَه بعضُهم أُعْطِيَ بضمِّ أوَّلِه على البناءِ لما لم يُسَمَّ فاعلُه وشركاؤه مرفوعٌ به وهو أَوْلَى ليُوافِقَ قولَه قَبلَه: ((قَوْمٌ عَلَيْهِ)) .

قولُه : ((غَيْرَ مَشْقُوقٍ))
نُصِبَ على الحالِ وصاحبُ الحالِ العبْدُ والقائلُ فيها سَعَى والتقديرُ سَعَى العبْدُ فوقَها أو (..........)

حفيدة بني عامر
12-15-2008, 03:29 AM
القارئ: الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله . قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه:

كتاب العتق

عن ابن عمر رضي الله عنه , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم ، وعتق عليه العبد ، وإلا فقد عتق منه ما عتق)) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أعتق شقصا له من مملوك فعليه خلاصه كله من ماله , فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل , ثم استسعي العبد غير مشقوق عليه)) .

الشيخ: بسم الله , والحمد لله , والصلاة والسلام على محمد .
العتق: تحرير الرقاب ، وإزالة الرق عنها . الرق: عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر . أي أن الكفار لما خرجوا من العبودية لله تعالى ، وصاروا يعبدون غيره , سلط الله المسلمين عليهم فاستولوا عليهم بالقتال , فلما استولوا عليهم ملكوا رقابهم ، وجعلوهم أرقاء لهم , يتصرفون فيهم كما يتصرفون في أموالهم ، فيكون الرقيق مملوكا لمن استولى عليه , يملك منافعه , يسخره فيما يريد ، ويملك نفعه وكسبه ، ويملك أمره ونهيه , ولا يجوز له أن يتصرف إلا بإذن سيده الذي يملكه حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر)) . أي: زان ؛ حيث أنه ليس له أن يزوج نفسه ، ولو كان آدميا وبشرا سويا عاقلا ؛ وذلك لأن سيده يملك عليه منافعه , فليس له أن يتصرف بشيء يشغله عن استخدام سيده له ، فسيده يستخدمه سواء في خدمته نفسه ، أو في حرثه أو في ماشيته ، أو في تجارته ، أو في صناعته ، أو إذا استغنى عنه مكنه من التكسب ، وجعل كسبه له إذا كان كسبه من حلال ، فدل على أن هذا مما ملكه الإسلام لهؤلاء .
هذا هو أصل الرق . ولما كان هذا أصله فإن الرقيق الذي يملكه المسلمون وهو كافر ، ثم يسلم بعد ذلك , يبقى بعد إسلامه مملوكا ؛ لأن هذا الذي ملكه قد يكون بذل فيه مالا , قد يكون اشتراه بماله ، ولما اشتراه بماله أسلم بعد ذلك , فإسلامه لا يسقط حق الآدمي ؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة والمضايقة , فبقي ملكه ورقه بيد سيده بعد الإسلام .

ولكن الشرع الشريف جاء بالحرص وبالترغيب في الإعتاق بوجوه متعددة , فمن ذلك الكفارات , حيث جعل الله في كفارة القتل تحرير رقبة مؤمنة ، وكذلك جعل في كفارة الظهار في قوله: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} , وكذلك في كفارة اليمين في قوله: {أو تحرير رقبة} , يعني عتقها حتى تكون حرة ؛ لتكون كفارة لهذا الذنب الذي اقترفه ، وذلك دليل على أن العتق فيه أجر كبير ؛ حيث أنه يكفر قتل النفس ، ويكفر الظهار الذي هو منكر من القول وزور , ويكفر الأيمان والنذور . وأن الشرع عندما جعله من المكفرات يحرص ، أو يهدف إلى تحرير الرقاب حتى يزول عنها الرق ؛ ذلك لأنه إذا أصبح حرا صار مكلفا بما يكلَّف به الأحرار ، وجب عليه الجهاد إذا تعين ، وجب عليه الحج ، وجبت عليه صلاة الجمعة وصلاة العيد ، وقد كانت ساقطة عنه لما كان مملوكا ؛ لأن فعلها قد يفوت على سيده بعض المنافع ونحو ذلك مما لا يجب عليه إذا كان رقيقا .
فالشرع يتشوف إلى إزلة الرق , حيث جعل ذلك , جعل الكفارات من العتق الذي هو التحرير .

ثانيا: ورد الحديث أن ((من مثل بعبده فقد عتق عليه)) . من مثل به يعني من قطع منه إصبعا ، أو جرحه في وجهه مثلا ، أو طعنه , يعني ضربه وأساء إليه , فكفارة ذلك أن يعتقه ؛ جزاء له على اعتدائه على هذا المملوك .
وفي بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع إلى رجل من أصحابه وهو يضرب عبدا له , فقال: ((اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام)) . فقال أبو مسعود: هو حرٌّ لوجه الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار)) . يعني جعل ضربه له ذنبا , وجعل كفارته كونه حرره ، وأزال الرق عنه , مما يدل على أن الشرع يتشوف لإزالة الرق عن الرقاب .

ثالثا: ورد أيضا أن من أعتق شقصا له في عبد فإن عليه أن يخلص ذلك العبد , ولو كان لا يملك إلا سدسه ، أو عشره . إذا أعتق ذلك الجزء كلف وقيل له: عليك أن تشتري بقية العبد من مالك وتعتقه ، ولا تجعله مبعضا حتى لا يتضرر ؛ لأنه إذا كان بعضه حر وبعضه مملوك تضرر بذلك , فهذا دليل أيضا على تشوف الشرع إلى إزالة الرق عن الرقاب ، والحرص على أن تبقى محررة ؛ حتى يتمكن الحر مما يتمكن منه سائر المكلفين .

رابعا: ورد الثواب , ورد الأجر الكبير في فضل العتق حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أعتق عبدا مسلما أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه)) . أيما رجل أعتق عبدا مسلما أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار , يعني أعتقه الله , لما أنك أعتقت هذا العبد الذي كان مملوكا فإنك تستحق أن يعتقك الله بسبب تحريرك له , فينجيك من النار بكل عضو منه عضوا من معتقه .
هكذا هذا ترغيب في العتق . وأحاديث كثيرة تدل على فضل العتق ، وفضل إزالة الرق عن الرقاب , وفضل أفضلها. في حديث أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن أفضل الرقاب , يعني عتقا , فقال: ((أنفسها وأغلاها ثمنا)) . يعني من أراد أن يكون الأجر أكثر فإنه يعتق من هو أكثر ثمنا ، ومن هو أكثر نفعا .
واستحبوا العتق إذا كان ذلك العتيق يقدر على أن يغني نفسه ، وأن يقوم بشأنه ، وأما إذا كان لا يقوم بشأنه ، ولا يغني نفسه , فإن الأولى له أن يبقى رقيقا عند سيده ؛ حتى يتكفل به ، وحتى يقوم بأمره ، وينفق عليه ، ويطعمه ويكسوه ، ونحو ذلك ؛ لأن عتقه قد يصير وبالا عليه حيث أنه لا منفعة فيه ، ولا خير فيه لنفسه .
وبكل حال نعرف بذلك أنه كما أن الله تعالى أباح الرق فقد رغب في العتق ، وجعل فيه ثوابا جزيلا ؛ حتى يزول هذا الرق أو يخف أمره .

وأما سببه فهو كما ذكرنا أن الكفار عبيد للشيطان , ولما كانوا عبيدا للشيطان في حالة كفرهم استولى عليهم المسلمون فجعلوهم عبيدا لهم , فقالوا: بدل ما أنتم عبيد للشيطان عبودية معنوية نجعلكم عبيدا لنا أرقاء , عبودية ظاهرة جليّة، فتصيرون باقين في ملكيتنا وتحت تصرفنا , هذا هو السبب . والأصل فيه أنهم إذا ما قاتلوا المشركين ،واستولوا على ذراريهم ، واستولوا على نسائهم , ملكوا الذراري والنساء , وسموا ذلك سبيا , يقال: سبينا منهم كذا وكذا امرأة ، وكذا وكذا صبيا ونحو ذلك .

فمن ذلك قصة بني قريظة , لما أنهم نقضوا العهد مع قريش وغطفان الذين جاءوا أحزابا , فلما نقضوا العهد ، وانصرفت الأحزاب , حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم , وحكم فيهم سعد بن معاذ أن تقتل المقاتلة ، وتسبى النساء والذرية , فكانوا يقتلون الرجال البالغين , كانوا من أنبت الشعر منهم دلَّ على بلوغه فيقتل ، ومَن لم ينبت خلي سبيله وجعل مع السبي , فصاروا سبيا يعني مماليك .

وكذلك لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر قتل من قتل منهم ، واستولى على النساءِ ، وعلى الذريَّة ، وأصبحوا مماليك , وكان من جملتهم صفيَّة التي اصطفاها لنفسه ، وتزوجها وجعل عتقها صداقا لها , فأصبحت من أمهات المؤمنين .
ومن ذلك أيضا قصة بني المصطلق لما أنه أغار عليهم وهم غارون , فقتل من قتل منهم وهرب رجالهم ، واستولى على أموالهم ، وعلى نسائهم ، وذراريهم , فأصبحوا مماليك , وكان من جملتهم جويرية بنت الحارث التي كانت في سهم بعض الأنصار , فكاتبته ؛ لأنها كانت بنتا لسيد بني المصطلق فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها فتزوجها وأعتقها , دفع عنها ثمنها وتزوجها , ولما تزوجها أعتق المسلمون جميع بني المصطلق وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأعتق بسببها مائة بيت ، أو أكثر من مائة بيت . هذه أمثلة من القتال الذي كان يقاتلهم ويسبيهم . وهذا دليل على أنه يسبي حتى العرب ؛ لأن بني المصطلق من العرب , ومع ذلك سباهم واستباح ذراريهم .

ومن ذلك أيضا قصة هوازن , لما أنهم تقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حنين ، ثم انهزموا , استولى على أموالهم ، وعلى ذراريهم , وعلى نسائهم , فقسموا , قسمهم , قسم الأموال ، وقسم النساء والذرية بين الغانمين , ولكن بعد مدة جاءت هوازن مسلمين وقالوا: رد علينا ما أخذت . فخيرهم وقال لهم: ((اختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال)) . فاختاروا السبي الذي هو النساء والذريَّة , فرده عليهم ، فهذا دليل على أنه كان يسبي ويسترق حتى العرب .
ولما بدأ الصحابة في قتال فارس وفي قتال الروم ، وفي قتال البربر والترك ونحوهم , كثر السبي في المسلمينَ وكثر الرق , وصاروا يسترقون كثيرًا , وصار كل بيت فيه عدد من الأرقاء ملكا لهم , فصار الفقهاء يضربون المثل كثيرا بالرق وبشراء الرقيق وبعيبه ، وما أشبه ذلك , مما يدل على كثرته , ولم يزل موجودا الرق إلا في سنة ست وثمانين من القرن الرابع عشر , رأت الحكومة أن الجهاد منقطع من زمان طويل ، وأن هؤلاء المماليك يغلب أنهم مغصوبون ومنتهبون من البلاد التي تلي بلاد العرب من الإفريق أو نحوها , فرأى الملك رحمه الله أن يحرروا كلهم وأن يمنع الاسترقاق إلا أن يحصل قتال فيما بعد, قتالا شرعيا يحصل فيه سبي , فهنالك إذا كان سبيا صحيحا فإنه يعود الرق إلى ما كان عليه . هذا ما يتعلق بالرق وأسبابه .

أما هذان الحديثانِ فيظهر أن بينهما شيء من الاختلافِ ، فإن في حديث ابن عمر أن العبدَ يبقى مبعضا . وفي حديث أبي هريرة أنه يستسعى . وصورة الحديث في حديث ابن عمر: إذا كان العبد بين اثنين نصفين فأعتق زيد نصفه وبقي نصف عمرو , فنقول لزيد: أنت أضررت هذا العبد الذي جعلت نصفه حرًّا ونصفه رقيقًا وأنت السبب في ذلك , فعليك أن تشتريه , تشتري النصف الباقي وتعتقه , وتعطي شريكك ماله قيمة ذلك النصف , نقومه قيمة عدل , نعرضه على أهل المعرفة , كم يقاوم هذا العبد ؟ أو كم قيمة نصف هذا العبد ؟ لا وكس ولا شطط , لا زيادة ولا نقص , فإذا قوم وعرف قدره قلنا لزيد: عليك أن تدفع لعمرو نصف الثمن , نصف ثمن العبد ؛حتى يعتق العبد ، ويكون كله عتيقا بسببك , وأنت الذي تحوز الأجر ، وأنت الذي يكون لك ولاء هذا العبد؛ فإن الولاء لمن أعتق . فإذا قال: أنا فقير , ليس عندي ما أستطيع أن أشتري به النصف الثاني , لا أقدر على ذلك . سواء كان الباقي نصفا أو أكثر من النصف ، أو أقل من النصف , فماذا نفعل بهذا العبد الذي أصبح مبعضا ؟ بعضه حر وبعضه عبد . ماذا نفعل به ؟

في حديث ابن عمر أنه يبقى مبعضا , على هذا يخدم عند عمرو يوما ، ويخدم لنفسه يوما , يقال: لك يوم تتكسب فيه لنفسك وتنفق فيه على نفسك , ولك يا عمرو يوم يخدمك فيه ويشتغل عندك , ويكون كسبه لك , يبقى مبعضا . والمبعض مذكور في كتب الفقه كثيرا , حكم المبعض وكيف يعامل , وكيف يعمل معه . هذا مقتضى حديث ابن عمر أنه يبقى مبعضا , يشتغل عند هذا يوما ، ويشتغل لنفسه يوما , وإن كان العتق ربعه , ما أعتق إلا ربعه اشتغل عند سيده ثلاثة أيام ، واليوم الرابع يشتغل لنفسه , يكون حر التصرف ، أو يتفقان على مدة كأن يقول: تشتغل عندي شهرا وتشتغل لنفسك ثلاثة أشهر , أو بالعكس: تشتغل عندي ثلاثة أشهر ، ولنفسك شهرا , أي: بقدر ما فيه من الحرية .
وذكروا ذلك حتى في المواريث فقالوا: المبعض يرث ويورث ، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية . هذا ما يدل عليه حديث ابن عمر .

أما حديث أبي هريرة فذكر أنه يستسعى ، يستسعى العبد غير مشقوق عليه . إذا لم يستطع الذي أعتق نصفه أن يحرره فإنه يستسعى . ومعنى يستسعى يقال له: اكتسب بنفسك مالا ، واشتر نفسك . بمنزلة المكاتب الذي يشتري نفسه من سيده بمال مؤجل ، ثم يدفع كل شهر ، أو كل سنة قسطا ، إلى أن يحرر نفسه . ولعل هذا فيما إذا كان قادرا على أن يتكسب ، ولا نلزمه بذلك . هذا هو الجمع بينهما أنه يستسعى إذا كان معه قدرة على التكسب حتى يخلص نفسه , فإذا لم يستطع التكسب فلا يجبر على الاستسعاء وعلىالتكسب , بل يبقى مبعضا .