محمد أبو زيد
11-17-2008, 07:27 PM
القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم قال رحمه الله تعالى: " فصل في اختلاف السلف في التفسير وأنه اختلاف تنوع: الخلاف بين السلف في التفسير قليل , وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير , وغالب ما يصح عنهم منَ الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد , وذلك الصنفان..".
الشيخ: إذن أثبت المؤلف أن السلف قد يكون بينهم خلاف في تفسير القرآن لكن خلافهم في تفسير القرآن أقل من اختلافهم في الأحكام؛ لأن تفسير القرآن هو تبيين ألفاظه معناها والمرد بها, وهذا شيء يقل فيه الخلاف , لكن الأحكام مبنية على الاجتهاد والنظر والقياس فصار الاختلاف فيها أكثر منَ الاختلاف في التفسير؛ وذلكَ لاختلاف الناس في العلم والفهم , وقد سبق لنا أن هناك فرقاً بين التفسير بالمعنى والتفسير باللفظ , أن تفسير اللفظ شيء وتفسير المعنى الذي يراد بالآية شيء آخر , يعني أن اللفظ يفسر بمعناه بحسب الكلمة ويُفسر بالمراد به بحسب السياق والقرائن.
( إي ) نعم , أظن ما ناقشتكم في هذا لكن أنتم فاهمين هذا (هه) وهل تذكرون له مثالا؟
قال طالب: يقول الله تعالى {يوم يأت بعض آيات ربك} اشترط البعض لأنها آية من آيات الله سبحانه وتعالى ( غير مسموع )
الشيخ: لا ما فسرها البعض , لو فسرنا ها بلفظها...
الطالب: لو فسرناها بلفظها تكون آية من آيات الله تاتي و..... [قطع]...........
القارئ: وذلك صنفان: أحدهما: أن يعبر كل واحد منهما عن المراد بعبارة غير...".
الشيخ: تجد الفرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد أن اختلاف التضاد لا يمكن الجمع فيه بين القولين؛ لأن الضدين لا يجتمعان , واختلاف التنوع أنه يمكن الجمع فيه بين القولين المختلفين؛ لأن كلّ واحدٍ منهما ذكر نوعاً , والنوع داخل في الجنس , وإذا اتفقا في الجنس (هه ) فلا اختلاف , إذا اتفقا في الجنس فلا اختلاف , هل فهمتم الفرق بين اختلاف التضاد واختلاف التنوع؟
اختلاف التضاد معناه أنه لا يمكن الجمع بين القولين لا بجنس ولا بنوع , وطبعا ولا بفرد من باب أولى, واختلاف التنوع معناه أنه يُجمع بين القولين في الجنس ويختلفان في النوع , يكون الجنس اتفق عليه الفاعلان ولكن النوع يختلف , وحينئذ هل يكون هذا اختلافا؟ لا؛ لأن ذكر كلّ واحدٍ منهما نوعاً كأنه على سبيل التمثيل ,كأنه على سبيل التمثيل وسيذكر المؤلف أمثلة لذلك لكننا لا بد أن نعرف الفرق بين اختلاف التنوع (هه) واختلاف التضاد , اختلاف التضاد معناه: أنه لا يمكن جمع بين قولين لتضادهما ,واختلاف التنوع معناه أنه يمكن الجمع بين القولين لاتفاقهما في الجنس (كده ) ولا لا؟ (طيب).
القارئ: " أحدهما أن يُعبر كلّ واحدٍ منهما عن المراد بعبارة غير واضحة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند , وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم وأسماء القرآن , فإن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد , فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضاداً لدعائه باسم آخر , بل الأمر كما قال تعالى: {قل ادع الله أو ادع الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} وكل مقولته من أسمائه يدل على الذات المُسمى وعلى الصفة التي تضمنها الاسم".
الشيخ: طيب نستمع الآن اختلاف التنوع جعله المؤلف صنفين:
الأول: أن يُعبر كل واحد منهم , والمراد هنا بالضمير: منهم يعود على الصحابة , يعود على الصحابة بل على السلف إن شئت أعم , من الصحابة و التابعين يُعبر بعبارة غير عبارة صاحبه لكن تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى , يعني معناه: أنهما اتفقا على المراد , لكن عبر كل واحدٍ منهم عنه بتعبير غير التعبير الأول , غير تعبير الأول , وإلا فهما متفقان كما لو قال قائل في تعريف السيف قال: السيف هو المهند , وقال الثاني: السيف هو الصارم , وقال الثالث: السيف ما تُقطع به الرقاب وما أشبه ذلك , فهنا هل هذا خلاف؟
في الحقيقة ليس بخلاف , وقال إنسان: الغضنفر: الأسد , وقال الثاني: الغضنفر: القسورة , وقال الثالث: الغضنفر: الليث وما أشبه هذا, يكون هذا خلافاً؟ لا ليس خلافا ولا تنوعاً أيضاً لكن كل لفظة تدل على معنى لا تدل عليها اللفظة الأخرى والمسمى واحد إي نعم طيب.
انتبه لعبارتي أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى.
ثم قال المؤلف إنها بمنزلة الأسماء المتكافئة , هذا الكلام عندي التي بين المترادفة والمتباينة , عندكم المتكافئة هكذا؟
فيها إشكال إلا إذا كان يعني إذا كان المؤلف رحمه الله لها (غير مسموع) آخر لأن (اللي) بين المترادفة وبين المتباينة , المترادفة ما هي؟ الدالة على معنى واحد , والمتباينة الدالة على معنيين , فهذه الأسماء باعتبار دلالتها على المسمى (هه) مترادفة , وباعتبار دلالتها على معنى يختص بكل لفظ منها تكون متباينة , إي نعم صح , كما قيل...
القارئ: "كما قيل في اسم السيف:الصارم والمهند وذلك مثل, أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم وأسماء القرآن فإن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد".
الشيخ: أسماء الله كما تعرفون كثيرة جداً لكن مُسماها واحد , فهي مترادفة من حيث دلالتها على الذات , متباينة من حيث اختصاص كل اسم منها في المعنى الخاص به , وكذلك أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم متعددة فهي باعتبار دلالتها على الذات هه؟ وباعتبار دلالة كل لفظ منها على معنى آخر متباينة , وكذلك القرآن يسمى القرآن والفرقان والتنزيل وغير ذلك فهو باعتبار هذه الألفاظ باعتبار دلالتها على القرآن..وباعتبار أن كل واحدٍ منها له معنى خاص متباينة إي نعم.
القارئ: "فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادا لدعائه باسم آخر, بل الأمر كما قال تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماه وعلى الصفة التي تضمنها الاسم كالعليم يدل على الذات والعلم , والقدير يدل على الذات والقدرة , والرحيم يدل على الذات والرحمة , ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته..".
الشيخ: إذن هذه الأسماء الثلاثة باعتبار دلالتها على الذات مترادفة , وباعتبار دلالة الأول على العلم والثاني على القدرة والثالث على الرحمة يدل أن هذه متباينة. أي نعم
القارئ: " ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي الظاهر فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة الذين يقولون: لا يقال هو حي ولا ليس بحي بل ينفون عنه النقيضين , فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ينكرون اسماً هو علم محض كالمضمرات وإنما ينكرون ما في أسمائه الله الحسنى من صفات الإثبات , فمن وافقهم على مقصودهم كان مع دعواه الغلو في الظاهر موافقاً لغلاة الباطنية في ذلك , وليس هذا موضع بسط ذلك "
الشيخ: ( غير مسموع ) المؤلف رحمه الله لتشبعه بهذا العلم صار لا بد أن يذكره , هنا في أسماء الله سبحانه تعالى انقسم الناس فيها إلى أقسام: منهم من جعلها أعلام محضة لا تدل على المعنى إطلاقاً , ومنهم من جعلها أعلاماً وأوصافاً , ومنهم من قال يجب.. يقولون لا نقول إنه حي ولا نقول إنه ليس بحي ننكر هذا وهذا , فالباطنية لا يقولون إنه حي ولا ليس بحي , يعني يقولون: لا نقول إنه حي ولا نقول إنه ليس بحي. إذن ما هو؟ (هه)
الطلبة: عدم!
هم يقولون يجيبون على هذا يقولون؛ لأن الحياة والموت لا يصح نفيهما وإثباتهما إلا لمن هو قابل لذلك , والله تعالى ليس بقابل للحياة ولا للموت ولهذا لايوصف ( غير مسموع ) بأنه حي ولا ميت. و(إيش) نجيب على هذا؟
نقول لهم: إن دعواكم إن الحياة والموت لا يوصف بها إلا من كان قابلاً لها مجرد دعوى أو عرف اصطنعتموه , فالله سبحانه وتعالى وصف الأصنام بأنهم أموات ونفى عنهم الحياة فقال: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون أمواتٌ غير أحياء} وهم يعبدون شجراً و حجراً وما أشبه ذلك , عرفتم؟ فانتقد قولهم بنص القرآن.
ثم نقول لهم: هب أنا تنازلنا معكم , لكن أنتم تقولون إننا لا نقول إنه موجود ولا غير موجود فنفيتم عنه الوجود والعدم. وهذا مستحيل باتفاق العقلاء؛ لأن المقابلة بين الوجود والعدم مقابلة بين نقيضين , يجب إذا ارتفع أحدهما أن يثبت الآخر , وأنتم تقولون لا يجوز أن نقول إن الله موجود ولا يجوز أن نقول إن الله ليس بموجود لماذا؟ قال: إننا لو قلنا إن الله حي شبهناه بالأحياء , ولوقلنا إنه ميت شبهناه بالأموات.
نقول وعلى زعمكم شبهتموه بماذا؟
الطلبة: بالعدم.
لا يا أخي بالجمادات , ما دام تقولون إنه غير قابل للحياة والموت كالحجر (يبأى) الآن شبهتموه بالحجر بالجماد.
فإذا انتقلنا إلى المرحلة الثانية وهي قولهم: لا نقول موجوداً ولاغير موجود قلنا: الآن شبهتموه بماذا؟
الطلبة: العدم.
إذا قالوا لا نقول موجود ولاغير موجود , يعني أنك إذا قلت إنه غير موجود فقد ألحدت , وإن قلت معدوم فقد ألحدت إلحاد قال: لا نقول موجود ولا معدوم هذا ممكن ولا لأ؟ غير ممكن نقول: الآن شبهتموه بالمستحيلات والممتنعات التي لا يمكن وجودها , وهذا سبحان الله مر علينا في التوحيد , أنا أذكر أنه مر علينا (هه , طيب) إذن هذا مذهب الباطنية في الله عز وجل يقول: ما يمكن نثبت لله اسم ولا معنى بل ننفي عنه النقيضين.
والآخرون المعتزلة وأهل الظاهر (اللي) يغالون في إثبات الظاهر يقولون: إننا نثبت الاسم لكن ما نثبت له معنى , ونقول هذه الأسماء مجرد أعلام فقط: سميع بلا سمع وعليم بلا علم ورحيم بلا رحمة وهكذا , مجرد علم كما أنك تقول لهذا الرجل محمد وهو مُذمم ما فيه خصلة حميدة , وتقول لهذا الرجل عبد الله وهو من أكفر عباد الله , هو عبد الله وهو ينكر وجود الله (هه) إذن ما معنى قولنا عبد الله؟ مجرد علم يُعيِّن مسماه فقط , هم يقولون أسماء الله هكذا أعلام محضة ما لها معنى ما تحمل معنى إطلاقا إطلاقاً وهذا الكلام (اللي جابه) المؤلف جاء به استطراداً وإلا ما له دخل بالتفسير لأنه قال: "وليس هذا موضع بسط ذلك" نعم اللهم إلا أن يقال قد يدخل في التفسير من حيث إن في القرآن أسماء كثيرة لله عز وجل. أي نعم
القارئ: " وإنما المقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته وعلى ما في الاسم من صفاته ويدل أيضاً على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم , وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم".
الشيخ: (طيب) فاهمين هذه أيضا؟ فهمنها؟ إن الاسم يدل على الصفة التي تضمها وعلى صفةٍ أخرى تضمنها اسم آخر بطريق اللزوم , مثاله: الخالق دل على الذات ( غير مسموع) وعلى صفات الخلق ودل على العلم الذي تضمنه اسم العليم وعلى القدرة التي تضمنها اسم القدير , كيف دل على العليم القدير وهو (بس) خالق؟ لأنه لا يمكن يخلق إلا بعلم وقدرة , لهذا قال الله عز وجل: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً} وهذا واضح؛ لأن لو أن أحداً صنع جهازاً من أجهزة المسجلات يمكن يصنعه وهو ما يدري كيف يصنعه؟! طيب يمكن أن يصنعه وهو أشل؟! (ليش) ما يمكن؟ ليس له قدرة.نعم!
القارئ: "وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم مثل: محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب وكذلك أسماء القرآن مثل: القرآن والفرقان والهدى والشفاء والبيان والكتاب , وأمثال ذلك , فإن كان مقصود السائل تعيين المسمى عبرنا عنه بأي اسم كان إذا عَرف مسمى هذا الاسم.
وقد يكون الاسم علماً وقد يكون صفة كمن يسأل عن قوله: {ومن أعرض عن ذكري} ما ذكره فيقال له هو القرآن ( غير مسموع ) أو ما أنزله من الكتب فإن الذكر مصدر والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل وتارة إلى المفعول , فإذا قيل ذكر الله بالمعنى الثاني كان ما يُذكر به مثل قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وإذا قيل بالمعنى الأول كان ما يذكره هو وهو كلامه وهذا هو المراد في قوله: {ومن أعرض عن ذكري} لأنه قال قبل ذلك: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} وهداه هو ما أنزله من الذكر.
وقال بعد ذلك: {قال ربي لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها} والمقصود أن يُعرف أن الذكر هو كلامه المنزل , أو هو ذكر العبد له , فسواء قيل ذكري كتابي أو كلامي أو هداي أو نحو ذلك فإنالمسمى واحد".
الشيخ: (طيب) الآن مثلا قال المؤلف رحمه الله قال: "إذا كان مقصود السائل" يعني الذي يسأل عن تفسير آية من القرآن , إذا كان تعيين المسمى عبرنا عنه بأي اسم كان إذا عرف مسمى هذا الاسم , لو قال طيب الآن مثلا لك ما معنى قوله:{ومن أعرض عن ذكري} ما المراد بذكري؟ هل هو مضاف إلى الفاعل أو مضاف إلى المفعول , يعني هل المعنى مَن أعرض عن ذكره إيأي , أو المعنى مَن أعرض عن ذكري الذي أنزلته إليه؟
نعم , يحتمل يجوز أن معنى من أعرض عن ذكري أي عن ذكره إياي كما قال تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} أي لتذكرني بها , فالمعنى لذكري أي لذكره إياي أو أن المراد {ذكري} أي ما أنزلته عليه من الذكر وهو القرآن أو بعبارة أعم وهو أحسن ما أنزل الله من الكتب , فالمعنى من أعرض عن الكتب التي أنزلتها ليذكر بها.
وهذا المعنى إلى اللفظ أو إلى السياق أقرب لقوله: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض عن ذكري} والمراد بذكري هنا هداه الذي أنزله لأنه قال: {فمن اتبع هداي} {ومن أعرض عن ذكري} ولكنه عبر في الإعراض عن ذكره؛ لأن فيما أنزله من الهدي تذكيراً للإنسان وإنذاراً له وتخويفاًً.
فهنا إذا سأل عن الذكر فقيل له: الذكر قول سبحان الله والحمد لله والله أكبر صار تفسيراً صحيحاً , وإذا سأل عن {ذكري} فقلنا له ذكره ما أنزله من الكتب على عباده صار معنى صحيحا و لا لا؟ لأن اللفظ صالح لهما جميعاً , إي نعم.
وهل هذا اختلاف تنوع و لا تضاد؟ تنوع؛ لأن المعنى الثاني لا يضاد المعنى الأول فكل ما أنزله الله عز وجل فهو مستلزم لذكره وهو تذكير لعباده إي نعم.
القارئ: "وإن كان مقصود السائل معرفةَ ما في الاسم من الصفة المختصة به فلابد من قدرٍ زائد على تعيين المسمى , مثل أن يسأل عن القدوس السلام المؤمن وقد علم أنه الله".
الشيخ: إذا قال من هو القدوس؟ قلنا الله , من السلام؟ الله , لكن إذا قال ما القدوس؟ ما السلام؟ فهنا يختلف الجواب؛ لأن سؤاله بما يدل على أنه أراد المعنى , يعني ما معنى القدوس؟ وما معنى السلام؟. أما لو قال من القدوس؟ ما يمكن تفسر القدوس له بل تُعيِّن (هه) المعنى المراد به المسمى بهذا , وهو الله سبحانه وتعال.نعم!
القارئ: " وقد علم أنه الله لكن مراده ما معنى كونه قدوساً سلاماً مؤمناً ونحو ذلك , إذا عُرف هذا فالسلف كثيراً ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه , وإن كان فيها من االصفة ما ليس في الاسم الآخر كمن يقول: أحمد هو الحاشر والماحي والعاقب , والقدوس هو الغفور الرحيم أي إن المسمى واحد لا أن هذه الصفة هي هذه , ومعلوم أن هذا ليس اختلاف".
الشيخ: وهذا أيضا هذا جواب ثالث , إذا قال من القدوس؟ من السلام؟ من المؤمن؟ فقلت: عالم الغيب والشهادة أو الذي وسعت رحمته كل شيء , أو هو الغفور الرحيم , هذا جواب ثالث غير السابقين , لكنه في المعنى (هه) مثل من عرفه بالذات؛ لأنني عندما أقول هو الغفور معناه ما فسر لي معنى القدوس ففهم مني أني أريد تعيين المسمى (الل؟ هو الذات , لكنه عبر بمعنى آخر جديد قد لا يطرأ على بالي , فأتى باسم يدل على صفة ليست في نفس الاسم المسئول عنه ( غير مسموع ) يعني معناه قد يكون التفسير للكلمة تفسيراً للمراد بها بقطع النظر عن صفتها , وقد يكون تفسير للكلمة من حيث معناها الذي تضمنته , وقد يكون تفسير الكلمة بمعنى آخر يوصف به من يُراد بها مثل: الغفور الرحيم السميع العليم إلى آخره. نعم.
ردا على سؤال غير مسموع: لا إذا كان يعلم إذا كان السائل يعلم , وقد يجيب بهذا مثلا يقول من هو القدوس ومن هو السلام؟ أقول هو الشديد العقاب لمن عصاه؛ لأني أعرف أن هذا الرجل يقيم على معصية الله , فأريد أن أذكره , أن أذكره , أو مثلاً يكون السائل لي إنساناً مشفقاً على نفسه خائفاً فأقول هو من كان على حسن ظن عبده به لماذا (هه )؟ لأذكره بحسن الظن بالله ولاشك ( غير مسموع ) إنه قدوس غفور رحيم لغير غرض أن هذا يعني بعيد , إي نعم.
القارئ: "ومعلوم أن هذا ليس اختلافَ تضاد كما يظنه بعض الناس , مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم فقال بعضهم هو القرآن (غير مسموع ) واتباعه لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي الذى رواه الترمذي , ورواه أبو نعيم من طرق متعددة: ((هو حبل الله المتين والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم)) وقال بعضهم: هو الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سمعان الذي رواه الترمذي وغيره ((ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنبتي الصراط سوران , وفي السورين أبواب مُفتحة , وعلى الأبواب سطور مُرخاة , وداع يدعو من فوق الصراط وداع يدعو على رأس الصراط)) قال: ((فالصراط المستقيم هو الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله والداعي على رأس الصراط كتاب الله , والداعي على فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن))
فهذان القولان مٌتفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر , كما أن لفظ الصراط يُشعر بوصف ثالثاً , وكذلك قول من قال هو السنة والجماعة ,وقول من قال: هو طريق العبودية وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأمثال ذلك , فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها".
الشيخ: طيب إذن ففهمنا إنه إذا فسر السلف الكلمة بمعنى وفسرها آخرون منهم بمعنى آخر باعتبار أن هذه الصفة تشمل هذا وهذا فهو من باب اختلاف التنوع {اهدنا الصرط المستقيم} ( إيش ) ما المراد بالصراط؟
قائل: الطريق.
الشيخ: لأ , ما المراد به؟ ما هو ما معناه. معنى الصراط الطريق الواسع , لكن ما المراد به؟{اهدنا الصرط المستقيم} , ما المراد بالصراط؟
الإسلام هذا واحد هذا قول , وقول ثان إنه القرآن , والمؤلف جاء لكلٍ من هذين القولين بدليلٍ من السنة , لكن هل يتنافيان؟
أبداً لأن الإسلام هومافي القرآن , الإسلام هو ما في القرآن وحينئذ فلا تضاد بينهما سواء فسر بأنه قرآن أو فسر بإنه الإسلام ,واضح؟ واضح يا حسين؟
طيب إذن بماذا فسر الصراط؟
طالب: فسر بالإسلام..
الشيخ: وبالقرآن , وهذا الخلاف اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد , بدليل أن كل واحد منهما (إيش)؟ لا ينافي الآخر نعم.
القارئ: " الصنف الثاني: أن يذكر كلٌ منهم من الاسم العام بعضَ أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه , مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز فأري رغيفاً وقيل له: هذا , فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده مثال ذلك".
الشيخ: -صح قال ما هو الخبز؟ أعجمي ( غير مسموع ) قرص يصنع من البر بعد طحنه وبله بالماء وعجنه (هه) , ( غير مسموع) تعرف ولا لا , لكن إذا قلت معك خبزة مثل الخبز هذا هل يفهم إن ما بخبز في الدنيا (إلا ها اللي) بيدك؟ أو على سبيل التمثيل يفهم؟ , يفهم على سبيل التمثيل ولهذا لو ذهب إلى بقالة ووجد لفة خبز (غير مسموع ) فهذا التعيين ليس معناه أنه يراد أن يفسر اللفظ بهذا المعنى على وجه المطابقة لايزيد ولاينقص , لكنه على سبيل التمثيل , على سبيل التمثيل.
(طيب) ماذا عن عن هذا الأعجمي لو وجد خبز (تميس) بدل بر , بدل البر (إيش) يفهم إنه خبز ولا لا؟ هه ( غير مسموع ) لا يفهم والله , الظاهر إنه يفهم ( غير مسموع ). هذا إذن تفصيل طيب.
القارئ: "مثال ذلك ما نقل في قوله:{ثم أورثنا الكتاب الذين أصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات}".
الشيخ: (طيب) {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا} كيف وصف الكتاب باسم موصولٍ للذكور العقلاء (الذين) {الكتاب الذين} (غير مسموع ) مفعول به (بإيش)؟ (طيب) والكتاب (غير مسموع ) مفعول ثان , والذين مفعول أول.... هو صحيح أنه أنه مفعول لكن بالعكس؟ {الكتاب}مفعول أول {والذين} مفعول ثان ويصلح كما قال لك الأصل أن الأول......
{ثُمَّ أَورَثنَا الكِتابَ الذينَ اصطَفَينَا مِن عِبَادِنَا} من المراد بالذين اصطفى لله من عباده؟ هذه الأمة الإسلامية؛ لأن آخر كتاب نزل هو هذا القرآن , طيب فمنهم ظالم إلى آخره (غير مسموع ) المؤلف نعم.
القارئ: " فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للمحرمات , والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات , والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات , فالمقتصدون هم أصحاب اليمين والسابقون السابقون أولئك المقربون ثم إن كلاً منهم".
الشيخ: لا , اصبر , والسابقون أولئك المقربون (1) نعم.
القارئ: "ثم إن كلاً منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت , والمقتصد الذي يصلي في أثنائه , والظالمُ لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار أو يقول السابق والمقتصد والظالم قد ذكرهم في آخر سورة البقرة , فإنه ذكر المحسن بالصدقة والظالم بأكل الربا , والعادل بالبيع , والناس في الأموال: إما محسن وإما عدل وإما ظالم , فالسابق المحسن بأداء المستحبات مع الواجبات , والظالم آكل الربا أو مانعُ الزكاة , والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة ولا يأكل الربا وأمثال هذه الأقاويل , فكل قول فيه ذكر نوع داخل في الآية , وإنما ذكـر لتعريف المستمع بتناول الآية له وتنبيهه به على نظيره , فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطابق , والعقل السليم يتفطن للنوع ".
الشيخ: صحيح هذا هو الغالب أن التعريف بالمثال أبين وأظهر من التعريف بالحد المطابق , نعم لو قال لك قائل: ما هي البعير؟ فقلت: حيوان كبير الجسم طويل العنق نعـم ذو سنام , له ذيلٌ قصير وما أشبه ذلك من صفاته (إيش) يعرفه , حتى لو رآه يمكن يشك يقول لعل هناك شيء آخر يشابه له لكن إذا قلت: مثال البعير هذا اتضح ولا (لا)؟ اتضح والإيضاح بالمثال أكثر وضوحاً.
ولهذا ذهب كثير من الفقهاء رحمهم الله إلى التعريف بالحكم وإن كان عند المناطقة يرونه عيباً فمثلاً يقولون: الواجب هو ما أثيب فاعله ولم يعاقب تاركه مثلاً..واستحق العقوبة تاركه , لكن لو قال الواجب هو ما أمر به الشرع على سبيل الإلزام قد يكون يُشكل على الإنسان أكثر نعم.
الحاصل الآن السلف فسروا: {الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه}بأن الظالم لنفسه هو الذي يؤخِّر الصلاة عن وقتها , وأن المقتصد هو الذي يصليها في أول الوقت , وأن السابق للخيرات هو الذي يصليها في أول وقتها أو بعبارة أصح على وقتها لأجل يشمل من يصليها في أول الوقت فيما يستن تقديمه وفى آخره فيما يسن تأخيره , ولهذا جاء حديث ابن مسعود: ((الصلاة على وقتها)) لأن في بعض الصلوات يسن تأخيرها كالعشاء , وإذا قيل: المقتصد هو الذي يؤدي الزكاة الواجبة والسابق للخيرات هو الذي يؤدي الزكاة مع الصدقات المستحبة , والظالم لنفسه هو الذي لا يزكي فهل بين القولين تناقض؟ لا؛ لأنه ذكر كل واحدٍ على حدة أي لأن كل واحد منهم ذكر نوعاً يدخل في الآية مع أن الآية أعم من هذا , تشمل كل ما ينطبق عليه ظلم النفس والسبق والاقتصاد نعم.
سؤال طالب: إذا ورد النص بأحد المعنيين فهل يصح (غير مسموع) المعنى الآخر؟.
الشيخ: إي نعم يعني بأن تقول: وتشمل الآيات كذا وكذا..مع وجود النص.
_ قول الرسول صلى الله عليه وسلم بتفسير الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله؟
ردا على سؤال غير مسموع: نعم يعني منها أو يقال إنه ما في زيادة أعلى من هذا فتكون هي المرادة.(غير مسموع)
الشيخ: بالحد... عندي المطابق، لا بالحد المطابق. عندي حاشية يقول لشيخ الإسلام ابن تيمية بحث نفيس في هذا الموضوع في كتاب الرد على المنطقيين. يوجد عندكم (غير مسموع )؟ موجودة بالحاشية. _ (كلام غير واضح من الشيخ) نعم.
القارئ: " والعقل السليم يتفطن بالنوع كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف فقيل له هذا هو الخبز وقد يجيء كثيراً من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا لاسيما إذا كان المذكور شخصاً كأسباب النزول المذكورة في التفسير كقولهم إن آية الظهار نزلت في امرأة ثابت بن قيس بن شماس"
الشيخ: (إيه) أنا عندي ثابت والمعروف أوس بن الصامت.
أحد الحاضرين قال: يقول في الحاشية
الشيخ: وإيش يقول؟
أحد الحاضرين قال: يقول: المعروف في كتب التفسير أن آية الظهار وهي قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهَرُون مِنكُم مِّن نِّسائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهاَتُهُمُ} الآية في سورة المجادلة قد نزلت في خولة أو خويلة بنت ثعلبة زوج أوس بن الصامت وهو المشهور كذلك.
الشيخ: إي نعم لعله سهو من المؤلف أو سبقة قلم عندك أوس في الأصل والله الله أعلم إن كان النسخة (اللي) معي هي بخط المؤلف فهذا قد يكون سبق قلم أو سهو وإن كان (غير مسموع) عندكم فالمحشِّي معذور حيث حشى على شيء غلط.
القارئ: " كقولهم إن آية الظهار نزلت في امرأة أوْس بن الصامت إن آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني أو هـلال بن أمية وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله وإن قوله: {وَأَنِ أحكم بَينَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ} نزلت في بني قريظة والنضير وإن قـوله: {وَمَن يُّوَلِّهِم يَومَئِذٍ دُبُرَهُ} نزلت في بدر , وإن قوله:{شهاده بينكم إذا حضر أحدكم الموت} نزلت في قضية تميم الداري وعدي بن البدّاء , وقول أبي أيوب إن قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} نزلت فينا معشر الأنصار. الحديث.
ونظائر هذا كثير مما يذكرون أنه نزل في قومٍ من المشركين بمكة أو في قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى أو في قومٍ من المؤمنين , فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق , والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا (سقط) فلم يقل أحدٌ من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين , وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ. و الآية التي لها سبب معين".
الشيخ: وهذا القول هو الصحيح أنها تعم ذلك الشخص؛ لأنها تختص بنوع ذلك الشخص أو تعم نوع ذلك الشخص فقط , واضح؟. مثال ذلك.. وعلى كل حال هذا كله أمثلة هذه مثال ذلك: قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((ليس من البر الصيام في السفر )) , (( ليس من البر الصيام في السفر )) هذا اللفظ عام لكن سببه خاص بالنوع وخاص بالشخص , فهل نخصصه بذلك الشخص؟يقول شيخ الإسلام: ما أحد قاله من المسلمين. أو نخصصه بذلك النوع؟ نعم , يمكن إذا علمنا العلة والسبب أن العلة والسبب في ذلك النوع لا يتعدى لغيره فإننا نخصصه بذلك النوع , إذا أخذنا بالعموم (( ليس من البر الصيام في السفر )) قلنا إن الصيام في السفر ليس من البر سواء شق على الإنسان أم لم يشق , نعم , وإذا خصصناه بالشخص قلنا: ليس من البر باعتبار ذلك الرجل الذي رآه النبي عليه الصلاة والسلام عليه زحام مظلل عليه , كأنه قال: ليس صومه من البر , وهذا أيضاً خطأ , ما أحد يقوله من المسلمين مثل ما قال الشيخ.
وإذا قلنا: إنه خاص بالنوع قلنا ليس من البر الصيام في السفر فيمن حاله كحال ذلك الشخص يشق عليه فإنه ليس من البر أن يصوم في والسفر بخلاف من لا يشق , وهذا القول الوسط هو الصواب وأنه يجب أن يُعدَّ الحكم الوارد على سبب معين إلى نوع ذلك المعين فقط لا إلى العموم ولا أن يختص بنفس ذلك الشخص. أظن واضح الآن؟ طيب نعم.
سائل:لو قلنا يا شيخ لو خصصناه بعلة أخرى؟
الشيخ: لا , ربطه بعلته أولى إي نعم لأننا لو عممنا احتجنا إلى دليل على التخصيص لكن إذا.. كأنه من العام الذي أريد به الخصوص أحسن.
سائل: إذا لم يأت يعني فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ما يكون أولى إذا لم يأت(غير مسموع) عنه صلى الله عليه وسلم فيكون يعني من غير قوله صلى الله عليه وسلم أن الله يجب أن تؤتى رخصه كما يجب أن تترك محارمه؟.
الشيخ: إيه لكن فرق بين ليس من البر وبين كونه البر ألا يصوم لأن إذا صار ليس من البر فهو من الإثم.
السائل:... الإثم لأن الله سبحانه وتعالى رخص له هذا الشيء.
الشيخ: لكن الرخصة لا نؤثِّم من لم يفعلها اللهم إلا أن يعتقد بنفسه الاستغناء عن رخصة الله فهذا شيء آخر , يكون آثم من هذا النوع وأما رجل يقول الحمد لله الذي رخص لي لكن أنا قوي ونشيط.إي نعم
سائل: في صحة قصة سالم مولى أبى حذيفة فيمن تشبه حاله حال سالم.
الشيخ: إي نعم يمكن يصح , مع أن ما فيه عموم مثل هذه يعني بس قال(غير مسموع ) تحرمي عليه فقط فهو مطلق نعم.
السائل: تؤخذ القاعدة يا شيخ الأولى بعموم اللفظ لا بخصوص السبب من هذه؟
الشيخ: (منين)؟
_...............
الشيخ: لا من إجماع المسلمين على أن الآيات الواردة بسبب تعم.
_........................
الشيخ: نعم؟ الأخير هو الذي يجعل القاعدة فيه وإنما غاية ما يقال إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه.
سائل:هنا يقول: الأقاويل , هذه يعني كلمة قالها الله سبحانه وتعالى في {ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل} يعني أن هذا قول(غير مسموع)
الشيخ: لا الشيخ في كتابه هذا ما يريد هذا الأقاويل جمع قول فقط
_......................
_كالأساطير مثلاً..لا لا ما يريد هذا.
السائل: ممكن الإنسان يتكلم ويقصد به جمع قول.
الشيخ: نعم وهو كذلك نعم.
محمد أبو زيد
11-19-2008, 04:24 PM
قولُه: (فَصْلٌ في خلافِ السَّلفِ في التفسيرِ، وأنه خلافُ تنوُّعٍ , وَالْخِِلاَفُ بَيْنَ السَّلفِ في التَّفسيرِ قَلِيلٌ، وَخِلافُهُم في الأحْكَامِ أَكْثَرُ منْ خِلافِهِمْ في التَّفسيرِ، وغَالبُ ما يَصِِحُّ عَنْهُمْ من الخِلافِ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِلاَفِ تَنَوُّعٍ , لا اختلافِ تضادٍّ)
في هذه العبارةِ الموجَزةِ يَنُصُّ شيخُ الإسلامِ رَحِمَهُ اللَّهُ على أنواعِ الاختلافِ الواردِ عن السَّلفِ وهو نوعان: اختلافُ تنوُّعٍ واختلافُ تضادٍّ، ولم يُبَيِّن المؤلِّفُ المرادَ باختلافِ التنوُّعِ واختلافِ التضادِّ في هذا الكتابِ، ولكنه أشار إليه في كتابِ اقتضاءِ الصراطِ المستقيمِ.
واختلافُ التنوُّعِ هو ما يمكنُ اجتماعُه في المفسَّرِ بلا تعارُضٍ ولا تضادٍّ، إما لرجوعِ الأقوالِ على معنًى واحدٍ، وإما لتنوُّعِ الأقوالِ وتعدُّدِها من غيرِ مُعارِضٍ؛ أي: أن اختلافَ التنوُّعِ ينقسمُ إلى قسمين:
قِسمٌ يعودُ إلى معنًى واحـدٍ.
قسمٌ يعودُ إلى أكثرَ مِن معنًى، ولكن هذه المعانيَ غيرُ متناقِضةٍ ولا متضادَّةٍ، فإذا كانت غيرَ متناقِضةٍ فإنَّ الآيةَ تُحملُ على هذه الأقوالِ التي قالها السَّلفُ.
أما اختلافُ التضادِّ فهو الذي يَلزمُ من القولِ بأحدِ القولَيْن انتفاءُ الآخَرِ، وهو كما ذَكرَ المصنِّفُ قليلٌ.
ومثالُه قولُه تعالى: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} فالضَّميرُ في (نَاداها) يعودُ على مَن؟ قال بعضُ المفسِّرين: ناداها عيسى. وبعضُهم قال: ناداها جبريلُ. فهذا الاختلافُ يَرجعُ إلى أكثرَ مِن معنًى؛ لأنَّ المنادِيَ واحدٌ (الضميرُ ضميرُ المُفرَدِ)،فهو إما أن يكونَ عيسى وإما أن يكونَ جبريلَ، ولا يمكنُ أن يكونَ المنادِي هو جبريلُ وعيسى معًا، فهذا يُعتبرُ اختلافَ تضادٍّ؛ لأنه لا يمكنُ أن تحتملَ الآيةُ المعنَيَيْن معًا. وستأتي - إنْ شاءَ اللَّهُ - تطبيقاتٌ عليه.
قولُه: (وَذَلِكَ صِنْفَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُعَبِّرَ كُلُّ وَاحِدٍ منْهُمْ عَنِ المُرَادِ بعبارَةٍ غَيرِ عِبَارَةِ صَاحِبِهِ، تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى في المُسَمَّى غَيرِ الْمَعنَى الآخَرِ، مَعَ اتِّحادِ الْمُسَمَّى، بِمنْزِلَةِ الأَسْمَاءِ الْمُتَكَافِئَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمُتَرَادِفَةِ وَالْمُتَبَايِنَةِ، كَمَا قِيلَ في اسْمِ السَّيفِ: الصَّارمُ والْمُهَنَّدُ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الحُسْنَى، وَأَسْمَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ وَأَسْمَاءِ القُرْآنِ؛ فَإنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ كُلَّهَا تَدُلُّ عَلَى مُسَمًّى واحِدٍ.
فَلَيْسَ دُعَاؤُهُ بِاسْمٍ منْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى مُضَادًّا لِدُعائِهِ بِاسْمٍ آخَرَ، بَلْ إِنَّ الأَمْرَ كَمَا قَالَ تعالَى: قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ ] سُورَة الإِسْرَاءِ: 110، مـَا ذِكْرُهُ؟ فيُقَالُ لَه: هـُوَ القُرْآنُ. مَثَلاً، أَوْ مَا أَنْزَلَهُ من الكُتُبِ، فَإِنَّ الذِّكْرَ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ تَارَةً يُضَافُ إِلَى الفَاعِلِ، وَتَارَةً إِلَى الْمَفعُولِ، فَإِذَا قِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي، كَانَ مَا يُذْكَرُ بِهِ؛ مِثْلُ قوْلِ العَبْدِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، والحمْدُ للهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أكْبَرُ. وإِذَا قِيلَ بِالْمَعْنَى الأَوَّلِ، كَانَ: مَا يذكُرُهُ هُوَ، وهُوَ كلامُهُ، وهَذَا هُوَ المُرادُ في قولِهِ: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي ؛ لأنَّهُ قَالَ قبلَ ذلِكَ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى ] سُورَة طَه: 123 وَالمقصُودُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الذِّكْرَ هُوَ كَلامُهُ الْمُنَزَّلُ، أَوْ هُوَ ذِكْرُ العَبْدِ لَهُ، فَسَوَاءٌ قِيلَ: ذِكْرِِي كِتَابِي، أَوْ: كَلاَمِي، أَوْ: هُدَايَ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ المُسَمَّى واحِدٌ).
السائلُ الآنَ يريدُ أن يعرِفَ ما هو الذِّكرُ المرادُ في قولِه تعالى: {ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي}؟ والذِّكْرُ هنا يحتملُ أن يكونَ يُرادُ به ما يَذكُرُ به العبدُ ربَّه , وهو قولُه: سبحانَ اللَّهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلا اللَّهُ. فهذه تسمَّى أذكارًا، ويحتملُ أن يكونَ المرادُ بالذِّكرِ هنا هو القرآنَ، ويعبِّرُ عن القرآنِ بالذِّكرِ أو بالكلامِ أو بالهُدى، فيكونُ المعنى {ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} أي: كلامي، أو هُدايَ، أو كتابي؛ لأنَّ هذه الألفاظَ وإن كانتْ معانيها مختلفةً فإنها تدلُّ على شيءٍ واحدٍ وهو القرآنُ.
فيقالُ للسائلِ هنا: {ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} هو القرآنُ؛ لأنَّ مرادَه هو السؤالُ عن المقصودِ بالذِّكرِ، وليس السؤالَ عن معناهُ اللغويِّ.
قولُه: (وَإِنْ كَانَ مَقصُودُ السَّائِلِ مَعْرِفَةَ مَا في الاسْمِ من الصِّفَةِ المختصَّةِ بِهِ، فَلا بُدَّ منْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى تَعْيِينِ الْمُسَمَّى؛ مِثلُ أَنْ يَسْأَلَ عَن: الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ اللَّهُ، لَكِنَّ مُرَادَهُ: مَا مَعْنَى كَونِهِ قدُّوسًا سَلامًا مُؤمنًا؟ وَنَحْوَ ذلِكَ).
هذا هو الاحتمالُ الثاني: أن يكونَ السائلُ يعرفُ أنَّ المرادَ بـ (ذِكري) هو كتابُ اللَّهِ، لكنَّه يريدُ أن يعرفَ معنى لفظِ (ذكري) ما معناها؟
ومثلُه ما ذَكرهُ في المثالِ الآخَرِ (القُدُّوس) فالسائلُ يعرفُ أنَّ القدوسَ هو اللَّهُ , لكنه يريدُ أن يعرفَ ما معنى هذه الكلمةِ؟ فهو يسألُ عن الوصفِ الزائدِ عن المسمَّى الذي هو الصِّفةُ في القُدُّوسِ.
أيضًا (السلامُ) ما معنى السلامِ؟
فالنظَرُ هنا إلى مقصودِ السائلِ، فأحيانًا يكونُ مقصودُ السائلِ معرفةَ المسمَّى دونَ النظَرِ إلى معنى العبارةِ، وأحيانًا يكونُ السائِلُ يَعرفُ المسمَّى , لكنه يريدُ أن يعرفَ المعنى الذي في العبارةِ.
قولُه: (إِذَا عُرِفَ هَذَا فَالسَّلَفُ كَثِيرًا مَا يُعَبِّرُونَ عَن المُسَمَّى بِعِبَارَةٍ تَدُلُّ علَى عَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا من الصِّفَةِ مَا لَيْسَ في الاسْمِ الآخرِ، كَمَنْ يقُولُ: أحمدُ هُوَ الحاشرُ، وَالْمَاحِي، وَالعَاقِبُ. والقُدُّوسُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ؛ أيْ: أَنَّ المُسَمَّى واحِدٌ , لا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هيَ هَذِهِ الصِّفَةُ)
هذه فائدةٌ مُهِمَّةٌ في التفسيرِ وفي غيرِه، وهي أن نعرفَ أن السَّلفَ كثيرًا مـا يُعبِّرُون عن المسمَّى بعبارةٍ تُنَزَّلُ على عَينِه، ولا يعني هذا أنها مطابِقةٌ له في المعنى، لكنها تدلُّ على عَينِ المسمَّى.
فعندَما أقولُ: أحمدُ هو الحاشِرُ، ليس المرادُ أنَّ معنى أحمدَ هو معنى الحاشِرِ،وإنما المرادُ أنَّ أحمدَ هو الحاشِرُ , وهو الماحِي , وهو كذا. وستأتِينا في التفسيرِ أمثِلةٌ لهذا , إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
قولُه: (وَمَعْلُومٌ أنَّ هَذَا لَيْسَ اخْتِلافَ تَضَادٍّ كَمَا يَظُنُّهُ بعْضُ النَّاسِ، مِثَالُ ذَلِكَ تَفْسِيرُهُمْ لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ القُرْآنُ؛ أَي اتِّبَاعُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمذِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ منْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ: ((هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَالذِّكرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ )). وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الإسْلامُ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمذِيُّ، وغيرُهُ: ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنَبَتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ، وَ فِي السُّورَيْنِ أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَدَاعٍ يَدْعُو منْ فَوْقِ الصِّراطِ، ودَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ )). قَالَ: ((فَالصِّراطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الإسْلامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ، وَالأبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي علَى رَأْسِ الصِّراطِ كِتَابُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّراطِ وَاعِظُ اللَّهِ في قَلْبِ كُلِّ مُؤْمنٍ )) .
فَهَذَانِ القَوْلانِ مُتَّفِقَانِ؛ لأنَّ دِينَ الإسْلامِ هُوَ اتِّباعُ القُرْآنِ، ولكنْ كُلٌّ منْهُمَا نَبَّهَ عَلَى وَصْفٍ غَيرِ الوَصْفِ الآخرِ، كَمَا أَنَّ لَفْظَ الصِّراطِ يُشْعِرُ بِوَصْفٍ ثَالثٍ، وَكَذلِكَ قَوْلُ مَنْ قالَ: هُوَ السُّنَّةُ وَالجَمَاعَةُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ طَريقُ العبوديَّةِ، وَقوْلُ مَنْ قَالَ: هُو طاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ وأمثالُ ذلِكَ .
فَهَؤُلاَءِ كلُّهُمْ أَشَارُوا إِلىَ ذَاتٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنْ وَصَفَهَا كُلٌّ منْهُمْ بِصِفَةٍ منْ صِفَاتِهَا).
المثالُ الذي طرَحَه هنا هو تفسيرُ السَّلَفِ لقولِه تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} فذَكرَ جملةً من الأقوالِ، فبعضُهم قال: إنَّ الصراطَ هو القرآنُ. ومنهم مَن قال: إنَّ الصراطَ هو الإسلامُ. ومنهم مَن قال: هو السُّنَّةُ والجماعةُ. ومنهم مَن قال: هو طريقُ العبوديةِ. ومنهم مَن قالَ: هي طاعةُ اللَّهِ ورسولِه.
فهذه العباراتُ إذا نظرْتَ إليها وجدْتَها مختلفةً من جهةِ الألفاظِ، لكنَّها متَّفِقةٌ من جهةِ دلالَتِها على شيءٍ واحدٍ، وبينَها تلازُمٌ؛ لأنَّ السُّنةَ والجماعةَ هي طريقُ العبوديةِ، ولا يمكنُ أن تُسلَكَ بغيرِ القرآنِ , والقرآنُ مستلزِمٌ للإسلامِ، وكذلك طاعةُ اللَّهِ ورسولِه. فهذه الأقوالُ بينَها تلازُمٌ , وهي تعودُ إلى ذاتٍ واحدةٍ , كما ذَكرَ المصنِّفُ رحمهُ اللَّهُ.
فإذا عُبِّرَ عن الصراطِ بأنه القرآنُ أو بأنه الإسلامُ، أو بأنه اتِّباعُ طريقِ أبي بكرٍ وعمرَ مَثَلًا، فهذا كلُّه صحيحٌ؛ لأنَّه يرجِعُ إلى ذاتٍ واحدةٍ , وهي الصراطُ المستقيمُ.
وهنا فائدةٌ يَحسُنُ التنبيهُ إليها وقد أشرتُ إليها في الدرسِ السابقِ تتعلَّقُ ببيانِ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ للقرآنِ، وهي أنه يُوجدُ في كلامِ شيخِ الإسلامِ المتقدِّمِ ما يدلُّ على أنَّ الصراطَ المستقيمَ هو القرآنُ أو الإسلامُ، وذلك في حديثِ علِيٍّ المتقدِّمِ – وإن كان في سنَدِه مقالٌ – قال: ((هو حَبلُ اللَّهِ المتينُ والذِّكرُ الحكيمُ وهو الصراطُ المستقيمُ)) وفي الحديثِ الآخَرِ قال: ((فالصراطُ المستقيمُ هو الإسلامُ ))، والرسولُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ وإن كان لم يَذكُرْ هذين الحديثَيْن في مقامِ التفسيرِ إلا أنَّ بينَهما وبينَ المعنى المذكورِ في الآيةِ توافُقًا من جهةِ المعنى، ومادام الأمرُ كذلك فيُمكنُ أن يقالَ: إنَّ الصراطَ المستقيمَ الذي في الآيةِ هو الصراطُ الذي ذَكرَهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ في الحديثِ؛ لأنَّ السُّنةَ تُفسِّرُ القرآنَ، ولكنَّ الذي رَبَطَ بينَ المَعنَيَيْنِ هو المفسَّرُ، وسيأتي الكلامُ على هذه المسألةِ فيما بعدُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
الدرسُ السادسُ
قولُه: (الصِّنفُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ كُلٌّ منْهُمْ مِن الاسْمِ العَامِّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمثيلِ، وَتَنْبِيهِ الْمُسْتَمِعِ عَلَى النَّوعِ، لاَ علَى سَبِيلِ الْحَدِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَحْدُودِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ، مِثلُ سَائلٍ أَعْجَمِيٍّ سَأَلَ عَنْ مُسَمَّى لَفْظِ " الخُبْزِ " فَأُرِيَ رَغِيفًا، وَقِيلَ: هَذَا. فَالإِشَارَةُ إِلَى نَوْعِ هَذَا، لاَ إِلَى هَذَا الرَّغيفِ وحدَهُ)
يُفهَمُ من هذا أنَّ هناك لفظًا عامًّا يحتاجُ إلى تفسيرٍ. وهناك أقوالٌ للمفسِّرينَ جاءتْ على سبيلِ التمثيلِ، فإذا نظرْنَا إلى هذه الأقوالِ فإنَّا نَحمِلُها على التمثيلِ , لا على التخصيصِ.
إذًا هذه قاعدةٌ مهِمَّةٌ وهي أنَّ الأصلَ في تفسيرِ السَّلفِ للعمومِ أنه على التمثيلِ , لا على التخصيصِ، وسيأتي من خلالِ الأمثلةِ ما يبيِّنُ ذلك.
ثم إنَّ المصنِّفَ ذَكرَ هنا قضيةَ الحدِّ المطابِقِ , وذلك للردِّ على المَناطِقَةِ، وذلك أنَّ التحديدَ الدقيقَ للمصطلحاتِ الشرعيةِ ليس دائمًا صحيحًا، ومِن ثَمَّ لا يُستفادُ من هذا الحدِّ المطابِقِ في العلمِ بحقيقةِ الشيءِ ومعرفَتِه.
فلو قال قائلٌ مثلًا: عرِّفِ الصلاةَ. فقلتَ له: هي أقوالٌ وأفعالٌ مخصوصةٌ مُبْتَدَأَةٌ بالتكبيرِ , ومُخْتَتَمةٌ بالتسليمِ. فمِثلُ هذا التعريفِ هل يَحتاجُ إليه المسلمُ لمعرفةِ معنى الصلاةِ؟
وكذلك تعريفاتُ العلومِ مِثلِ علمِ الفقهِ، وعلمِ الأصولِ، وعلمِ التجويدِ، وغيرِ ذلك، ولهذا إذا أردتَ مثلًا أن تُعرِّفَ عِلمَ أصولِ الفقهِ تعريفًا جامعًا مانعًا فإنَّ هذا لا يُمكنُ؛ لأنَّ طلبَ الحدِّ المطابِقِ فيه نوعٌ من التعجيزِ، ولذلك فإنه يُكتفَى في التعريفِ بالوصفِ الذي يوضِّحُ مدلولَ العِلمِ، ولا يلزمُ ذِكرُ الحدِّ المطابِقِ تمامًا؛ لأنَّ المرادَ هو إفهامُ السامعِ، وذلك يتحقَّقُ بدونِ ذكرِ التحديدِ الدقيقِ لبعضِ المصطلحاتِ العلميَّةِ أو الشرعيةِ. وهذه فائدةٌ علميةٌ نبَّه عليها شيخُ الإسلامِ في الردِّ على المنطِقِيِّين.
ولهذا من الأشياءِ التي اطَّلعْتُ عليها في هذا المجالِ أنَّ أحدَ الذين كتَبُوا في علومِ القرآنِ أراد أن يُعرِّفَ علومَ القرآنِ، فاعترضَ على مؤلِّفٍ سابقٍ في تعريفِه لعلومِ القرآنِ بأنَّ تعريفَه غيرُ جامعٍ ولا مانِعٍ، ولمَّا ذَكرَ هو التعريفَ المختارَ عندَه لم يَستطِعْ أن يأتيَ بتعريفٍ جامعٍ مانعٍ؛ لأنه لا يمكنُ لإنسانٍ أن يأتيَ بتعريفٍ جامعٍ مانعٍ لعلومِ القرآنِ، ومِن ثَمَّ يُكتفَى بالإشارةِ إلى أمثلةٍ لهذا العِلمِ، فيقالُ: إنه العِلمُ الذي يبحثُ في مكِّيِّ السُّوَرِ ومَدَنِيِّها وناسِخِها ومنسوخِها ومُطلَقِها ومُقيَّدِها وأسبابِ نزولِها...إلخ. فهذا كافٍ في تصوُّرِ السائلِ لما يَدورُ عليه هذا العِلمُ، وإذا فَهِمَ هذا فإنه يُريحُ نفسَه كثيرًا من بعضِ التحديداتِ الدقيقةِ المتكلَّفةِ والمعقَّدةِ التي توجدُ في تعريفاتِ بعضِ العلومِ.
قولُه: (مِثَالُ ذَلِكَ مَا نُقِلَ في قولِهِ : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا منْ عِبَادِنَا فَمنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ] فاطر: 32 ]
فَمَعْلُومٌ أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ يَتَنَاوَلُ المُضَيِّعَ لِلْوَاجِبَاتِ، والمنْتَهِكَ لِلْمُحَرَّمَاتِ، وَالْمُقْتَصِِدُ يَتَنَاوَلُ فَاعِلَ الْوَاجِبَاتِ وَتَارِكَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالسَّابقُ يَدْخُلُ فِيهِ منْ سَبَقَ فَتَقَرَّبَ بِالْحَسَنَاتِ مَعَ الْوَاجِبَاتِ، فَالْمُقْتَصِِدُونَ هُمْ أَصْحَابُ اليَمِينِ، وَالسَّابقُونَ أُولَئِِكَ الْمُقرَّبُونَ.
ثُمَّ إِنَّ كُلاًّ منْهُمْ يَذْكُرُ هَذَا في نَوْعٍ منْ أَنْواعِ الطَّاعاتِ، كقَوْلِ القائِلِ: السَّابقُ الَّذِي يُصَلِّي في أَوَّلِ الوَقْتِ، وَالمُقْتَصِدُ الَّذِي يُصَلِّي فِي أَثْنَائِهِ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ: الَّذِي يُؤَخِّرُ العَصْرَ إِلَى الاصْفِرَارِ، أَوْ يقُولُ: السَّابقُ وَالْمُقْتَصِدُ قَدْ ذكرَهُمْ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَإنَّهُ ذَكَرَ الْمُحْسِنَ بِالصَّدَقَةِ، وَالظَّالمَ بِأَكْلِِ الرِّبَا، وَالعَادِلَ بِالبَيْعِ. وَالنَّاسُ في الأَمْوَالِ إمَّا مُحْسِنٌ، وإمَّا عادِلٌ، وإمَّا ظالمٌ. فَالسَّابقُ المحسِنُ بِأَدَاءِ الْمُسْتَحَبَّاتِ مَعَ الوَاجِبَاتِ، وَالظَّالِمُ آكِلُ الرِّبَا، أَوْ مَانِعُ الزَّكَاةِ، وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَلاَ يَأْكُلُ الرِّبَا. وَأَمْثَالُ هَذِهِ الأَقَاوِيلِ.
فَكُلُّ قَولٍ فِيهِ ذِكْرُ نَوْعٍ دَاخِلٍ في الآيَةِ، إنَّمَا ذُكِرَ لِتَعْرِيفِ الْمُسْتَمِِعِ بِتَنَاوُلِ الآيةِ لَهُ، وَتَنْبِيهِهِ بِهِ عَلَى نَظِيرِهِ، فَإِنَّ التَّعْرِيفَ بِالْمِثَالِ قَدْ يَسْهُلُ أَكْثَرَ منْ التَّعريفِ بِالْحَدِّ الْمُطَابِِقِ. وَالعَقْلُ السَّليمُ يَتَفَطَّنُ لِلنَّوعِ، كمَا يَتَفَطَّنُ إِذَا أُشِيرَ لهُ إلى رَغِيفٍ، فَقِيلَ له:ُ هَذَا هُوَ الْخُبْزُ.)
مثالُ اختلافِ التنوُّعِ الراجعِ إلى التفسيرِ بالمثالِ قولُه تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سابِقٌ بالخَيراتِ} ذَكرَ بعضُهم أنَّ السَّابِقَ هو الذي يُصلِّي في أوَّلِ الوقتِ، والمقتصِدَ الذي يُصلِّي في أثنائِه، والظالِمَ لنَفسِه هو الذي يؤخِّرُ العصرَ إلى الاصفرارِ. فمَن فسَّرَ هذه الآيةَ بهذا التفسيرِ اقتصر على نوعٍ من أنواعِ الطاعاتِ , وهو الصلاةُ المفروضةُ , وأداؤُها في الوقتِ المحدَّدِ، ولكنَّ ذلك لا يعني أنَّ غيرَ ما ذُكِرَ لا يَدخُلُ في مفهومِ الآيةِ؛ لأنَّ هذا من بابِ التفسيرِ بالمثالِ.
ومنهم مَن قالَ: السابِقُ هو المُحسِنُ بأداءِ المستحبَّاتِ مع الواجباتِ؛ أي: أنه يؤدِّي الزكاةَ ويُنفِقُ إنفاقًا زائدًا على الزكاةِ. والظالِمُ لنَفْسِه آكِلُ الرِّبا أو مانعُ الزكاةِ , والمقتصدُ الذي يؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ ولا يأكُلُ الرِّبا، ولا يُنفقُ أكثرَ من الزكاةِ , فهذا التفسيرُ أيضًا للآيةِ إنما هو بنوعٍ آخَرَ من أنواعِ الطَّاعاتِ , وهو الزكاةُ، ولا يعني هذا عدمَ دخولِ غيرِها من الطاعاتِ في مفهومِ الآيةِ؛ لأنَّ هذا من بابِ التفسيرِ بالمثالِ، فيمكنُ أنْ تُرتِّبَه على أيِّ نوعٍ آخَرَ من أنواعِ الطاعاتِ كَبـِرِّ الوالدَين وتلاوةِ القرآنِ وغيرِ ذلك.
وأضْرِبُ لذلك مثالًا آخَرَ , وهو قولُه تعالى: {وَلَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} قال بعضُ السَّلفِ: النعيمُ الأكلُ والشُّربُ، وقال بعضُهم: النعيمُ الصِّحةُ والأمنُ، وقال بعضُهم: النعيمُ هو الماءُ الباردُ في الليلةِ الصائفةِ والماءُ الحارُّ في الليلةِ الشاتِيَةِ. فما ذُكِرَ في هذه الأقوالِ ليس هو كلَّ النعيمِ، وإنما هو أمثلةٌ للنعيمِ، ولذلك فإنَّ عباراتِ السَّلَفِ في مِثلِ هذا تُحملُ على المثالِ , لا على التخصيصِ، فما ذُكرَ لا يَدخُلُ في النَّعيمِ ويدخلُ معه غيرُه مما لم يُذكَرْ؛ لأنَّ النعيمَ هو كلُّ ما يَتنَعَّمُ به الإنسانُ، ويدلُّ لذلك ما وَردَ في الحديثِ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ قال لأبي بكرٍ وعُمرَ لمَّا أكلوا من طعامِ الأنصارِيِّ: ؟؟؟؟؟ (({وَلَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ})). فأرادَ أن يُنبِّهَهم إلى أنَّ هذا الأكلَ من النعيمِ الذي يُسأَلون عنه.
وقد نبَّهَ المصنِّفُ هنا إلى ما ذُكِرَ سابِقًا مِن أنَّ التعريفَ بالمثالِ قد يُسهِّلُ أكثرَ من التعريفِ بالحدِّ المطابِقِ، والعقلُ السليمُ يتفطَّنُ للنوعِ كما يَتفطَّنُ إذا أُشيرَ إلى الرغيفِ , وقيل: هذا هو الخُبزُ.
وينبغي التَّنبيهُ إلى أنه إذا فَسَّرَ الرسولُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ الآيةَ بتفسيرٍ، وكانتْ عبارةُ القرآنِ أعمَّ وأشملَ من تفسيرِه صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ، فإذا كانت عبارةُ القرآنِ تحتملُ غيرَ ما قالَه صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ فإنه يجوزُ أن تُفسَّرَ به، ولكن لا يُرَدُّ قولُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ.
ومثالُ ذلك قولُه تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}. فَسَّرَها صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ بقولِه: ((ألا إنَّ القوَّةَ الرَّمْيُ, ألا إنَّ القوَّةَ الرَّميُ)) فقولُه تعالى: {مِنْ قُوَّةٍ} نكرةٌ دالَّةٌ على العمومِ؛ لأنَّها مؤكَّدةٌ بـ " مِن " فهي تشملُ أيَّ قوةٍ سواءٌ كانت رميًا أو غيرَه. ولكنه صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ لمَّا فسَّرَها بالرميِ أرادَ أن يُمثِّلَ لأعلى قوَّةٍ تُؤثِّرُ في العدُوِّ، ومن الملاحَظِ أنَّ الحروبَ كلَّها من بدءِ الخلقِ إلى اليومِ تقومُ على الرَّمْيِ، فربما كانت السِّهامَ والمَنْجَنِيقَ واليومَ الطائراتِ والصواريخَ، وهذا التفسيرُ منه صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ لا يعني أنَّ غيرَ الرميِ من أنواعِ القوَّةِ لا يدخُلُ في مفهومِ الآيةِ، ولهذا فسَّرَ السَّلفُ القوةَ بذكورِ الخيلِ، وفسَّرَها بعضُهم بالسيوفِ والرماحِ , إلى غيرِ ذلك من التفسيراتِ، لكن ينبغي أن يكونَ ذِكرُ مثلِ هذه التفسيراتِ في حدودٍ ضيقةٍ؛ لأنَّ تفسيرَه صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ لا يُقارَنُ بتفسيرِ غيرِه.
هذا مُلخَّصٌ لما تناولَه شيخُ الإسلامِ في هذا الفصلِ , وهو (فصلٌ في خلافِ السَّلفِ في التفسيرِ)
فقدْ جعل الاختلافَ بينَ السَّلفِ على نوعَيْن: اختلافُ التنوُّعِ واختلافُ التضادِّ، واختلافُ التضادِّ هو أن يَرِدَ قولان لا يمكنُ اجتماعُهما في المفسَّرِ، فإذا قيلَ بأحدِهما انتفَى الآخَرُ.
واختلافُ التنوُّعِ هو أن يَرِدَ قولان يمكنُ اجتماعُهما في المفسَّرِ، وهو على نوعَين: ما يكونُ الخلافُ فيه راجعًا إلى معنًى واحدٍ، وما يكونُ الخلافُ فيه راجِعاً إلى أكثرَ من معنًى.
ثم ذَكَرَ أنَّ النوعَ الأولَ هو أن يعبِّرَ كلُّ واحدٍ منهما عن المُرادِ بعبارةٍ غيرِ عبارةِ صاحبِه تدلُّ على معنًى في المسمَّى غيرِ المعنى الآخَرِ مع اتحادِ المسمَّى، قال: بمنزلةِ الأسماءِ المتكافِئةِ، وهي التي تتَّفِقُ في الذاتِ وتختلفُ في المعنى، ومَثَّلَ لذلك بما وَردَ في أسماءِ السيفِ، وأسماءِ اللَّهِ , وأسماءِ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ , وأسماءِ القرآنِ.
ثم انتقَلَ إلى قضيةٍ أُخرى تتعلَّقُ بمقصودِ السائِلِ، فأحيانًا يكونُ مقصودُه تعيينَ المسمَّى، وأحيانًا يكونُ قَدْرًا زائِدًا على تعيينِ المسمَّى , وهو أنه يريدُ أنْ يعرفَ الصِّفةَ التي في ذلك المسمَّى، فإذا كان مقصودُه تعيينَ المسمَّى فإنه يُعبَّرُ له بأيِّ عبارةٍ تدلُّ عليه، واسْتَشْهَدَ لذلك بقولِه تعالى: {وَمْنَ أَعْرَضَ عَنْ ذِكرِي} فيقالُ: ذِكرُه كتابُه أو كلامُه أو هُداه، فكلُّ هذه تعبيراتٌ صحيحةٌ، فيه تعبيرٌ عن الذاتِ بشيءٍ من أوصافِها.
أمَّا إذا كان مقصودُ السائِلِ معرفةَ ما في الاسمِ من صفةٍ فهذا لا بدَّ من تعريفِه بالمعنى الذي تَتَضَمَّنُه هذه الصفةُ، وذلك مِثلُ " العليمُ " فهو يسألُ عن معنى العِلمِ في هذا الاسمِ، أو " الرحيمُ " يسألُ عن معنى الرحمةِ، أو " الغفورُ " فهو يسألُ عن معنى المغفرةِ في هذا الاسمِ، وليس مرادُه معرفةَ مَن هو الغفورُ؟ فيقالَ له: هو اللَّهُ.
ثم ذَكرَ أنَّ هذا النوعَ ليس اختلافَ تضادٍّ، ونظَّرَ له بتفسيرِ قولِه تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} وذَكرَ جملةَ أقوالٍ , من أشهرِها تفسيرُه بالقرآنِ أو بالإسلامِ، وهما قولانِ متَّفِقان؛ لأنَّ بينَهما تلازُماً، فدينُ الإسلامِ كتابُه القرآنُ، والقرآنُ يتضمَّنُ شريعةَ الإسلامِ، ولهذا لو قِيلَ بغيرِ هذا مما يدلُّ على هذا المعنى لجَازَ، كالأقوالِ التي ذَكرَها المصنِّفُ بعدَ ذلكَ، كقولِ مَن قال: هو السُّنةُ والجماعةُ، وقولِ مَن قالَ: هو طريقُ العبوديَّةِ، إلى غيـرِ ذلكَ.
ثم ذَكرَ المصنِّفُ الثانيَ من أصنافِ اختلافِ التنوُّعِ، وهو أن يُذكرَ للمعنَى العامِّ مَثَلٌ ؟؟؟ هل، مثَّل لذلك بقولِه تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا، فمِنْهُمْ ظَالِمٌ لنَفْسِهِ ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ}. فبعضُ المفسِّرِين جعلَها في أوقاتِ الصلاةِ، وبعضُهم جعلَها في المالِ، وذلك على سبيلِ المثالِ، فكلُّ عملٍ من أعمالِ الخيرِ ينقسِمُ الناسُ فيه إلى ظالِمٍ لنفْسِه , ومقتصدٍ , وسابقٍ بالخيراتِ.
الدرسُ السـابِعُ
قولُه: (وَقَدْ يَجِيءُ كَثِيرًا منْ هَذَا البَابِ قَوْلُهُم: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي كَذَا، لا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْمَذْكُورُ شَخْصًا، كَأَسْبَابِ النُّزولِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّفسيرِ، كَقَوْلِهِم: إِنَّ آيَةَ الظِّهارِ نَزَلَتْ في امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وَإِنَّ آيةَ اللِّعانِ نَزَلَتْ في عُوَيْمِرٍ العَجْلانيِّ، أَوْ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ، وَإِنَّ آيَةَ الكَلالَةِ نَزَلَتْ فِي جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَإِنَّ قولَهُ: وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ] سُورَة الْمَائِدَةِ: 49سُورَةُ الأَنْفَالِ: 16سُورَة الْمَائِدَةِ: 106 نَزَلَـَتْ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ... الحديثَ. وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرٌ ممَّا يَذْكُرُونَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي قَوْمٍ من الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، أَوْ فِي قَوْمٍ منْ أَهْلِ الكِتَابِ؛ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَوْ فِي قَومٍ من الْمُؤمِنِينَ. فَالَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لَمْ يَقْصِدُوا أَنَّ حُكْمَ الآيةِ مُختَصٌّ بِأُولئِكَ الأَعْيَانِ دُونَ غَيْرِهِم؛ فَإِنَّ هَذَا لا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ , وَلاَ عَاقِلٌ عَلَى الإِطْلاَقِِ)
في هذه الجملةِ ينبِّهُ شيخُ الإسلامِ إلى أن ما يُحكَى من أسبابِ النـزولِ عن السَّلفِ فإنه يَحمِلُه على المثالِ إذا تعدَّدتِ الحكايةُ في سببِ النـزولِ، بمعنى أنَّك إذا وجَدْتَ آيةً حـُكِيَ أنها نَزلتْ في فلانٍ، وحكى ثانٍ أنها نزلَتْ في فلانٍ , وحَكَى ثالثٌ أنها نزَلَتْ في فلانٍ؛ فإنَّ هذا الخلافَ يُعتبرُ اختلافَ تنوُّعٍ , ولا يُعتَبَرُ اختلافَ تناقُضٍ. وهذه فائدةٌ مهِمَّةٌ ينبغي التركيزُ عليها.
وسواءٌ كانَ سببُ النزولِ صريحًا أم غيرَ صريحٍ؛ فإنَّ القاعدةَ العامَّةَ هي أنَّ أسبابَ النزولِ تعتبرُ أمثلةً للعمومِ الواردِ في الآيةِ؛ لأنَّ العبرةَ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السَّببِ.
ولو رجعتَ ـ مثلًا ـ إلى ما قيلَ في المرادِ بالأبتَرِ في قولِه سبحانَه وتعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} فإنَّكَ سَتَجِدُ أقوالًا فيها تعيينُ الأبترِ، فقيل: هو العاصُ بنُ أميَّةَ، وقيلَ: الوليدُ بنُ المغيرةِ، وقيل: أبو جهلٍ، وقيل غيرُ ذلك.
وإذا نظرتَ في هؤلاءِ الثلاثةِ وجدتَ أنَّ معنى الآيةِ {إنَّ شَانِئَكَ} أي: مُبْغِضَكَ {هُوَ الأَبْتَرُ} أي: الأقطعُ عن الخيرِ، يصْدُقُ على كلِّ واحدٍ منهم , فكلُّ واحدٍ منهم يُعتبرُ مثالًا لمَن أَبغضَ الرسولَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ , وهو مقطوعٌ عن الخيرِ.
ولو قيل أيضًا: إنَّ المرادَ بها أبو لهبٍ لَصَحَّ ذلك؛ لأنه مُبغِضٌ للرسولِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ , وهو مقطوعٌ عن الخيرِ، وهكذا غيرُه مِن المشركين.
فالمقصودُ إذَنْ أنَّ أسبابَ النـزولِ تُعتبرُ أمثلةً أيـًّا كانت صيغةُ هذا النـزولِ؛ ولهذا قد يَرِدُ عن المفسِّرِ الواحدِ من السَّلفِ أنها نـزلتْ في فلانٍ، ويَرِدُ عنه أنها نزلتْ في غيرِه؛ لأنها من بابِ التمثيلِ.
قال المصنِّفُ: " فالذين قالوا بالنـزولِ لم يَقصِدُوا أنَّ حكمَ الآيةِ مختصٌّ بأولئكَ الأعيانِ دونَ غيرِهِم " لأنَّكَ لو قُلتَ: إنها مختصَّةٌ بأولئكَ الأعيانِ، فإنَّ العبرةَ عندَكَ هنا تكونُ بخصوصِ السَّببِ، ومِن ثَمَّ فإنَّه لا يدخُلُ في عمومِ اللفظِ أحدٌ غيرُ مَن وردتْ في شأنِه.
قال المصنِّفُ: " فإنَّ هذا لا يقولُه مسلمٌ ولا عاقلٌ على الإطلاقِ ". يعني: أنَّ كونَ الآيةِ نَزلَتْ في فلانٍ , ولا تتعدَّاهُ، فيقولُ مثلًا: إنَّ آيةَ الظِّهارِ نزلَتْ في أوسِ بنِ الصامِتِ , فهي تختصُّ بأوسِ بنِ الصامِتِ , ولا تتعدَّاهُ. فيَنقَطِعُ الحكمُ، هذا لا يقولُه أحدٌ، بل الصوابُ أنَّ أوسَ بنَ الصامِتِ هو سببُ النـزولِ , لكنه يُعتبرُ مثالًا للعمومِ الواردِ في الآيةِ. وسيأتي إن شاءَ اللَّهُ تعالى في التطبيقِ أمثلةٌ من هذا النوعِ، وسوف يَظهرُ من نِقاشِها أنها من بابِ التمثيلِ.