محمد أبو زيد
12-01-2008, 07:56 AM
(قَوْلُهُ: وَلَمَّا حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَصَلَّى إلخ)، المُنَاسِبُ لِمَا صَنَعَهُ في دخولِهِ على الصلاةِ أنْ يَقُولَ: وَلَمَّا حَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى على نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ تعالى الإعانةَ على ما قَصَدَ فَقَالَ، إِلَّا أنْ يُقَالَ إِنَّهُ تَفَنَّنَ في الدخولِ.
(قَوْلُهُ: قالَ)، جوابُ لَمَّا.
(قَوْلُهُ: وَنَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا إلخ)، اعْتُرِضَ بأنَّ مَقَامَ السؤالِ مَقَامُ ذِلَّةٍ وَخُضُوعٍ، فلا يُنَاسِبُهُ الإتيانُ بنونِ العَظَمَةِ، فكانَ الأَوْلَى أنْ يَقُولَ: وَأَسْأَلُ اللَّهَ لِي إلخ. وَأُجِيبَ بأنَّهُ أَتَى بِنُونِ العَظَمَةِ إِظْهَارًا لِتَعْظِيمِ اللَّهِ لهُ تَحَدُّثًا بِالنِّعْمَةِ، لقوْ لِهِ تَعَالَى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}، وَهَذَا لا يُنَافِي ذُلَّهُ لِمَوْلَاهُ وَتَوَاضُعَهُ فِي ذَاتِهِ، وبأنَّهُ أَتَى بِنُونِ المُتَكَلِّمِ وَمَعَهُ غَيْرُهُ تَحْقِيرًا لِنَفْسِهِ عنْ أنْ يَسْتَقِلَّ بالسؤالِ، فَشَارَكَ إِخْوَانَهُ فيهِ، لَكِنَّ السؤالَ مِنْهُمْ حُكْمِيٌّ وَتَقْدِيرِيٌّ لَا تَحْقِيقِيٌّ؛ لأنَّهُ لم يَتَحَقَّقْ منهمْ هذا السؤالُ.
(قَوْلُهُ: الإعانةَ)، أيْ: إعطاءَ العونِ والقوَّةِ. وبَيْنَ الإعانةِ والإبانةِ جِنَاسٌ لَاحِقٌ، وَضَابِطُهُ أنْ يَخْتَلِفَ الكلمتانِ في حَرْفَيْنِ مُتَبَاعِدَي المَخْرَجِ، كَمَخْرَجِ العَيْنِ وَالبَاءِ هُنَا، وَأَصْلُ إِعَانَةٍ وَإِبَانَةٍ إِعْوَانٌ وَإِبْيَانٌ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ في الأوَّلِ، وَاليَاءِ فِي الثانيِ، للساكنِ قَبْلَهُمَا، ثمَّ يُقَالُ: تَحَرَّكَت الواوُ أو الياءُ بِحَسَبِ الأصلِ وَانْفَتَحَ ما قَبْلَهُمَا، الآنَ قُلِبَتَا أَلِفًا فَاجْتَمَعَ ألفانِ، حُذِفَتْ إِحْدَى الأَلِفَيْنِ وَعُوِّضَ عنها بِالتاءِ، فَصَارَا إِعَانَةً وإبانةً، فَتَصْرِيفُهُمَا وَاحِدٌ، إِلَّا أنَّ الأوَّلَ وَاوِيٌّ، والثانيَ يَائِيٌّ.
(قَوْلُهُ: فِيمَا تَوَاخَيْنَا)، أيْ: على الذي تَوَاخَيْنَاهُ. فَفِي بِمَعْنَى على؛ لأنَّ الإعانةَ تَتَعَدَّى بِعَلَى، وَمَا اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنَى الذي، والعائدُ مَحْذُوفٌ.
وقولُهُ: (أيْ: تَحَرَّيْنَا وَقَصَدْنَا)، تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: تَوَاخَيْنَا، وَالعَطْفُ للتَّفْسِيرِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: يُقَالُ)، أيْ: قَوْلًا مُوَافِقًا لِلُّغَةِ، وهذا استدلالٌ على التفسيرِ الذي ذَكَرَهُ.
وقولُهُ: (فُلَانٌ يَتَوَخَّى الحقَّ وَيَتَأَخَّاهُ)، بالواوِ وتشديدِ الخاءِ في الأُولَى، وبالهمزةِ وَتَشْدِيدِ الخاءِ أَيْضًا في الثانيةِ، وهذا يَقْتَضِي أنَّ عِبَارَةَ الناظمِ تَوَخَّيْنَا بالتشديدِ منْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بالتخفيفِ معَ الألفٍ، والمُنَاسِبُ لها أنْ يقولَ الشارحُ: فلانٌ يَتَوَاخَى الحقَّ إلخ، لَكِنْ هذهِ الثالثةُ لَيْسَتْ في الصِّحَاحِ والمِصْبَاحِ، بِخِلَافِ الأُولَيَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يُؤْخَذَانِ مِنْهُمَا.
(قَوْلُهُ: أيْ يَقْصِدُهُ وَيَتَحَرَّاهُ)، المُنَاسِبُ لِتَفْسِيرِهِ أَوَّلًا أنْ يَقُولَ: أيْ يَتَحَرَّاهُ وَيَقْصِدُهُ، ولكنَّ الخَطْبَ سَهْلٌ.
(قَوْلُهُ: وَيُقَالُ: تَأَخَّيْتُ الشيءَ)، بِصِيغَةِ المَاضِي مَهْمُوزَةٌ مُشَدَّدَةُ الخَاءِ.
وقولُهُ: (تَحَرَّيْتُهُ)، أيْ قَصَدْتُهُ.
وقولُهُ: (والتَّحَرِّي طَلَبُ الأَحْرَى)، أيْ: طَلَبُ الأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَكَثِيرًا ما يَسْتَعْمِلُهُ الفقهاءُ بِمَعْنَى الاجتهادِ)، الواوُ دَاخِلَةٌ على يَسْتَعْمِلُهُ، وَالأصلُ: وَيَسْتَعْمِلُهُ الفقهاءُ بِمَعْنَى الاجتهادِ كَثِيرًا ما، والضميرُ رَاجِعٌ لِلتَّحَرِّي، وما زائدةٌ لِتَوْكِيدِ الكثْرَةِ، وإضافةُ المَعْنَى لِلاجْتِهَادِ لِلبَيَانِ.
(قَوْلُهُ: والألفاظُ الثلاثةُ)، أي: التي هيَ لَفْظُ التَّوَخِّي والتَّحَرِّي والاجْتِهَادِ.
وقولُهُ: (مُتَقَارِبَةٌ)، أيْ: يَقْرُبُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وأنتَ خبيرٌ بِأَنَّ الذي نَقَلَهُ عن الشيخِ زَكَرِيَّا يَقْتَضِي الترادُفَ، والذي ذَكَرَهُ آخِرًا يُفِيدُ التَّغَايُرَ في الجملةِ، فليسَ في سَابِقِ كَلَامِهِ وَلَاحِقِهِ ما يَقْتَضِي التَّقَارُبَ. وَيُجَابُ بأنَّ الذي ذُكِرَ عنْ شيخِ الإسلامِ منْ تَسَامُحَاتِ الفقهاءِ، والذي ذَكَرَهُ آخِرًا، يُفِيدُ المشاركةَ في الجملةِ كَالاسْتِعْمَالِ في حَمْلِ الصخرةِ والخيرِ، وهذا هوَ المرادُ بالتَّقَارُبِ. ذَكَرَهُ الشَّمْسُ الحِفْنِيُّ بِزِيَادَةٍ منْ حَاشِيَةِ الشَّيْخِ الأَمِيرِ.
(قَوْلُهُ: وقالَ الشيخُ زَكَرِيَّا إلخ)، هذا بيانٌ لِاسْتِعْمَالِ الفقهاءِ، وَقَدْ عَرَفْتَ أنَّ فيهِ تَسَامُحًا؛ لأنَّهُ يَقْتَضِي التَّرَادُفَ.
(قَوْلُهُ: بَذْلُ المجهودِ في طَلَبِ المَقْصُودِ)، أيْ: بَذْلُ الشخصِ مَقْدُورَهُ في طَلَبِ مَقْصُودِهِ.
(قَوْلُهُ: انْتَهَى)، أيْ: كَلَامُ شَيْخِ الإسْلَامِ زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَيُقَالُ اجْتَهَدَ إلخ)، أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى تَخْصِيصِ الاجتهادِ بالأمرِ المُشِقِّ كَحَمْلِ الصخرةِ دُونَ غَيْرِهِ كَحَمْلِ نواةٍ، وهذا يُفْهَمُ منْ قَوْلِهِ: (بَذْلُ المجهودِ إلخ)؛ إذْ لَا يُقَالُ ذَلِكَ إِلَّا في الأمرِ المُشِقِّ، ولذلكَ قَالُوا: المَقَامُ لِلفَاءِ المُفِيدَةِ للتَّفْرِيعِ؛ لأنَّ هذا مُفَرَّعٌ على مَا قَبْلَهُ، وقدْ يُقَالُ: الواوُ قدْ تَأْتِي للتَّفْرِيعِ.
(قَوْلُهُ: وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ إلخ)، أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى تَخْصِيصِ التَّوَخِّي بِالخَيْرِ، فَتَحَصَّلَ أنَّ الاجتهادَ مُخْتَصٌّ بالأمرِ المُشِقِّ خَيْرًا كانَ أَوْ لا، والتَّوَخِّي مُخْتَصٌّ بِالخَيْرِ مُشِقًّا كَانَ أَوْ لا، والتَّحَرِّي مُخْتَصٌّ بِالأمرِ الأَحْرَى وَهُوَ أَخَصُّ من الأَمْرِ المُشِقِّ.
(قَوْلُهُ: وَلَعَلَّ هذا هوَ السببُ إلخ)، أيْ: وَلَعَلَّ كَوْنَ التَّوَخِّي لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الخَيْرِ هوَ السببُ إلخ.
وقولُهُ: (دُونَ التَّحَرِّي)، وَمِثْلُهُ الاجْتِهَادُ.
(قَوْلُهُ: من الإبَانَةِ)، بَيَانٌ لِمَا تَوَاخَيْنَا.
وقولُهُ: (أي: الإظهارِ والكشفِ)، تَفْسِيرٌ لِلإبانةِ، والعطفُ للتفسيرِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: عنْ مَذْهَبِ)، مُتَعَلِّقٌ بالإبانةِ، والمرادُ بالمذهبِ هنا الأحكامُ التي ذَهَبَ إِلَيْهَا زَيْدٌ الآتِي كَمَا سَيُشِيرُ إليهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ المُرَادُ هُنَا).
(قَوْلُهُ: مَفْعَلٌ يَصْلُحُ إلخ)، أيْ: هوَ على وَزْنِ مَفْعَلٍ يَصْلُحُ إلخ، فَهُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ يَصْلُحُ للحَدَثِ وللمكانِ وللزمانِ بِحَسَبِ الأصلِ، ثمَّ نُقِلَ للأحكامِ المَذْهُوبِ إليها والمنقولِ عنهُ. أَمَّا المصدرُ فَيَكُونُ مِنْ بابِ إِطْلَاقِ المَصْدَرِ عَلَى اسْمِ المَفْعُولِ. وَأَمَّا المكانُ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ، وَتَقْرِيرُهَا أنْ تَقُولَ: شَبَّهَ اخْتِيَارَ الأحكامِ بِمَعْنَى الذهابِ بِجَامِعٍ أنَّ كُلًّا يُوَصِّلُ للمقصودِ، واسْتُعِيرَ الذهابُ لاختيارِ الأحكامِ، واشْتُقَّ مِن الذهابِ بمعنى اختيارِ الأحكامِ مَذْهَبٌ، بِمَعْنَى: أَحْكَامٌ مُخْتَارَةٌ على طريقِ الاستعارةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ. والمناسبةُ بينَ المكانِ والأحكامِ أنَّ كُلًّا مَحَلٌّ لِلتَّرَدُّدِ، فالمكانُ مَحَلٌّ لِتَرَدُّدِ الأقدامِ، والأحكامُ مَحَلٌّ لِتَرَدُّدِ الأذهانِ، ولا مناسبةَ بيْنَ الزمانِ وبيْنَ الأحكامِ، فَلَا يُحْتَمَلُ أنْ يكونَ مَنْقُولًا عنهُ. وهذا كُلُّهُ بِحَسَبِ الأصلِ، وَإِلَّا فَقَدْ صَارَ المذهبُ حَقِيقَةً اصطلاحيَّةً كما أَشَارَ إليهِ الشارحُ بِقَوْلِهِ: وَاصْطِلَاحًا إلخ.
(قَوْلُهُ: لِلمَصْدَرِ)، أي: الحَدَثِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَوْضَحَ.
وقولُهُ: (والمكانِ)، أيْ: مكانِ الذهابِ.
وقولُهُ: (والزمانِ)، أيْ: زمانِ الذهابِ كما صَرَّحَ بذلكَ بَعْدُ.
وقولُهُ: (بِمَعْنَى) إلخ، فيهِ معَ مَا قَبْلَهُ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ، فالذهابُ رَاجِعٌ لِلمَصْدَرِ، وَمَحَلُّهُ رَاجِعٌ للمكانِ، وَزَمَانُهُ رَاجِعٌ للزمانِ.
وقولُهُ: (وهوَ المُرُورُ)، تَفْسِيرٌ للذهابِ.
وقولُهُ: (أو مَحَلُّهُ أَوْ زَمَانُهُ)، مَعْطُوفَانِ على الذهابِ، وجملةُ (وهوَ المرورُ) مُعْتَرِضَةٌ بينَ المُتَعَاطِفَيْنِ، ولا يَصِحُّ العطفُ على المرورِ كَمَا لا يَخْفَى. أَفَادَهُ الشَّمْسُ الحِفْنِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَاصْطِلَاحًا إلخ)، مَعْطُوفٌ على مَحْذُوفٍ يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ، والتقديرُ: هَذَا لُغَةً.
وقولُهُ: (ما تَرَجَّحَ عِنْدَ المُجْتَهِدِ)، أي: الحُكْمُ الذي تَرَجَّحَ عندَ المجتهدِ، فَمَا وَاقِعَةٌ على الحُكْمِ.
وقولُهُ: (في مَسْأَلَةٍ ما)، مُتَعَلِّقٌ بِتَرَجَّحَ، أيْ: في أيِّ مَسْأَلَةٍ كانتْ، سَوَاءٌ كَانَتْ نَقْلِيَّةً أوْ عَقْلِيَّةً، فَمَا زَائِدَةٌ للتعميمِ، والمسألةُ هيَ القضيَّةُ منْ حيثُ إِنَّهَا يُسْأَلُ عنها، كما إنَّها تُسَمَّى مُقَدِّمَةً لِكَوْنِهَا مُقَدِّمَةَ قِيَاسٍ، وَدَعْوَى لِكَوْنِهَا تُدْعَى، وَنَتِيجَةً لِكَوْنِ الدَّلِيلِ يُنْتِجُهَا إلى غَيْرِ ذلكَ، وَتُطْلَقُ أيضًا المَسْأَلَةُ على النسبةِ في القضيَّةِ، وَيُعَبَّرُ عنها بِأَنَّهَا مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ يُبَرْهَنُ عليهِ في العِلْمِ.
وقولُهُ: (بَعْدَ الاجتهادِ)، ظَرْفٌ لِتَرَجَّحَ.
وقولُهُ: (فَصَارَ لهُ مُعْتَقَدًا وَمَذْهَبًا)، هذا تَفْرِيعٌ خَارِجٌ عن التعريفِ، وليسَ منهُ، وَإِلَّا لَزِمَ الدوْرُ لِأَخْذِ المُعَرَّفِ في التعريفِ، وهوَ مُوجِبٌ للدوْرِ، وَعَطْفُ المذهبِ على المُعْتَقَدِ منْ قَبِيلِ عَطْفِ التَّفْسِيرِ.
(قَوْلُهُ: وهوَ المرادُ هنا)، أي: المعنى الاصطلاحيُّ بِمَعْنَى الأحكامِ التي تَرَجَّحَتْ عندَ المُجْتَهِدِ، هوَ المرادُ في عبارةِ المُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ: الإمامِ)، يُجْمَعُ على أَئِمَّةٍ وعلى أُمَّامٍ، فَيُسْتَعْمَلُ مُفْرَدًا وَجَمْعًا، ومنهُ قَوْلُهُ تعالى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}. لَكِنْ يُلَاحَظُ أنَّ حَرَكَاتِ المُفْرَدِ كَحَرَكَاتِ كِتَابٍ، وَيُلَاحَظُ أنَّ حَرَكَاتِ الجَمْعِ كَحَرَكَاتِ هُجَّانٍ.
وقولُهُ: (أي الذي يُقْتَدَى بهِ)، تَفْسِيرٌ للإمامِ.
وقولُهُ: (وَقِيلَ غيرُ ذَلِكَ)، أيْ: كالقولِ بأنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَ تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}، والقولِ بِأَنَّهَا كُتُبُ الأعمالِ. لَكِنْ لَا يَخْفَى أنَّ هذهِ مَعَانٍ مُسْتَقِلَّةٌ لا يُنَاسِبُ جَعْلُهَا مُقَابِلَةً لِمَا في المقامِ، فالأَوْلَى أنْ يَقُولَ الشارحُ: وَيُطْلَقُ على غيرِ ذلكَ. نَعَمْ لَو اعْتَبَرَ تَفْسِيرَهُ بالحُجَّةِ مَثَلًا نَاسَبَ ذَلِكَ. أَفَادَهُ العَلَّامَةُ الأَمِيرُ.
وقولُهُ: (وَأَبْدَلَ من الإمامِ قَوْلَهُ إلخ)، أيْ: بَدَلُ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ.
(قَوْلُهُ: زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ إلخ)، قدْ كانت الصحابةُ يَعْتَرِفُونَ لهُ بالتَّقَدُّمِ في الفرائضِ. ومنْ جُمْلَةِ الآخِذِينَ عنهُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانِ القرآنِ، وقدْ بَلَغَ منْ تَعْظِيمِهِ لِزَيْدٍ أنَّ بَغْلَتَهُ قَدِمَتْ إليهِ لِيَرْكَبَهَا، فَأَخَذَ ابنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ لهُ زَيْدٌ: خَلِّ عَنْكَ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: هكذا نَفْعَلُ بِعُلَمَائِنَا، فَقَبَّلَ زَيْدٌ يَدَهُ وقالَ: هكذا نَفْعَلُ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَنَفَعَنَا بِهِمْ، ا هـ. الأستاذُ الحِفْنِيُّ.
(قَوْلُهُ: الصَّحَابِيِّ)، صِفَةٌ أُولَى لِزَيْدٍ.
وقولُهُ: (الأَنْصَارِيِّ)، صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لهُ. والأَنْصَارِيُّ نِسْبَةٌ لِلأَنْصَارِ، وَهُمْ قَبِيلَتَانِ؛ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ، فَلَمْ يُعْلَمُ منهُ كَوْنُهُ أَوْسِيًّا أوْ خَزْرَجِيًّا، فَلِذَلِكَ قالَ الشارحُ: (الخَزْرَجِيِّ)، وهوَ صِفَةٌ ثَالِثَةٌ لهُ، والخَزْرَجِيُّ نِسْبَةٌ لِلخَزْرَجِ، فإنْ قِيلَ: الأنصارُ جَمْعٌ، وَقَاعِدَةُ النَّسَبِ أنَّهُ لَا يُنْسَبُ للفظِ الجَمْعِ بَلْ لِمُفْرَدِهِ، أُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ القاعدةِ مَا لَمْ يَصِرْ عَلَمًا، وَإلَّا نُسِبَ لِلَفْظِهِ؛ لأنَّهُ أَشْبَهَ الواحدَ كَمَا قَالَ ابنُ مَالِكٍ:
والوَاحِدُ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلجَمْعِ = مَا لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالوَضْعِ
والأنصارُ صَارَ عَلَمًا على الأوسِ والخزرجِ؛ لأنَّهمْ نَصَرُوهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(قَوْلُهُ: مِنْ بَنِي النَّجَّارِ)، قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ.
(قَوْلُهُ: يُكْنَى)، بِسُكُونِ الكَافِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ، أوْ بِفَتْحِ الكَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ.
وقولُهُ: (وَقِيلَ إلخ)، يَحْتَمِلُ تَكْنِيَتَهُ بِالثلاثةِ، كَمَا قَالَهُ الشَّمْسُ الحِفْنِيُّ.
(قَوْلُهُ: أَبَا خَارِجَةَ)، كانَ خَارِجَةُ منْ فُقَهَاءِ المدينةِ السَّبْعَةِ المَنْظُومَةِ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ:
أَلَا كُلُّ مَنْ لَمْ يَقْتَدِ بِأَئِمَّةٍ = فَقِسْمَتُهُ ضِيزَى عَن الحَقِّ خَارِجَهْ
فَخُذْهُمْ عُبِيدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ = سَعِيدٌ أبو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
فالأَوَّلُ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ، والثاني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، والثالثُ قَاسِمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، والرابعُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والخامسُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والسادسُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، والسَّابِعُ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ.
(قَوْلُهُ: قَدِمَ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، أيْ: حينَ الهِجْرَةِ.
(قَوْلُهُ: وهوَ ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً)، أيْ: والحالُ أنَّ زَيْدًا كانَ ابنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
(قَوْلُهُ: بعدَ الهجرةِ)، أي: الانتقالِ منْ مَكَّةَ للمدينةِ المُشَرَّفَةِ؛ لأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ في مَكَّةَ وَهَاجَرَ إلى المدينةِ.
(قَوْلُهُ: قَالَهُ)، أيْ: قالَ مَا ذُكِرَ منْ أنَّهُ مَاتَ بعدَ الهجرةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ.
وقولُهُ: (التِّرْمِذِيُّ)، بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ، وَبِضَمِّهِمَا، وَبِفَتْحِ الأَوَّلِ وَكَسْرِ الثَّانِي، وهوَ مَنْسُوبٌ لِتِرْمِذَ، بَلْدَةٌ مِنْ بِلَادِ العَجَمِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ غيرُ ذلكَ)، في شَرْحِ النَّبْتِيتِيِّ لِهَذَا المَتْنِ أنَّهُ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ وخَمْسِينَ.
(قَوْلُهُ: وَمَنَاقِبُهُ)، أيْ: خِصَالُهُ الحَمِيدَةُ.
وقولُهُ: (شَهِيرَةٌ)، أيْ: مُسْتَفِيضَةٌ بينَ الناسِ.
وقولُهُ: (وَفَضَائِلُهُ)، أيْ: صِفَاتُهُ الجَمِيلَةُ، فَهِيَ قَرِيبَةٌ من المَنَاقِبِ.
وقولُهُ: (كَثِيرَةٌ)، أيْ: في ذَاتِهَا، والكثرةُ غَيْرُ الشُّهْرَةِ.
(قَوْلُهُ: رُوِيَ أنَّ ابنَ عُمَرَ إلخ)، هذا بَيَانٌ لبعضِ مَنَاقِبِهِ، ولبعضِ فَضَائِلِهِ.
وقولُهُ: (اليومَ مَاتَ عَالِمُ المدينةِ)، هذا مَقُولُ القَوْلِ، وَيَوْمٌ مَنْصُوبٌ على الظرفِيَّةِ مُقَدَّمٌ، وعالِمُ المدينةِ أي العَالِمُ فيها، فالإضافةُ على مَعْنَى في.
(قَوْلُهُ: بِالجَابِيَةِ)، اسمُ مَكَانٍ بالشَّامِ.
(قَوْلُهُ: مَنْ)، اسمُ شرطٍ، وَيَسْأَلْ فِعْلُ الشرطِ، وَجَوَابُهُ فَلْيَأْتِ إلخ.
(قَوْلُهُ: وقالَ مَسْرُوقٌ إلخ)، إِنَّمَا سُمِّيَ مَسْرُوقًا؛ لأنَّهُ سُرِقَ في صِغَرِهِ ثمَّ وُجِدَ، وكانَ ثِقَةً عَالِمًا عَابِدًا زَاهِدًا، كَمَا نَقَلَهُ الشيخُ السِّجَاعِيُّ عن المَنَاوِيِّ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ.
(قَوْلُهُ: من الرَّاسِخِينَ في العِلْمِ)، أي: الثابتينَ في العلمِ، جَمْعُ رَاسِخٍ، بِمَعْنَى ثَابِتٍ، بِحَيْثُ يَعْرِفُ تَصَارِيفَ الكلامِ، وَمَوَارِدَ الأحكامِ، وَمَوَاقِعَ المَوَاعِظِ. وَنُقِلَ عن الإمامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عن الرَّاسِخِينَ في العلمِ فَقَالَ: الرَّاسِخُ مَن اجْتَمَعَ فيهِ أَرْبَعَةُ أشياءَ: التَّقْوَى فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، والتواضعُ فِيمَا بَيْنَهُ وبينَ خَلْقِهِ، والزهْدُ فِيمَا بِيْنَهُ وبينَ الدُّنْيَا، والمُجَاهَدَةُ فيما بَيْنَهُ وبينَ نَفْسِهِ. قالَهُ الشَّمْسُ الحِفْنِيُّ.
(قَوْلُهُ: عُلِمَ زَيْدٌ)، بِبِنَاءِ الفعلِ للمفعولِ، وَنِيَابَةِ زَيْدٍ مَنَابَ الفَاعِلِ.
وقولُهُ: (بِخُصْلَتَيْنِ)، فيهِ أنَّهُ عُلِمَ بِخِصَالٍ كَثِيرَةٍ، فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا؟
وقدْ يُقَالُ: لِشُهْرَتِهِمَا أَكْثَرَ مْنِ غَيْرِهِمَا.
وقولُهُ: (بالقُرْآنِ)، أيْ: بِعِلْمِهِ وَتَأْوِيلِهِ.
وقولُهُ: (والفَرَائِضِ)، أيْ: عِلْمِهِا. ولا يَخْفَى أنَّ قَوْلَهُ: (بالقرآنِ والفرائضِ) بَدَلٌ منْ قولِهِ: (بِخُصْلَتَيْنِ).
(قَوْلُهُ: فائدةٌ)، خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ محذوفٍ، أيْ: هذهِ فائدةٌ. والغرضُ منْ هذهِ ِ الفائدةِ بَيَانُ المناسِباتِ فِي اسمِ زَيْدٍ التي تَتَعَلَّقُ بالفرائضِ، وقدْ أَفْرَدَ بَعْضُهُم ذلكَ بِتَأْلِيفٍ لِتَشْحِينِ الذهنِ بِمَسَائِلِ الفَنِّ إِجْمَاعًا.
(قَوْلُهُ: قد اجْتَمَعَ في اسمِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُنَاسِبَاتٌ)، يَنْبَغِي كَسْرُ السِّينِ على مَعْنَى أَنَّهَا تُنَاسِبُ المقامَ، وإضافةُ اسمٍ لَزَيْدٍ منْ إضافةِ الاسمِ للمُسَمَّى أوْ للبيانِ. وهذهِ المناسِباتُ تُوجَدُ فِي اسمِ زَيْدٍ ولوْ أُرِيدَ بهِ غَيْرُ الصَّحَابِيِّ المَشْهُورِ، لَكِنَّ الظاهرَ أَنَّهُم أَرَادُوهُ بِخُصُوصِهِ؛ لأنَّ السياقَ فيهِ.
(قَوْلُهُ: إِفْرَادًا)، أيْ: منْ جِهَةِ إِفْرَادِ بعضِ حُرُوفِهِ عنْ بعضٍ.
وقولُهُ: (وَجَمْعًا)، أيْ: ومِنْ جِهَةِ جَمْعِ بعضِ حُرُوفِهِ إلى بَعْضٍ.
وقولُهُ: (وَعَدَدًا)، أيْ: ومِنْ جِهَةِ عَدَدِ حُرُوفِهِ.
وقولُهُ: (وَطَرْحًا)، أيْ: ومِنْ جِهَةِ الطَّرْحِ، وهوَ إِسْقَاطُ عَدَدٍ منْ عَدَدٍ بِشَرْطِ كونِ المطروحِ أَقَلَّ من المطروحِ منهُ.
وقولُهُ: (وَضَرْبًا)، أيْ: ومِنْ جِهَةِ ضَرْبِ عددِ حُرُوفِهِ في مِثْلِهَا، كما سَيَأْتِي بَيَانُ ذلكَ كُلِّهِ.
(قَوْلُهُ: فَأَمَّا الإفرادُ إلخ)، أيْ: فَأَمَّا المُنَاسِبَاتُ التي تَتَعَلَّقُ بهِ مِنْ جِهَةِ الإفرادِ إلخ.
(قَوْلُهُ: فَالزَّايُ بِسَبْعَةٍ)، أيْ: في الجُمَّلِ.
وقولُهُ: (وهيَ عَدَدُ أصولِ المسائلِ)، أي: المُتَّفَقِ عليها، وَهِيَ اثْنَانِ، وَثَلَاثَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ، وَسِتَّةٌ، وَثَمَانِيَةٌ، وَاثْنَا عَشَرَ، وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ.
وقولُهُ: (وَعَدَدُ مَنْ يَرِثُ بالفرضِ وَحْدَهُ)، أيْ: وَهُم الزَّوْجَانِ، والجَدَّتَانِ، والأُمُّ، وَوَاحِدٌ مِنْ أولادِ الأُمِّ، والمُتَعَدِّدُ منهمْ، وَإِنَّمَا عَدَّ الواحدَ نَوْعًا والمُتَعَدِّدَ نَوْعًا لاختلافِ الفرْضِ.
وقولُهُ: (وَعَدَدُ مَنْ يَرِثُ مِن النساءِ بالاختصارِ)، أيْ: وَهُنَّ البِنْتُ، وَبِنْتُ الابْنِ، وَالأُمُّ، والزَّوْجَةُ، والجَدَّةُ، والأختُ، والمُعْتَقَةُ.
(قَوْلُهُ: والياءُ بِعَشَرَةٍ)، أيْ: في الجُمَّلِ.
وقولُهُ: (وهيَ)، عَدَدُ الوارثِينَ بالاختصارِ، وهم الابنُ، وابنُ الابنِ، والأبُ، والجَدُّ، والأخُ، وابنُ الأخِ لغيرِ أُمٍّ، والعمُّ، وابنُ العمِّ لغيرِ أُمٍّ أيضًا، والزوجُ، والمُعْتَقُ.
وقولُهُ: (وَعَدَدُ الوَارِثَاتِ بالبَسْطِ)، وهُنَّ السبعُ السابقةُ بِزِيَادَةِ ثَلَاثٍ؛ لأنَّ الجَدَّةَ إمَّا جَدَّةُ أَبٍ، وإمَّا جَدَّةُ أُمٍّ، فَزَادَتْ وَاحِدَةً، والأُخْتُ إمَّا شَقِيقَةٌ أوْ لِأَبٍ أوْ لأُمٍّ، فَزَادَت اثْنَتَيْنِ، وَحينئذٍ فالزائدُ ثَلَاثَةٌ، فإذا ضُمَّت للسبعةِ كانَ المجموعُ عَشَرَةً بالبَسْطِ.
(قَوْلُهُ: والدَّالُ بِأَرْبَعَةٍ)، أيْ: بالجُمَّلِ.
وقولُهُ: (وهيَ عددُ أَسْبَابِ الإرثِ)، أي: التي هيَ القرابةُ والنِّكَاحُ والولاءُ وَجِهَةُ الإسلامِ. ولا يَرُدُّ قَوْلُ المصنِّفِ: (أَسْبَابُ مِيرَاثِ الوَرَى ثلاثَةٌ إلخ)؛ لأنَّهُ إِنَّمَا اقْتَصَرَ على المُتَّفَقِ عليهِ، وَجِهَةُ الإسلامِ مُخْتَلَفٌ فيها كما يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي.
وقولُهُ: (والأصولُ التي لا تَعُولُ)، أي: التي هيَ الاثنانِ والثلاثةُ والأربعةُ والثمانيةُ، فهذهِ الأصولُ هيَ التي لا تَعُولُ.
(قَوْلُهُ: وأمَّا الجمعُ)، أيْ: وَأَمَّا مُنَاسِبَاتُ جِهَةِ الجمعِ، أيْ جَمْعِ بَعْضِ حُرُوفِهِ معَ بَعْضٍ. وَتَحْتَهُ أَرْبَعُ صوَرٍ: الزايُ معَ الياءِ، والزايُ معَ الدالِ، والياءُ معَ الدالِ، والزايُ معَ الياءِ والدالِ.
(قَوْلُهُ: فالزايُ معَ الياءِ بِسَبْعَةَ عَشَرَ)، أيْ: لأنَّ الزايَ بِسَبْعَةٍ، والياءَ بِعَشَرَةٍ، ومَجْمُوعَهُمَا مَا ذُكِرَ.
وقولُهُ: (وهيَ عَدَدُ الوارثِينَ والوارثاتِ بالاختصارِ)، أيْ: لأنَّ الوارثينَ بالاختصارِ عَشَرَةٌ، والوارثاتِ بالاختصارِ سَبْعَةٌ، وَمَجْمُوعَهُمَا مَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ: والزايُ معَ الدالِ بِأَحَدَ عَشَرَ)، أيْ: لأنَّ الزايَ بِسَبْعَةٍ، والدالَ بأَرْبَعَةٍ، ومَجْمُوعَهُمَا أَحَدَ عَشَرَ.
وقولُهُ: (وهيَ عَدَدُ الوارثاتِ على طريقِ البَسْطِ)، أيْ: على طَرِيقٍ هيَ البَسْطُ، لَكِنْ تَقَدَّمَ أنَّهُنَّ بطريقِ البسطِ عَشَرَةٌ؛ فلذلكَ احْتَاجَ لِقَوْلِهِ: بزيادةِ مَوْلَاةٍ. المَوْلَاةُ أيْ مُعْتِقَةُ المُعْتَقَةِ.
وقولُهُ: (والياءُ معَ الدَّالِ بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ)، أيْ: لأنَّ الدالَ بِأَرْبَعَةٍ، والياءَ بَعَشَرَةٍ، وَمَجْمُوعَهُمَا مَا ذُكِرَ.
وقولُهُ: (وهيَ عَدَدُ الوارثِينَ بالبسطِ)؛ إذْ عَدَدُهُم بالبَسْطِ خَمْسَةَ عَشَرَ، لَكِنْ يَخْرُجُ منهم المَوْلَى، فالباقِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ؛ ولذلكَ قالَ الشَّرْحُ: خَلَا المَوْلَى، أيْ مَنْ لهُ الولاءُ، وَعَلَّلَهُ بقولِهِ: (لأنَّهُ قَدْ يَكُونُ أُنْثَى)، والمنظورُ لهُ هُنَا مَنْ كانَ ذَكَرًا دائمًا كالابنِ والأبِ وهكذا.
(قَوْلُهُ: والزايُ معَ الياءِ والدالِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ)، أيْ: لأنَّ الزايَ بِسَبْعَةٍ، والياءَ بِعَشَرَةٍ، والدالَ بِأَرْبَعَةٍ، وَمَجْمُوعَهَا أَحَدٌ وعِشْرُونَ.
وقولُهُ: (عَدَدُ جميعِ مَنْ يَرِثُ بالفرْضِ)، أيْ: فَهُمْ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ.
وقولُهُ: (مِنْ حَيْثُ اخْتِلَافُ أَحْوَالِهِمْ)، أيْ: لا مِنْ حيثُ إِرْثُهُم بالفرضِ معَ قَطْعِ النَّظَرِ عن اختلافِ أَحْوَالِهِم، كَكَوْنِ الزوجِ تَارَةً يَرِثُ النِّصْفَ وَتَارَةً يَرِثُ الرُّبْعَ، وكونِ الزوجةِ تَارَةً تَرِثُ الربعَ وَتَارَةً تَرِثُ الثمنَ وهكذا، ولوْ قُطِعَ النَّظَرُ عنْ ذلكَ لم يَبْلُغْ مَجْمُوعُهُم هذا العددَ، فَبِوَاسِطَةِ النظرِ لهُ بَلَغَ مَجْمُوعُهُم مَا ذُكِرَ.
وقولُهُ: (كما سَيَأْتِي)، أيْ: كالذي سَيَأْتِي مِن اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِم.
(قَوْلُهُ: لأنَّ أصحابَ النصفِ إلخ)، عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: (وهيَ عَدَدُ جَمِيعِ مَنْ يَرِثُ بالفرضِ)، مِن الحَيْثِيَّةِ المَذْكُورَةِ.
وقولُهُ: (والرُّبْعِ اثْنَانِ)، أيْ: وأصحابَ الرُّبْعِ اثْنَانِ، وَصِحَّةُ الإخبارِ بِاثْنَيْنِ عن اسمِ إِنَّ، وهوَ أصحابَ، باعتبارِ أنَّ المرادَ بالجمعِ ما فوقَ الواحدِ، وكذا يُقَالُ في قولِهِ: (والثلثِ اثْنَانِ).
وأمَّا قَوْلُهُ: (والثمنِ وَاحِدٌ)، أيْ: وَأَصْحَابَ الثمنِ وَاحِدٌ، فلا يَنْفَعُ فيهِ ذلكَ، وَصِحَّةُ الإخبارِ فيهِ بملاحظةِ أَفرادِ هذا النوعِ، فَنَوْعُ الزوجةِ تَحْتَهُ أَفْرَادٌ، أيْ زَوْجَةٌ وَاحِدَةٌ واثْنَتَانِ وثلاثةٌ وأربعةٌ.
(قَوْلُهُ: وضَبَطَ ذلكَ بَعْضُهُم)، أيْ: ضَبَطَ مَنْ يَرِثُ بالفرضِ الشيخُ الجَعْبَرِيُّ.
وقولُهُ: (فَقَالَ)، عَطْفٌ على ضَبَطَ.
وقولُهُ: (ضَبْطُ ذَوِي الفُرُوضِ مِنْ هذا الرَّجَزِ)، أيْ: ضَبْطُ أصحابِ الفُرُوضِ منْ هذا البيتِ الذي هوَ مِنْ بَحْرِ الرَّجَزِ.
وقولُهُ: (خُذْهُ مُرَتَّبًا)، أيْ: خُذْ ضَبْطَهُمْ حَالَ كَوْنِهِ مُرَتَّبًا.
وقولُهُ: (وَقُلْ: هبادبز)؛ وذلكَ لأنَّ الاصطلاحَ الجَارِيَ في حسابِ الأَحْرُفِ بالجُمَّلِ الصغيرِ أنَّ الهاءَ بِخَمْسَةٍ، فهيَ لِمَنْ يَرِثُ النِّصْفَ، والبَاءَ بِاثْنَيْنِ، فَهيَ لِمَنْ يَرِثُ الربعَ، والألِفَ بِوَاحِدٍ، فهيَ لِمَنْ يَرِثُ الثمنَ، والدالَ بِأَرْبَعَةٍ، فَهِيَ لِمَنْ يَرِثُ الثُّلُثَيْنِ، والباءَ باثنَيْنِ كما عَلِمْتَ فهيَ لِمَنْ يَرِثُ الثُّلُثَ، والزايَ بِسَبْعَةٍ، فَهِيَ لِمَنْ يَرِثُ السُّدُسَ.
(قَوْلُهُ: وأمَّا العَدَدُ)، أيْ: وَأَمَّا مُنَاسِبَاتُهُ منْ جِهَةِ العددِ، أيْ عَدَدِ حُرُوفِهِ.
وقولُهُ: (فَعِدَّةُ حُرُوفِهِ ثَلَاثَةٌ)، وهيَ الزايُ والياءُ والدالُ.
وقولُهُ: (وهيَ عَدَدُ شُرُوطِ الإرثِ)، أي: التي هيَ تَحَقُّقُ مَوْتِ المُوَرِّثِ، وَتَحَقُّقُ حَيَاةِ الوَارِثِ بَعْدَ موتِ المُوَرِّثِ، والعلمُ بِالجِهَةِ المُقْتَضِيَةِ للإِرْثِ.
وقولُهُ: (وعددُ الأصولِ التي تَعُولُ)، أيْ: وهيَ السِّتَّةُ والاثْنَا عَشَرَ والأربعةُ والعِشرونَ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: الستَّةُ وضِعْفُهَا وضِعْفُ ضِعْفِهَا، وإنْ شئتَ قلتَ: الأربعةُ والعشرونَ ونصفُها ونصفُ نصفِها، وإنْ شئتَ قلتَ: الاثنا عشرَ ونصفُها وضِعْفُهَا، فالعبارتانِ الأُوليَانِ للترقِّي، لكنَّ الأولى مُصَرَّحٌ فيها بأسماءِ الأعدادِ دونَ الثانيةِ والثالثةِ للتدلِّي، والرابعةُ للتوسُّطِ. أفادَهُ في اللؤلؤةِ.
(قَوْلُهُ: وأمَّا الطرحُ)، أيْ: وأمَّا مناسِباتُهُ منْ جهةِ الطرحِ، أيْ إسقاطِ عددٍ منْ عددٍ بالشرطِ السابقِ.
وقولُهُ: (فإذا طرحْتَ الدالَ من الياءِ)، أيْ: عددَ الدالِ وهوَ أربعةٌ منْ عددِ الياءِ وهوَ عَشَرَةٌ.
وقولُهُ: (بَقِيَ ستَّةٌ)، أيْ: بعدَ إخراجِ الأربعةِ من العشرةِ.
وقولُهُ: (وهيَ عددُ الفروضِ القرآنيَّةِ)، أي: التي هيَ النصفُ والربعُ والثمنُ والثلثانِ والثلثُ والسدسُ. ومعنى كونِهَا قرآنيَّةً أنَّهَا مذكورةٌ في القرآنِ.
وقولُهُ: (وعددُ الموانِعِ)، أي: المذكورةِ في المَتْنِ والشرْحِ، وهيَ الرِّقُّ، والقتلُ، واختلافُ الدِّينِ، واختلافُ ذَوِي الكُفْرِ، أي الأصليِّ بالذمَّةِ، والحرابةِ، والردَّةِ والعياذُ باللَّهِ تعالَى، والدورِ الحكميِّ.
(قَوْلُهُ: وإذا طرحْتَ الدالَ من الزايِ)، أيْ: عددَ الدالِ وهوَ أربعةٌ منْ عددِ الزايِ وهوَ سبعةٌ.
وقولُهُ: (بَقِيَ ثلاثةٌ)، أيْ: بعدَ طرحِ الأربعةِ من السبعةِ.
وقولُهُ: (وهيَ عددُ الحروفِ)، أيْ: عددُ حروفِ اسمِ زيدٍ.
وقولُهُ: (وتقدَّمَ ما فيها)، أيْ: منْ أنَّها عددُ شروطِ الإرثِ، وعددُ أصولِ المسائلِ التي تعُولُ.
(قَوْلُهُ: وإذا طرحْتَ الزايَ من الياءِ)، أيْ: عددَ الزايِ وهوَ سبعةٌ منْ عددِ الياءِ وهوَ عشرةٌ.
وقولُهُ: (بقِيَ ثلاثةٌ)، أيْ: بعدَ طرحِ سبعةٍ منْ عشرةٍ.
وقولُهُ: (أيضًا)، أيْ: كما بَقِيَ ثلاثةٌ فيما قبلَهُ.
وقولُهُ: (وتقدَّمَ ما فيها)، قدْ علمْتَ بيانَهُ.
(قَوْلُهُ: وأمَّا الضربُ)، أيْ: وأمَّا مناسِباتُهُ منْ جهةِ الضربِ، أيْ ضرْبِ عددِ حروفِهِ في مثلِهَا.
وقولُهُ: (تبلغُ تسعةً)، وهيَ قائمةٌ منْ ضرْبِ ثلاثةٍ في مثلِهَا.
وقولُهُ: (وهيَ عددُ أُصولِ المسائلِ)، وهيَ السبعةُ المُتَّفَقُ عليها، وزيادةُ اثنينِ، وهما ثمانيةَ عشرَ وستَّةٌ وثلاثونَ.
وقولُهُ: (على الراجحِ)، أيْ: منْ أنَّ الثمانيةَ عشرَ والستَّةَ والثلاثينَ في بابِ الجدِّ والإخوةِ تأصيلانِ. وقيلَ تصحيحانِ.
(قَوْلُهُ: وأكثرُ ما ذكرْتُهُ)، أيْ: مِنْ كوْنِ حروفِ زيدٍ أفرادًا وجمعًا إلخ، موافقةُ الأشياءِ تتعلَّقُ بالفرائضِ.
وقولُهُ: (عددُ أشياءِ غيرِ ذلكَ)، أيْ: عددُ الأشياءِ غيرِ الذي ذكرْتُهُ، وذلكَ ككوْنِ الزايِ بسبعةٍ، عددُ مَنْ يرثُ السدسَ، وعددُ الموانعِ بزيادةِ اللِّعانِ على الستَّةِ الآتِي بيانُها، وعددُ أحوالِ الجدِّ والإخوةِ. وككوْنِ الياءِ بعشرةٍ، عددُ أصنافِ ذَوِي الأرحامِ، وعددُ مَنْ يرثُ النصفَ والثلثينِ والثمنَ، وعددُ مَنْ يرثُ النصفَ والثلثَ والربعَ والثمنَ. وككوْنِ الدالِ بأربعةٍ، وهيَ عددُ أحوالِ الوارثِ منْ كونِهِ يرثُ ويُورَثُ، وهوَ ظاهرٌ، وكونِهِ لا يرثُ ولا يُورَثُ كالرقيقِ، ويُورَثُ ولا يَرِثُ كالمبعضِ، وعكسِهِ كالأنبياءِ. وككوْنِ عدَّةِ حروفِهِ ثلاثةً بعددِ أحوالِ الإرثِ بالفرضِ فقطْ، وبالتعصيبِ فقطْ، أوْ بهما معًا، وعددِ صفاتِ الوارثِ منْ حيثُ الحجْبُ وعدمُهُ، فَإِنَّهُ قدْ يُحْجَبُ حَجْبَ حرمانٍ، أوْ نقصانٍ، أوْ لا يُحْجَبُ أصلًا كما أفادَ ذلكَ كلَّهُ الأستاذُ الحفنيُّ معَ زيادةٍ.
(قَوْلُهُ: واللَّهُ أعلمُ)، أيْ: بحقيقةِ الحالِ. وَفِي ذلكَ تفويضُ العلمِ إليهِ تعالَى، وأفعلُ التفضيلِ على بابِهِ إنْ نُظِرَ للظاهرِ، فإنْ نُظِرَ للواقعِ كانَ على غَيْرِ بابِهِ.
(قَوْلُهُ: ولْنَرْجِعْ إلى كلامِ المؤلِّفِ)، فيهِ إدخالُ لامِ الأمرِ على فعلِ المتكلِّمِ المبدوءِ بالنونِ، وهوَ مسموعٌ كما في الآيةِ {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ}.
وقولُهُ: (فقولُهُ)، أيْ: فنقولُ قولَهُ.
(قَوْلُهُ: الفَرَضِيِّ)، نعتٌ لزيدٍ، وهوَ نَسَبٌ إلى واحدِ الفرائضِ، وهوَ فريضةٌ بوزنِ فَعِيلَةٍ. قالَ في الخلاصةِ: * وَفَعَلِيٌّ فِي فَعِيلَةٍ الْتَزِمْ *
ولذلكَ قالَ الشَّرْحُ: بفتحِ الفاءِ والراءِ.
وقولُهُ: (أي العالمُ بالفرائضِ)، قالَ الشمسُ الحفنيُّ: الأظهرُ في التفسيرِ أنْ يُقالَ: أي المنسوبُ للفرائضِ لمزيدِ علمِهِ بها، ا هـ. وهذا بناءً على أنَّ المرادَ النسبُ كما هوَ الظاهرُ. والذي حكاهُ صاحبُ المحكمِ عن ابنِ الأعرابيِّ أنْ يُقَالَ للعالمِ بالفرائضِ: فَرَضِيٌّ وفارضٌ وفريضٌ، كعالمٍ وعليمٍ، انتهى. وبهِ تعلمُ أنَّهُ ليسَ مقصودًا بهِ النسَبُ بلْ هذا اسمٌ للعالِمِ بالفرائضِ، وحينئذٍ فلا اعتراضَ على الشرحِ.
(قَوْلُهُ: ويُقَالُ لهُ: فارِضٌ)، أيْ: يُقَالُ لعالمِ الفرائضِ: فارضٌ، بصيغةِ اسمِ الفاعلِ.
وقولُهُ: (وفَرِيضٌ)، أيْ: بصيغةِ المبالغةِ التي على وزنِ فَعِيلٍ.
وقولُهُ: (كعالِمٍ وعلِيمٍ)، تنظيرٌ لفارضٍ وفريضٍ، الأوَّلُ للأَوَّلِ، والثاني للثانِي.
وقولُهُ: (وفَرَّاضٌ)، أيْ: بصيغةِ المبالغةِ التي على وزنِ فعَّالٍ. ويصِحُّ أنْ يكونَ صيغةَ نسبٍ، كبقَّالٍ، أيْ ذِي بَقْلٍ، ومثلُهُ قولُهُ تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}، أيْ: بذِي ظُلْمٍ. فظلَّامٌ صيغةُ نسبٍ، وليسَ صيغةَ مبالغةٍ، وإلَّا لاقْتضَت الآيةُ ثبوتَ أصلِ الظلمِ، وهوَ لا يصحُّ، قالَ تعالَى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.
وقولُهُ: (وفرْضِيٌّ بسكونِ الراءِ)، أيْ: نسبةٌ لفرْضٍ، فقدْ نَسَبُوا لفرضٍ كما نَسَبُوا لِفَرِيضَةٍ.
وقولُهُ: (أيضًا)، أيْ: كما يُقالُ له: فرَضِيٌّ بفتحِ الراءِ، فهوَ راجعٌ لقولِهِ: (ويُقَالُ لهُ) إلخ.
قَوْلُهُ: (وأجازَ ابنُ الهائمِ رَحِمَهُ اللَّهُ أنْ يُقَالَ: فَرَائِضِيٌّ)، أيْ: نسبةً لفرائِضَ.
وقولُهُ: (أيضًا)، أيْ: كما قِيلَ فَرَضِيٌّ وغيرُهُ ممَّا تَقَدَّمَ.
وقولُهُ: (وإنْ قالَ جماعةٌ: إِنَّهُ خَطَأٌ)، أيْ: فلا الْتِفَاتَ لقولِهم: إنَّهُ خطأٌ، معلِّلِينَ لهُ بأنَّ القاعدةَ أنَّهُ إذا أُرِيدَ النسبُ للجمعِ، فإنَّما يُنْسَبُ لِمُفْرَدِهِ لا لذلكَ. ووجهُ عدمِ الالتفاتِ أنَّ الجمعَ صارَ لَقَبًا لهذا الفَنِّ، فقدْ شابَهَ الواحدَ، وحينئذٍ يُنْسَبُ إلى لَفْظِهِ، كما يُعْلَمُ منْ قولِ ابنِ مالكٍ:
وَالْوَاحِدُ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ = مَا لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ
وقدْ تقدَّمَ نظيرُهُ في الأنصاريِّ.
(قَوْلُهُ: والفرائضُ)، أيْ: بمعنَى المسائلِ المُسَمَّاةِ بالفرائضِ.
وقولُهُ: (جمعُ فريضةٍ بمعنَى مَفْرُوضَةٍ)، أيْ: فَعِيلَةٌ بمعنَى مَفْعُولَةٍ.
وقولُهُ: (أي مُقَدَّرةٍ)، تفسيرٌ لمفروضَةٍ.
وقولُهُ: (لِمَا فيها من السهامِ المُقَدَّرَةِ)، علَّةٌ لمحذوفٍ، أيْ: وسُمِّيَتْ مسائلُ هذا الفنِّ بالفرائضِ لِمَا فيها من السهامِ المُقَدَّرةِ. ويُؤخذُ منْ ذلكَ أنَّ قولَهمْ: فريضةٌ، منْ بابِ الحذفِ والإيصالِ، أيْ حذفِ الجارِّ وإيصالِ الضميرِ، والأصلُ مفروضٌ فيها، فحُذِفَ حرفُ الجرِّ واتَّصلَ الضميرُ. ومعلومٌ أنَّ هذهِ العلَّةَ إنَّما تَظْهَرُ في المسائلِ التي فيها سهامٌ مقدَّرةٌ معَ أنَّ المسمَّى بالفرائضِ مسائلُ قِسْمَةِ المواريثِ بالفرْضِ، أوْ بالتعصيبِ، فلا بُدَّ منْ ملاحظةِ التغليبِ؛ ولذلكَ قالَ الشرحُ: فَغُلِّبَتْ على غيرِها، أيْ فَغُلِّبَت الفرائضُ التي هيَ المسائلُ المشتَمِلَةُ على السهامِ المقدَّرةِ على غيرِها، وهوَ مسائلُ التعصيبِ، وَسُمِّيَ الكلُّ فرائضَ. وقيلَ المعنَى: فَغُلِّبَت السهامُ المقدَّرةُ على السهامِ غيرِ المقدَّرةِ، وهيَ سهامُ التعصيبِ. وعلى الأوَّلِ فَقَوْلُ الشرحِ بعدُ: (أيْ فَغُلِّبَتْ على التعصيبِ)، معناهُ: فَغُلِّبَت الفرائضُ على مسائلِ التعصيبِ وسُمِّيَ الكلُّ فرائضَ. وعلى الثانِي معناهُ: فَغُلِّبَت السهامُ المقدَّرةُ على سهامِ التعصيبِ. والأوَّلُ أَظْهَرُ كما ارْتَضَاهُ العلَّامةُ الحفنيُّ. وإنْ حَقَّقْتَ النظرَ فالتغليبُ لا بُدَّ منهُ فيهما، فَتُغَلَّبُ السهامُ المقدَّرةُ على السهامِ غيرِ المقدَّرةِ، وتُغَلَّبُ مسائلُ الأُولَى على مسائلِ الثانيةِ، كما أشارَ إليهِ الشيخُ الأميرُ، وإنَّما غُلِّبَتْ مسائلُ الفرضِ على مسائلِ التعصيبِ لشرفِ الفرضِ على التعصيبِ؛ لِتَقْدِيمِهِ عليهِ في القسمةِ على الورثةِ؛ ولأنَّ صاحبَ الفرضِ لا يسقطُ بغيرِ الحَجْبِ، وصاحبَ التعصيبِ يسقطُ باستغراقِ الفروضِ التَّرِكَةَ. وهناكَ قولٌ بأنَّ التعصيبَ أشرفُ؛ لأنَّ صاحبَ التعصيبِ إذا انْفَرَدَ حَازَ جميعَ المالِ بخلافِ صاحبِ الفرضِ، وسيأتِي ذلكَ.
(قَوْلُهُ: انتَهَى)، أيْ: كلامُ الجلالِ المحلِّيِّ.
وقولُهُ: (أيْ فَغُلِّبَتْ) إلخ، تفسيرٌ لكلامِ الجلالِ المحلِّيِّ، وقدْ عَرَفْتَ تَوْضِيحَهُ.
وقولُهُ: (وَجُعِلَتْ لقبًا لهذا العلمِ)، أيْ: جُعِلَتْ لفظةُ الفرائضِ اسمًا على هذا الفنِّ.
وقولُهُ: (وَسَيَأْتِي تَعْرِيفُهُ)، أيْ: سَيَأْتِي تعريفُ هذا العلمِ بعدَ قولِ المُصَنِّفِ:
فَهَاكَ فِيهِ الْقَوْلُ عَنْ إِيجَازِ = مُبَّرَأٌ عَنْ وَصْمَةِ الْإِلْغَازِ
وَنَصُّهُ هناكَ: مُقَدِّمَةُ عِلْمِ الفرائضِ فِقْهُ قِسْمَةِ المواريثِ إلخ.
(قَوْلُهُ: وقولُهُ)، مبتدأٌ خبرُهُ مأخوذٌ منْ قولِهِ: أي المذكورُ. فكأنَّهُ قالَ: يُقالُ في شرحِهِ كذا، كما تَقَدَّمَ نظيرُهُ، وعلى هذا ابدأْ فَقِسْ.
(قَوْلُهُ: إذْ كانَ ذاكَ إلخ)، أيْ: لأنَّ هذا أَهَمُّ، فَإِذْ للتعليلِ.
وقولُهُ: (أي المذكورُ)، إنَّمَا يُحْتَاجُ لهَذَا التأويلِ بالنظرِ لتفسيرِ اسمِ الإشارةِ بالإبانةِ؛ فإنَّهَا مؤنثةٌ، ولفظُ ذَا إنَّمَا يُشَارُ بهِ للمفردِ المذكَّرِ، فيُحْتَاجُ لتأويلِ الإبانةِ بالمذكورِ لا بالنظرِ لتفسيرِ اسمِ الإشارةِ بِتَوَخِّيهَا؛ لأنَّهُ مُذَكَّرٌ منْ غيرِ تأويلٍ.
(قَوْلُهُ: مِنْ أَهَمِّ الغَرَضِ)، أيْ: منْ أَهَمِّ القُصْدَانِ. فسَّرَ اسمَ الإشارةِ بالتوخِّي أوْ أهمِّ المقصودِ، إنْ فسَّرَ اسمَ الإشارةِ بالمذكورِ من الإبانةِ فإنَّهَا مقصودةٌ، فتكونُ منْ أهمِّ المقصودِ.
(قَوْلُهُ: لِمَنْ يُرِيدُ التصنيفَ في علمِ الفرائضِ)، اعْتُرِضَ بأنَّ التخصيصَ بِمَنْ يُرِيدُ التصنيفَ لا دَلِيلَ عليهِ، فإنَّ المُدَرِّسَ والطالبَ كذلكَ. وَأُجِيبَ بأنَّ الذي يَخُصُّ المصنِّفَ التصنيفُ، فالتقييدُ بهِ بالنظرِ للمقامِ.
(قَوْلُهُ: فهوَ تعليلٌ لِمَا ذُكِرَ)، أيْ: منْ سؤالِ الإعانةِ على ما تَوَخَّيْنَا من الإبانةِ، فكأنَّهُ قالَ: نَسْأَلُ اللَّهَ الإعانةَ على الذي قَصَدْنَاهُ من الإبانةِ عنْ مذهبِ الإمامِ زيدٍ؛ لأنَّهُ أهمُّ من الغرضِ. وَكَتَبَ بعضُهمْ أنَّ المناسبَ حَذْفُ فَهُوَ، ويكونُ قولُهُ: تعليلٌ، خبرًا لقولِهِ الواقعِ مبتدأً في الدخولِ على المتنِ، ا هـ. لكنْ تقدَّمَ لكَ أنَّ خبرَهُ مأخوذٌ منْ حَلِّ الشرحِ؛ فلا مُناسبةَ للحذفِ.
(قَوْلُهُ: قالَ العلَّامَةُ إلخ)، إنَّمَا أتَى بذلكَ تَقْوِيَةً لِمَا قَبْلَهُ، وتوضيحًا لكلامِ المَتْنِ.
وقولُهُ: (سِبْطٌ المَارِدِينِيُّ)، وهوَ بدرُ الدِّينِ محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ أحمدَ، كانَ في عصرِ السلطانِ قَايِتْبَاي. والمَارِدِينِيُّ نسبةٌ لِمَارِدِينَ، بلدةٌ بالعجمِ، وكانَ المَارِدِينِيُّ جَدًا للسِّبْطِ؛ لأنَّ الواقعَ أنَّهُ ابنُ ابنتِهِ، وإنْ كانَ السِّبْطُ في الأصلِ ولدَ الولدِ ذكرًا كانَ أوْ أنثَى، ا هـ أميرٌ بالمعنَى.
(قَوْلُهُ: فيما قصدْنَاهُ)، تفسيرٌ لقولِ المصنِّفِ: فما تَوَاخَيْنَا.
وقولُهُ: (من الإظهارِ والكشفِ)، تفسيرٌ للإبانةِ الواقعةِ في كلامِ المُصَنِّفِ. وعَطْفُ الكشفِ على الإظهارِ عَطْفُ تفْسيرٍ، وقولُهُ: لأنَّ هذا منْ أهمِّ القصدِ، تفسيرٌ لقولِ المصنِّفِ: إذْ كانَ ذاكَ منْ أهمِّ الغرضِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لا يَخِيبُ مَنْ قَصَدَهُ)، أيْ: وإنَّما سَأَلْتُ اللَّهَ؛ لأنَّهُ تعالَى لا يَرُدُّ مَنْ قَصَدَهُ خائبًا، أيْ غيرَ ظافرٍ بمقصودِهِ؛ فإنَّ الخيبةَ عدمُ الظفرِ بالمقصودِ. وكانَ المناسبُ أنْ يقولَ: مَنْ سألَهُ، بدَلَ: مَنْ قصدَهُ، إلَّا أنْ يُقالَ: المرادُ مَنْ قصدَهُ بالسؤالِ.
(قَوْلُهُ: قالَ اللَّهُ تعالَى)، هذا استدلالٌ علَى أنَّهُ تعالَى لا يُخَيِّبُ مَنْ قصدَهُ، لكنَّ الاستدلالَ بذلكَ فيهِ خَفَاءٌ؛ لأنَّ هذهِ الآيةَ إنَّمَا دَلَّتْ علَى طلبِ السؤالِ، ولذلكَ احتاجَ الشرحُ لقولِهِ: قالَ بعضُ العلماءِ إلخ، معَ قولِهِ: وقالَ الإمامُ تاجُ الدِّينِ إلخ، فأتَى بذلِكَ لبيانِ وجهِ الاستدلالِ، ولو استدلَّ بقولِهِ تعالَى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، أوْ بقولِهِ تعالَى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، لم يَحْتَجْ لذلكَ؛ فَإِنَّهُ ظاهرٌ في الاستدلالِ علَى ما ذَكَرَ.
(قَوْلُهُ: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)، أيْ: شيئًا منْ فضلِهِ لا وُجُوبًا عليهِ.
(قَوْلُهُ: قالَ بعضُ العلماءِ إلخ)، قدْ عَرَفْتَ أنَّهُ أتَى بذلِكَ معَ ما بعدَهُ لبيانِ وجهِ الاستدلالِ بالآيةِ، ومُرادُهُ ببعضِ العلماءِ ابنُ عُيَيْنَةَ، كما في اللؤلؤةِ نَقْلًا عن السَّكَتَانِيِّ.
وقولُهُ: (لمْ يأْمُرْ بالمسألةِ)، أيْ: في قولِهِ تعالَى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ}.
وقولُهُ: (إِلَّا لِيُعْطِي)، أيْ: أخذًا منْ قولِهِ تعالَى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، لكنَّهُ لا بُدَّ منْ تَوَفُّرِ شروطِ الإجابةِ التي منْ أعظمِهَا أكْلُ الحلالِ، وانتفاءُ موانعِها التي منْ أَعْظَمِها أكْلُ الحرامِ. والإجابةُ إمَّا بِعَيْنِ المطلوبِ أوْ بِأَحْسَنَ منهُ، أوْ بدفْعِ ضَرَرٍ عن الداعِي. وإِمَّا أنْ تَكُونَ مُعَجَّلَةً، وإمَّا أنْ تكونَ مُؤَجَّلةً، فكلُّ دعاءٍ مستجابٌ بِقَيْدِهِ السابقِ.
(قَوْلُهُ: انتهَى)، أيْ: كلامُ بعضِ العلماءِ.
(قَوْلُهُ: قالَ الإمامُ تاجُ الدِّينِ بنُ عطاءِ اللَّهِ)، أيْ: صاحبُ الحِكَمِ المشهورةِ نَفَعَنَا اللَّهُ بهِ.
وقولُهُ: (مَتَى وَفَّقَكَ اللَّهُ للطَّلَبِ)، أيْ: للطَّلَبِ منهُ.
وقولُهُ: (فَاعْلَمْ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُعْطِيَكَ)، أيْ: علَى الوجهِ الذي يُرِيدُ، لا علَى الوجهِ الذي تُرِيدُ، لِتَصَوُّرِكَ كما في الحكمِ لهُ.
(قَوْلُهُ: انتهَى)، أيْ: كلامُ ابنِ عطاءِ اللَّهِ.
(قَوْلُهُ: وقولُهُ: عِلْمًا إلخ)، لَمَّا كانَ ما تَقَدَّمَ مُتَضَمِّنًا؛ لأنَّ متعلِّقَ المقصودِ عِلْمٌ، ولأنَّهُ خصوصُ عِلْمِ الفرائضِ، ولأنَّهُ علَى مذهبِ الإمامِ ابنِ زيدِ بنِ ثابتٍ، عَلَّلَ ذلكَ بتعليلٍ يَشْتَمِلُ علَى تلكَ الأشياءِ، فقولُهُ: (عِلْمًا بأنَّ العِلْمَ خَيْرُ ما سُعِيَ إلخ)، راجعٌ للأَوَّلِ.
وقولُهُ: (وبأنَّ هذا العلمَ مخصوصٌ بمَا إلخ)، راجعٌ للثانِي.
وقولُهُ: (وبأنَّ زيدًا خصَّ لا محالةَ إلخ)، راجعٌ للثالثِ.
(قَوْلُهُ: منصوبٌ علَى أنَّهُ مفعولٌ لأجلِهِ)، اسْتَشْكَلَهُ الشيخُ الحفنيُّ، بأنَّ شرْطَ نصبِ المفعولِ لأجلِهِ أنْ يَتَّحِدَ معَ عاملِهِ فَاعِلًا، كما في قولِكَ: قُمْتُ إِجْلَالًا لكَ، فإنَّ فاعلَ الإجلالِ والقيامِ المُتَكَلِّمُ، وهنا ليسَ كذلكَ، فإنَّ مرفوعَ كانَ اسمُ الإشارةِ، وفاعلَ العلمِ المصنِّفُ، وهذا علَى جَعْلِهِ عِلَّةً لقولِهِ: إذْ كانَ ذاكَ منْ أهمِّ الغرضِ. وأمَّا علَى جَعْلِهِ علَّةً لِـ تَوَاخَيْنَا فَلَا إِشْكَالَ؛ لأنَّ فاعِلَ العلمِ والتوَخِّي واحدٌ وهوَ المصنِّفُ. وأجابَ الشيخُ الأميرُ بأنَّ الاتِّحادَ موجودٌ معنًى، فكأنَّهُ قالَ: أَعُدُّهُ منْ أهمِّ الغرضِ عِلْمًا إلخ؛ لأنَّ المرادَ: إذْ كانَ ذاكَ منْ أهمِّ الغرضِ عندِي، فالاتِّحادُ موجودٌ معنًى، كما قَالُوهُ في قولِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا}؛ فإنَّهُم أَعْرَبُوا خَوْفًا وَطَمَعًا مَفْعُولَيْنِ لِأَجْلِهِمَا، معَ أنَّ فاعلَ الخوفِ والطمعِ المُخَاطَبُونَ، وفاعلُ يَرَى هوَ اللَّهُ تعالَى، لكنْ قَالُوا: الاتِّحادُ موجودٌ معنًى؛ فَإِنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: وهوَ الذي يَجْعَلُكُم تَرَوْنَ البَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا.
قَوْلُهُ: (وهوَ)، أيْ: عِلْمًا.
وقولُهُ: (عِلَّةٌ لقولِهِ: إذْ كانَ إلخ)، وعلَى هذا فيكونُ علَّةً للعلَّةِ، فهوَ مِنْ بابِ التدقيقِ.
وقولُهُ: (أوْ لقولِهِ: تَوَاخَيْنَا إلخ)، وعليهِ فلَا يَرِدُ الإشكالُ السابقُ كما عَلِمْتَ.
وقولُهُ: (أيْ لِأَجْلِ عِلْمِنَا)، تفسيرٌ لمعنَى كَوْنِهِ عِلَّةً، وفيهِ دخولٌ علَى ما بعدَهُ.
(قَوْلُهُ: بأنَّ العلمَ)، أيْ: كُلَّ عِلْمٍ، أو العلمَ المعهودَ، فَـ أَلْ إمَّا للاستغراقِ أوْ للعهدِ كما سَيَذْكُرُهُ الشرحُ، لكنْ في الاحتمالِ الأوَّلِ شيءٌ؛ إذْ منْ جُمْلَةِ العلومِ مَا لا يَنْبَغِي تَعَاطِيهِ، كالعلومِ الحكميَّةِ وعلومِ الهَيْئَةِ ونحوِهَا. ويُمْكِنُ أنْ يُجَابَ بأنَّ ما ذُكِرَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ العدمِ؛ لأنَّ الاعتبارَ إنَّمَا هوَ بالعلمِ النافعِ. واعلمْ أنَّ العلمَ يُطْلَقُ علَى المَلَكَةِ، وعلَى الإدراكِ الجازمِ المطابقِ للواقعِ عنْ دليلٍ، وعلَى القواعدِ المُدَوَّنَةِ والفنونِ المُبَيَّنَةِ. وَحَمْلُهُ هنا علَى القواعدِ والفنونِ أَنْسَبُ، لكنَّ الشرحَ فسَّرَهُ بحُكْمِ الذهنِ الجازمِ المطابقِ للواقعِ، وكأنَّهُ لاحظَ أنَّ ذلكَ هوَ الثَّمَرَةُ المُسَتَمَدَّةُ من الفنونِ.
(قَوْلُهُ: وهوَ حُكْمُ الذهنِ إلخ)، هذا تعريفٌ لهُ عندَ الأصولِيِّينَ. والحكمُ هوَ إدراكُ أنَّ النسبةَ واقعةٌ أوْ ليْسَتْ بواقعةٍ. والذهنُ قوَّةٌ للنفسِ معدَّةٌ لاكتسابِ الآراءِ. والحاكمُ في الحقيقةِ هوَ النفسُ الناطقةُ، والذهنُ آلةٌ للحُكْمِ، فإضافةُ الحُكْمِ إليهِ منْ إضافةِ الشيءِ لآلتِهِ.
وقولُهُ: (الجازمُ) بالرفعِ، صفةٌ أُولَى للحُكْمِ، ونسبةُ الجزْمِ إليهِ مجازٌ عقليٌّ؛ لأنَّ الجازمَ صاحبُهُ. وَيُحْتَمَلُ أنَّ اسمَ الفاعلِ بمعنَى اسمِ المفعولِ، فالجازمُ بمعنَى المجزومِ بهِ، علَى حدِّ قولِهِ تعالَى: {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ}. وَخَرَجَ بذلِكَ الظنُّ والشكُّ والوهمُ بِنَاءً علَى أنَّ في الشكِّ والوهمِ حُكْمًا، وإنْ كانَ التحقيقُ أنَّ الشاكَّ ليسَ حاكمًا، وكذلكَ الواهمَ بالأَوْلَى.
وقولُهُ: (المطابقُ للواقعِ) بالرفعِ أيضًا، صفةٌ ثانيةٌ للحكمِ، والمرادُ المطابقُ مُتَعَلَّقَهُ، وهوَ النسبةُ المحكومُ فيها لِمُتَعَلِّقِ الواقعِ، وهوَ النسبةُ التي في عِلْمِ اللَّهِ الذي هوَ المرادُ بالواقعِ، علَى أَحَدِ الأقوالِ. فالمطابقةُ إنَّمَا هيَ بينَ النسبةِ التي تُدْرَكُ من الكلامِ والنسبةِ التي في الواقعِ، لا بينَ الحُكْمِ نفسِهِ والواقعِ؛ لأنَّهُ لا معنَى لمطابقةِ نفسِ الإدراكِ للواقعِ. وَخَرَجَ بذلِكَ حُكْمُ الذهنِ الجازمُ غيرُ المطابقِ للواقعِ، وهوَ الاعتقادُ الفاسدُ. وكانَ علَى الشرحِ أنْ يَزِيدَ قَيْدًا ثالثًا، وهوَ الدليلُ لإخراجِ حُكْمِ الذهنِ الجازمِ المطابقِ للواقعِ لغيرِ دليلٍ، بلْ لتقليدٍ، ويُسَمَّى الاعتقادَ الصحيحَ. ويُمْكِنُ أنْ يُجَابَ بأنَّهُ سَكَتَ عنْ ذلكَ للإشارةِ إلَى أنَّ المرادَ بالعلمِ ما يَشْمَلُ الاعتقادَ الصحيحَ.
(قَوْلُهُ: وهوَ خلافُ الجهلِ)، مُرَادُهُ بالخلافِ المُنَافِي الشاملُ لِلضِّدِّ وللعَدَمِ، المقابلُ للمَلَكَةِ، لا الخلافُ الاصطلاحيُّ؛ لأنَّ الخِلَافَيْنِ اصطلاحًا يَجُوزُ اجتماعُهُمَا وارتفاعُهُمَا، والجهلُ والعلمُ ليسَا كذلكَ. بلْ بالنسبةِِ للجهلِ البسيطِ، وهوَ عدمُ العلمِ بالشيءِ عمَّا مِنْ شأنِهِ أنْ يكونَ عَالِمًا، يكونُ التقابلُ بينهما منْ تَقَابُلِ العدمِ. والمَلَكَةُ، وهيَ الصفةُ الثبوتيَّةُ كالعِلْمِ، فَيُعَبِّرُونَ عنها بالملكةِ، وعنْ مُقَابِلِهَا بالعدمِ. وبالنسبةِ للجهلِ المُرَكَّبِ، وهوَ إدراكُ الشيءِ علَى خلافِ ما هوَ عليهِ في الواقعِ يكونُ التقابلُ بينهما منْ تقابُلِ الضِّدَّيْنِ، وهما الأمرانِ الوُجُودِيَّانِ اللَّذَانِ بينهما غايةُ الخلافِ، لا يَجْتَمِعَانِ وقدْ يَرْتَفِعَانِ. وإنَّمَا سُمِّيَ الجهلُ بمعنَى إدراكِ الشيءِ علَى خلافِ ما هوَ عليهِ في الواقعِ جَهْلًا مُرَكَّبًا لِاسْتِلْزَامِهِ جَهْلَيْنِ: جَهْلُهُ بالشيءِ كما هوَ في الواقعِ، وَجَهْلُهُ بأنَّهُ جاهلٌ. فليسَ مُرَكَّبًا منهما حَقِيقَةً بلْ هوَ مُسْتَلْزِمٌ لهما؛ لأنَّهُمَا عَدَمِيَّانِ وهوَ وُجُودِيٌّ، والوجوديُّ لا يكونُ مُرَكَّبًا منْ عَدَمِيَّيْنِ. وَإِطْلَاقُ الجهلِ علَى كُلٍّ مِن البسيطِ والمُرَكَّبِ حقيقةٌ، فهوَ منْ قَبِيلِ المشترَكِ. وقيلَ: حقيقةٌ في المُرَكَّبِ مَجَازٌ في البسيطِ.
(قَوْلُهُ: والأَلِفُ واللامُ)، كانَ الأولَى التعبيرُ بِـ أَلْ؛ لأنَّ القاعدةَ أنَّ الكلمةَ إذا كانتْ علَى حَرْفَيْنِ عُبِّرَ عنها بلفظِهَا، كَقَوْلِهِم: مِنْ وفِي وعَنْ، ومِثْلُهَا أَلْ. وإذا كانتْ علَى حَرْفٍ واحدٍ عُبِّرَ عنها بِاسْمِهَا، كَقَوْلِهِم: واوُ العطفِ، وَفَاؤُهُ، وَلَامُ الجَرِّ. لكنَّ الشرحَ عَبَّرَ بذلِكَ للتوضيحِ.
وقولُهُ: (للاستغراقِ)، أي: استغراقِ جَميعِ أفرادِ العلمِ النافعِ؛ لأنَّ غيرَ النافعِ بمنزلةِ العدمِ كما مَرَّ.
وقولُهُ: (أو للعهدِ الشَّرْعِيِّ)، أي: المعهودِ عندَ أَهْلِ الشرعِ. وكانَ الأَوْلَى أنْ يقولَ: العِلْمِيِّ؛ لأنَّ المعهودَ منْ أقسامِ المعهودِ الشَّرْعِيِّ، وهيَ الذِّكْرِيُّ والحُضُورِيُّ والعِلْمِيُّ. وَأُجِيبَ بأنَّ مُرَادَهُ العِلْمِيُّ وَعَبَّرَ بالشَّرْعِيِّ تَنْبِيهًا علَى أنَّهُ المعهودُ عندَ علماءِ الشرعِ. وعِبَارَةُ السُّيُوطيِّ: العلمُ المعهودُ أي الشَّرْعِيُّ، فَكَأَنَّ الشرعَ تَصَرُّفٌ فِيهَا.
(قَوْلُهُ: وهوَ عِلْمُ التَّفْسِيرِ إلخ)، أي: العلمُ المعهودُ شَرْعًا هوَ عِلْمُ التفسيرِ إلخ.
وقولُهُ: (وَيَلْحَقُ بذلِكَ ما كانَ آلةً لهُ)، أيْ: وَيَلْحَقُ بالمذكورِ من العلومِ الثلاثةِ ما كانَ آلةً لهُ كالنَّحْوِ.
(قَوْلُهُ: فالعلمُ منْ خيرِ إلخ)، اعْتُرِضَ منْ وَجْهَيْنِ:
الأَوَّلُ: تَغْيِيرُ إعرابِ المَتْنِ. والثاني: إخلاءُ أَنَّ في كلامِ المصنِّفِ عن الخبرِ، لا يُقَالُ: عُذْرُ الشرحِ في تغييرِ الإعرابِ إفادةُ أنَّ العلمَ بَعْضُ الخيرِ وبعضُ الأَوْلَى؛ لأنَّا نَقُولُ: إِفَادَةُ ذلكَ تَحْصُلُ بتقديرِ مُضَافٍ، بأنْ يَقُولَ بَعْدَ قولِ المُصَنِّفِ (خَيْرِ): أيْ بَعْضِ خَيْرٍ، وَيَقُولَ بعدَ قولِهِ (أَوْلَى): أيْ بَعْضِ أَوْلَى. وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ لذلكَ كُلِّهِ إذا جُعِلَتْ أَلْ في العلمِ للعهدِ العِلْمِيِّ؛ لأنَّ علمَ التوحيدِ ليسَ مُنْدَرِجًا فيهِ حينئذٍ معَ أنَّهُ أَفْضَلُ وَأَوْلَى. وَأَمَّا علَى جَعْلِهَا للاستغراقِ فَلَا يُحْتَاجُ لذلكَ بلْ هوَ مُضِرٌّ؛ لِإِيهَامِهِ أنَّ هناكَ مُسَاوِيًا لهُ وَأَفْضَلَ منهُ، وليسَ كذلكَ. وَحَاوَلَ في اللؤلؤةِ، فَجَعَلََ كَوْنَهُ مِن الخيرِ لا يُنَافِي كَوْنَهُ الخيرَ علَى الإطلاقِ. والحقُّ أنَّ الإيهامَ حَاصِلٌ، وَمَحَلُّ عَدَمِ الاحتياجِ للتقديرِ المذكورِ علَى جَعْلِهَا للاستغراقِ إذا لُوحِظَ مَجْمُوعُ الأفرادِ بخلافِ ما لو لُوحِظَ كُلُّ فَرْدٍ علَى حِدَتِهِ؛ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ للتقديرِ السابقِ بالنظرِ للبعضِ دونَ البعضِ.
وَأُجِيبَ عن الوجهِ الأَوَّلِ بأنَّ الحقَ جَوَازُ التغييرِ، خُصُوصًا إذا كانَ الشرحُ مَمْزُوجًا معَ المَتْنِ كما هنا. وعن الوجهِ الثاني بأنَّ الشرحَ أَعَادَ المُبْتَدَأَ لِطُولِ الفصلِ فهوَ منْ بابِ إِعَادَةِ المبتدأِ لا منْ بابِ تَقْدِيرِ المبتدأِ، ولكَ أنْ تقولَ: إِنَّهُ حَلُّ معنًى لَا حَلُّ إعرابٍ. انتهَى مُلَخَّصًا منْ حَاشِيَةِ الحفنيِّ وَحَاشِيَةِ الأميرِ معَ زيادةٍ لَطِيفَةٍ.
(قَوْلُهُ: مِنْ خَيْرِ ما سُعِيَ فيهِ)، أيْ: أَفْضَلِ الأمرِ الذي سَعَى الإنسانُ فيهِ كَسَائِرِ الصُّنَعِ.
وقولُهُ: (ومِنْ أَوْلَى ما لهُ العبدُ دُعِيَ)، أيْ: وَمِنْ أوْلَى الأمرِ الذي طُلِبَ العبدُ لهُ. ولا يَخْفَى التجنيسُ بينَ سُعِيَ وَدُعِيَ. وَقُدِّرَ مِنْ ثانيًا إشارةً إلَى أنَّ أوْلَى مَعْطُوفٌ علَى خيرِ المُسَلَّطِ عليهِ مِنْ، فَيُفِيدُ أنَّ العِلْمَ بَعْضُ الخَيْرِ وَبَعْضُ الأَوْلَى، ولوْ لمْ يُقَدَّرْ مِنْ ثَانِيًا لَاحْتُمِلَ أنْ يكونَ مَعْطُوفًا علَى الجارِّ والمجرورِ مَعًا، فَيُفِيدُ أنَّ العلمَ هوَ الأولَى، وهوَ مُنَافٍ لِجَعْلِهِ أَوَّلًا بعضَ الخيرِ. ولكَ أنْ تقولَ لا مُنَافَاةَ؛ لأنَّ كوْنَ الشيءِ أَفْضَلَ علَى الإطلاقِ لا يُنَافِي كَوْنَهُ بَعْضَ الأفضلِ، كَالنَّبِيِّ صَلََّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الخلقِ علَى الإطلاقِ، ومعَ ذلكَ هو بعضُ الأنبياءِ الذينَ همْ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِم، فيكونُ بَعْضَ الأفضلِ. أَفَادَهُ في اللؤلؤةِ، لَكِنَّ فيهِ ما تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: قالَ اللَّهُ تعالَى إلخ)، هذا استدلالٌ علَى خَيْرِيَّةِ العلمِ وَأَوْلَوِيَّتِهِ؛ لأنَّ الآيةَ الأُولَى فيها مَدْحُ العلماءِ، وَمَدْحُهُم مُتَضَمِّنٌ لِمَدْحِ العلمِ. والآيةُ الثانيةُ دَلَّتْ علَى رَفْعِ العلماءِ دَرَجَاتٍ، وهوَ بِسَبَبِ العلمِ، فَفِيهَا مَدْحٌ للعلمِ ضِمْنًا كالآيةِ الأُولَى. وَأَمَّا الآيةُ الثالثةُ فَفِيهَا أَمْرُ حَبِيبِهِ بِاسْتِزَادَتِهِ من العلمِ، فَلَوْلَا شَرَفُهُ لَمَا أَمَرَهُ بذلِكَ. وجميعُ مَا وَرَدَ في مدْحِ العلماءِ مَحْمُولٌ علَى العلماءِ العَامِلِينَ، وإِلَّا فَغَيْرُ العامِلِينَ مَذْمُومُونَ غَايَةَ الذَّمِّ.
(قَوْلُهُ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ})، بِنَصْبِ الاسمِ الشريفِ وَرَفْعِ العلماءِ كما هوَ القراءةُ المُتَواتِرَةُ، وَقُرِئَ شَاذًّا بِرَفْعِ لفظِ الجلالةِ وَنَصْبِ العلماءِ، وهيَ أَبْلَغُ في مَدْحِ العلماءِ من القراءةِ المتواترةِ؛ لأنَّ المعنَى عليها: إنَّمَا يُعَظِّمُ اللَّهُ منْ عِبَادِهِ العلماءَ، فالمرادُ بالْخَشْيَةِ في حَقِّهِ تَعَالَى التعظيمُ. والمعنَى علَى القراءةِ المتواترةِ: إنَّمَا يَخَافُ اللَّهَ خَوْفًا معَ إجلالٍ منْ عبادِهِ العلماءُ؛ لأنَّهُم أَعْلَمُ باللَّهِ وَبِمَا يَلِيقُ بهِ، ولهذا كانَ أَشَدَّ الناسِ خَوْفًا الأنبياءُ. وَبَعْضُهُم حَمَلَ العلماءَ في هذهِ الآيةِ وَنَحْوِهَا علَى علماءِ الباطِنِ، وهمْ مَنْ أَطْلَعَهُم اللَّهُ علَى مَكْنُونِ غَيْبِهِ بِسَبِبِ تَرْبِيَتِهِم تَحْتَ يَدِ شَيْخٍ عَارِفٍ بِدَسَائِسِ النفسِ.
وَعُلِمَ مِن التفسيرِ المذكورِ أنَّ الخشيةَ علَى القراءةِ المتواترةِ بمعنَى الخوفِ معَ إجلالٍ. قالَ الرَّاغِبُ: الخشيةُ خَوْفٌ يَشُوبُهُ تَعْظِيمٌ، وَأَكْثَرُ ما يكونُ عنْ عِلْمٍ، وقالَ السُّيُوطِيُّ: هيَ أَشَدُّ الخوْفِ.
(قَوْلُهُ: {يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}...إلخ)، جَوَابُ انْشُزُوا، بمعنَى ارْتَفِعُوا مُقَابِلَ تَفَسَّحُوا، وَصَدْرُ الآيةِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} إلخ.
وقولُهُ: {وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}، ذَهَبَ ابنُ عباسٍ إلى أنَّ الذينَ أُوتُوا العلمَ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ, والتقديرُ: وَيَزِيدُ الذين أُوتُوا العلمَ درجاتٍ، فيكونُ قد تَمَّ الكلامُ عندَ قولِهِ تعالى: {مِنكُمْ}، وعلى هذا فالاستدلالُ بالآيَةِ على شَرَفِ العلمِ ظاهرٌ، وَأَمَّا على جَعْلِهِ مَعْطُوفًا على الذينَ آمنوا مِن عَطْفِ الخاصِّ على العامِّ فلا يَظْهَرُ الاستدلالُ، كذا قِيلَ, وَوَجَّهَ بَعْضُهُم الاستدلالَ بالآيةِ على العطفِ أَيْضًا بأنَّ ذِكْرَ الخاصِّ بعد العامِّ لَا بُدَّ لهُ من نُكْتَةٍ، والنُّكْتَةُ هنا شَرَفُهُم على غَيْرِهِم، وإلى ذلكَ أشارَ الشيخُ الأميرُ حيثُ قالَ: فَخُصُّوا بالذكرِ اهْتِمَامًا: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}.
قولُهُ: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} أي: وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ ربِّ زِدْنِي عِلْمًا، فهو أَمْرٌ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالاسْتِزَادَةِ من العلمِ، و هو دليلٌ على شَرَفِهِ.
(قولُهُ: والأحاديثُ إلخ) لَمَّا اسْتَدَلَّ على شرفِ العلمِ بالآياتِ القُرْآنِيَّةِ شَرَعَ يَسْتَدِلُّ على ذلكَ بالأحاديثِ النبويَّةِ.
(وقولُهُ: كَثِيرَةٌ) شَهِيرَةٌ لا يَلْزَمُ من الكثرةِ الشهرةُ، فلذلكَ ذَكَرَهَا بَعْدَهَا.
(قولُهُ: مِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلخ) منها أيضًا حديثُ البخاريِّ: ((مَا جَمِيعُ أَعْمَالِ البِرِّ فِي الجِهَادِ إِلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ، وَمَا جَمِيعُ أَعْمَالِ البِرِّ وَالجِهَادِ فِي العِلْمِ إِلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ)) انْتَهَى.
(قولُهُ: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) أي: لا غِبْطَةَ مَمْدُوحَةٌ مَدْحًا أكيدًا في خَصْلَةٍ من الخصالِ إلَّا في اثنتينِ - بِتَاءِ التأنيثِ - فالمرادُ بالحسدِ في الحديثِ الغِبْطةُ التي هي تَمَنِّي مثلِ ما للغيرِ، وَيُقَدَّرُ الخيرُ من مادَّةِ المدحِ ونحوِهِ لا مِن مادَّةِ الجوازِ؛إذْ لو قيلَ: لاغِبْطَةَ جائزةٌ إلَّا في اثنتيْنِ لاقْتَضَى أنَّ الغِبْطَةَ حرامٌ في غيرِ المُسْتَثْنَى، وهو باطلٌ، وليسَ المرادُ بالحسدِ في الحديثِ الحسدَ المعروفَ، وهو تَمَنِّي زوالِ نعمةِ الغيرِ؛ لِأَنَّهُ حرامٌ مُطْلَقًا، فلوْ قِيلَ: لا حَسَدَ جائزٌ إلَّا في اثْنَتَيْنِ لمْ يَصِحَّ الاستثناءُ إلَّا أنْ يُجْعَلَ مُنْقَطِعًا؛ لأنَّ المُسْتَثْنَى غبطةٌ والمستثنى منهُ حَسَدٌ.
(وقولُهُ: رجلٍ) أي: خَصْلَةِ رجلٍ، فهو على تقديرِ مضافٍ، وهو إمَّا بالجرِّ بدلٌ, أو بالرفعِ خبرٌ لِمُبْتَدَأٍ محذوفٍ.
(وقولُهُ: آتَاهُ اللَّهُ مَالًا) بِمَدِّ الهمزةِ، أي: أعطاهُ اللهُ مالًا.
(وقولُهُ: فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الخَيْرِ) بفتحِ اللامِ, أي: سَلَّطَةُ على إِهْلَاكِهِ وإنفاقِهِ في الخيرِ كالصدقةِ، وهذا بيانٌ للخَصْلَةِ الأولى.
(وقولُهُ: ورجلٍ) أي: وخَصْلَةِ رَجُلٍ، وهو بالجرِّ أو بالرفعِ, نَظِيرَ ما تَقَدَّمَ.
(وقولُهُ: آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ) بِمَدِّ الهمزةِ، أي: أَعْطَاهُ اللهُ الحكمةَ، وهي بكَسْرِ الحاءِ، تُطْلَقُ على العلمِ النافعِ المُؤَدِّي إلى عملٍ، وهو المناسِبُ هنا، وتُطْلَقُ على إصابةِ الصوابِ قَوْلًا وفِعْلًا وعَقْدًا، وعلى العلمِ بحقائقِ الأشياءِ على ما هيَ عليهِ وبما فيها من المصالحِ وغيرِهَا، وعلى علمِ الشرائعِ، وفي شَرْحِ الفَاسِيِّ على الدلائلِ أنَّهَا تُفَسَّرُ بالنُّبُوَّةِ والقرآنِ، والفَهْمِ فيهِ، والفقهِ في دينِ اللهِ، ومعرفةِ الأحكامِ، والفطنةِ، واللبِّ، والموعظةِ، وتحقيقِ العلمِ، والفَهْمِ عن اللهِ، والحكمِ، وإتقانِ الفعلِ، ووَضْعِ الأشياءِ مَوَاضِعَهَا وتَوْفِيَتِهَا حَقَّهَا، والحكمِ بالحقِّ والعدلِ.
(وقولُهُ: فَهُو يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا النَّاسَ) أي: يَحْكُمُ بِهَا بينَ الناسِ ويُعَلِّمُهَا لهم بغيرِ قضاءٍ كَتَدْرِيسٍ، وهذا بيانٌ للخَصْلَةِ الثانيةِ.
(قولُهُ: رواهُ البخاريُّ من حديثِ ابنِ مسعودٍ) أي: حالَ كَوْنِهِ من جملةِ الأحاديثِ التي رَوَاهَا ابنُ مسعودٍ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَـ (حديثِ) مفردٌ مضافٌ يَعُمُّ.
(قولُهُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) أي: حِسِّيَّةً أَوْ مَعْنَوِيَّةً أو هُمَا معًا فَتَشْمَلُ أنواعَ الطريقِ المُوَصِّلَةِ إلى تحصيلِ أنواعِ العلومِ الدينيَّةِ.
(وقولُهُ: يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا) أي: يَطْلُبُ في ذلكَ الطريقِ عِلْمًا نَافِعًا، سَوَاءٌ جَلَّ أو قَلَّ.
(وقولُهُ: سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلى الجنَّةِ) أي: في الدنيا، بأنْ يُوَفِّقَهُ للعَمَلِ الصالحِ، وفي الآخرةِ بِأَنْ يَسْلُكَ بهِ طَرِيقًا لَا صعوبةَ فيهِ حَتَّى يَدْخُلَ الجنَّةَ سَالِمًا، وسببُ ذلكَ أنَّ العلمَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِتَعَبٍ وَنَصَبٍ، وأَحَبُّ الأعمالِ أَحْمَزُهَا - بالحاءِ المهملةِ والزايِ المعجمةِ – أي: أَشَقُّهَا، فَمَنْ تَحَمَّلَ المشقةَ في تحصيلِ العلمِ سَهَّلَ اللهُ لهُ طريقًا إلى الجنَّةِ، وظاهرُ الحديثِ أنَّهُ يَتَرَتَّبُ لهُ ذلكَ، وإنْ لمْ يَحْصُلِ المطلوبُ, فَمَنْ بَذَلَ الجهدَ بِنِيَّةٍ صافيةٍ, وإنْ لم يُحَصِّلْ شَيْئًا لِنَحْوِ بَلَادَةٍ يَحْصُلُ لهُ الجزاءُ الموعودُ بهِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ، لَكِنْ إذا حَصَلَ المقصودُ كانَ أَعْلَى، والذي في الجامعِ الصغيرِ (سَهَّلَ اللهُ بِهِ)، والظاهرُ على هذهِ الروايةِ أنَّ الضميرَ عائدٌ للسلوكِ المفهومِ من سَلَكَ, و تكونُ الباءُ سببِيَّةً بخلافِهِ على الروايةِ التي هنا، فإنَّ الضميرَ عائدٌ لِمَنْ، واللامُ لامُ التعديةِ، وبعضُهُم جَعَلَ اللامَ بمعنى الباءِ، وجَعَلَ الضميرَ في الروايتَيْنِ رَاجِعًا للسلوكِ المفهومِ مِن سَلَكَ، وَجَوَّزَ أنْ تكونَ الباءُ للتعديةِ، والضميرُ فيهما عائدٌ لِمَنْ لِتَتَّفِقَ الروايتانِ.
(قولُهُ: وقالَ الشافعيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلخ) لَمَّا اسْتَدَلَّ على شرفِ العلمِ بالآياتِ والأحاديثِ اسْتَدَلَّ عليهِ أيضًا بهذا الأَثَرِ المنقولِ عن الإمامِ الشافعيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(وقولُهُ: طلبُ العلمِ أفضلُ من صلاةِ النافلةِ) أي: طَلَبُ العلمِ النافعِ أَكْثَرُ ثوابًا من صلاةِ النافلةِ، والكلامُ في العلمِ المَنْدُوبِ, وإِلَّا فالعلمُ الفرضُ أَفْضَلُ الفروضِ، كَمَا أنَّ نَفْلَهُ أَفضلُ النوافلِ، وعن أبي هُرَيْرَةَ وأبي ذرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنَّهُمَا قالَا: بابٌ من العلمِ تَتَعَلَّمُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِن ألفِ ركعةٍ تَطَوُّعًا، وبابٌ من العلمِ تَتَعَلَّمُهُ عُمِلَ بِهِ أو لم يُعْمَلْ أَحَبُّ إلينا من مائةِ ركعةٍ تَطَوُّعًا، سَمِعْنَا رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: ((إِذَا جَاءَ طَالِبَ الْعِلْمِ الموتُ، وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الحَالَةِ فَهُوَ شَهِيدٌ)).
وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَأَنْ أَعْلَمَ بَابًا مِن العِلْمِ أَحَبُّ إليَّ من سَبْعِينَ غزوةً في سبيلِ اللهِ. إلى غيرِ ذلكَ من الآثارِ.
(قولُهُ: وليسَ بعدَ الفريضةِ أَفْضَلُ مِن طَلَبِ العلمِ) أي: المندوبِ، وإلَّا فالفرضُ داخلٌ في الفريضةِ، والحاصلُ أنَّ طَلَبَ العلمِ يَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقسامٍ: -
فَرْضُ عَيْنٍ: وهو ما تَتَوَقَّفُ عليهِ العباداتُ أو نَحْوَهَا.
وفرضُ كفايَةٍ: وهوَ ما زادَ على ذلكَ إلى بلوغِ درجةِ الفتوى كالنَّوَوِيِّ والرافعيِّ.
ومندوبٌ: وهو ما زادَ على ذلكَ إلى ما لا نهايةَ لهُ ولا غايةَ لهُ، وَدَفَعَ الشافعيُّ بقولِهِ: وليسَ بعدَ الفريضةِ أَفْضَلُ من طلبِ العلمِ، ما قد يُتَوَهَّمُ من أنَّ هناكَ شَيْئًا دونَ الفريضةِ في الثوابِ، وَيَلِيهِ طلبُ العلمِ.
(قولُهُ: انْتَهَى) أي: كلامُ الإمامِ.
(قولُهُ: وَكَفَى بالعلمِ شَرَفًا أنَّ كلَّ أحدٍ يَدَّعِيهِ) أي وَكَفَى العلمَ مِن جهةِ الشرفِ ادعاءُ كلِّ أحدٍ لهُ وإنْ لم يُحْسِنْهُ، فالباءُ زائدةٌ في المفعولِ، وأنْ وَمَعْمُولَاهَا مُؤَوَّلَةٌ بِالمَصْدَرِ، وهو فاعلُ كَفَى، وَشَرَفًا منصوبٌ على التمييزِ.
(وقولُهُ: وبالجهلِ قُبْحًا أنَّ كلَّ أحدٍ يُنْكِرُهُ) أي: وكَفَى الجهلَ مِن جهةِ القبحِ إنكارُ كلِّ أحدٍ لهُ، ويُقَالُ فيهِ ما سَبَقَ في الذي قَبْلَهُ.
(قولُهُ: وَعِلْمًا بِأَنَّ هذا العلمَ إلخ) أي: وَلِعِلْمِنَا بأنَّ هذا العلمَ المشروعَ فيهِ إلخ.
فألْ في العلمِ للعهدِ الحُضُورِيِّ، وبعضُهُم جَعَلَهَا للعهدِ الذكريِّ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ مَكْنِيًّا عنهُ بمذهبِ زيدٍ الفَرْضِيِّ.
(وقولُهُ: وهوَ علمُ الفرائضِ) أشارَ بهِ إلى أنَّ ألْ للعهدِ الحضوريِّ أو للعهدِ الذكريِّ كما مَرَّ.
(وقولُهُ: مخصوصٌ بِمَا قدْ شَاعَ فيهِ عندَ كلِّ العلماءِ) أي: مخصوصٌ بالذي قد فَشَا واشْتُهِرَ فيهِ عندَ جميعِ العلماءِ.
وقولُهُ (بأنَّهُ أَوَّلُ علمٍ إلخ) بدلٌ من قولِهِ: (بِمَا قدْ شَاعَ فيهِ إلخ)، وبعضُهُم جَعَلَهُ بَيَانًا لهُ، والباءُ بمعنَى مِن، فكأنَّهُ قالَ: مِن أَوَّلِ عِلْمٍ إلخ.
(وقولُهُ: يُفْقَدُ في الأرضِ) أي: يُفْقَدُ من الأرضِ بفقدِ العلماءِ بهِ, لَا بِانْتِزَاعِهِ من صدورِ العلماءِ لحديثِ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا...)) إلخ .
و (في) بمعنَى مِن, كَمَا أَشَرْنَا إليهِ في الحِلِّ.
(وقولُهُ: بالكُلِّيَّةِ) أي: مُلْتَبِسًا بِكُلِّيَّتِهِ، أي: بِجَمِيعِهِ، وأَخَذَ هذا من إطلاقِ الفقدِ في الأرضِ؛ إذ الشيءُ عندَ الإطلاقِ يَنْصَرِفُ لِفَرْدِهِ الكاملِ، ودَفَعَ بهِ ما قد يُتَوَهَّمُ من أنَّ المرادَ فَقْدُ بَعْضِه.
(قولُهُ: حَتَّى إلخ) حتَّى للغايةِ، إنْ لُوحِظَ التدريجُ بأنْ يُفْقَدَ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَتَفْرِيعِيَّةٌ إنْ لُوحِظَ الفقدُ دُفْعَةً.
(وقولُهُ: لا يَكَادُ يُوجَدُ الحقُّ إنْ كادَ كَغَيْرِهَا، فَنَفْيُهَا نَفْيٌ وَإِثْبَاتُهَا إِثْبَاتٌ فَإِذَا قُلْتَ: كَادَ زَيْدٌ أَنْ يَقُومَ، فَالْمَعْنَى: قَرُبَ زَيْدٌ مِن القيامِ، فالقربُ من القيامِ ثَابِتٌ, لَكِنَّ القيامَ نَفْسَهُ غَيْرُ ثَابِتٍ، وإذا قُلْتَ: لا يَكَادُ زيدٌ يقومُ، فالمعنى: لا يَقْرُبُ زيدٌ من القيامِ، فالقربُ من القيامِ مَنْفِيٌّ وكذا القيامُ بالأَوْلَى، ولذلكَ كانَ قولُهُ تَعَالى: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}.أَبْلَغَ مِن أنْ يُقَالَ: لم يَرَهَا، وما قِيلَ مِن أنَّ إِثْبَاتَهَاَ نَفْيٌ وَنَفْيَهَا إِثْبَاتٌ على عكسِ غَيْرِهَا وإِلَّا تَنَاقَضَ قولُهُ تعالَى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}مردودٌ، ولا تَنَاقُضَ في الآيةِ؛ لأنَّ امْتِنَاعَهُم من الذبحِ كانَ قبلَ الذبحِ، ثم ذَبَحُوهَا، وَشَرْطُ التناقضِ اتحادُ الزمنِ، فالمعنى: فَذَبَحُوهَا آخِرًا، وما قَرُبُوا من فِعْلِهِم للذبحِ أَوَّلًا، وكلامُ المُصَنِّفِ إِنَّمَا يَتَمَشَّى على الطريقةِ الأولى دونَ الثانيةِ؛ لأنَّهُ يَقْتَضِي على الثانيةِ أنَّهُ يوجدُ؛ لأنَّ كادَ لِلنَّفْيِ، وقدْ دَخَلَ عليها النَّفْيُ، ونَفْيُ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ.
(قولُهُ: أي حتَّى لا يَقْرُبُ من الوجدانِ) المناسبُ أنْ يقولَ من الوجودِ، وكذا يُقَالُ فيما بعدُ.
(قولُهُ: وَمَا فُقِدَ حَقِيقَةً إلخ) هذا جوابٌ عَمَّا قدْ يُقَالُ: قدْ أَخْبَرَ المُصَنِّفُ بأنَّهُ يُفْقَدُ حَقِيقَةً فكيفَ يُخْبِرُ ثانيًا بأنَّهُ لا يَقْرُبُ من الوجودِ؟! وحاصلُ الجوابِ أنَّهُ لا تَنَافِيَ؛ لِأَنَّهُ إذا كانَ لا يَقْرُبُ من الوجودِ كانَ مَفْقُودًا حقيقةً.
(قولُهُ: وَمَا فَهِمَهُ إلخ) مبتدأٌ خَبَرُهُ(قولُهُ: فليسَ بظاهرٍ) وأَدْخَلَ الفاءَ عليهِ لِشَبَهِ المبتدأِ بالشرطِ في العمومِ.
(وقولُهُ: حَيْثُ قالَ) أي: وَقْتَ أَنْ قالَ، فحيثُ بِمَعْنَى وَقْتٍ ظَرْفٌ لقولِهِ: (فَهِمَهُ)، وَيَصِحُّ كَوْنُهُ للتعليلِ، بلْ هو الأظهرُ.
(وقولُهُ: فليسَ بظاهرٍ) وكذا ما قِيلَ من بنائِهِ على الطريقةِ الضعيفةِ القائلةِ بأنَّ إثباتَ كادَ نَفْيٌ ونَفْيَهَا إثباتٌ، فهذا البناءُ ليسَ بظاهرٍ كما قالَهُ الشيخُ الأميرُ، وَإِنْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الحَوَاشِي خِلَافُهُ، أَمَّا أَوَّلًا فَهَذَا مَرْدُودٌ، والحقُّ خلافُهُ، وأما ثَانِيًا؛ فَلِأَنَّ المعنى على هذهِ الطريقةِ أنَّهُ يُوجَدُ؛ لأنَّ نَفْيَ النَّفْيِ إثباتٌ كما مَرَّ، وهو خلافُ ما ذَكَرَهُ الشيخُ السِّبْطُ.
(قولُهُ: لأنَّ لا النافيةَ إلخ) ولأنَّهُ يَقْتَضِي الحُكْمَ على المفقودِ حقيقةً بأنَّهُ يَقْرُبُ من عَدَمِ الوجودِ، وهو فاسدٌ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ على ما قَبْلَ الفقدِ بالفعلِ، فهو قَبْلَ الفقدِ بالفعلِ يَقْرُبُ من عَدَمِ الوجودِ، وهو تَكَلُّفٌ لا دَاعِيَ إليهِ.
(قولُهُ: عن ابنِ مَاجَه) يُقْرَأُ بالهاءِ وَوَصْلًا، وكذا ابنُ سِيدَه، وابنُ بردزبه، ومَاجَه اسمُ أُمِّهِ هو مَمْنُوعٌ من الصرفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ.
(وقولُهُ: في المستدركِ) اسمُ كتابٍ للحاكمِ اسْتَدْرَكَ فيهِ علىِ الشَّيْخَيْنِ الأحاديثَ التي تَرَكاها.
(وقولُهُ: مَرْفُوعًا) أي: لِلنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(قولُهُ: ((تَعَلَّمُوا الفرائضَ))) أي: وُجُوبًا كِفَائِيًّا، وكذا قولُهُ: ((وَعَلِّمُوهُ))والضميرُ عائدٌ للفرائضِ، بِمَعْنَى الفَنِّ، فهيَ كالمفردِ أو إلى مضافٍ محذوفٍ، أي: عِلْمَ الفرائضِ، وفي روايةٍللحاكمِ: ((تَعَلَّمُوا الفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ؛ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وَإِنَّ العِلْمَ سَيُقْبَضُ، وَتَظْهَرُ الفِتَنُ، حَتَّى يَخْتَلِفَ الرجلانِ في الفريضةِ، فَلَا يَجِدَانِ مَن يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا)), وَإِنَّمَا قَدَّمَ الأمرَ بالتعلمِ على الأمرِ بالتعليمِ؛ لأنَّ الشخصَ يَتَعَلَّمُ ثم يُعَلِّمُ، فالتَّعَلُّمُ مُتَقَدِّمٌ على التَّعْلِيمِ طَبْعًا، فَقُدِّمَ وَضْعًا لِيُوَافِقَ الوَضْعُ الطَّبْعَ، وضابطُ المُتَقَدِّمِ بالوضعِ أنْ يكونَ المتَّأَخِّرُ مُتَوَقِّفًا على المُتَقَدِّمِ من غيرِ أنْ يكونَ المُتَقَدِّمُ عِلَّةً في المتأخرِ كَمَا هنا، فإنَّ تَعْلِيمَ عِلْمِ الفرائضِ مُتَوَقِّفٌ على تَعَلُّمِهِ من غيرِ أنْ يكونَ التَّعَلُّمُ عِلَّةً في التعليمِ، والإلزامُ حصولُ التعليمِ عندَ وجودِ التَّعَلُّمِ؛ لأنَّ المَعْلُولَ يُوجَدُ عندَ وجودِ عِلَّتِهِ، وكثيرًا من الناسِ يَتَعَلَّمُونَ الفرائضَ ولا يُعَلِّمُونَهَا.
انْتَهَى مُلَخَّصًا مِن اللُّؤْلُؤَةِ.
(قولُهُ: فإنَّهُ نِصْفُ العلمِ) إنْ قُلْتَ: يُعَارِضُ ذلكَ ما رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((العلمُ ثلاثةٌ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ أَوْ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ))، قُلْتُ: إِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ, وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فالجمعُ بينَ الحديثَيْنِ، أنَّ التنصيفَ باعتبارِ أحوالِ الأحياءِ والأمواتِ، والتثليثَ باعتبارِ الأدلَّةِ، فإِنَّ العلمَ يُتَلَقَّى من ثلاثةِ أشياءَ: مِن كِتابِ اللهِ تَعَالَى، ومِن سُنَّةِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِن الحِسَابِ الذي نَشَأَ عنهُ هَذَا العلمُ قَالَهُ الإمامُ العَسْقَلَانِيُّ كما هو في اللؤلؤةِ.
(قولُهُ: وهو يُنْسَى) أي: يُسْرِعُ إليهِ النِّسْيَانُ لِتَوَقُّفِهِ على علمِ الحسابِ وانتشارِ مسائلِهِ وارتباطِ بعضِهَا ببعضٍ كما سَيَذْكُرُهُ الشرحُ.
(وقولُهُ: وهو أَوَّلُ علمٍ يُنْزَعُ من أُمَّتِي) أي: بموتِ أهلِهِ, لا أنَّهُ يُنْزَعُ من صدورِهِم كما هو ظاهرُ اللفظِ، والسِّرُّ في التعبيرِ بالانتزاعِ التشبيهُ بالشيءِ الذي يُنْزَعُ مِن حيثُ إنَّهُ لا يَبْقَى لهُ أَثَرٌ في أقربِ وَقْتٍ.
(قولُهُ: وَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ) بالواوِ هكذا بالنُّسَخِ التي بِأَيْدِينَا، وَوَقَعَ لِبَعْضِهِم: (رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ) بغيرِ واوٍ، فَكُتِبَ عليها، كانَ المناسبُ أنْ يقولَ: ورَوَاهُ البَيْهَقِيُّ بالواوِ.
(وقولُهُ: وقالَ تَفَرَّدَ بهِ حَفْصٌ إلخ) أي: فيكونُ الحديثُ ضَعِيفًا.
(وقولُهُ: وليسَ بالقَوِيِّ) أي: وليسَ حفصٌ عندَنَا قَوِيًّا؛ لأنَّهُ تُكُلِّمَ فِيهِ.
يتبع في المشاركة التالية..
محمد أبو زيد
12-01-2008, 07:56 AM
(قولُهُ: ولَمَّا كانَ علمُ الفرائضِ إلخ) غرضُ الشرحِ بذلكَ تَوْجِيهُ الحَثِّ على تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وسيأتي تَوْجِيهُ كَوْنِهِ نِصْفَ العلمِ، ولا يَخْفَى أنَّ قولَهُ: (علمُ الفرائضِ) اسمُ كانَ، وَجُمْلَةَ قَوْلِهِ: (مَنْ يَشْتَغِلُ بهِ قَلِيلٌ) خَبَرُهَا، وَعَلَّلَ قِلَّةَ مَن يَشْتَغِلُ به بِقَوْلِهِ: لِتَوَقُّفِهِ على علمِ الحسابِ إلخ.
(وقولُهُ: كانَ عُرْضَةً للنسيانِ) جوابُ لَمَّا، وكانَ الظاهرُ أنْ يقولَ: ولَمَّا كانَ علمُ الفرائضِ مُتَوَقِّفًا على علمِ الحسابِ مُتَشَعِّبَ المسائلِ, مُرْتَبِطًا بعضُ مسائلِهِ ببعضٍ, كانَ المُشْتَغِلُ بهِ قَلِيلًا، وكانَ عُرْضَةً للنسيانِ. أَفَادَهُ الأُسْتَاذُ الحِفْنِيُّ.
(قولُهُ: وَتَشَعُّبِ مَسَائِلِه) أي: انْتِشَارِهَا كَالشُّعَبِ.
(وقولُهُ: وارتباطِ بعضِهَا ببعضٍ) أي: تَعَلُّقِ بعضِ مسائِلِهِ ببعضٍ.
(قولُهُ: كانَ عُرْضَةً للنسيانِ) أي: شيئًا يَعْرِضُ لهُ النسيانُ.
(وقولُهُ: فَلِأَجْلِ هذا حَثَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلخ) أي: فَلِأَجْلِ كَوْنِهِ عُرْضَةً للنسيانِ أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرًا أَكِيدًا بِتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ.
(قولُهُ: وأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ نِصْفُ العِلْمِ إلخ) مقابلٌ لمحذوفٍ، والتقديرُ: أَمَّا وَجْهُ كَوْنِهِ يُنْسَى وَوَجْهُ حَثِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ فَقَدْ عَلِمْتَهُمَا، وَأَمَّا(قولُهُ: فَإِنَّهُ نِصْفُ العِلْمِ إلخ).
(قولُهُ: وفي الفرائضِ معظمُ الأحكامِ إلخ) أَقْحَمَ لَفْظَ (مُعْظَمُ)؛ لأنَّ بعضَ الأحكامِ المُتَعَلِّقَةِ بالموتِ كَغُسْلِ المَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ والصلاةِ عليهِ ودَفْنِهِ لا يُبْحَثُ عنهُ في الفرائضِ, بلْ في علمِ الفقهِ.
(وقولُهُ: المتعلقةِ بالموتِ) المناسبُ لِمَا قَبْلَهُ: المتعلقةِ بحالةِ الموتِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقَالَ: إِنَّهُ أشارَ بذلكَ إلى أنَّ الإضافةَ فيما قَبْلَهُ للبيانِ, أي: بحالةٍ، هيَ الموتُ، وحالةٍ، هي الحياةُ.
(قولُهُ: وَقِيلَ غَيْرُ ذلكَ) أي: كالقولِ بأنَّ المرادَ بالنصفِ هنا الصنفُ, كما قالَ الشاعرُ:
إِذَا مُتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ.
فإنَّ المرادَ بالنِّصْفَيْنِ الصِّنْفَيْنِ، أي: النَّوْعَيْنِ، وقدْ وَرَدَ هذا البيتُ على لغةِ مَنْ يُلْزِمُ المُثَنَّى الألفَ، وَجَعَلَ بعضُهُم من هذا المعنى قولَهُ تعالى في الحديثِ القُدُسِيِّ: ((قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ….))لَكِنْ إذا كانَ المرادُ بالنِّصْفِ الصِّنْفَ بمعنى النوعِ - وإنْ لمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا - لمْ يَكُنْ فيهِ مدحٌ إلَّا بعُنوانِ الظاهرِ، وكالقولِ بِحَمْلِهِ على المبالغةِ في فَضْلِهِ على حَدِّ: ((الحَجُّ عَرَفَةُ))، وكالقولِ بأنَّهُ يكونُ نِصْفًا حقيقةً، لَوْ بُسِطَتْ مَسَائِلُهُ، وَفِيهِ أنَّ غيرَهُ لو بُسِطَ لَكَثُرَ أيضًا, وكالقولِ بأنَّهُ باعتبارِ الثوابِ وهو هُجُومٌ على الغيبِ، وَلِبَعْضِهِم أَنَّ هذا الحديثَ مِن المُتَشَابِهِ.
(قولُهُ: مِمَّا أَضْرَبْنَا عَنْهُ) بيانٌ لغيرِ ذلكَ، أي: مِمَّا صَرَفْنَا عنهُ الهِمَّةَ وَتَرَكْنَاهُ.
(وقولُهُ: خَوْفَ الإطالةِ) عِلَّةٌ لِضَرْبِنَا عَنْهُ، أي: لِخَوْفِنَا إِطَالَةَ الكَلَامِ.
(قولُهُ: وقدْ وَرَدَ في علمِ الفرائضِ) أي: في شَأْنِهِ.
(وقولُهُ: أَيْضًا) أي: كما وَرَدَ ما سَبَقَ.
(وقولُهُ: مِن الأحاديثِ) أي: عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(وقولُهُ: والآثارِ) أي: عن الصحابةِ والتابعينَ وَأَتْبَاعِهِم، ثم إنَّ قولَهُ: (من الأحاديثِ والآثارِ) حالٌ من أشياءَ مُقَدَّمٌ.
(وقولُهُ: مِمَّا يَدُلُّ إلخ) بيانٌ لأشياءَ مُقَدَّمٌ أَيْضًا، والأصلُ: وقدْ وَرَدَ أشياءُ كثيرةٌ حالةَ كَوْنِهَا من الأحاديثِ والآثارِ، وتلكَ الأشياءُ مِمَّا يَدُلُّ إلخ….
ولو قالَ: مِن الأحاديثِ والآثارِ الدالَّةِ إلخ… لَكَانَ أَوْضَحَ كَمَا قالَهُ الشمسُ الحِفْنِيُّ .
(قولُهُ: على فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ) العَطْفُ للتفسيرِ.
(قولُهُ: أشياءُ كثيرةٌ) فمِن الأحاديثِ قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ عَلَّمَ فَرِيضَةً كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ عَشْرَ رِقَابٍ، وَمَنْ قَطَعَ مِيرَاثًا قَطَعَ اللَّهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الجَنَّةِ)).
وَمَا رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا: ((تَعَلَّمُوا الفَرَائِضَ كَمَا تَعَلَّمُونَ القُرْآنَ)).
وَمِن الآثارِ ما رُوِيَ عن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: إذا تَحَدَّثْتُم فَتَحَدَّثُوا بالفرائضِ, وإذا لَهَوْتُمْ فَالْهُوا بالرَّمْيِ .
(قولُهُ: وَعِلْمًا بِأَنَّ زَيْدًا إلخ) أي: وَلِعِلْمِنَا بأنَّ زَيْدًا إلخ.
(وقولُهُ: الإمامَ المذكورَ) أي: الفَرَضيَّ
(قولُهُ: خُصَّ مِن بينِ الصحابةِ) أي: خَصَّهُ اللهُ تعالى ومَيَّزَهُ عن بقيَّةِ الصحابةِ حالةَ كَوْنِهِ بَيْنَهُم، ومِن زائدةٌ.
(وقولُهُ: لَا مَحالةَ) أي: موجودةٌ، فلا نَافِيَةٌ للجنسِ، وَخَبَرُهَا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ ما ذَكَرْنَاهُ، وهذهِ الجملةُ مُعْتَرِضَةٌ بينَ العاملِ - أَعْنِي خُصَّ – والمعمولِ - أَعْنِي قولَهُ: (بِمَا حَبَاهُ إلخ….).
(قولُهُ: أي: لا حِيلَةَ) أي: موجودةٌ، فَخَبَرُهَا مَحْذُوفٌ كَمَا تَقَرَّرَ, وَالحيلةُ هِيَ الحِذْقُ، وَجَودَةُ النظرِ والقدرةُ على التَّصَرُّفِ، والمعنى على هذا: أَنَّ تَخْصِيصَ زيدٍ بما ذُكِرَ بِمَحْضِ الفضلِ لا بِحذقٍ، ولا جودةِ نَظَرٍ، ولا قُدْرَةٍ على التَّصَرُّفِ، كذا في حاشيةِ الشيخِ الحِفْنِيِّ، قالَ العلَّامَةُ الأميرُ: والظاهرُ أنَّ المناسبَ للمقامِ لا حيلةَ لغيرِ زيدٍ في نَفْيِ هذهِ الخصوصيَّةِ عنهُ، بل هي ثابتةٌ لَهُ، وَلَا بُدَّ. ا هـ . بِبَعْضِ تَغْيِيرٍ.
(قولُهُ: وَيَجُوزُ أنْ يكونَ مِن الحَوْلِ) أي: أنْ يكونَ هذا اللفظُ وهو (محالةَ) مأخوذًا من الحولِ، والمَعْنَى عَلَى هذا أنَّ تخصيصَ زيدٍ بِمَا ذُكِرَ لا حِيلَةَ لهُ فيهِ, ولا قُدْرَةَ لهُ عليهِ، أو لا حَرَكَةَ لهُ فيهِ.
(وقولُهُ: والقوةِ) عَطْفُ تفسيرٍ فأَتَى الشرحُ بذلكَ للتفسيرِ, لا لِكَوْنِهِ مأخوذًا منهُ كما هو ظاهرٌ.
(وقولُهُ: أو الحركةِ) أَشَارَ بذلكَ للخلافِ في تفسيرِ الحيلةِ، فَـ (أَوْ) لحكايةِ الخلافِ، وفي بعضِ النُّسَخِ بالواوِ، وهيَ بِمَعْنَى أو.
(قولُهُ: وهيَ) أي: (مَحَالَةَ).
(وقولُهُ: مَفْعَلَة) أي: بِوَزْنِ مَفْعَلَة.
(وقولُهُ: مِنْهُمَا) أي: مِن الحيلةِ والحولِ، فَعَلَى أَخْذِهَا من الحيلةِ أَصْلُهَا مَحْيَلَة بالياءِ، وعلى أَخْذِهَا من الحولِ فَأَصْلُهَا مَحْوَلَة بالواوِ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ أو الواوِ للساكنِ قَبْلَهَا، ثم يُقَالُ: تَحَرَّكَتِ الياءُ أوالواوُ بِحَسَبِ الأصلِ، وانْفَتَحَ ما قبلَهَا الآنَ، قُلِبَتْ أَلِفًا، كذا يُؤْخَذُ من حاشيةِ الشيخِ الحِفْنِيِّ، لكنْ قالَ الشيخُ الأميرُ: قدْ يُقَالُ: إنَّ الحولَ مادةُ الحيلةِ فَأَصْلُهَا حِوْلَةٌ، فَقُلِبَت الواوُ ياءً لِسُكُونِهَا إِثْرَ كسرةٍ، كما قالوا في مِيزَانٍ وَمِيقَاتٍ. ا هـ . بالمَعْنَى.
(قولُهُ: وأكثرُ ما تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى اليقينِ إلخ) أيْ: وأكثرُ اسْتِعْمَالِهَا أنْ تُسْتَعْمَلَ في معنًى، هو اليقينُ إلخ…
فَمَا مَصْدَرِيَّةٌ فَيُؤَوَّلُ الفعلُ بعدَهَا بمصدرٍ - وهو الاستعمالُ - والباءُ بمعنى فِي، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بمحذوفٍ، تقديرُهُ أنْ تُسْتَعْمَلَ، وإضافةُ معنَى لِمَا بَعْدَهُ للبيانِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بأكثرَ تَحَرِّيًا للصدقِ، وَإِلَّا فهوَ دَائِمٌ، ولا يَخْفَى أَنَّ المعانيَ التي ذَكَرَهَا مُتَقَارِبَةٌ، وكلٌّ منها تَفْسِيرٌ لمجموعِ لا محالةَ لا لِمَحَالَة فقطْ وإِلَّا فَسَدَ المعنَى، وليسَ هذا المعنَى حقيقيًّا لهذا اللفظِ؛ لَأَنَّ المعنى الحقيقيَّ لَهُ: لَا حِيلَةَ في انْتِفَائِهِ، وَيَلْزَمُ مِن ذلكَ أنْ يكونَ يَقِينًا، فهو تَفْسِيرٌ باللازمِ.
(وقولُهُ: أو بِمَعْنَى: لَا بُدَّ) أي: لا فِرَارَ من كذا، ولا حاجةَ لقولِهِ بِمَعْنَى؛ لأنَّ العطفَ يُفِيدُهُ.
(وقولُهُ: والميمُ زائدةٌ) أي: لِأَنَّهَا بوزنِ مَفْعَلَة، فالميمُ مُقَابَلَةٌ بِنَفْسِهَا, كما هو قاعدةُ الزائدِ، قالَ ابنُ مالكٍ:
* وزائدٌ بِلَفْظِهِ اكْتَفَى*
(وقولُهُ: انْتَهَى) أي: كلامُ ابنِ الْأَثِيرِ .
(قولُهُ: فيكونُ المَعْنَى إلخ) هذا من كلامِ الشرحِ، توضيحٌ للمقامِ.
(وقولُهُ: حقيقةً أو يَقِينًا) كان َ المناسبُ لِمَا قَبْلَهُ أنْ يقولَ يَقِينًا أو حقيقةً لِيَكُونَ على ترتيبِ اللَّفِّ, وَالخَطْبُ سَهْلٌ.
(قولُهُ: بِمَا حَبَاهُ) مُتَعَلِّقٌ بِخُصَّ، وَالبَاءُ دَاخِلَةٌ على المقصورِ.
كما هو الكثيرُ، قالَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الْأَجْهُورِيُّ:
والباءُ بعدَ الاختصاصِ يَكْثُرُ = دُخُولُهَا على الذي قَدْ قَصَرُوا
وعَكْسُهُ مُسْتَعْمَلٌ وَجَيِّدُ = ذكَرَهُ الحَبْرُ الهُمَامُ السَّيِّدُ
أي: والسعدُ أَيْضًا لِاتِّفَاقِهِمَا على ذلكَ كَمَا نَصَّ عليهِ بعضُ المُحَقِّقِينَ.(قولُهُ: أي أَعْطَاهُ) أي: وَصَفَهُ بِهِ.
(وقولُهُ: وَالحُبْوَةُ: العَطِيَّةُ) أي: الشيءُ المُعْطَى.
(وقولُهُ: والحِبَاءُ: العَطَاءُ) أي: نفسُ الفعلِ إنْ أُرِيدَ من الحَبَاءِ بِفَتْحِ الحاءِ والمَدِّ المَصْدَرُ بِحَبَا يَحْبُو، لكنَّهُ مصدرٌ غيرُ قِيَاسِيٍّ، والقياسُ حَبْوًا، والشيءُ المُعْطَى إنْ لم يُرَدْ منهُ المصدرُ, بلْ أُرِيدَ أَنَّهُ اسْمٌ للشيءِ المُعْطَى فالحَبَاءُ بِفَتْحِ الحاءِ مع المدِّ إِمَّا مَصْدَرٌ، وإمَّا اسْمٌ للشيءِ المُعْطَى, والعطاءُ إِمَّا اسمُ مَصْدَرٍ لِأَعْطَى, وَإِمَّا بِمَعْنَى الشيءِ المُعْطَى، وَأَمَّا الحِبَاءُ بالكسرِ والمَدِّ فاسمٌ للشيءِ المُعْطَى فقطْ, والعطاءُ مصدرُ عَطَى بِمَعْنَى أَخَذَ، لَيْسَ مُرَادًا هنا لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ للمقامِ.
انْتَهَى مُلَخَّصًا من حاشيةِ الأستاذِ الحِفْنِيِّ.
(قولُهُ: خاتَمُ الرسالةِ) أي: ذَوِيهَا وهم المُرْسَلونَ.
(وقولُهُ: والنبوةِ) أي: ذَوِيهَا أَيْضًا، وهم الأنبياءُ، فَفِي الكلامُ مضافٌ محذوفٌ، وأشارَ الشرحُ بذلكَ إلى أنَّ كلامَ المُصَنِّفِ فيهِ اكتفاءٌ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.
(وقولُهُ: سَيِّدُنَا) بَدَلٌ مِنْ خَاتَم.
(وقولُهُ: محمدٌ) بَدَلٌ بعدَ بَدَلٍ، وَيَصِحُّ غَيْرُ ذَلِكَ.
(قولُهُ: مِن قَوْلِهِ) بيانٌ لِمَا حَبَاهُ بهِ، والضميرُ من قولِهِ عائدٌ لخاتمِ الرسالةِ.
(وقولُهُ: في فَضْلِهِ) أي: في بيانِ فَضْلِهِ.
(وقولُهُ: أيْ: في فضلِ زيدٍ) غَرَضُهُ تفسيرُ الضميرِ، وَلَوْ قالَ: أي: زيدٍ، لَكَانَ أَخْصَرَ مَعَ كَوْنِهِ مُؤَدِّيًا للمرادِ.
(قولُهُ: مُنَبِّهًا) أي: حالَ كَوْنِهِ مُنَبِّهًا، وهو حالٌ من الضميرِ المضافِ إليهِ لفظُ قولٍ؛ لوجودِ شرطِ مَجِيءِ الحالِ من المضافِ إليهِ؛ إذ المضافُ مُقْتَضٍ للعملِ في المضافِ إليهِ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا، قالَ في الخُلَاصَةِ:
وَلَا تُجِزْ حَالًا مِن المُضَافِ لَهُ * إِلَّا إِذَا اقْتَضَى المُضَافُ عَمَلَهُ
وللمَسْأَلَةِ تَتِمَّةٌ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ النَّحْوِ.
(وقولُهُ: على فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ) قالَ في اللؤلؤةِ نَقْلًا عن ابنِ حَجَرٍ: هما مُتَرَادِفَانِ على معنًى واحدٍ، وهو زيادةُ الأخلاقِ الكريمةِ الطاهرةِ.
انْتَهَى بِبَعْضِ تَغْيِيرٍ.
(قولُهُ: أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ) مَقُولُ القولِ أي: أَعْلَمُكُم في الفرائضِ زيدٌ.
(قولُهُ: بإسنادٍ جَيِّدٍ) أي: حَسَنٍ لكونِ رُوَاتِهِ ثِقَاتٍ، والإسنادُ يُطْلَقُ على ذِكْرِ سَنَدِ الحديثِ، يُقَالُ: أَسْنَدْتُ الحَدِيثَ أيْ: ذَكَرْتَ سَنَدَهُ كَمَا يُعْلَمُ مِن فَنِّ المُصْطَلَحِ.
(وقولُهُ: قالَ) أي: ابنُ الصلاحِ.
(وقولُهُ: وهو حديثٌ حسنٌ) وهو ما عُرِفَتْ طرقُهُ، وَاشْتُهِرَتْ رِجَالُهُ بالعَدالةِ والضَّبْطِ دونَ رجالِ الصحيحِ، كما قال في البَيْقُونِيَّةِ:
والحَسَنُ المعروفُ طُرُقًا وَغَدَتْ * رِجَالُهُ لا كَالصَّحِيحِ اشْتُهِرَتْ
(وقولُهُ: انْتَهَى) أي: كلامُ ابنِ الصلاحِ.
(قولُهُ: وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ) أي: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، فالمفعولُ محذوفٌ كما قالَهُ العَلَّامَةُ الحِفْنِيُّ.
(وقولُهُ: بإسنادٍ صحيحٍ) أي: لكونِ رجالِهِ أكثرَ تَوَثُّقًا من تَوَثُّقِ رجالِ الحسنِ, كما يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ.
(وقولُهُ: بلفظِ أَعْلَمَ إلخْ) أي: بلفظِ هو أَعْلَم إلخ, فالإضافةُ للبيانِ.
(قولُهُ: وَإِنَّمَا قالَ ذلكَ إلخ) المحصورُ فيهِ محذوفٌ دَلَّ عليهِ قولُهُ: قالَ للعلماءِ إلخ، والتقديرُ: وَإِنَّمَا قالَ ذلكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَمْسَةِ أَوْجُهٍ، والمقصودُ بذلكَ الجوابُ عَمَّا تَحَقَّقَ من أَفْضَلِيَّةِ غيرِ زَيْدٍ عليهِ, كَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ خُصُوصَ المَزِيَّةِ لَا يَقْتَضِي عُمُومَ الأفضليَّةِ، فَلَا تَنَاقُضَ أَصْلًا.
(قولُهُ: للعلماءِ في ذلكَ) أي: في تَوْجِيهِ ذلكَ .
(وقولُهُ: خْمَسَةُ أَوْجُهٍ): -
أَوَّلُهَا: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ حَثًّا عَلَى الفرائضِ, وَعَلَى الرغبةِ في تَعَلُّمِهَا كَرَغْبَةِ زيدٍ؛ لأنَّهُ كانَ مُنْقَطِعًا إلى الفرائضِ.
ثَانِيهَا: أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذلكَ مَدْحًا لزيدٍ, وَإِنْ شَارَكَهُ فِي ذلكَ غَيْرُهُ كَمَا قالَ: ((أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ، وَأَعْلَمُكُمْ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ مُعَاذٌ، وَأَصْدَقُكُمْ لَهْجَةً أَبُو ذَرٍّ، وَأَقْضَاكُمْ عَلِيّ)).
ثالِثُهَا: أَنَّ الخطابَ لِجَمَاعَةٍ مَخْصُوصِينَ كانَ زَيْدٌ أَفْرَضَهُمْ, ولوْ كانَ الخطابُ للصحابةِ جَمِيعًا لَمَا استطاعَ أحدٌ منهم مُخَالَفَتَهُ, ويُبْعِدُ هذا الروايةُ السابقةُ في الشرحِ، وهيَ ((أَعْلَمُ أُمَّتِي….)) إلخ .
رَابِعُهَا: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنَّ زيدًا أَشَدُّهُم اعْتِنَاءً وَحِرْصًا.
وخامِسُهَا: ما ذَكَرَهُ الشرحُ. وَهَذِهِ الأَوْجُهُ مُتَقَارِبَةٌ فِي المَآلِ كَمَا قَالَهُ المُحَقِّقُ الْأَمِيرُ.
(قولُهُ: وَعَدَّهَا إلى أَنْ قَالَ) أي: وَعَدَّهَا مُنْتَهِيًا في عَدِّهَا إلى قولِهِ: فالجارُّ والمجرورُ مُتْعَلِّقٌ بمحذوفٍ.
(وقولُهُ: الخامسُ أَنَّهُ قالَ ذلكَ إلخ) إِنَّمَا اقْتَصَر عليهِ الشرحُ؛ لأنَّهُ أَرْجَحُ الأَوْجُهِ, ومالَ إليهِ ابنُ الهائِمِ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا في اللؤلؤةِ.
(قولُهُ: لِأَنَّهُ) أي: زَيْدًا.
(وقولُهُ: كانَ أَصَحَّهُم حِسَابًا) أيْ: مِن جهةِ الحسابِ.
(وقولُهُ: وأَسْرَعَهُم جوابًا) أي: مِن جهةِ الجوابِ، فإذا حَسَبَ مسألةً كان حسابُهُ أَصَحَّ مِن حسابِهِم، وإذا سُئِلَ عن مسألةٍ كانَ أسرعَ من غيرِهِ في الجوابِ.
(قولُهُ: ثم قالَ) أي: ابنُ الهائمِ، (وقالَ المَاوَرْدِيُّ إلخ) مقولُ القولِ.
(وقولُهُ: ولِأَجْلِ هذهِ المعاني) أيْ: الأوجهِ الخمسةِ، وهذه عِلَّةٌ مُقَدَّمَةٌ على المَعْلُولِ، وهو قولُهُ: لم يَأْخُذ الشافعيُّ إلخ.
(وقولُهُ: إِلَّا بقولِهِ) أي: إلَّا بِمُوَافِقِ قولِهِ.
(قولُهُ: وَنَاهِيكَ بها) يُحْتَمَلُ أنَّ (نَاهِيكَ) مُبْتَدَأٌ، والضميرَ خبرٌ زِيدَتْ فيه الباءُ، والمعنى: الذي يَنْهَاكَ عن أنْ تَطْلُبَ غَيْرَهُ في بيانِ فضلِ زيدٍ هذه الشهادةُ أو بالعكسِ، والمعنى هَذِهِ الشهادةُ تَنْهَاكَ عن أنْ تَطْلُبَ غَيْرَهَا، وَيُحْتَمَلُ أنَّ الضميرَ فاعلُ الوصفِ على حَدِّ: فائزٌ أُولُو الرَّشَدِ، وتكونُ الباءُ زائدةً في الفاعلِ، وَيُحْتَمَلُ غيرُ ذلكَ.
(وقولُهُ: أي: حَسْبُكَ بِهَا) أي: كَافِيَتُكَ هذهِ الشهادةُ، فالباءُ زائدةٌ، ويُحْتَمَلُ أَنَّ حَسْبَ بِمَعْنَى الكِفَايَةِ، والباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بمحذوفٍ، والمعنى: كِفَايَتُهُ حاصلةٌ بها، و هذا تفسيرٌ باللازِمِ.
(وقولُهُ: لِأَنَّهَا غايةٌ) أي: في بيانِ فضلِ زيدٍ، فَلَا شَيْءَ فَوْقَهَا.
(وقولُهُ: فَهِيَ تَكْفِيكَ) أَتَى بِهِ نَتِيجَةً للتعليلِ قبلَهُ.
(قولُهُ: فَكَانَ زيدُ بنُ ثابتٍ أَوْلَى إلخ) أي: فَتَسَبَّبَ على هذهِ الشهادةِ كَوْنُ زيدٍ المذكورِ أَحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ بما ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، وهوَ(قولُهُ: بِاتِّبَاعِ التابعِ) أي: بِأَنْ يَتْبَعَهُ مَن أرادَ أَنْ يَتْبَعَ وَاحِدًا مِن الصَّحَابَةِ مَثَلًا، وكان المناسبُ لِمَا سَبَقَ أنْ يقولَ: بالإِبَانَةِ عن مَذْهَبِهِ، فيكونُ مِن أهمِّ الغرضِ كما هو المُدَّعَى؛ لأنَّهُ في سياقِ التعليلِ لذلكَ.
(وقولُهُ: وَتَقْلِيدِ المُقَلِّدِ) تَفْسِيرٌ لاتِّبَاعِ التابعِ؛ لأنَّ تقليدَ المُقَلِّدِ أَخْذُهُ بقولِ الغيرِ, ولا مَعْنَى لِاتِّبَاعِ التابعِ إلَّا أَخْذُهُ بقولِ المَتْبُوعِ.
قولُهُ: (لِأَمْرَيْنِ) عِلَّةٌ لِلْأَوْلَوِيَّةِ.
(وقولُهُ: أَقْوَاهُمَا هذهِ الأحاديثُ) أَطْلَقَ الجَمْعَ على ما فوقَ الواحدِ، وَإِلَّا فَالمُتَقَدِّمُ حَدِيثَانِ, بلْ رِوَايَتَانِ، فيكونُ قدْ نَزَّلَهُمَا منزلةَ الحَدِيثَيْنِ المُسْتَقِلَّيْنِ.
(قولُهُ: والثاني أَنَّهُ ما تَكَلَّمَ إلخ) أي: إنَّ الحالَ والشأنَ ما تَكَلَّمَ إلخ فالضميرُ للحالِ والشأنِ.
(وقولُهُ: فَإِنَّهُ لمْ يَقُلْ قَوْلًا إلخ) أيْ: لَا بُدَّ أَنْ يَأْخُذَ بهِ ولو بَعْضُ الأَئِمَّةِ ولا يَتَّفِقُونَ على هَجْرِهِ.
(قولُهُ: وَذَلِكَ) أي: المذكورُ مِن الأحاديثِ وَعَدَمِ الاتفاقِ على هَجْرِ قولِهِ بخلافِ غَيْرِهِ.
وقولُهُ: (يَقْتَضِي الترجيحَ) أي: تَرْجِيحَهُ على غيرِهِ، فيكونُ أَوْلَى باتِّبَاعِ التابعِ لهُ.
(قولُهُ: لَاسِيَّمَا) الصحيحُ وقوعُ الجملةِ بَعْدَهَا كما هنا، والمعنى هُنَا خُصُوصًا، أيْ: أَخُصَّ زيدًا بِأَوْلَوِيَّةِ الاتِّبَاعِ خُصُوصًا، والحالُ أَنَّهُ قد نَحَّاهُ الشافعيُّ، فصاحبُ الحالِ مَحْذُوفٌ إذا وَقَعَ بَعْدَهَا اسمٌ جازَ فيهِ الجَرُّ بإضافةِ سِيٍّ إِلَيْهِ، فتكونُ ما مَزِيدَةً، والرفعُ على أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ محذوفٍ، والجملةُ صِلَةٌ لِمَا, عَلَى جَعْلِهَا مَوْصُولَةً, أو صِفَةٌ لها على جَعْلِهَا نَكِرَةً موصوفةً، وجازَ فيهِ أَيْضًا إِنْ كانَ نَكِرَةً النصبُ على التمييزِ، وما كَافَّةٌ، وعلى كلٍّ مِن هذهِ الأَحْوَالِ فَلَا نَافِيَةٌ للجِنْسِ, وَسِيٌّ اسْمُهَا منصوبٌ بِفَتْحَةٍ ظاهرةٍ على الوجهَيْنِ الأَوَّلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مضافٌ وَمَبْنِيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ نَصْبٍ على الوجهِ الأخيرِ؛ لأنَّهُ غيرُ مضافٍ على هذا الوجهِ، وَخَبَرُهَا في الكلِّ محذوفٌ،
والتقديرُ على الوجهِ الأَوَّلِ لَاسِيَّ، أَيْ: لَا مِثْلَ زَيْدٍ أو رَجُلٍ موجودٌ .
وعلى الثاني: لَاسِيَّ الذي أو شيءٍ هو زيدٌ ورجلٌ موجودٌ،
وعلى الثالثِ: لَاسِيَّمَا رَجُلًا موجودٌ، وإنْ أَرَدْتَ مَزِيدَ الكلامِ على ذلكَ فَعَلَيْكَ بكُتُبِ النحوِ، وقالَ الشيخُ الأميرُ: وقد أَفْرَدْنَا لَاسِيَّمَا بِمُؤَلَّفٍ لَطِيفٍ.
(قولُهُ: مِن أَدَوَاتِ الاستثناءِ عِنْدَ بَعْضِهِم) هو مذهبُ الكوفِيِّينَ وجماعةٍ مِن البَصْرِيِّينَ، وقد وَجَّهَهُ الدَّمَامِينِيُّ بِأَنَّ مَا بَعْدَهَا مُخَرَّجٌ مِمَّا قَبْلَهَا مِن حَيْثُ أَوْلَوِيَّتُهُ بِالحُكْمِ المُتَقَدِّمِ، فالمرادُ بالاستثناءِ الإخراجُ من المساواةِ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُم مُنْقَطِعًا, ولَا وَجْهَ للانقطاعِ؛ فانَّ قولَكَ: قامَ القومُ لَاسِيَّمَا زيدٌ, في قُوةِ قَوْلِك: تَسَاوَى القومُ في القيامِ إلَّا زيدًا فَهُوَ أَوْلَى بِهِ لِنُكْتَةٍ. فَافْهَمْ.
(قولُهُ: والصحيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهَا) هو مذهبُ سِيبَوَيْهِ وجمهورِ البَصْرِيِّينَ، وتعبيرُهُ بالصحيحِ يَقْتَضِي أنَّ مُقَابِلَهُ باطلٌ، لكنْ قد عَلِمْتَ تَوْجِيهَهُ، فيكونُ صَحِيحًا أَيْضًا، فَيُحْمَلُ الصحيحُ على الراجحِ.
(وقولُهُ: بلْ مُضَادَّةٌ للاستثناءِ) إضْرَابٌ إِنْتِقَالِيٌّ، وكانَ المناسِبُ أنْ يقولَ: بل مَفَادُهَا مُضَادٌّ للاستثناءِ، أو يقولَ: بلْ هيَ مضادَّةٌ لأداةِ الاستثناءِ، وَيُمْكِنُ أنَّهُ أرادَ بالاستثناءِ أداتَهُ. فَتَدَبَّرْ.
(قولُهُ: فَإِنَّ الذي بَعْدَهَا إلخ) تعليلٌ لقولِهِ: (بلْ هيَ مضادَّةٌ للاستثناءِ)، وحاصلُ التعليلِ أَنَّهَا للإدخالِ، والاستثناءَ للإخراجِ، فهيَ مضادَّةٌ لهُ.
(وقولُهُ: داخلٌ فيما دَخَلَ إلخ) أيْ: داخِلٌ في الحكمِ الذي دَخَلَ إلخ بخلافِ الاستثناءِ فإنَّ الذي بعدَ أداتِهِ خارجٌ مِمَّا دَخَلَ فيهِ ما قَبْلَهَا, والتعبيرُ بالدخولِ في الحكمِ فيهِ ضَرْبٌ من التَّسَمُّحِ، فكانَ الأولَى أنْ يقولَ: لأنَّ الذي بعدَهَا ثابِتٌ, لهُ ما ثَبَتَ للذي قَبْلَهَا أو يَقُولَ: فإنَّهَا لإدخالِ ما بَعْدَهَا فيما قَبْلَهَا.
(وقولُهُ: ومشهودٌ لهُ بأنَّهُ أَحَقُّ بذلكَ من غيرِهِ) أي: ومشهودٌ للذي بَعْدَهَا بأنَّهُ أَوْلَى بالحُكْمِ من غيرِهِ, وهو ما قبلَهَا، فَتَعْبِيرُهُ هنا بغيرِهِ وَتَعْبِيرُهُ قبلَهُ بما قَبْلَهَا تَفَنُّنٌ، فإذا قُلْتَ: قامَ القومُ لَاسِيَّمَا زيدٌ، شَهِدَتْ قَرَائِنُ الأحوالِ بأنَّ زَيْدًا أَحَقُّ بالقيامِ من بقيَّةِ القومِ، وَأَفَادَتْ هنا أنَّ زيدًا في حالِ قَصْدِ الشافعيِّ لِمَذْهَبِهِ أَحَقُّ بِأَوْلَوِيَّةِ الاتباعِ منهُ في غيرِ هذهِ الحالةِ، فالذي بَعْدَهَا زيدٌ في حالِ قصدِ الشافعيِّ لِمَذْهَبِهِ، والذي قَبْلَهَا زيدٌ في غيرِ هذهِ الحالةِ، والحكمُ هوَ أَوْلَوِيَّةُ الاتباعِ.
(قولُهُ: وقدَ نَحَاهُ إلخ) أي: والحالُ أَنَّهُ قد نَحَاهُ إلخ، أي: قَصَدَهُ ومَالَ إليهِ؛ مُوَافَقَةً له في الاجتهادِ, لَا أَنَّهُ قَلَّدَهُ؛ لِأَنَّ المُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّرْحُ.
(وقولُهُ: أيْ: نَحَا مَذْهَبَ الْإِمَامِ إلخ) ظَاهِرُه أَنَّهُ جَعَلَ الضميرَ في نَحَاهُ عَائِدًا على مذهبِ زيدٍ مع أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ في العبارةِ القريبةِ، فالأَوْلَى إِعَادَتُهُ عَلَى زيدٍ, ثم يُجْعَلُ على حَذْفِ مُضَافٍ, ويُمْكِنُ حَمْلُ كلامِ الشرحِ على ذلكَ.
(قولُهُ: الإمامُ) أي: المُقْتَدَى بهِ.
(وقولُهُ: أبو عبدِ اللهِ) كُنْيَةٌ للإمامِ.
(وقولُهُ: محمدٌ) اسمٌ لهُ.
(وقولُهُ: إِدْرِيسَ) أَبُوهُ.
(وقولُهُ: العَبَّاسِ) جَدُّهُ الأَوَّلُ.
(وقولُهُ: عُثْمَانَ) جَدُّهُ الثانيِ.
(وقولُهُ: شافعِ) جَدُّهُ الثالثُ، وَإِلَيْهِ نُسِبَ الإمامُ حَيْثُ قَالُوا: الشافعيُّ تَفَاؤُلًا بالشَّفَاعَةِ وَتَبَرُّكًا بالنسبةِ إليهِ؛ لِأَنَّهُ صحابيٌّ ابنُ صحابيٍّ, لأَنَّهُ لَقِيَ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو مُتَرَعْرِعٌ، أي: شابٌّ، وأَسْلَمَ أَبُوهُ السائبُ يَوْمَ بدرٍ.
(وقولُهُ: السائبِ) جَدُّهُ الرابعُ.
(وقولُهُ: عُبَيْدِ) بالتصغيرِ, جَدُّهُ الخامسُ.
(وقولُهُ: عَبْدِ يَزِيدَ) جَدُّهُ السادسُ.
(وقولُهُ: هاشمِ) جَدُّهُ السابعُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَاشِمًا هذا غيرُ هاشمٍ الذي هو جَدُّ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنَّهُ أَخُو أَبِيهِ.
(وقولُهُ: المُطَّلِبِ) جَدُّهُ الثامنُ، وهو أَخُو هاشمٍ جَدِّ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاشِمِيٌّ, والإمامُ الشافعيُّ مُطَّلِبِيٌّ.
(وقولُهُ: عبدِ مَنَافٍ) جَدُّهُ التاسعُ.
(وقولُهُ: قُصَيٍّ) جَدُّهُ العاشرُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مع أَنَّ الإمامَ يَجْتَمِعُ مع النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عبدِ مَنَافٍ تَمْيِيزًا لِعَبْدِ مَنَافٍ المذكورِ هنا عن عبدِ مَنَافٍ المذكورِ في نَسَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن جِهَةِ أُمِّهِ؛ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنُ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبِ بنِ عبدِ مَنَافِ بنِ زُهْرَةَ بنِ كِلَابٍ أَحَدِ أجدادِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من جهةِ أبيهِ، وهذا النسبُ المذكورُ للأمامِ الشافعيِّ نَسَبٌ عظيمٌ كما قيلَ.
نَسَبٌ كانَ عليهِ من شَمْسِ الضُّحَى = نُورًا ومِن فَلْقِ الصباحِ عَمُودَا
ما فيهِ إلَّا سَيِّدٌ مِن سيِّدٍ = حَازَ المَكَارِمَ والتُّقَى والجُودَا
وهذا نَسَبُهُ من جهةِ أبيهِ، وأمَّا نَسَبُهُ من جهةِ أُمِّهِ فهو مُحَمَّدُ بنُ فاطمةَ بنتِ عبدِ اللهِ بنِ الحسنِ بنِ الحسينِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ، كما قالَهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ في الطبقاتِ، وَنَقَلَهُ الخطيبُ، عن التنبيهِ، عن يُونسَ بنِ عبدِ الأَعْلَى، وعلى هذا فَهِيَ من قريشٍ، وقيلَ: من الأَزْدِ، وقدْ قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْأَزْدُ أَزْدُ اللهِ في الْأَرْضِ). و هذا يَدُلُّ على مَزِيدِ الشرفِ.
(قولُهُ: الشافعيُّ) قد عَرَفْتَ أنَّهُ نِسْبَةٌ لِجَدِّهِ شافعٍ.
(وقولُهُ: القُرَشِيُّ) نِسْبَةً لِقُرَيْشٍ, وهي قبيلةٌ مشهورةٌ تَجْتَمِعُ في فِهْرٍ، وقيلَ: النضرِ، ولذلكَ قالَ العِرَاقِيُّ في السيرةِ:
أَمَّا قُرَيْشٌ فالأَصَحُّ فِهْرٌ = جُمَاعُهَا وَالأَكْثَرُونَ النَّضْرُ
سُمُّوا بذلكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقَرِّشُونَ أَيْ: يُفَتِّشُونَ عن خَلَّةِ المحتاجِ فَيَسُدُّونَهَا.
(وقولُهُ: المُطَّلِبِيُّ) نسبةً للمُطَّلِبِ أَخِي هاشمٍ جَدِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(وقولُهُ: الحِجَازِيُّ) نسبةً للحجازِ.
(وقولُهُ: المَكِّيُّ) نسبةً لِمَكَّةَ؛ لأنَّهُ حُمِلَ إليها وهو ابنُ سَنَتَيْنِ، وَنَشَأَ بِهَا.
(وقولُهُ: يَلْتَقِي مع النبيِّ) أي: يَجْتَمِعُ مَعَهُ, وقدْ أَخْطَأَ مَن طَعَنَ في نسبِ الإمامِ الشافعيِّ من فقهاءِ الحنفيَّةِ - وهو الجُرْجَانِيُّ - حيثُ قالَ: إنَّ أصحابَ مالكٍ لا يُسَلِّمُونَ أنَّ نَسَبَ الشافعيِّ مِن قريشٍ, وَيَزْعُمُونَ أنَّ شَافِعًا كان مَوْلًى لِأَبِي لَهَبٍ فَطَلَبَ مِنْ عُمَرَ أنْ يَجْعَلَهُ مِن مَوَالِيَ قُرَيْشٍ، فَامْتَنَعَ، فَطَلَبَ ذلكَ من عثمانَ فَفَعَلَ. اهـ.
ولا شَّكَ أنَّ هذا كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ, ولم يَذْكُرْ هذا الطَّعْنَ إلَّا هذا المُتَعَصِّبُ, وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عليهِ أنَّ الناسَ أَجْمَعُوا على أنَّ أَبَا حَنِيفَةَ من مواليَ العتاقةِ أو الحِلْفِ والنّضرَةِ، فأرادَ أنْ يُقَابِلَ ذلك بهذا البُهْتَانِ ومَا مِثْلُهُ إِلَّا كما قالَ اللهُ تَعَالَى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}. ذَكَرَهُ الرازيُّ في مناقبِ الشافعيِّ .
(قولُهُ: ومَنَاقِبُهُ شَهِيرةٌ) أي: خِصَالُهُ الحميدةُ مشهورةٌ.
(وقولُهُ: فضائلُهُ كثيرةٌ) أي: خِصالُهُ الحميدةُ كثيرةٌ، والتعبيرُ أَوَّلًا بالمناقبِ وثانيًا بالفضائلِ تَفَنُّنٌ.
(وقولُهُ: وقدْ صَنَّفَ الأَئِمَّةُ إلخ) قدْ لِلتَّحْقِيقِ.
(وقولُهُ: قَدِيمًا) أيْ: في الزمنِ القديمِ.
(وقولُهُ: وحديثًا) أي: وفي الزمنِ الحديثِ، أي: الجديدِ القريبِ.
(قولُهُ: وُلِدَ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ) وَتُوُفِّيَ سنةَ أَرْبَعٍ ومِائَتَيْنِ كما سَيَذْكُرُهُ الشرحُ، فَعُمُرُهُ أربعٌ وخمسونَ سنةً، وَوُلِدَ أبو حَنِيفَةَ سَنَةَ ثَمَانِينَ, وَتُوُفِّيَ سنةَ خَمْسِينَ ومائةٍ، وهيَ السنةُ التي وُلِدَ فيها الإمامُ الشافعيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَعُمُرُهُ سبعونَ سَنَةً، وَوُلِدَ الإمامُ مالكٌ سنةَ تِسْعِينَ، وَتُوُفِّيَ سنةَ تِسْعٍ وسبعينَ ومائةٍ، فَعُمُرُهُ تِسْعٌ وثمانونَ، وَوُلِدَ الإمامُ أَحْمَدُ سنةَ أربعٍ وسِتِّينَ ومائةٍ، وَتُوُفِّيَ سنةَ إِحْدَى وأربعِينَ ومائتَيْنِ، فَعُمُرُهُ سَبْعٌ وسبعونَ، وقد ضَبَطَ بعضُهُم مَوْلِدَهُم وَوَفَاتَهُم وعُمُرَهُم بقولِهِ.
تاريخُ نُعْمَانَ يَكُنْ سَيْفٌ سَطَا = ومَالِكٌ فِي قَطْعِ جَوْفٍ ضبطا
والشَّافِعِيُّ صين ببر نـد = وأحمدُ بِسَبْقِ أَمْرٍ جعد
فَاحْسُبْ على تَرْتِيبِ نَظْمِ الشِّعْرِ = مِيَلَادَهُمْ فَمَوْتَهُم فالعُمْر
فـ (يَكُنْ) ضَبْطٌ لمولدِ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّ الياءَ بِعَشَرَةٍ, والكافَ بِعِشْرِينَ, والنونَ بِخَمْسِينَ، فالجملةُ ثمانونَ، وهو قَد وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ.
(وسَيْفٌ) ضَبْطٌ لِمَوْتِهِ؛ لأنَّ السينَ بِسِتِّينَ، والياءَ بِعَشَرَةٍ، والفاءَ بِثَمَانِينَ، فالجملةُ مائةٌ وخمسونَ، وهو قَدْ تُوُفِّيَ سنةَ مِائَةٍ وخمسينَ.
و (سَطَا) لِعُمُرِهِ؛ لأنَّ السينَ بِسِتِّينَ، والطاءَ بِتِسْعَةٍ، والألفُ بِوَاحِدٍ، فالجملةُ سبعونَ، وعُمُرُه كذلكَ، و (فِي) ضبطٌ لمولدِ الإمامِ مالكٍ، لأنَّ الفاءَ بِثَمَانِينَ، والياءَ بِعَشَرَةٍ، فالجملةُ تسعونَ، وهو قد وُلِدَ سَنَةَ تِسْعِينَ، و (قَطْعِ) ضَبْطٌ لِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ القافَ بِمِائَةٍ، والطاءَ بتسعةٍ، والعينَ بسبعينَ، فالجملةُ مائةٌ وتسعةٌ وسبعونَ، وكانتْ وَفَاتُهُ كذلكَ، و (جَوْفٍ) ضَبْطٌ لِعُمُرِهِ؛ لأنَّ الجيمَ بثلاثةٍ، والواوَ بسِتَّةٍ، والفاءَ بِثَمَانِينَ، فالجملةُ تِسْعٌ وثمانونَ، وكانَ عمرُهُ كذلكَ.
(وقولُهُ: ضبطا) تَكْمِلَةٌ للبيتِ.
و (صين) ضبطٌ لمولدِ الإمامِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الصادَ بِتِسْعِينَ، والياءَ بِعَشَرَةٍ، والنونَ بخمسينَ، فالجملةُ مائةٌ وخمسونَ، وكانَ مولدُهُ كذلكَ.
و (ببر) ضبطٌ لِوَفَاتِهِ؛ لأنَّ كُلًّا من الباءَيْنِ باثِنَيْنِ، والراءَ بمائَتَيْنِ، فالجملةُ مائتانِ وأربعةٌ، وكانتْ وفاتُهُ كذلكَ.
و (ند) ضبطٌ لِعُمُرِهِ؛ لأنَّ النونَ بخمسينَ، والدالَ بأربعةٍ، فالجملةُ أربعةٌ وخمسونَ، وكان عُمُرُهُ كذلكَ.
و (بسبق) ضَبْطٌ لمولدِ الإمامِ أَحْمَدَ؛ لأنَّ كُلًّا من الباءَيْنِ باثنَيْنِ، والسينَ بِسِتِّينَ، والقافَ بمائةٍ، فالجملةُ مائةٌ وأربعةٌ وسِتُّونَ، وكانَ مولدُهُ كذلكَ.
و (أمر) ضَبْطٌ لوفاتِهِ، فالألفُ بواحدٍ، والميمُ بأربعينَ، والراءُ بمائَتَيْنِ، فالجملةُ مائتانِ وواحدٌ وأربعونَ، وكانتْ وفاتُهُ كذلكَ.
و (جعد) ضَبْطٌ لِعُمُرِهِ؛ لأنَّ الجيمَ بثلاثةٍ، والعينَ بسبعينَ، والدالَ بأربعةٍ، فالجملةُ سبعٌ وسبعونَ، وكانَ عُمُرُهُ كذلكَ.
(قولُهُ: والذي عَلَيْهِ الجمهورُ أَنَّهُ إلخ) هو المعتمدُ، والأقوالُ التي بعدَهُ ضَعِيفَةٌ.
(وقولُهُ: بِغَزَّةَ) هي بَلْدةٌ من بلادِ الشامِ.
(وقولُهُ: وقيلَ: بِعَسْقَلَانَ) هي قريةٌ كبيرةٌ قريبةٌ من غَزَّةَ.
(وقولُهُ: وقيلَ: باليمنِ) لَمْ أَرَ تَعْيِينَ مَحَلٍّ مِنْهُ بِخُصُوصِهِ.
(وقولُهُ: بِخَيْفِ مِنًى) أي: (بِخَيْفٍ) هو مِنًى، فالإضافةُ بيانيَّةٌ، والخيفُ الخَلْطُ، وسُمِّيَ بهِ المكانُ المعروفُ بمَكَّةَ لِاجْتِمَاعِ أخلاطِ الناسِ فيهِ؛ إِذْ مِنْهُم الجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ.
(قولُهُ: ثم حُمِلَ إلى مَكَّةَ وهو ابنُ سَنَتَيْنِ) أي: نُقِلَ إلى مَكَّةَ التي هيَ أمُّ القُرَى، والحالُ أَنَّهُ ابْنُ سَنَتَيْنِ, وَنَشَأَ بِهِمَا, وَحَفِظَ القرآنَ، وهو ابنُ سَبْعِ سِنِينَ، والمُوَطَّأَ وهو ابنُ عَشْرٍ, وَتَفَقَّهَ على مُسْلِمِ بنِ خالدٍ الزِّنْجِيِّ، وأَذِنَ لهُ في الاجتهادِ, وهوَ ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سنةً، ثم رَحَلَ إلى مالكٍ بالمدينةِ ولازَمَهُ مُدَّةً، ثم قَدِمَ بغدادَ فأقامَ بها سَنَتَيْنِ، فاجتمعَ عليهِ علماؤُهَا وصَنَّفَ بها كتابَهُ القديمَ، ثم عادَ إلى مَكَّةَ، فأقامَ بها مُدَّةً، ثم عادَ إلى بغدادَ، فأقامَ بها شَهْرًا، ثم خَرَجَ إلى مِصْرَ العتيقةِ، ولم يَزَلْ بها نَاشِرًا للعلمِ بِجَامِعِهَا العتيقِ إلى أنْ تُوُفِّيَ رحمةُ اللهِ عليهِ.
اهـ. خطيبٌ في شَرْحِ الغايةِ.
(قولُهُ: وتُوُفِّيَ بِمِصْرَ) أي: العَتِيقَةِ كما مَرَّ، وكانت السيِّدةُ نَفِيسَةُ رَضِيَ اللهُ عنها موجودةً إذْ ذاكَ، فَأَرْسَلَتْ إلى السلطانِ الذي كانَ بِمِصْرَ، وَطَلَبَتْ أنْ يَمُرُّوا عليها بِجِنَازَةِ الإمامِ فَفَعَلُوا فَصَلَّتْ عليهِ مَأْمُومَةً.
(قولُهُ: وهوَ ابنُ أربعٍ وخمسينَ سَنَةً) كانَ المناسبُ التَّفْرِيعَ؛ لأنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ سنةَ مولدِهِ وسنةَ وفاتِهِ عُلِمَ مُدَّةُ عُمُرِهِ، إلَّا أنْ يُقَالَ: الواوُ قد تَأْتِي للتفريعِ كَمَا مَرَّ.
(قولُهُ: وَدُفِنَ بالقَرَافَةِ) ظاهرُ كلامِ الشارحِ أنَّ مَدْفَنَ الإمامِ الشافعيِّ مِن القَرَافَةِ، وهو موافقٌ للذي في الخططِ للمَقْرِيزِيِّ أَنَّهُ في تُرْبَةِ أولادِ عَبْدِ الحكمِ، وَعَدَّهُ في مشاهدِ القرافةِ، وكيفَ هذا مع أنَّ جميعَ ما في القرافةِ يَجِبُ هَدْمُهُ، نَعَمْ ذَكَرَ الشعرانيُّ في المَننِ أنَّ السيوطيَّ أَفْتَى بِعَدَمِ هَدْمِ مشاهدِ الصالحِينَ بالقَرَافَةِ قِيَاسًا على أمرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَدِّ كلِّ خَوْخَةٍ في المسجدِ إِلَّا خَوْخَةَ أبي بَكْرٍ، وهو فسحةٌ في الجملةِ، هذا والمشهورُ أنَّ مَدْفَنَ الإمامِ الشافعيِّ ليسَ من القرافةِ, بلْ من بيتِ ابنِ عبدِ الحكمِ، وكانَ حَوْلَهُ الحوانيتُ، أي: الدكاكينُ، فالقُبَّةُ عليهِ لَيْسَتْ من بناءِ القرافةِ حتى يُحْتَاجَ لِمَا مَرَّ, وسُمِّيَ المَحَلُّ المعروفُ بالقرافةِ؛ لِأَنَّهُ نَزَلَهُ بَطْنٌ من مغافرَ، يُقَالُ لَهُم: القرافةُ. فَسُمِّيَ بِاسْمِهِم، وقالَ الشيخُ العَدَويُّ: إِنَّ القرافةَ تُرَكَّبُ من فِعْلٍ ومفعولٍ، والأصلُ: أَلْقِ رَأْفَةً، فَمُزِجَا، وجُعِلَا عَلَمًا على هذا المَحَلِّ؛ لأنَّ الشخصَ يَجِدُ رأفةً في قَلْبِهِ إذا مَرَّ بهِ، وما أحَسَنَ ما قالَ بَعْضُهُم:
إِذَا مَا ضَاقَ صَدْرِي لَمْ أَجِدْ لِي = مَقَرَّ عِبَادَةٍ إِلَّا القَرَافَةَ
لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْ المَوْلَى اجْتِهَادِي = وَقِلَّةَ نَاصِرِي لَمْ أَلْقَ رَافَةَ
(قولُهُ: وعلى قَبْرِهِ إلخ) الجارُّ والمجرورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وما هو لائِقٌ مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ, ومن الجلالةِ والاحترامِ بيانٌ لِمَا هو لائقٌ مُقَدَّمٌ عليهِ.
(قولُهُ: ومعنى كَوْنِ الإمامِ إلخ) غَرَضُهُ بذلكَ دَفْعُ ما قَدْ يَتَوَهَّمُهُ بعضُ الأذهانِ القاصرةِ والطبائعِ المُتَبَلِّدَةِ أنَّ الإمامَ الشافعيَّ قَلَّدَ زيدًا.
(قولُهُ: موافقةً لهُ في الاجتهادِ) أي: حالةَ كَوْنِهِ مُوَافِقًا لهُ في الاجتهادِ لا مُقَلِّدًا لهُ.
(قولُهُ: لِمَا سَبَقَ) عِلَّةٌ لكونِهِ قَصَدَهُ ومَالَ إليهِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِمَا سَبَقَ الأَمْرانِ المَذْكُورانِ بَعْدَ قولِ المُصَنِّفِ فكانَ أَوْلَى باتِّبَاعِ التابعِ فَإِنَّهُ قالَ هناكَ لِأَمْرَيْنِ, أَقْوَاهُمَا هذهِ الأحاديثُ إلخ.
(وقولُهُ: حَتَّى تَرَدَّدَ حيثُ تَرَدَّدَ) غايةٌ في موافقتِهِ، أي: حتَّى إنَّ الإمامَ الشافعيَّ تَرَدَّدَ بأنْ قالَ قَوْلَيْنِ في المسألةِ التي تَرَدَّدَ فيها زَيْدٌ، بأنْ كانَ لهُ فيها قَوْلَانِ.
(قولُهُ: فَهَاكَ إلخ) أي: إذا أَرَدْتَ بيانَ مذهبِ زيدٍ فهاكَ إلخ.
(وقولُهُ: فَخُذْ) يُشِيرُ بذلكَ إلى أنَّ هاكَ اسمُ فعلٍ بِمَعْنَى خُذْ, والتَّحْقِيقُ أنَّ اسمَ الفعلِ هَا فَقَطْ, وأمَّا الكافُ فَحَرْفُ خطابٍ مفتوحةٌ في المُذَكَّرِ, مكسورةٌ في المُؤَنَّثِ، وَتُثَنَّى وتُجْمَعُ، فَيُقَالُ: هَاكُمَا وهَاكُمْ, وَقَدْ تُبَدَّلُ الكافُ هَمْزَةً، ومنهُ قَوْلُهُ تعالى حِكَايَةً عَمَّنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ: {هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ} .
(قولُهُ: فيهِ) الأظهرُ تَعَلُّقُهُ بمحذوفٍ صفةٍ للقولِ بَعْدَهُ, والتقديرُ فَخُذ القولَ الكائنَ فيهِ، أي: في مَذْهَبِ زَيْدٍ, كما قالَ الشرحُ، ويكونُ حينئذٍ مِن ظَرْفِيَّةِ الدَّالِّ في المَدْلُولِ.
(قولُهُ: القولَ عن إيجازٍ) أي: حالةَ كونِهِ نَاشِئًا عن إيجازٍ، كذا كَتَبَ بَعْضُهُم، والأظهرُ منهُ أنَّ عن بِمَعْنَى مع أي: حالَ كَوْنِهِ مُصَاحِبًا للإيجازِ.
(وقولُهُ: أي: اختصارٍ) مَبْنِيٌّ على ترادُفِ الاختصارِ والإيجازِ، وهو المرادُ، وقيلَ: الاختصارُ هو الحذفُ من عَرضِ الكلامِ أي: تَكْرَارُهُ كَزَيْدٍ زَيْدٍ، والإيجازُ هو الحذفُ من طولِ الكلامِ، أي: زِيَادَتِهِ على المقصودِ كَمِنْهاجِ وَمَنْهَجٍ، فالاختصارُ تَرْكُ التَّكرارِ، والإيجازُ تَرْكُ الزيادةِ، وقيلَ: غيرُ ذلكَ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ المُتَأَخِّرِينَ بالاختصارِ لِيُحْفَظَ الكلامُ وَعَادَةُ المُتَقَدِّمِينَ بالبسطِ لِيُفْهَمَ، ولذلكَ قالَ الخليلُ: الكلامُ يُبْسَطُ لِيُفْهَمَ وَيُخْتَصَرُ لِيُحْفَظَ.
(قولُهُ: والمُخْتَصَرُ ما قَلَّ لَفْظُهُ وكَثُرَ مَعْنَاهُ) أي: لأنَّ الاختصارَ تقليلُ الألفاظِ وتكثيرُ المعاني, وهذا التَّقْيِيدُ تَبِعَ فيهِ شيخَ الإسلامِ والجمهورَ على أنَّ المدارَ على تقليلِ الألفاظِ، سواءٌ كَثُرَت المعاني أو نَقَصَتْ أو سَاوَتْ، وقال الشيخُ السجاعيُّ فيما كَتَبَهُ على الخطيبِ: إنَّ ما ذَكَرَهُ الشرحُ هو ما ذَكَرَهُ أهلُ اللغةِ كالنَّوَوِيِّ في دقائقِ المِنْهاجِ، وصاحبِ المصباحِ, قالَ: وحقيقةُ الاختصارِ الاقتصارُ على تقليلِ اللفظِ دونَ المعنى. اهـ.
وحينئذٍ فحقيقةُ المُخْتَصَرِ ما ذَكَرَهُ الشرحُ.
(قولُهُ: مُبَرَّأً إلخ) أي: حالَ كَوْنِ القولِ المذكورِ مُبَرَّأً إلخ.
(وقولُهُ: أيْ: مُنَزَّهًا) تَفْسِيرٌ لِمُبَرَّأً، والمقصودُ مِن ذلكَ أَنَّهُ واضِحٌ جِدًّا.
(وقولُهُ: عن وَصْمَةِ إلخ) أيْ: عن وَصْمَةٍ هي الألْغَازُ، فالإضافةُ للبيانِ.
(وقولُهُ: واحدُ الوَصْمُ) أي: هيَ واحدُ الوصمِ, فهوَ خبرٌ لِمبتدأٍ محذوفٍ .
(وقولُهُ: الوصمُ اسمُ جِنْسٍ جمعيٌّ) أي: اسمٌ دَالٌّ على الجنسِ, لَكِنْ بشرطِ تَحَقُّقِهِ في جماعةِ أفرادٍ, كما هو ضابطُ اسمِ الجنسِ الجَمْعِيِّ، ويُفَرَّقُ بينَهُ وبينَ واحدِه بالتاءِ غالبًا كما هنا, وكما في تَمْرٍ وتَمْرَةٍ، وقد يُفَرَّقُ بينَهُ وبينَ واحدِهِ بياءِ النسبِ كَرُومٍ وَرُومِيٍّ، وأمَّا اسمُ الجنسِ الإفراديُّ فهو ما صَدَقَ على الجنسِ مِن غيرِ قيدِ تَحَقُّقِهِ في جماعةٍ، كما في جماعةٍ كَمَاءٍ وترابٍ.
(قولُهُ: بمعنَى العيبِ) الظاهرٌ أنَّهُ تفسيرٌ للوصمةِ التي هيَ واحدُ الوصمِ بدليلِ الإفرادِ, حيثُ قالَ: بِمَعْنَى العيبِ.
(قولُهُ: الأَلْغَازِ) أي: جِنْسِهَا الصادقِ بالواحدِ فلا يَرِدُ ما قَدْ يُقَالُ: مقتضَى كلامِ المُصَنِّفِ أَنَّهُ ليسَ مُبَرَّأً عن وَصْمَةِ لُغْزٍ واحدٍ أو لُغْزَيْنِ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا قالَ: مُبَرَّأً عن وَصْمَةِ الألغازِ، وحاصلُ الجوابِ أنَّ أل لِلجِنْسِ الصادقِ بالواحدِ.
(قولُهُ: جَمْعُ لُغْزٍ) بِضَمِّ اللامِ وسكونِ الغينِ أو فَتْحِهَا أو ضَمِّهَا وبِفَتْحِ اللامِ مع سكونِ الغينِ أو فَتْحِهَا، وَلُغَيْزٌ بِضَمِّ اللامِ وفتحِ الغينِ مُشَدَّدَةٍ وزيادةِ ياءٍ ساكنَةٍ، وَلُغَيْزَا بزيادةِ ألفِ مقصورةٍ، ولُغَيْزَاءُ بِأَلِفٍ ممدودةٍ، ذَكَرَهُ في اللؤلؤةِ نَقْلًا عن الكتاتيِّ.
قولُهُ: (وهو الكلامُ المُعَمَّى) أي: المَجْعُولُ فيهِ التَّعْمِيَةُ، وهي الخَفَاءُ، وقِيلَ: التعميةُ تَرْجِعُ إلى الخفاءِ في المعنى، واللُّغْزُ يَرْجِعُ إلى الخفاءِ في اللفظِ، فمِثَالُ التَّعْمِيَةِ قولُهُ:
ما مِثْلُ قَوْلِكَ للذي = يَشْكُو الحبيبَ اسْكُتْ رَجَعَ
أيْ: ما مِثْلُ قولِكَ للشخصِ الذي يَشْكُو الحبيبَ عندَكَ: اسْكُتْ عن هذهِ الشكايةِ فإِنَّهُ رَجَعَ عَمَّا تَشْكُوهُ بهِ، فمرادُهُ السؤالُ عن اللفظِ المماثلِ لقولِكَ: اسْكُتْ، وهو صَهْ، فَإِنَّهُ مثلَ اسْكُتْ وعن اللفظِ المماثلِ لِرَجَع, وهو باءٌ، فَإِنَّهُ مثلَ رَجَع، فالذي مثلَ قَوْلِكَ اسْكُتْ رَجَعَ: صَهْ بَاءَ، فإنَّ مَعْنَاهُمَا اسْكُتْ رَجَعَ، ومثالُ اللغزِ قولُ الآخرِ:
يَا أَيُّهَا العَطَّارُ أَعْرِبْ لَنَا = عَنِ اسْمِ شَيْءٍ قَلَّ في سَوْمِكَ
تَرَاهُ العَيْنُ فِي يَقَظَةٍ = كَمَا تَرَى بِالقَلْبِ فِي نَوْمِكَ
أي: بَيِّنْ لنا عن اسمِشيءٍ قليلٍ في نَوْمِكَ لهُ صفةٌ ذلكَ: أنَّكَ تَرَاهُ بالعينِ في حالِ اليقظةِ, كما تَرَاهُ بالقلبِ في نَوْمِكَ، وهو الكَمُّونُ، فَإِنَّكَ إِذْ قَلَبْتَ نَوْمَكَ وَقَرَأْتَهُ مِنْ آخِرِهِ صَارَ كَمُّونًا، وَقَدْ أَحْسَنَ بَعْضُهُم حَيْثُ قَالَ:
إِنَّمَا الْأَلْغَازُ عَيْبٌ يُجْتَنَبْ = فَاتْرُكَنْهَا وَالْتَزِمْ حُسْنَ الْأَدَبْ
إِنَّ مِنْ أَقْبَحِهَا قَوْلَهُمْ = عَاجِزٌ أَعْمَى تَرَقَّى فَانْقَلَبْ
أي: لفظُ عَاجِزٍ أَعْمَى، أي: بإزالةِ العينِ منهُ تَرَقَّى بِجَعْلِ آحَادِهِ عَشَرَاتٍ، فالألفُ بواحدٍ تُجْعَلُ بِعَشَرَةٍ، والحرفُ الذي في الحسابِ بِعَشَرَةٍ، هو الياءُ والجيمُ بثلاثةٍ تُجْعَلُ بثلاثينَ، والحرفُ الذي في الحسابِ بثلاثينَ هو اللامُ والزايُ بسبعةٍ تُجْعَلُ بسبعينَ، والحرفُ الذي في الحسابِ بِسَبْعِينَ هو العينُ فانْقَلَبَ بِقِرَاءَتِهِ من آخرِهِ فَصَارَ اسمَ عَلِيٍّ.
قولُهُ: (يُقالُ: أَلْغَزَ فِي كَلَامِهِ عَمَّى وَشَبَّهَ) أي: أَخْفَى وأَوْقَعَ الشَّبَهَ بِمَعْنَى الاشتباهِ في الكلامِ.
(وقولُهُ: واليَرْبُوعُ في جُحْرِهِ) أي: ويُقَالُ: ألغزَ اليربوعُ في جُحْرِهِ فهو معطوفٌ على فاعِلِ أَلْغَزَ في كلامِهِ.
(وقولُهُ: مَالَ يَمِينًا وَشِمَالًا في حَفْرِهِ) أي: مَالَ في حَفْرِ جُحْرِهِ جِهَةَ اليَمِينِ وَجِهَةَ الشِّمَالِ، واليَرْبُوعُ بِفَتْحِ الياءِ حيوانٌ قصيرُ اليدَيْنِ طويلُ الرِّجْلَيْنِ يَحْفِرُ جُحْرَهُ في مَهَبِّ الرياحِ الأربعِ، ويَتَّخِذُ فيهِ كُوًى إِحْدَاهَا تُسَمَّى النافِقَاءَ، والثانيةُ القاصِعَاءَ، والثالثةُ الراهِطَاءُ، فإذا طُلِبَ من هذهِ الكُوَّةِ خَرَجَ من النافقاءِ، وإذا طُلِبَ من النافقاءِ خَرَجَ من القاصِعاءِ، وهوَ من الحيوانِ الذي لهُ رَئِيسٌ مُطَاعٌ, فإنْ قَصَّرَ رَئِيسُهُم حتى أَدْرَكَهُم أَحَدٌ وصادَ مِنْهُم شيئًا اجْتَمَعُوا على رَئِيسِهِم وقَتَلُوهُ, ووَلَّوْا غَيْرَهُ ويَحِلُّ أَكْلُهُ؛ لأنَّ العربَ تَسْتَطِيبُهُ، وقالَ أبو حَنِيفَةَ: لا يُؤْكَلُ؛ لأنَّهُ من حشراتِ الأرضِ.
(قولُهُ: ومعنى البيتِ) أي: مَعْنَى جُمْلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ قد ذَكَرَ معنَى مُفْرَدَاتِهِ، فَغَرَضُهُ هنا ذِكْرُ مَعْنَى جُمْلَتِهِ.
(قولُهُ: في علمِ الفرائضِ على مَذْهَبِ زَيْدٍ) كانَ مُقْتَضَى الحَالِ السابقِ أنْ يقولَ: في مذهبِ زيدٍ من أَوَّلِ الأمرِ فَلَعَلَّهُ زادَ ذلكَ تَوْضِيحًا.
(قولُهُ: مُخْتَصَرًا) أَخَذَهُ من قولِهِ: عن إيجازٍ, أي: اختصارٍ.
(وقولُهُ: واضِحًا مُنَزَّهًا إلخ) أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ: مُبَرَّأً عَنْ وَصْمَةِ الأَلْغَازِ.
(وقولُهُ: عنْ عيبِ الخَفَاءِ) الإضافةُ للبيانِ.
قَوْلُهُ: (مُقَدِّمَةٌ) خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ على ما هوَ أظهرُ الاحتمالاتِ في مثلِ هذا المقامِ، والمُقَدِّمَةُ في الأصلِ صفةٌ مأخوذةٌ مِن (قَدِمَ) اللازمِ بِمَعْنَى تَقَدَّمَ، فهي بِمَعْنَى مُتَقَدِّمَةٍ أو مِن (قَدِمَ) المُتَعَدِّي يُقَالُ: قَدَّمَ زَيْدٌ عُمَرَ فَهِيَ بِمَعْنَى مُقَدِّمَةِ مَن اعْتَنَى بها, وعلى هَذَيْنِ الوجهَيْنِ، فهيَ بكسرِ الدالِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا عل أنَّهَا مِن قَدِمَ المُتَعَدِّي، فَهِيَ بِمَعْنَى أنَّ الغيرَ قَدَّمَها ثم نُقِلَتْ وَجُعِلَتْ اسْمًا للطائفةِ المُتَقَدِّمَةِ أمامَ الجيشِ، ثم نُقِلَتْ في الاصطلاحِ لمُقَدِّمَةِ الكتابِ، ومُقَدِّمَةِ العلمِ، والأُولَى: اسمٌ لألفاظٍ تَقَدَّمَتْ أمامَ المقصودِ لارتباطٍ لهُ بها، وانتفاعٍ بها فيهِ كَمُقَدِّمَةِ الشيخِ السَّنُوسِيِّ التي ذَكَرَهَا بقولِهِ: اعْلَمْ أنَّ الحُكْمَ العقليَّ إلخ.
والثانيةُ: اسمٌ لِمَعَانٍ يَتَوَقَّفُ عليها الشروعُ في المقصودِ على وَجْهِ البَصِيرَةِ كَحَدِّهِ وموضوعِهِ وغَايَتِهِ إلى آخرِ المبادي العَشَرَةِ المَنْظُومَةِ في قولِ بعضِهِم:
إنَّ مَبَادِي كُلِّ فَنٍ عَشَرَةٌ = الحَدُّ والموضوعُ ثُمَّ الثَّمَرَةُ
وفَضْلُهُ ونَسَبُهُ والواضعْ = والاسمُ الاستِمْدَادُ حُكْمُ الشارعْ
مسائلُ والبعضُ بالبعضِ اكْتَفَى = ومَنْ دَرَى الجَمِيعَ حَازَ الشَّرَفَا
وهذهِ المُقَدِّمَةُ مُقَدِّمَةُ عِلْمٍ؛ لأنَّ الشرحَ ذَكَرَ حَدَّ العلمِ وموضوعَهُ وحَذَفَ غايتَهُ التي هيَ ثَمَرَتُهُ؛ لأنَّهَا تُعْلَمُ من التعريفِ حيثُ قالَ فيهِ: المُوَصِّلُ لمعرفةِ ما يَخُصُّ كلَّ ذِي حَقٍّ من التَّرِكةِ فَيُعْلَمُ أنَّ غَايَتَهُ مَعْرِفَةُ ما يَخُصُّ كلَّ ذِي حَقٍّ من التركةِ فَتَحَصَّلَ أنَّ مُقَدِّمَةَ الكتابِ ألفاظٌ، ومُقَدِّمَةَ العلمِ مَعَانٍ، فبينَهُمَا التَّبَايُنُ، لكنْ بينَ ذاتِ مُقَدِّمَةِ الكتابِ والألفاظِ الدالَّةِ على مُقَدِّمَةِ العلمِ العمومُ والخصوصُ الوَجْهِيُّ يَجْتَمِعَانِ فيما إذا ذَكَرَ المُؤَلِّفُ قبلَ المقصودِ الألفاظَ الدالَّةَ على مُقَدِّمَةِ العلمِ, كأنْ ذَكَرَ الألفاظَ الدالَّةَ على الحدِّ والموضوعِ والغايةِ، فهذهِ الألفاظُ مُقَدِّمَةُ كتابٍ، وَدَالُّ مُقَدِّمَةُ علمٍ، وتَنْفَرِدُ مُقَدِّمَةُ الكتابِ فِيمَا إذا ذَكَرَ المُؤَلِّفُ قبلَ المقصودِ غيرَ تلكَ الألفاظِ كَمُقَدِّمَةِ الشيخِ السَّنُوسِيِّ فَيُقَالُ لها: مُقَدِّمَةُ كتابٍ فقطْ، وَيَنْفَرِدُ دالُّ مُقَدِّمَةِ العلمِ فيما إذا ذَكَرَ المُؤَلِّفُ الألفاظَ الدالَّةَ على الحدِّ والموضوعِ إلخ بعدَ المقصودِ كَمَا وَقَعَ في بعضِ الكُتُبِ، فَيُقَالُ لهذهِ الألفاظِ: دَالُّ مُقَدِّمَةِ العلمِ؛ لأنَّ مَدْلُولَهَا معانٍ يَتَوَقَّفُ عليْها الشروعُ في المقصودِ، وَإِنْ ذُكِرَتْ دَوَالُّهَا آخِرًا، ولا يُقَالُ لها: مُقَدِّمَةُ كتابٍ؛ لِأَنَّهَا لم تَتَقَدَّمْ أمامَ المقصودِ حَتَّى يُقَالَ لها: مُقَدِّمَةُ كتابٍ، وَجَعَلَ المُحَقِّقُ الأميرُ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مُطْلَقًا لا وَجْهِيًّا؛ لِأَنَّ المعانيَ التي يَتَوَقَّفُ عليها الشروعُ في المقصودِ إنْ أُخِّرَتْ لمْ تَكُنْ مُقَدِّمَةً، فَإِنْ قيلَ: جَعْلُ مُقَدِّمَةِ الكتابِ ألفاظًا ومُقَدِّمَةِ العلمِ معانِيَ تَحَكُّمٌ؟ أُجِيبَ بأنَّهُ لا تَحَكُّمَ؛ لِأَنَّ الكتابَ اسمٌ للألفاظِ، فَنَاسَبَ أنْ تكونَ مُقَدِّمَتُهُ كذلكَ، والعلمُ اسمٌ للمعانِي فَنَاسَبَ أنْ تكونَ مُقَدِّمَتُهُ كذلكَ، على أَنَّهُ اصطلاحٌ، ولا مُشَاحَّةَ في الاصطلاحِ.
(قولُهُ: علمُ الفرائضِ هو إلخ) عُلِمَ من هذا التعريفِ أنَّ حقيقةَ عِلْمِ الفرائضِ مُرَكَّبَةٌ من فِقْهِ المواريثِ، وعلمِ الحسابِ المخصوصِ, أَعْنِي: المُوَصِّلَ إلخ، وقدْ سَبَقَ أنَّ كلَّ علمٍ يُطْلَقُ على الإدراكِ وعلى القواعدِ والضوابطِ وعلى المَلَكَةِ, فإِنْ أُرِيدَ مِن علمِ الفرائضِ المعنى الأَوَّلُ, وهو الإدراكُ, كانَ فِقْهُ المواريثِ بِمَعْنَى فَهْمِ مسائلِ قِسْمَةِ التَّرِكَاتِ، وَعِلْمُ الحسابِ المَخْصُوصُ بِمَعْنَى إدراكِ مسائلِ الحسابِ المَذْكُورِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: عِلْمُ الفرائضِ هوَ فَهْمُ مسائلِ قِسْمَةِ التركاتِ وإدراكُ مسائلِ الحسابِ المخصوصِ، وَإِنْ أُرِيدَ مِن عِلْمِ الفرائضِ المعنى الثاني, وهوَ القواعدُ والضوابطُ, كَانَ فِقْهُ المواريثِ بِمَعْنَى القواعدِ والضوابطِ المَفْقُوهَةِ المُتَعَلِّقَةِ بالتَّرِكَاتِ، وعلمُ الحسابِ المخصوصُ بِمَعْنَى المسائلِ المعلومةِ المُتَعَلِّقَةِ بالحسابِ المذكورِ, فَكَأَنَّهُ قالَ: علمُ الفرائضِ هو القواعدُ والضوابطُ المَفْقُوهَةُ المُتَعَلِّقَةُ بالتركاتِ والمسائلُ المعلومةُ المُتَعَلِّقَةُ بالحسابِ المَخْصُوصِ، وإِنْ أُرِيدَ مِن عِلْمِ الفرائضِ المعنى الثالثُ, وهو المَلَكةُ, كانَ فِقْهُ المواريثِ بمعنَى الملكةِ التي يَقْتَدِرُ بها على علمِ مسائلِ قِسْمَةِ المواريثِ، وعِلْمُ الحسابِ المخصوصُ بمعنى الملَكَةِ التي يَقْتَدِرُ بها على علمِ مسائلِ الحسابِ المذكورِ، فَكَأَنَّهُ قالَ: علمُ الفرائضِ هوَ الملكةُ التي يَقْتَدِرُ بها على فقهِ مسائلِ قِسْمَةِ التركاتِ والملكةُ التي يَقْتَدِرُ بها عَلَى علمِ مسائلِ الحسابِ المخصوصِ، والاحتمالُ الأَوَّلُ أَقْرَبُ، ثم الثاني، ثم الثالثُ. فَتَدَبَّرْ.
(قولُهُ: فِقْهُ المواريثِ) خَرَجَ فِقْهُ غَيْرِهَا كالوضوءِ والصلاةِ.
(وقولُهُ: عِلْمُ الحسابِ) معطوفٌ على فقهِ المواريثِ، فهو جزءٌ من حقيقةِ علمِ الفرائضِ كَمَا مَرَّت الإشارةُ إليهِ.
(وقولُهُ: المُوَصِّلُ إلخ) صِفَةٌ لعلمِ الحسابِ، ودَخَلَ فيهِ علمُ الجبرِ والمقابلةِ وما أُلْحِقَ بهِ من الطرقِ المعمولِ بها في الوصايا والدَّوْرِيَّاتِ, وَخَرَجَ منهُ ما لا يُوَصِّلُ لذلكَ كالإِرْتِمَاطِيقِيِّ، وهيَ كلمةٌ يُونَانِيَّةٌ معناهَا خواصُّ العددِ، كَقَوْلِهِم كلُّ عددٍ مُسَاوٍ لنصفِ مجموعِ حاشِيَتَيْهِ المُتَسَاوِيَتَيْنِ قُرْبًا أو بُعْدًا كَأَرْبَعَةٍ بينَ خمسةٍ وثلاثةٍ أو ستةٍ واثنينِ وهكذا، فمجموعُ الخمسةِ والثلاثةِ ثمانيَةٌ, وكذا مجموعُ الستةِ والاثنينِ، ونصفُ الثمانيةِ أربعةٌ، فَصَدَقَ أنَّ الأربعةَ سَاوَتْ نِصْفَ مجموعِ الحاشِيَتَيْنِ القَرِيبَتَيْنِ أو البَعِيدَتَيْنِ على السواءِ.
(قولُهُ: لِمَعْرِفَةِ ما يَخُصُّ كلَّ ذِي حَقٍّ من التركةِ) كذا في بعضِ النُّسَخِ الصحيحةِ، وهي ظاهرةٌ، وفي بعضِهَا زِيَادَةُ لفظِ حَقِّهِ بعدَ ذلكَ، وهو لا يُنَاسِبُ إلَّا لو قالَ الشرحُ لإِعْطَاءِ كلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَأَمَّا على ما في الشرحِ فلا يُنَاسِبُ ولا يَسْتَقِيمُ التركيبُ بِذِكْرِهِ إلَّا بِجَعْلِهِ مَجْرُورًا عَطْفَ بيانٍ أو مَنْصُوبًا بتقديرِ أَعْنِي، ولا يَخْفَى أنَّهُ حَشْوٌ لا فائدةَ فيهِ، فالأَوْلَى حَذْفُهُ، ثم إنَّ المتبادِرَ أَنَّ المرادَ مَعْرِفَةُ ما يَخُصُّ كلَّ ذي حَقٍّ من التركةِ بالنسبةِ لحقوقِ الإرثِ، بخلافِ نَحْوِ الديُونِ والأقاريرِ والوصايا، فَذِكْرُهَا في كُتُبِهِ اسْتِطْرَادٌ، وقِيلَ: المرادُ معرفةُ ما يَشْمَلُ ذلكَ ولا اسْتِطْرَادَ. اهـ.
أميرٌ بِتَصَرُّفٍ وزيادةٍ من الحِفْنِيِّ.
(قولُهُ: وموضوعُهُ التَّركاتُ) أي: من حيثُ قِسْمَتُهَا، فموضوعُهُ إِنَّمَا هو قسمةُ التركاتِ، فانْدَفَعَ ما يُقَالُ: إنَّ علمَ الفرائضِ مِن علمِ الفقهِ، وموضوعُهُ عَمَلُ المُكَلَّفِينَ، والتركاتُ ليستْ عَمَلًا، وَوَجْهُ الاندفاعِ أنَّ التركاتِ ليستْ مَوْضُوعَهُ مِن حيثُ ذَاتُهَا, بل مِن حيثُ قِسْمَتُهَا, ولا شَكَّ أنَّ قِسْمَتَهَا عَمَلٌ، وموضوعُ كلِّ فَنٍّ ما يَبْحَثُ فيهِ عن عوارضِهِ الذاتيَّةِ، ومنِ المعلومِ أنَّهُ يُبْحَثُ في علمِ الفرائضِ عن أحوالِ القِسْمَةِ.
(وقولُهُ: لا العددُ) أيْ: لِأَنَّ العددَ موضوعُ علمِ الحسابِ، فلا يكونُ مَوْضُوعًا لغيرِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ علمٍ يَتَمَيَّزُ عن غيرِهِ بِمَوْضُوعِهِ كما يَتَمَيَّزُ بِتَعْرِيفِهِ، فَكَمَا لا يَكُونُ تَعْرِيفُهُ تَعْرِيفًا لغيرِه, لا يكونُ موضوعُهُ مَوْضُوعًا لغيرِهِ، والإلزامُ خَلْطُ عِلْمٍ بآخَرَ، وهو مُمْتَنِعٌ، كذا قالَهُ ابنُ الهائِمِ في شرحِ الكِفايةِ، وتَبِعَهُ الشرحُ، ولذلكَ قالَ: لَا العددُ.
(قولُهُ: خِلَافًَا لِمَنْ زَعَمَ ذلكَ) أي: أُخَالِفُ خِلَافًَا أو أَقُولُ ذلكَ حالَ كَوْنِي مُخَالِفًا لِمَنْ زَعَمَ ذلكَ، وهو العَلَّامَةُ أبو بكرِ بنُ محمدِ بنِ يَحْيَى بنِ عبدِ السلامِ؛ فَإِنَّهُ قالَ ذلكَ في نهايةِ الرَّائِضِ في علمِ الفرائضِ، والإِنْصَافُ أَنَّهُ حيثُ أَدْخَلَ علمَ الحسابِ المُتَقَدِّمَ في تَعْرِيفِهِ أَدْخَلَ العددَ في موضوعِهِ من حيثُ التأصيلُ والتصحيحُ كَمَا قالَهُ العلَّامَةُ الأميرُ، ومَحَلُّ قَوْلِهِم: الموضوعُ لعلمٍ لا يكونُ مَوْضُوعًا لعلمٍ آخرَ، إذا جُعِلَ موضوعًا للعلمِ الآخرِ مُسْتَقِلًّا بخلافِ ما إذا كانَ مُنْضَمًّا لغيرِهِ كما هنا؛فإِنَّ الموضوعَ مجموعُ التركاتِ والعددِ لا العددُ وَحْدَهُ، والشيءُ مع غيرِهِ غيرُهُ في نَفْسِهِ كما نَبَّهَ عليهِ في اللؤلؤةِ نَقْلًا عن شيخِ الإسلامِ.
(قولُهُ: واعْلَمْ) هذه كلمةٌ يُؤْتَى بها لِشَّدَةِ الاعتناءِ بما بَعْدَهَا, والمُخَاطِبُ بذلكَ كلُّ مَن يَتَأَتَّى منهُ العلمُ مَجَازًا؛ لأنَّهُ موضوعٌ لِأَنْ يُخَاطَبَ بهِ مُعَيَّنٌ.
(وقولُهُ: أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ إلخ) أي: أنَّ الحالَ والشأنَ يَتَعَلَّقُ إلخ، فالضميرُ للحالِ والشَّأْنِ.
(وقولُهُ: خمسةُ حقوقٍ) أي: لا زائدَ عليها بدليلِ الاستقراءِ من مواردِ الشرعِ، وأيضًا الحقُّ المُتَعَلِّقُ بالتَّركِةِ, إمَّا ثابتٌ قبلَ الموتِ, وإمَّا ثابتٌ بالموتِ.
والأَوَّلُ إمَّا مُتَعَلِّقٌ بالعينِ وَإمَّا مُتَعَلِّقٌ بالذِّمَّةِ.
والثاني إمَّا للميتِ وهو مُؤَنُ التجهيزِ، وإمَّا لغيرِهِ وهوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُهُ من جهةِ الميتِ بحيثُ يكونُ لهُ تَسَبُّبٌ في ذلكَ، وهو الوصيةُ أَوَّلًا، وهوَ الإِرْثُ، فالجملةُ خمسةُ حقوقٍ.
(وقولُهُ: مُرَتَّبَةٌ) أي: مُقَدَّمٌ بَعْضُهَا على بعضٍ، فالمرادُ بالترتيبِ هنا كَمَا قالَهُ شيخُ الإسلامِ المعنَى اللُّغَوِيُّ، وهو كَوْنُ كُلِّ شيءٍ في مَرْتَبَتِهِ, لا المعنَى الاصطلاحيُّ، وهوَ كَوْنُ الأشياءِ بحيثُ يُطْلَقُ عليها اسمُ الشيءِ الواحدِ، ويكونُ لِبَعْضِهَا نسبةٌ إلى بعضٍ بالتَّقَدُّمِ والتَّأَخُّرِ. انتهى مُلَخَّصًا من اللؤلؤةِ.
(قولُهُ: أَوَّلُهَا الحَقُّ المُتَعَلِّقُ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ) إنَّمَا قَدَّمَ ذلكَ على مُؤَنِ التجهيزِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ كانَ يُقَدِّمُ بهِ في الحياةِ، نَعَمْ تَعَلَّقُ الغرماءِ بالأموالِ بالحَجْرِ لا يَقْتَضِي أنْ يُقَدَّمَ حَقُّهُم على مُؤَنِ التجهيزِ, بَلْ هيَ تُقَدَّمُ.
(قولُهُ: كالزكاةِ والجِنَايَةِ وَالرَّهْنِ) أَشَارَ بالكافِ إلى أَنَّ أفرادَ الحقِّ المُتَعَلِّقِ بِعَيْنِ التركةِ ليستْ مُنْحَصِرَةً فيما ذَكَرَهُ، وقد نَظَمَهَا بَعْضُهُم في قولِهِ:
يُقَدَّمُ في الميراثِ نَذْرٌ ومَسْكَنٌ =زَكَاةٌ وَمَرْهُونُ مَبِيعٍ لِمُفْلِسِ
وَجَانٍ قِرَاضٌ ثم قَرْضٌ كِتَابَةً = وَرَدٌّ بِعَيْبٍ فَاحْفَظِ العِلْمَ تَرْأَسِ
فصورةُ النذرِ أنْ يقولَ: للهِ عليَّ أنْ أُضَحِّيَ بهذهِ أو أَتَصَدَّقَ بها أو نحوَ ذلكَ. فَيُقَدَّمُ إِخْرَاجُهَا للجهةِ المُعَيَّنَةِ، وهذا مَبْنِيٌّ على أَنَّهُ لَا يَزُولُ مُلْكُهُ عَنْهَا حَتَّى تُذْبَحَ وَيُتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا حَتَّى تُعَدَّ مِن الحقوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِعَيْنِ التركةِ، والصحيحُ زوالُ مُلْكِهِ عنها بالنذرِ، وصورةُ المسكنِ سُكْنَى المُعْتَدَّةِ عن وفاةٍ، فَتُقَدَّمُ بها على غَيْرِهَا، وصورةُ الزكاةِ أَنْ تَتَعَلَّقَ الزكاةُ بالنِّصَابِ، ويكونُ النِّصَابُ بَاقِيًا فَتُقَدَّمُ الزكاةُ, لكنْ قالَ السُّبْكِيُّ: لا حاجةَ لِذِكْرِهَا؛ لأنَّهُ إذا كانَ النِّصَابُ بَاقِيًا فالأَصَحُّ أنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بالنصابِ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ فَلَا يَكُونُ قَدْرُ الزكاةِ تَرِكَةً, وَأَجَابَ عَنْهُ شَيْخُ الإسلامِ بِصِحَّةِ إطلاقِ التركةِ على المجموعِ الذي منهُ قَدْرُ الزكاةِ، ولو قُلْنَا بالأَصَحِّ مِن أنَّ تَعَلُّقَهَا تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ نَظَرًا لِجَوَازِ تَأْدِيَةِ الزكاةِ مِن مَحَلٍّ آخَرَ, وَأَمَّا إِذَا كَانَ النِّصَابُ تَالِفًا فَتَكُونُ الزكاةُ من الديونِ المُرْسَلَةِ في الذِّمَّةِ كما في شرحِ الترتيبِ, وصورةُ المَرْهُونِ أَنْ تَكُونَ التَّرِكَةُ مَرْهُونَةً بِدَيْنٍ على المَيِّتِ فَيُقْضَى منها دَيْنُهُ مُقَدَّمًا على مُؤَنِ التَّجْهِيزِ وَسَائِرِ الحقوقِ، وصورةُ المبيعِ لِلْمُفْلِسِ أنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا مَثَلًا بِثَمَنٍ في ذِمَّتِهِ وَيَمُوتُ المُشْتَرِي مُفْلِسًا وَيَجِدُ البَائِعُ مَبِيعَهُ فَلَهُ الفَسْخُ وَأَخْذُ المَبِيعِ فَيُقَدَّمُ بهِ، وَاسْتَشْكَلَهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّهُ إِذَا فَسَخَ خَرَجَ المَبِيعُ عَن التركةِ فَلَا اسْتِثْنَاءَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الفسخَ إِنَّمَا يَرْفَعُ العَقْدَ مِن حِينِهِ لا مِن أَصْلِهِ على الصحيحِ، وخُرُوجُهُ عن التركةِ من حينِ الفسخِ لا يَضُرُّ كَمَا لا يَضُرُّ خُرُوجُ العبدِ الجَانِي عَمَّا يَبِيعُهُ في الجِنَايَةِ، وصورةُ الجانِي أنْ يَقْتُلَ العبدُ نَفْسًا أو يَقْطَعَ طَرَفًا خَطَأً أو شِبْهَ عَمْدٍ أو عَمْدًا لا قِصَاصَ فيهِ كَقَتْلِهِ وَلَدَهُ أو فيهِ قصاصٌ, ولكنْ عُفِي على مالٍ أو أَتْلَفَ مالَ إنسانٍ ثم مَاتَ سَيِّدُ العبدِ، وَأَرْشُ الجِنَايةِ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهِ فَالمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُقَدَّمٌ في هذهِ الصورةِ بِأَقَلِّ الأَمْرَيْنِ مِن أَرْشِ الجِنَايَةِ وَقِيمَةِ العبدِ، وصورةُ القِرَاضِ أَنْ يُقَارِضَهُ على مائةِ رِيَالٍ لِيَتَّجِرَ فيها والرِّبْحُ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً مَثَلًا، فَبَعْدَ أنْ ظَهَرَ الرِّبْحُ وقبلَ قِسْمَتِهِ ماتَ ربُّ المالِ، فالعاملُ مُقَدَّمٌ بِحِصَّتِهِ من الربحِ، وصورةُ القرضِ أَنْ يُقْرِضَهُ دِينارًا ثم يَمُوتُ المُقْتَرِضُ عن عَيْنِ المالِ الذي اقْتَرَضَهُ فالمُقْتَرِضُ مُقَدَّمٌ بهِ، وصورةُ الكتابةِ أنْ يَقْبِضَ السيِّدُ نُجُومَ الكتابةِ مِن المُكَاتِبِ وَيَمُوتَ قبلَ الإيتاءِ الواجبِ عليهِ، فالمُكَاتِبُ مُقَدَّمٌ على غَيْرِهِ بِأَقَلِّ مُتَمَوَّلٍ؛ لِأَنَّهُ الواجبُ في الإيتاءِ، وصورةُ الردِّ بالعيبِ أنْ يَرُدَّ المُشْتَرِي المَبِيعَ بِعَيْبٍ بعدَ موتِ البائعِ، وكانَ الثَّمَنُ بَاقِيًا، فَيُقَدَّمُ بهِ المُشْتَرِي وَلَو اجْتَمَعَ بعضُ هذهِ الحقوقِ مع بعضٍ قُدِّمَ منها كما في شرحِ الجعبريِّ: الزكاةُ، ثم حَقُّ الجِنَايَةِ، ثم حَقُّ الرهنِ، ثم حَقُّ بَيْعِ المُفْلِسِ، ثم حَقُّ القِرَاضِ. وانْظُر البَوَاقِيَ.
(قولُهُ: فَيُقَدَّمُ عَلَى مُؤَنِ التَّجْهِيزِ) أي: فَيُقَدَّمُ الحَقُّ المُتَعَلِّقُ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ عَلَى مُؤَنِ التَّجْهِيزِ خِلَافًا للحَنَابِلَةِ كما في اللؤلؤةِ.
(قولُهُ: والثاني مُؤَنُ التَّجْهِيزِ) إِنَّمَا قُدِّمَتْ على الديونِ المُرْسَلَةِ؛ لِأَنَّ الحَيَّ إذا حُجِرَ عليهِ بالفلسِ يُقَدَّمُ بما يَحْتَاجُ إليهِ على ديونِ الغرماءِ، فكذا المَيِّتُ بل أَوْلَى؛ لِأَنَّ الحَيَّ يَسْعَى على نَفْسِهِ، والمَيِّتَ قد انْقَطَعَ عن سَعْيِهِ؛ ولأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ في المُحْرِمِ الذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: ((كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ)).
وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَمْ لَا, وَتَرْكُ الاسْتِفْصَالِ في وقائعِ الأحوالِ، إذا كانتْ قَوْلِيَّةً يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ العمومِ في المقالِ، وإذا ثَبَتَ ذلكَ في الكفنِ فَسَائِرُ مُؤَنِ التجهيزِ في معناهُ. أَفَادَهُ في اللؤلؤةِ نَقْلًا عن شيخِ الإسلامِ.
(قولُهُ: بالمعروفِ) أيْ: حَالَةَ كَوْنِهَا مُتَلَبِّسَةً بالمعروفِ، بِحَيْثُ تَكُونُ مِن غيرِ إِسْرَافٍ ولا تَقْتِيرٍ ولا نَظَرَ إلى ما كانَ عليهِ في الحياةِ مِن إِسْرَافِهِ وَتَقْتِيرِهِ. انْتَهَى لؤلؤة.
(قولُهُ: فَإِذَا كَانَ المَيِّتُ فَاقِدًا إلخ) لَا حَاجَةَ لَهُ فِي المَقَامِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّفْصِيلِ الذي يُذْكَرُ في كُتُبِ الفِقْهِ.
(قولُهُ: فَتَجْهِيزُهُ على مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ في حالِ الحياةِ) أي: وَلَوْ بالقُوَّةِ فَيَشْمَلُ ما لوْ كانَ المَيِّتُ ابْنًا بَالِغًا صَحِيحًا لِعَجْزِهِ بالموتِ، وما لوْ كانَ المَيِّتُ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّ الكِتَابَةَ تَنْفَسِخُ بالموتِ، وأَمَّا المبعضُ فَمُؤَنُ تَجْهِيزِهِ على قَرِيبِهِ وعَلَى سَيِّدِهِ بِحَسَبِ مَا فِيهِ من الرِّقِّ وَالحُرِّيَّةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ مَاتَ فِي نَوْبَتِهِ وَلَوْ مَاتَ مِن تَجِبُ نَفَقَتُهُ على غَيْرِهِ وَقَبْلَ أَنْ تُخْرَجَ مُؤَنُ تَجْهِيزِهِ مَاتَ صَاحِبُ المَالِ وَضَاقَتْ تَرِكَتُهُ فَهَلْ يُقَدَّمُ الأَوَّلُ لِتَقَدُّمِ حَقِّهِ أو الثاني لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَجْهِيزِ غَيْرِهِ؟ خِلَافٌ, والمُعْتَمَدُ الثاني.
(قولُه: فإن تعذَّرَ ففي بيتِ المالِ) ولا يُزادُ في كفَنِ مَن جُهِّزَ من بيتِ المالِ على ثوبٍ واحدٍ, وكذا مَن كُفِّنَ مِن وَقْفٍ على الأكفانِ فلا تَجوزُ الزيادةُ عليه في هاتين الصورتين, وأما مَن كُفِّنَ من مالِ مَن تَجبُ عليه نفقتُه, أو مِن مالِ أغنياءِ المسلمين فتَجوزُ الزيادةُ فيها على الثوبِ الواجبِ كما في اللؤلؤةِ نقلاً عن شيخِ الإسلامِ.
(قولُه: فإن تَعذَّرَ فعلى أغنياءِ المسلمين) أي: فرْضُ كِفايةٍ كنفقتِه في مِثلِ هذا الحالِ, والمرادُ بأغنياءِ المسلمين مَن عندَه كفايةُ سنةٍ وزيادةُ مُؤَنِ التجهيزِ.
(قولُه: وهذا إلخ) تقييدٌ لأصلِ الكلامِ أَعْنِي تَعلُّقَ مُؤَنِ التجهيزِ بالترِكةِ, فاسمُ الإشارةِ عائدٌ لكونِ مُؤَنِ التجهيرِ تَخرُجُ من التَّرِكَةِ وقولُه: في غيرِ الزوجةِ أي: غيرِ الزوجةِ التي تَجِبُ نفقتُها أخْذًا مما بعدُ فيَصدُقُ بالزوجةِ التي لا تَجِبُ نفقتُها لنشوزٍ أو صِغَرٍ أو لعدَمِ تسليمِها له ليلاً ونهارًا, و هي أَمَةٌ وقولُه: وأما الزوجةُ التي تَجِبُ نفقتُها إلخ مِثلَ الزوجةِ خادمتُها غيرُ الْمُكتراةِ؛إذ ليس لها إلا الأُجرَةُ وشَمِلَت الزوجةَ الرجعيَّةَ ومِثلَها المطلَّقةُ بائنًا وهي حاملٌ وقولُه: فمُؤَنُ تجهيزِها على الزوجِ المُوسِرِ أي: لا مِن تَرِكَتِها وخرَجَ بالزوجِ ابنُه فلا يَلزَمُه تجهيزُ زوجةِ أبيه, وإن لزِمَه نفقتُها في الحياةِ, وخرَجَ بالموسِرِ المُعْسِرُ فلا يَلزَمُه مُؤَنُ تجهيزِها فتَخرُجُ من أصْلِ تَرِكَتِها, لامن حِصَّتِه فقط, وضابِطُ المعسِرِ مَن لا يَلزَمُه إلانفقةُ المُعْسِرين, ويُحتَمَلُ أن يُقالَ: مَن ليس عندَه فاضِلٌ عما يَترُكُ للمُفلِسِ وضابطُ الموسِرِ على العكْسِ فيهما ولو صارَ موسرًا بما أبْحَرَ إليه من الإرثِ لزِمَه مُؤَنُ تجهيزِها, وهذا مذهَبُ الشافعيَّةِ وكذا الحنفيَّةُ, وأما عندَ غيرِهما فمُؤَنُ تجهيزِها من تَرِكَتِها, ولو كان الزوجُ غنيًّا, ووجْهُ الأوَّلِ أن عَلاقةَ الزوجةِ باقيةٌ؛لأنه يَرِثُها ويُغَسِّلُها ونحوَ ذلك ووَجْهُ الثاني أن التجهيزَ من توابعِ النفقةِ والنفقةُ وجَبَتْ للاستمتاعِ وهو قد انقطعَ بالموتِ.
(قولُه: والثالثُ الديونُ الْمُرْسَلَةُ في الذمَّةِ) أي: الْمُطْلَقَةُ عن تعلُّقِها بعين التَّرِكَةِ وإنما قُدِّمَتْ على الوصيَّةِ؛لأنها حقٌّ واجبٌ على الميِّتِ فقضاؤُه واجبٌ والوصيَّةُ تبَرُّعٌ, فلذلك أُخِّرَتْ فإن قيلَ قد قُدِّمَت الوصيَّةُ على الدَّيْنِ في قولِه تعالى:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْدَيْنٍ} أُجِيبَ بأنها قُدِّمَتْ في الآيةِ للاهتمامِ بشأنِها؛لأن شأنَها أن تَشِحَّ بها الأنفسُ؛ لكونِها مأخوذةً لا في نظيرِ شيءٍ, وبَيَّنَت السُّنَّةُ تقديمَ الدَّيْنِ عليها, ويَجِبُ تقديمُ دَيْنِ اللهِ تعالى على دَيْنِ الآدميِّ إذا مات قَبْلَ أدائِهما, وضاقَت التَّرِكَةُ عنهما لقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ:((دَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بالقضاءِ)). أما قبلَ الموتِ فإن كان محجورًا عليه قُدِّمَ دَيْنُ الآدميِّ جزْمًا, وإلا قُدِّمَ حقُّ اللهِ جزْمًا, ومَحَلُّ هذا التفصيلِ إن لم تَتعلَّق الزكاةُ بالعينِ, وإلا قُدِّمَتْ سواءٌ كان محجورًا عليه أم لا, ولو اجتمَعَ عليه ديونٌ للهِ تعالى فالأوجَهُ كما قالَه السُّبْكِيُّ إنه إن كان النِّصابُ موجودًا قُدِّمَت الزكاةُ, وإلا فالتسويةُ, ومن حقِّ اللهِ إسقاطُ الصلاةِ إذا أَوْصَى به, وهو لكلِّ صلاةٍ نصفُ صاعٍ, ولو الوِترَ عندَ الحنفيَّةِ كما في شرْحِ السراجيَّةِ للسيَّدِ الْجُرْجانيِّ, وإذا كثُرَت الصلاةُ كَفَّت الْحِيلةُ و هي كما ذكَرَه النبتيتيُّ هنا أن يُخْرِجَ الكفارةَ عن صلاةٍ للمسكينِ, ثم يَهَبُها المسكينُ للمتصدِّقِ, ثم يُخرِجُها له عن صلاةٍ أُخرى, وهكذا حتى يَبْرَأ مَن عليه الصلاةُ, وقد نُقِلَ عن الْمُزنيِّ ذلك فيَنبغي أن تُفْعَلَ احتياطاً انتهى ملخَّصًا من اللؤلؤةِ وحاشيةِ الشيخِ الأميرِ.
(قولُه: والرابعُ الوصفيَّةُ إلخ) إنما قُدِّمَتْ على الإرثِ تقديمًا لمصلحةِ الميِّتِ كما في الحياةِ, ولقولِه تعالى : {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا} وقولُه: بالثلُثِ إلخ كان الأَوْلَى حذْفَ ذلك من هنا؛لأن التفصيلَ بينَ الإمضاءِ والردِّ لأغراضٍ لا تَخُصُّنا إذ الغرَضُ هنا ذكْرُ الترتيبِ وقولُه: لأجنبيٍّ أي: مَن ليس بوارثٍ وإنْ كان قريبًا مِمَّن لا يرِثُ, وقولُه: فإن كانت بأكثرَ من الثلُثِ أو كانت لوارثٍ وقولُه: ففيها تفصيلٌ إلخ وهو أنه إن كان للميِّتِ وارثٌ خاصٌّ فوصيَّتُه بأكثرَ من الثلُثِ منعقدةٌ, لكن تَتوقَّفُ على إجازةِ الورثةِ بالنِّسبةِ للزائدِ, وإن لم يكنْله وارثٌ خاصٌّ فوصيَّتُه صحيحةٌ في قدْرِ الثلُثِ باطلةٌ فيما زادَ عليه؛لأن الحقَّ للمسلمين ولا مُجيزَ ولا تَتخرَّجُ على قولي تفريقِ الصفقةِ فهو مستَثْنًى من القاعدةِ المعروفةِ, وإذا أَوْصى للوارثِ توقَّفَت الوصيَّةُ على إجازةِ باقي الورثةِ ولو كانت بأقلِّ متموِّلٍ.
(قولُه: والخامسُ الإرثُ) المرادُ به تسلُّطُ الوارثِ على التَّرِكَةِ بالتصرُّفِ ليَصِحَّ تَأخُّرُه عما قبلَه, وإلا فالأصحُّ أن الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ انتقالَ التَّرِكَةِ إلى مِلْكِ الوارثِ . انتهى لؤلؤة.
(قولُه: وهو) أي: الإرثُ لا بمعنى التسلُّطِ المذكورِ بل بمعنى الاستحقاقِ, وقولُه: المقصودُ بالذاتِ أي: المقصودُ لذاتِه وأما غيرُه فهو مقصودٌ لغيرِه.
(قولُه: وله أركانٌ) أي : للإرثِ بمعنى الاستحقاقِ أركانٌ لا يَتحقَّقُ إلا بها, فمَن ماتَ ولاوارثَ له أو له وارثٌ ولا مالَ له فلا إرثَ منه, وقولُه: و هي ثلاثةٌ؛ مورِّثٌ إلخ فإذا ماتَ زيدٌ عن ابنِه, وخلَّفَ شيئًا,فزيدٌ مورِّثٌ, وابنه وارِثٌ, والشيءُ الذي خلَّفَه حقٌّ موروثٌ, ولو لم يَصِحَّ بيعُه كالاختصاصِ, ومنه كلْبُ الصيدِ مَثلاً, ولو لم يكنْ مالاً ولا اختصاصًا كالقَصاصِ وحَدِّ القذْفِ.
(قولُه: وله شروطٌ) أي: للإرثِ شروطٌ وهي ثلاثةٌ : تَحقُّقُ موتِ المورِّثِ, أو إلحاقُه بالموتى حكمًا, كما في المفقودِ إذا حَكَمَ القاضي بموتِه, أو تقديرًا كما في الْجَنينِ الذي انفَصَلَ بِجِنايةٍ على أمِّه تُوجِبُ غُرَّةً, وتَحَقُّقُ حياةِ الوارثِ بعدَ موتِ المورِّثِ أو إلحاقُه بالأحياءِ تقديرًا كحَمْلٍ انفَصَلَ حيًّا حياةً مستقرَّةً لوقتٍ يَظهَرُ منه وجودُه عندَ الموتِ ولو نُطفةً, والعلْمُ بالجهةِ الْمُقتضيَةِ للإرثِ وهذا مُختَصٌّ بالقاضي, ومِثلُه المفتِي, وقولُه: يُعلَمُ أكثرُها من ميراثِ إلخ المرادُ بالأكثرِ الشرطان الأوَّلان وخرَجَ بالأكثرِ الشرطُ الثالثُ فإنه لا يُعلَمُ مما ذُكِرَ وقولُه: وسيأتي أي: الأكثرُ.
(قولُه: وله أسبابٌ وموانعُ) أي: للإرثِ أسبابٌ ثلاثةٌ وموانعُ ثلاثةٌ على ما ذكَرَه المصنِّفُ فيهما, وقولُه: ذكَرَهما أي: الأسبابَ والموانعَ وقولُه: بقولِه أي: في قولِه وظرفيَّةُ الذكْرِ في هذا القولِ المخصوصِ من ظرفيَّةِ العامِّ في الخاصِّ.