المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : باب الأكدرية


عبد العزيز الداخل
11-09-2008, 04:11 PM
باب الأَكْدَرِيَّةِ

والأُخْتُ لا فَرْضَ مَعَ الْجَدِّ لَها = فِيما عَدا مَسْألَةً كَمَّلَهَا
زوْجٌ وأُمٌّ وهُمَا تَمَامُها = فاعْلَمْ فَخَيْرُ أُمَّةٍ عَلَّامُها
تُعْرَفُ يا صاحِ بالاكْدَرِيَّهْ = وهْيَ بِأنْ تَعْرِفَها حَرِيَّهْ
فيُفْرَضُ النِّصْفُ لَها والسُّدْسُ لَهْ = حتَّى تَعُولَ بِالفُرُوضِ الْمُجْمَلَهْ
ثُمَّ يَعُودَانِ إِلى الْمُقَاسَمَهْ = كَما مَضَى فاحْفَظْهُ واشْكُرْ ناظِمَهْ

محمد أبو زيد
12-01-2008, 01:40 PM
ولمَّا كانَ من الأحكامِ السابقةِ في الجدِّ أنَّهُ حيثُ بَقِيَ بعدَ الفروضِ قَدْرُ السدسِ أَخَذَهُ الجدُّ، وسقطت الإخوةُ إلاَّ الأختَ في الأكْدَرِيَّةِ، ومنها أنَّهُ لا يُفْرَضُ للأختِ معَ الجدِّ في غيرِ مسائلِ المُعَادَّةِ على نزاعٍ فيهما إلاَّ الأختَ في الأكْدَرِيَّةِ، وكانَ منْ أحكامِ العاصبِ أنَّهُ إذا اسْتَغْرَقَت الفروضُ التركةَ سقطَ العاصبُ إلاَّ الأختَ في الأَكْدَرِيَّةِ، أَعْقَبَ بابَ الجدِّ والإخوةِ ببَيَانِهَا لكوْنِهِ منها بقولِهِ:
(بابُ الأَكْدَرِيَّةِ)
والأختُ لا فَرْضَ معَ الجدِّ لهَا = فيها عَدَا مسألةٍ كَمَّلَهَا
(بابُ الأكْدَرِيَّةِ والأخْتُ) شقيقةً كانتْ أوْ لأبٍ (لا فَرْضَ معَ الجدِّ لها) في غيرِ مسائلِ المُعَادَّةِ (فيما عَدَا مسألةٍ كَمَّلَهَا).
زَوْجٌ وأمٌّ وهُمَا تَمَامُهَا = فَاعْلَمْ فخيرُ أُمَّةٍ عَلاَّمُهَا
(زَوْجٌ وأُمٌّ وهُما)؛ أي: الزوجُ والأُمُّ، (تَمَامُها) معَ الجدِّ والأُخْتِ، أوْ هُمَا؛ أي: الجدُّ والأختُ تَمَامُها معَ الزوجِ والأُمِّ. فأَرْكَانُها أَرْبَعَةٌ: زوجٌ، وأُمٌّ، وجدٌّ، وأختٌ شقيقةٌ أوْ لأبٍ. (فاعْلَمْ فخيرُ أُمَّةٍ علاَّمُها)؛ أيْ: عَالِمُها. وأتى بصيغةِ المبالغةِ لمزيدِ الاهتمامِ بالعلمِ. وفضلُ العالمِ مشهورٌ، وتَقَدَّمَ شيءٌ مِمَّا يَدُلُّ على فضلِ العلمِ والعلماءِ في (شرحِ المُقَدِّمَةِ).
ومِمَّا وردَ في فضلِ العلماءِ قولُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ، لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ)). رَوَاهُ الترمذيُّ وقالَ: حسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ. والطبرانيُّ عنْ أبي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ.
تُعْرَفُ يا صَاحِ بالأَكْدَرِيَّهْ = وَهِيَ بأنْ تَعْرِفَهَا حَرِيَّهْ
(تُعْرَفُ) هذهِ المسألةُ (يا صَاحِ) بالترخيمِ بالكسرِ على لُغَةِ مَنْ يَنْتَظِرُ، وبالضمِّ على لُغَةِ مَنْ لا ينتظرُ؛ أيْ: يا صَاحِبُ، (بالأَكْدَرِيَّةِ)؛ لأوجُهٍ كثيرةٍ ذَكَرْتُها في (شرحِ الترتيبِ)، منها: كَوْنُها كَدَّرَتْ على زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ مَذْهَبَهُ، (وهِيَ)؛ أي: الأكدَرِيَّةُ، (بأنْ تَعْرِفَهَا حَرِيَّةٌ)؛ أيْ: حقيقةٌ بذلكَ. فللزَّوْجِ النصفُ وللأُمِّ الثلثُ، فأَصْلُها منْ سِتَّةٍ: للزوجِ ثلاثةٌ، وللأمِّ اثنانِ، ويبقى واحدٌ وهوَ قَدْرُ السدسِ فَيَأْخُذُهُ الجدُّ. فكانَ مُقْتَضَى ما سبقَ أنْ تَسْقُطَ الأختُ، وهوَ مذهبُ الحَنَفِيَّةِ. وأمَّا مَذْهَبُنا -كالمالكيَّةِ والحَنابِلَةِ تَبَعاً لزيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ- فهوَ ما ذَكَرَهُ بقولِهِ:
فَيُفْرَضُ النصفُ لها والسُّدْسُ لهُ = حتَّى تَعُولَ بالفروضِ المُجْمَلَهْ
(فَيُفْرَضُ النصفُ لَهَا)؛ أي: الأختِ، وهوَ ثلاثةٌ منْ سِتَّةٍ، (والسُّدْسُ لَهُ)؛ أي: الجدِّ، وهوَ واحدٌ من السِّتَّةِ، (حتَّى تَعُولَ) المسألةُ (بالفروضِ المُجْمَلَةِ)؛ أي: المُجْتَمِعَةِ إلى تسعةٍ: للزوجِ ثلاثةٌ، وللأمِّ اثنانِ، وللجدِّ واحدٌ، وللأختِ ثلاثةٌ. لكنْ لَمَّا كانت الأختُ لو اسْتَقَلَّتْ بما فُرِضَ لها لَزَادَتْ على الجدِّ رَدَّتْ بعضَ الفرضِ إلى التعصيبِ بالجدِّ، فَيَضُمُّ حِصَّتَهُ لحِصَّتِهَا، ويقتسمانِ الأربعةَ بينَهما أثلاثاً، للذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ؛ فلهذا قالَ:
ثُمَّ يَعُودَانِ إلى المُقَاسَمَهْ = كما مَضَى فَاحْفَظْهُ واشْكُرْ نَاظِمَهْ
(ثمَّ يَعُودَانِ)؛ أي: الجدُّ والأختُ، (إلى المقاسمَةِ) بينَهما للذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنْثيَيْنِ (كما مَضَى) في قولِهِ:
وَهْوَ معَ الإناثِ عندَ القَسْمِ = مثلُ أخٍ في سَهْمِهِ والحُكْمِ
(فاحْفَظْهُ)؛ أيْ: ما ذَكَرْتُهُ لكَ؛ فَكُلُّ حافظٍ إمامٌ (وَاشْكُرْ نَاظِمَهُ) بالدُّعَاءِ لهُ، أوْ بِذِكْرِهِ بالجميلِ، أوْ بغيرِ ذلكَ؛ لأنَّهُ قدْ صَنَعَ لكَ معروفاً بنَظْمِهِ لكَ الأحكامَ وبَيَانِهَا، رَحِمَهُ اللَّهُ رحمةً واسعةً.
وقدْ رَوَى الترمذيُّ وغَيْرُهُ عنْ أُسَامَةَ بنِ زيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ((مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ)). قالَ الترمذيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ. وروى البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَلْيُكَافِئْهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَذْكُرْهُ، فَمَنْ ذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ)).
فائدةٌ: قدْ قُلْنَا: إنَّهُ يَضُمُّ حِصَّتَهُ لحِصَّتِهَا، ويَقْسِمَانِ ذلكَ أَثْلاثاً، فمجموعُ حِصَّتَيْهِمَا أربعةٌ، وإذا قَسَمْتَهَا على ثلاثةٍ على عددِ رُؤُوسِهِمَا كانتْ غيرَ مُنْقَسِمَةٍ ولا مُوَافِقَةٍ، فَاضْرِبْ ثلاثةً في تسعةٍ فَتُصْبِحَ منْ سبعةٍ وعشرينَ: للزوجِ ثلاثةٌ في ثلاثةٍ بتسعةٍ هيَ ثلثُ المالِ، وللأمِّ اثنانِ في ثلاثةٍ بسِتَّةٍ هيَ الباقي، وللجدِّ والأختِ أربعةٌ في ثلاثةٍ باثنيْ عشرَ، أربعةٌ هيَ ثلثُ باقي الباقي، وللجدِّ ثمانيَةٌ هيَ الباقي؛ فلهذا يُلْغَزُ بها ويُقَالُ: خَلَّفَ أربعةً من الورثةِ، فَوَرِثَ أحَدُهم ثلثَ المالِ، والثاني ثلثَ الباقي، والثالثُ ثلثَ باقي الباقي، والرابعُ الباقيَ. وقدْ ذَكَرْتُ في (شرحِ الترتيبِ) شيئاً من المُعَايَاةِ بها، ومُحْتَرَزَ أرْكَانِهَا، والأقوالَ فيها، وغيرَ ذلكَ، فَرَاجِعْهُ فيهِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.

محمد أبو زيد
12-01-2008, 01:43 PM
(قولُه: ولمَّا كانَ من الأحكامِ إلخ)، هذا دخولٌ على كلامِ المصنِّفِ. وقولُه: إلَّا الأختُ في الْأَكْدريَّةِ، أيْ: فيُفْرَضُ لها ابتداءً كما سيأتي.
(قولُه: ومنها)، أيْ: من الأحكامِ السابقةِ في الْجَدِّ.
(قولُه: على نِزاعٍ فيها)، فقدْ قيلَ: إنَّها تَرِثُ فيها بالفرْضِ، وقيلَ: بالتعصيبِ، وقدْ تَقَدَّمَ أنَّ الحقَّ أنَّ فيهِ الشائِبَتَيْنِ.
(قولُه: وكانَ منْ أحكامِ العاصِبِ)، عطْفٌ على: كانَ من الأحكامِ السابقةِ. وقولُه: إلَّا الأخْتُ في الْأَكْدريَّةِ، يَقتضِي أنَّ مِيراثَ الأختِ في الْأَكْدريَّةِ بالتعصيبِ، وما قَبْلَهُ يَقتَضِي أنَّهُ بالفَرْضِ. وقدْ يُقالُ: هوَ بالفرْضِ بالنظَرِ لأَوَّلِ الأمْرِ، وبالتعصيبِ بالنظَرِ لإِتْمامِه. أفادَهُ الزيَّاتُ.
(قولُه: أعْقَبَ بابَ الْجَدِّ والإخوةِ بِبَيَانِها)، أيْ: ذَكَرَ بيانَها في عَقِبِه، أيْ: آخِرِه؛ لقولِه: لكونِها منهُ، كما نَبَّهَ عليهِ العَلَّامَةُ الأميرُ.
(قولُه: بقولِه)، متعلِّقٌ بالبيانِ.
(قولُه: والأختُ)، مبتدأٌ خبرُه قولُه: لا فَرْضَ معَ الْجَدِّ لها، أيْ: لا فَرْضَ لها حالَ كونِها معَ الْجَدِّ.
(قولُه: في غيرِ مسائلِ الْمُعَادَّةِ)، أيْ: على نِزاعٍ فيها كما أَسْلَفَه، قالَه العلَّامَةُ الأميرُ. وبهذا تَعْلَمُ أنَّ هذا لا يُعَكِّرُ على قَوْلِ الشارحِ فيما تَقَدَّمَ: بلْ هوَ بالفرْضِ أوْ بالتعصيبِ؛ خلافًا لما تَوَهَّمَه بعضُ الأفاضِلِ.
(قولُه: فيما عدا مسألةً)، أيْ: وهيَ الْأَكْدريَّةُ كما سيَذكُرُه المصنِّفُ. وقولُه: كمَّلَها، أيْ: كمَّلَ أرْكانَها. وقولُه: وهما تَمَامُها، أيْ: تمامُ أركانِها؛ فالضميرُ في كَمَّلَها وتَمامِها للمسألةِ، لكنْ على تقديرِ مضافٍ.
(قولُه: أي الزوجُ والأمُّ)، وعلى هذا يكونُ الضميرُ في قولِه: وهما الزَّوْجُ والأمُّ، وهوَ الأَوْلَى؛ لأنَّهُ يَعودُ لأقرَبِ مذكورٍ، لكن فيهِ تَكرارٌ معَ قولِه: كَمَّلَها زوجٌ وأمٌّ؛ إذ يُعْلَمُ منهُ أنَّهُما تَمامُها، ويُدْفَعُ التَّكرارُ الْمُضِرُّ بأنَّهُ زيادةُ توضيحٍ. وقولُه: أيْ وهما، أي الجَدُّ والأختُ، على هذا يكونُ الضميرُ في قولِه وهما للجَدِّ والأختِ، لكنْ يَلْزَمُ عليهِ التناقُضُ في كلامِه؛ إذْ قولُه: كَمَّلَها زوجٌ وأمٌّ، يَقتضِي أنَّ الزوجَ والأمَّ تَمامُها. وقولُه: وهما تَمامُها، يَقتضِي أنَّ الجَدَّ والأختَ تمامُها، ويُدْفَعُ بأنَّ هذا أمْرٌ اعتباريٌّ، فكلٌّ منهما تمامُها معَ الآخَرِ. أفادَه العلَّامَةُ الأميرُ بتوضيحٍ.
(قولُه: فأركانُها أربعةٌ)، تفريعٌ على ما تَقَدَّمَ.
(قولُه: فاعْلَمْ )، أيْ: حَصِّل العِلْمَ بالْأَكْدريَّةِ وبغيرِها؛ أخْذًا منْ حذْفِ المعمولِ؛ لأنَّهُ يُؤذنُ بالعمومِ.
(قولُه: فخيرُ أُمَّةٍ)، أيْ: فأكَمْلُ جماعةٍ، فخيرُ بمعنى أكْمَلُ، وأمَّةٌ بمعنى جماعةٍ. وقولُه: عَلَّامُها، أيْ: عَلَّامُ تلكَ الأمَّةِ، وعَلَّامُ صيغةُ مبالَغةٍ، وتُزَادُ فيهِ التاءُ كثيرًا لتأكيدِ المبالَغةِ، وقدْ جاءَ في القرآنِ بدونِها، قالَ تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}. وعليهِ كلامُ الناظِمِ كما في حاشيةِ الأستاذِ الحفنيِّ.
(قولُه: أيْ عَالِمُها)، أوَّلَهُ الشارحُ بما ليسَ فيهِ مبالَغةٌ؛ للإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ حُصولُ فضْلِ العلْمِ على كَثْرَتِهِ، بلْ يَحْصُلُ لمَنْ كانَ عندَهُ أصْلُ العِلْمِ ولوْ على غيرِ وجْهِ المبالَغةِ، لكنْ يَتفاوَتُ الفضْلُ بذلكَ، أفادَه الزيَّاتُ.
(قولُه: وأَتَى بصيغةِ المبالَغَةِ)، أيْ: بِحَسْبِ الظاهِرِ، وإنْ كانَ المرادُ منها ما ليسَ فيهِ مبالَغَةٌ أخْذًا ممَّا قَبْلَه. وقولُه: لِمَزِيدِ الاهتمامِ، أيْ: لطَلَبِ الاهتمامِ الزائدِ، فهوَ على تقديرِ مُضافٍ، والْمَزِيدُ بمعنى الزائدِ، وإضافتُه للاهتمامِ منْ إضافةِ الصفةِ للموصوفِ كما في الزيَّاتِ.
(قولُه: وتَقَدَّمَ شيءٌ ممَّا يَدُلُّ)، أيْ: من الآياتِ والأحاديثِ التي تَدُلُّ. وقولُه: في شرْحِ المقدِّمةِ، أي: الْخُطْبَةِ.
(قولُه: وممَّا وَرَدَ إلخ)، خبَرٌ مقَدَّمٌ، وقولُ النبيِّ مبتدأٌ مؤَخَّرٌ، وكلُّ ما وَرَدَ في فضْلِ العلماءِ فمحمولٌ على العلماءِ العاملينَ. قالَ الغزالِيُّ: العالِمُ الذي لمْ يَعْمَلْ بعِلْمِه هوَ والجاهلُ سواءٌ. بلْ كلامُ صاحبِ الزبَدِ حيثُ قالَ :
وعالِمٌ بعلْمِه لمْ يَعْمَلَنْ = معذَّبٌ منْ قَبْلِ عُبَّادِ الْوَثَنْ
يُفيدُ أنَّهُ أسوأُ حالًا حتَّى منْ عابِدِ الوَثَنِ. ووجَّهَهُ الشهابُ الرمليُّ في شرْحِه عليهِ بأنَّ العالِمَ ارتَكَبَ المعصيةَ وهوَ عالِمٌ بتحريمِها، وعابِدَ الوثَنِ غيرُ عالِمٍ بتحريمِ عِبادتِه. وحَمَلَه بعضُهم على عُلماءِ أهْلِ الكتابِ الذينَ غَيَّرُوا وبَدَّلُوا وكَتَموا الحقَّ. وقيلَ: إن تعذيبَهُ قَبْلَ عُبَّادِ الْوَثَنِ ليسَ لكونِه أسوأَ حالًا منهمْ بلْ للإسراعِ بتطهيرِه كما في حواشي البُرْدَةِ.
(قولُه: فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ إلخ)، المرادُ بالعالِمِ مَنْ غَلَبَ اشتغالُهُ بالعلْمِ لكن معَ العمَلِ، وبالعابدِ مَنْ غَلَبَ اشتغالُهُ بالعبادةِ لكنْ معَ العلْمِ الذي تَتوقَّفُ عليهِ العِبادةُ، وإلَّا فالعالِمُ منْ غيرِ عِبادةٍ أصْلًا لا فَضْلَ لهُ، والعابدُ معَ جَهْلٍ لا اعتبارَ بهِ؛ لأنَّ العِبادةَ معَ الجهْلِ ليستْ عبادةً معْتَدًّا بها شرْعًا، وألْ في العالِمِ والعابدِ جنسيَّةٌ أو استغراقيَّةٌ، أيْ: فضْلُ هذهِ الحقيقةِ على هذهِ الحقيقةِ، أوْ فضْلُ كلِّ عالِمٍ على كلِّ عابِدٍ. وقولُه: كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، أي: الصحابةِ أوْ جميعِ الأمَّةِ، وهوَ مدْحٌ للعالِمِ. وعلى كلٍّ فهوَ تقريبٌ على وجْهِ المبالَغَةِ لأجْلِ الحَثِّ على العلْمِ، وإلَّا فالفرْقُ كبيرٌ كما لا يَخفَى على كلِّ ذي بصيرةٍ، فسَقَطَ ما تَمَشْدَقَ بهِ بعضُهم هنا.
(قولُه: إِنَّ اللَّهَ إلخ)، جملةٌ مستأَنْفَهٌ أتى بها لبيانِ فضْلِ العالِمِ. وقولُه: لَيُصَلُّونَ، فيهِ تغليبُ العاقِلِ على غيرِه؛ حيثُ أتى بضميرِ العُقَلاءِ وهوَ الواوُ، والمرادُ من الصلاةِ القدْرُ المشترَكُ وهوَ العطْفُ، ويُفَسَّرُ بالنسبةِ للَّهِ بالرحمةِ، وبالنسبةِ للملائكةِ بالاستغفارِ، وبالنسبةِ لغيرِهم بالدعاءِ كما اختارَه ابنُ هشامٍ في الْمُغْنِي. وهوَ أَوْلَى ممَّا قالَه الجمهورُ منْ أنَّها من اللَّهِ الرحمةُ، ومن الملائكةِ الاستغفارُ، ومنْ غيرِهم الدعاءُ كما اشتُهِرَ؛ لأنَّهُ يَلْزَمُ عليهِ استعمالُ المشترَكِ في معانيهِ في الحديثِ، وفيهِ خِلافٌ. وقولُه: عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ، يُؤْخَذُ منهُ أنَّ ذلكَ لتعليمِه الناسَ الخيرَ، فلا بُدَّ منْ ذلكَ.
(قولُه: وقالَ حسَنٌ صحيحٌ)، أيْ: وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حسَنٌ منْ طريقٍ، صحيحٌ منْ طريقٍ آخَرَ؛ لأنَّهُ لا يكونُ حسَنًا صحيحًا منْ طريقٍ واحدٍ؛ فإنَّ رجالَ الحسَنِ أقَلُّ في التَّوَثُّقِ منْ رجالِ الصحيحِ كما هوَ معلومٌ في فنِّ المصطَلَحِ، لكنْ يُنَافِي هذا قولُه: غريبٌ، فالأحسَنُ الجوابُ بأنَّهُ حسَنٌ لذاتِه لكونِ رجالِه رجالَ الحسَنِ، صحيحٌ لغيرِه لكونِه تَقَوَّى بحديثٍ آخَرَ. وقولُه: غريبٌ، أيْ: مرْوِيٌّ منْ طريقٍ واحدٍ. قالَ صاحِبُ البيقونيَّةِ:
* وقُلْ غريبٌ ما رَوَى راوٍ فقطْ *
وقولُه: والطبرانيُّ، أيْ: ورواهُ الطبرانيُّ.
(قولُه: تُعْرَفُ)، بالبناءِ للمجهولِ، ونائبُ الفاعِلِ ضميرٌ يَعودُ على المسألةِ السابقةِ. وقولُ الشارحِ: هذهِ المسألةُ، بدَلٌ من الضميرِ، أوْ على تقديرِ أي التفسيريَّةِ، وليسَ نائبَ فاعلٍ؛ لأنَّهُ لا يَجوزُ حذْفُ نائبِ الفاعلِ إلَّا في مسائلَ مخصوصةٍ.
(قولُه: يا صاحِ)، جَعَلَهُ الشارحُ منْ قَبيلِ الترخيمِ، وعليهِ فهوَ شَاذٌّ. قالَ العَلَّامَةُ الأميرُ: والأحسَنُ أنَّهُ صاحبٌ منْ غيرِ ترخيمٍ، بِجَعْلِ الباءِ في كلامِ المصنِّفِ ليستْ باءَ جرٍّ داخلةً على الْأَكْدريَّةِ، بلْ جزءٌ منْ صاحبٍ، والْأَكْدريَّةُ مفعولٌ لتُعْرَفُ منْ غيرِ باءِ جَرٍّ. اهـ. بتوضيحٍ.
(قولُه: بالترخيمِ)، أيْ: حذْفِ الآخِرِ للنداءِ، لكنَّهُ شاذٌّ هنا؛ لأنَّهُ ليسَ بعَلَمٍ ولا ذي تأنيثٍ. وقولُه: بالكسْرِ، أيْ: للحاءِ.
وقولُه: على لغةِ مَنْ يَنتظِرُ، أيْ: يُقَدَّرُ الحرفُ المحذوفُ وهوَ الباءُ هنا فيَبْقَى ما قَبْلَه على حالِه قبلَ الحذْفِ. وقولُه: وبالضَّمِّ، أيْ: للحاءِ. وقولُه: على لغةِ مَنْ لا يَنتظِرُ، أيْ: لا يُقَدَّرُ الحرْفُ المحذوفُ، ويُجْعَلُ الباقي كأنَّهُ اسمٌ تامٌّ موضوعٌ على تلكَ الصيغةِ.
وقولُه: أيْ يا صاحبُ، وقيل أصْلُه: يا صاحبِي، وفيهِ اللغاتُ الستُّ في: يا غُلامِي.
(قولُه: بالْأَكْدريَّةِ)، وتُعْرَفُ بالغرَّاءِ أيضًا؛ لظهورِها حتَّى صارتْ كالكوكبِ الأغَرِّ؛ إذْ ليسَ في مسائلِ الْجَدِّ مسألةٌ يُفْرَضُ فيها للأختِ في غيرِ مسائلِ الْمُعَادَّةِ على ما مَرَّ فيها سواها. وقيلَ: لأنَّ الْجَدَّ غارَ على نصيبِ الأخْتِ كما في اللؤلؤةِ.
(قولُه: لأوْجُهٍ كثيرةٍ)، علَّةٌ لكونِها تُعْرَفُ بالْأَكْدريَّةِ. وقولُه: منها إلخ، ومنها: كَوْنُ الجَدِّ كَدَّرَ على الأخْتِ ميراثَها حيثُ أَخَذَت النصْفَ، ثمَّ عادَ عليها ليُقاسِمَها. ومنها أنَّ عبدَ الملِكِ بنَ مَرْوانَ سألَ رجُلًا منْ أَكْدَرَ عنها، فأخْطَأَ فيها. ومنها أنَّ امرأةً منْ أَكْدَرَ ماتَتْ وخَلَّفَتْهُم. ومنها أنَّ الزوجَ اسْمُه أَكْدَرُ. ومنها غيرُ ذلكَ. وقولُه: كونُها كَدَّرَتْ على زيدٍ مذْهَبَه، أيْ: لأنَّ زيدًا لا يَفْرِضُ للأخواتِ معَ الْجَدِّ ولا يُعيلُ، بلْ يُسْقِطُ الإخوةَ معهُ إذا لمْ يَبْقَ لهمْ شيءٌ، وهنا أعالَ للأختِ ثمَّ جَمَعَ الفروضَ فقَسَمَها على جِهَةِ التعصيبِ، فخالَفَتْ هذهِ القواعدَ كما في شرْحِ الترتيبِ. قالَ بعضُهم: ومُقْتَضَى هذا الوجْهِ أنْ تُسَمَّى مُكَدَّرَةً لا أَكْدَرِيَّةً اهـ. فالأنْسَبُ والأَحسَنُ نِسبتُها لِأَكْدَرَ كما قالَهُ العَلَّامَةُ الأميرُ.
(قولُه: وهيَ)، مبتدأٌ خبرُه حرِيَّةٌ، وبهِ يَتعلَّقُ الجارُّ والمجرورُ قَبْلَه. وقولُه: أيْ هذهِ الْأَكْدريَّةُ، تفسيرٌ للضميرِ. وقولُه: أيْ: حقيقةٌ بذلكَ، تفسيرٌ لِحَرِيَّةٍ، بأنْ تُعَرِّفَها على التقديرِ والتأخيرِ.
(قولُه: فللزوجِ إلخ)، أيْ: إذا أَرَدْتَ بيانَها، فأقولُ لكَ: للزوجِ إلخ.
(قولُه: فأصْلُها ستَّةٌ)، أيْ: بضَرْبِ مَخْرَجِ النصفِ وهوَ اثنانِ في مَخْرَجِ الثلُثِ وهوَ ثلاثةٌ.
(قولُه: فكانَ مُقتَضَى ما سَبَقَ)، أيْ: منْ أنَّهُ لا شيءَ للإخوةِ حيثُ لمْ يَفْضُلْ إلَّا السدُسُ، انتهى زيَّاتٌ.
(قولُه: فيُفْرَضُ النصْفُ لها)، أي ابتداءً؛ أخْذًا منْ قولِه: ثمَّ يَعُودانِ إلى المقاسَمَةِ. وقولُه: حتَّى تَعولَ بالفروضِ، أيْ: بسببِها.
وقولُه: إلى تسعةٍ، مُتعلِّقٌ بتَعولُ.
(قولُه: لكنْ لمَّا كانتْ إلخ)، استدراكٌ على ما قَبْلَه؛ لأنَّهُ قدْ يُوهِمُ أنَّهُ لا تَعصيبَ. وقولُه: لو استَقَلَّتْ بما فُرِضَ لها لزَادَتْ إلخ، اعتُرِضَ بأنَّ هذا يَجري في مسائلِ الْمُعَادَّةِ معَ أنَّهُم لمْ يَرُدُّوها فيها إلى التعصيبِ. وأُجيبَ بأنَّ العُمْدَةَ في ذلكَ النقْلُ، فما يَسَعُنا إلَّا الوقوفُ على النصِّ.
(قولُه: لزادَتْ)، جوابُ لوْ. وقولُه: رُدَّتْ، جوابُ لمَّا. وقولُه: ويَقسِمانِ الأربعةَ بينَهما أثلاثًا، لكنَّها لا تَنقسِمُ أثلاثًا صحيحةً، فتُضْرَبُ ثلاثةٌ في المسألةِ بعَوْلِها، وهيَ تسعةٌ، تَبْلُغُ سبعةً وعشرينَ كما سيَذْكُرُه الشارحُ في الفائدةِ.
(قولُه: فلهذا)، أيْ: فلأجْلِ كونِها تُرَدُّ إلى التعصيبِ وتُقْسَمُ معَ الْجَدِّ.
(قولُه: ثمَّ يَعودانِ إلى المقاسَمَةِ)، استُشْكِلَ بأنَّهُ إنْ كانَ إعطاؤها النصْفَ ثابتًا بكتابٍ أوْ سُنَّةٍ فلا وَجْهَ للعَوْدِ إلى المقاسَمَةِ، وإنْ لمْ يكُنْ ثابتًا بذلكَ فلا وَجْهَ لفَرْضِ النصْفِ لها. وأُجيبَ بأنَّ فرْضَ النصْفِ ثَبَتَ لها بالكتابِ والسنَّةِ، لكنَّهُما أبْقَيَا شيئًا للاجتهادِ. وقد اجْتَهَدَ زيدٌ ومَنْ تَبِعَهُ فأَوْجَبُوا التعصيبَ، فأعطيناها النصْفَ ابتداءً عمَلًا بالكتابِ والسنَّةِ، أيْ بظاهِرهما، ثمَّ رَجَعَتْ إلى المقاسَمَةِ عَمَلًا بالاجتهادِ. نقَلَه في اللؤلؤةِ عنْ شَرْحِ الفصولِ الكبيرِ لشيخِ الإسلامِ.
(قولُه: كما مَضَى)، أيْ: مثلُ المقاسَمَةِ التي مَضَتْ منْ أنَّهُ يُقاسَمُ كأخٍ.
(قولُه: فاحْفَظْه)، أيْ: بقلبِكَ. وقولُه: فكلُّ حافظٍ إمامٌ، أيْ: لأنَّ كلَّ حافظٍ إِمامٌ، فهوَ تعليلٌ للأمْرِ بالحفْظِ.
(قولُه: واشْكُرْ ناظِمَه)، أيْ: ناظِمَ ما ذُكِرَ، وما أحْسَنَ قولَ بعضِهم:
إذا أفادَكَ إنسانٌ بفائدةٍ = من العلومِ فلازِمْ شُكْرَهُ أبدَا
وقُلْ: فلانٌ جَزَاهُ اللَّهُ صالِحَةً = أفَادَنِيها وأَلْقِ الْكِبْرَ والْحَسَدَا
وقولُه: بالدعاءِ لهُ أوْ بذكْرِه إلخ، أوْ في كلامِهِ مانِعَةُ خُلُوٍّ فتُجَوِّزُ الجمْعَ بينَ هذهِ الأمورِ. وقولُه: أوْ بغيرِ ذلكَ، أيْ: كالتصدُّقِ عنهُ.
(قولُه: لأنَّهُ قدْ صَنَعَ إلخ)، علَّةٌ لقولِه: فاشْكُرْ ناظِمَه.
(قولُه: فرَحِمَه اللَّهُ رَحمةً واسعةً)، أيْ: عامَّةً شامِلةً.
(قولُه: وقدْ رَوَىَ التِّرْمِذِيُّ إلخ)، استدلالٌ على النوعِ الأوَّلِ، وهوَ الشُّكْرُ بالدعاءِ. وقولُه: مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، بِبِناءِ الفعْلِ للمفعولِ، ومعروفٌ نائبُ فاعلِه، وضَمَّنَ صَنَعَ معنى أوْصَلَ، فَعَدَّى بإلى. وقولُه: فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، أيْ: جَعَلَ جزاءَكَ على ما صَنَعْتَ من المعروفِ ثوابًا عظيمًا. وقولُه: فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ، أيْ: أَكْثَرَ فيهِ.
(قولُه: حديثٌ حسَنٌ غريبٌ)، لا تَنافِيَ بينَ كونِهِ حسَنًا وكونِهِ غَريبًا؛ لإمكانِ أنَّهُ تَفَرَّدَ بهِ الرواي، لكنْ بَلَغَ في التوثُّقِ رجالَ الحسَنِ.
(قولُه: ورَوَى البيهقيُّ إلخ)، استدلالٌ على النوعِ الثاني من الشكْرِ، وهوَ ذكْرُه بالجميلِ، وفيهِ أيضًا طَلَبُ المكافأةِ. وقولُه: مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، يُقالُ فيهِ ما قِيلَ في الحديثِ قَبْلَه. وقولُه: فَلْيُكَافِئْهُ، أيْ: فلْيَصْنَعْ معهُ معروفًا مِثْلَهُ، والضميرُ المنصوبُ عائدٌ على صانِعِ المعروفِ المفهومِ منْ صُنِعَ. وقولُه: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَذْكُرْهُ، أيْ: فإنْ لمْ يَستَطِع المكافأةَ فليذْكُرْهُ بالجميلِ.
وقولُه: فَمَنْ ذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، أيْ: لأنَّ مَنْ ذَكَرَ صانعَ المعروفِ بالجميلِ فقدْ شَكَرَهُ وأَثْنَى عليهِ.
(قولُه: فائدةٌ)، غرَضُه بهذهِ الفائدةِ تكميلُ العمَلِ في المسألةِ الْأَكْدريَّةِ. وقولُه: قدْ قُلنا، أيْ: فيما سَبَقَ قبلَ قولِه: ثمَّ يَعودانِ إلى المقاسَمَةِ.
(قولُه: كانتْ غيرَ منقسِمَةٍ ولا موافِقَةٍ)، أيْ: مبايِنةٍ. وقولُه: فاضْرِبْ ثلاثةً في تِسعةٍ، أي التي هيَ المسألةُ بِعَوْلِها.
(قولُه: وهيَ ثلُثُ المالِ)، لكنَّهُ نصْفُ عائلٍ. وقولُه: وهيَ ثلُثُ الباقي، لكنَّهُ ثلُثُ المالِ عائلًا.
(قولُه: فلهذا يُلْغَزُ بها إلخ)، نظَمَ ذلكَ بعضُهم بقولِه :
ما فرْضُ أربعةٍ يُفَرَّقُ بينَهم = ميراثُ ميِّتِهم بحكْمٍ واقِعِ
فلواحدٍ ثلُثُ الجميعِ وثلُثُ ما = يَبْقَى لثانيهم برَأْيٍ جامِعِ
ولثالثُ منْ بعدِه ثلُثُ الذي = يَبْقَى وما يَبْقَى نصيبُ الرابعِ
وأجابَهُ المحقِّقُ الأميرُ بقولِه :
أَفْدِي الذي حَاجَى بعُرْفٍ ضائعِ = فعَرَفْتُهُ وعليَّ شكْرُ الصانعِ
سحْرُ البيانِ وحِكمةُ الشعْرِ التي = منها بوجْهِ الحَلِّ سُكْرُ السامعِ
يَعني التي مَيْتُها منْ أَكْدَرٍ = معروفةٌ لا سِيَّمَا للبارعِ
(قولُه: فيقالُ: خلَّفَ أربعةً من الوَرَثَةِ)، أيْ: وهم الزوجُ والأمُّ والجَدُّ والأختُ. وقولُه: فوَرِثَ أحدُهم ثلُثَ المالِ، أيْ: وهوَ الزوجُ، لكنَّهُ نصْفُ عائلٍ. وقولُه: والثاني ثلُثَ الباقي، أيْ: وهوَ الأمُّ، لكنَّهُ ثلُثُ المالِ عائلًا. وقولُه: والثالثُ ثلُثَ باقي الباقي، أيْ: وهوَ الأختُ. وقولُه: والرابعُ الباقي، أيْ: وهوَ الجَدُّ.
(قولُه: شيئًا من الْمُعاياةِ بها)، الْمُعاياةُ، قالَ الجوهريُّ: هيَ أنْ تأتيَ بشيءٍ لا يُهتدَى لهُ. منْ ذلكَ أنْ يُقالَ: خَلَّفَ أربعةً من الوَرَثَةِ، أخَذَ أحدُهم جزءًا من المالِ، والثاني نصْفَ ذلكَ الجزءِ، والثالثُ نصْفَ الجزأينِ، والرابِعُ نصْفَ الثلاثةِ أجزاءٍ. وقدْ نظَمَ ذلكَ المحقِّقُ الأميرُ بقولِه:
أيُّ شخصٍ لهُ من الإرثِ جزءٌ = ولثانٍ سهمٌ بمقدارِ نصْفِه
ثمَّ نصْفُ الجزأينِ يُعْطَى لشخصٍ = ولشخصٍ نصْفُ الثلاثةِ ضعفُه
وتوضيحُ ذلكَ أنَّ الجَدَّ أخَذَ ثمانيةً، والأختَ أخَذَت أربعةً، وهيَ نصْفُ الثمانيةِ، والأمَّ أخَذَتْ ستَّةً، وهيَ نصْفُ الاثنَيْ عشَرَ، والزوجَ أخَذَ تسعةً، وهيَ نصْفُ الثمانيةَ عشَرَ التي هيَ ضعْفُ التسعةِ. (قولُه: ومُحْتَرَزَ أركانِها)، فلوْ لمْ يكُنْ زوجٌ لكانت الخرقاءَ، وهيَ أمٌّ وجَدٌّ وأختٌ، وقدْ تَقَدَّمَتْ. ولوْ لمْ يكُنْ أمٌّ لقاسَمَ الجَدُّ الأختَ فيما بَقِيَ بعدَ فرْضِ الزوجِ. ولوْ لمْ يكُنْ جَدٌّ لفَازَت الأختُ بفَرْضِها بعد العَوْلِ بما يُكَمِّلُه. ولوْ كانَ بدَلَ الأختِ أخٌ لسقَطَ وصَحَّتْ منْ أصْلِها وهوَ ستَّةٌ. ولوْ كانَ خُنثى فاجْعَلْ لهُ مسألةً لذكورتِه، ومسألةً لأنَّوثتِه، وجامعةً بينَهما. فمسألةُ الذكورةِ منْ ستَّةٍ، ومسألةُ الأنوثةِ منْ سبعةٍ وعشرينَ كما تَقَدَّمَ، وبينَ المسألتينِ توافُقٌ بالثلُثِ، فاضْرِبْ وَفْقَ إحداهما في كاملِ الأخرى يَحْصُلْ أربعةٌ وخمسونَ وهيَ الجامعةُ، فاقْسِمْها على ستَّةٍ مسألةِ الذكورةِ يَخْرُجُ لكلِّ سهمٍ تسعةٌ، فهيَ جزءُ سهْمِ مسألةِ الذكورةِ. واقْسِمْها أيضًا على تسعةٍ مسألةِ الأنوثةِ قبلَ التصحيحِ يَخْرُجُ ستَّةٌ، فهيَ جزءُ سهمِ مسألةِ الأنوثةِ، فاضْرِبْ نصيبَ كلِّ وارثٍ في كلٍّ من الجزأينِ وأَعْطِه أقلَّ النصيبيْنِ. فللزوجِ منْ مسألةِ الذكورةِ ثلاثةٌ في تسعةٍ بسبعةٍ وعشرينَ، ومنْ مسألةِ الأنوثة ثلاثهٌ في ستَّةٍ بثمانيةَ عشرَ، فيُعْطَى أقلَّ النصيبيْنِ وهوَ ثمانيةَ عشرَ منْ مسألةِ الأنوثةِ؛ لأنَّها الأضرُّ في حقِّه، ويُوقَفُ لهُ تسعةٌ. وللأمِّ منْ مسألةِ الذكورةِ اثنانِ في تسعةٍ بثمانيةَ عشرَ، ومنْ مسألةِ الأنوثةِ اثنانِ في ستَّةٍ باثنَيْ عشَرَ، فتُعْطَى أقلَّ النصيبيْنِ، وهوَ اثنا عشَرَ منْ مسألةِ الأنوثةِ؛ لأنَّها الأضرُّ في حقِّها، ويُوقَفُ لها ستَّةٌ. وللجَدِّ منْ مسألةِ الذكورةِ واحدٌ في تسعةٍ بتسعةٍ. ولا شيءَ للخُنثى منْ مسألةِ الذكورةِ.
وللجَدِّ والخُنثى منْ مسألةِ الأنوثةِ أربعةٌ في ستَّةٍ بأربعةٍ وعشرينَ، للجَدِّ ستَّةَ عشَرَ، وللخُنثى على تقديرِ أنوثتِه ثمانيةٌ، فيُعْطى الجَدُّ أقلَّ النصيبينِ وهوَ تسعةٌ منْ مسألةِ الذكورةِ؛ لأنَّها الأضَرُّ في حقِّه، ولا يُعْطَى الْخُنثى شيئًا معاملةً لهُ بالأضَرِّ في حقِّه وهوَ مسألةُ الذكورةِ، ويُوقَفُ خمسةَ عشَرَ؛ لأنَّ جملةَ ما أخَذُوه تسعةٌ وثلاثونَ، يَبْقَى خمسةَ عشَرَ، فإن اتَّضَحَ الْخُنثى بالذكورةِ أُعْطِيَ الزوجُ التسعةَ الموقوفةَ لهُ تَكملةً لنصفِه على مسألةِ الذكورةِ، وأُعْطِيَت الأمُّ الستَّةَ الموقوفةَ لها تَكملةً لثُلُثِها على مسألةِ الذكورةِ أيضًا، وإن اتَّضَحَ بالأنوثةِ أخذَ ثمانيةً وأَعْطَي للجَدِّ سبعةٌ على التسعةِ التي معهُ فيصيرُ لهُ ستَّةَ عشرَ، فقدْ صارَ مجموعُ نصيبِهما أربعةً وعشرينَ، وقُسِمَتْ بينَهما أثلاثًا للذكَرِ مثلُ حظِّ الأنثيينِ. انتهى لؤلؤةٌ بتوضيحٍ من الحفنيِّ وغيرِه.

محمد أبو زيد
12-01-2008, 01:45 PM
(بابُ: الْأَكْدَرِيَّةِ)

والأُخْتُ لا فَـرْضَ مَعَ الْجَدِّ لَها = فِيما عَـدا مَسْـألَةٍ كَمَّلَهَــا
زوْجٌ وأُمٌّ وهُمَـا تَمَــامُهــا = فاعْلَـمْ فَخـَيْرُ أُمَّةٍ عَـلَّامُها
تُعْــرَفُ يا صـاحِ بالأَكْـدَرِيَّـهْ = وهْـيَ بِأنْ تَعْـرِفَهـا حَـرِيَّهْ
فيُفْرَضُ النِّصْفُ لَها والسُّـدْسُ لَهْ = حتَّى تَعُولَ بِالفـُرُوضِ الْمُجْمَلَهْ
ثُمَّ يَعُــودَانِ إِلى الْمُقَاسَمَــهْ = كَما مَضَى فاحْفَظْهُ واشْكُرْ ناظِمَهْ

أقولُ: أركانُها: زوجٌ، وأمٌّ، وجَدٌّ، وشقيقةٌ أو أختٌ لأبٍ.
سُمِّيَتْ بالأَكْدَريَّةِ: لأنها كَدَّرَتْ على زيدِ بنِ ثابتٍ أصولَه، وقيل غيرُ ذلك، وذلك لأن الأصلَ في بابِ الجَدِّ والإخوةِ أن لا يُفْرَضَ للأخواتِ معه، ولا يَرِثَ الإخوةُ شيئاً إذ لم يَبْقَ إلا السدُسُ، لكنهم استَثْنَوْا هذه الصورةَ ففَرَضوا لها النِّصْفَ، وله السدُسَ.
وأصلُها من سِتَّةٍ: للزوجِ النِّصْفُ (ثلاثةٌ)، وللأمِّ الثلُثُ (اثنان)، وللأختِ النصفُ (ثلاثةٌ) وللجَدِّ السدُسُ (واحدٌ) فَعَالَتْ إلى تسعةٍ، ثم يَرجِعُ الجَدُّ والأختُ فيَقتسمان ما بأيديهما، للذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيين، وهو أربعةُ أسْهُمٍ، ورءُوسُهما ثلاثةٌ، فلا تَنقسِمُ عليهم، بل تَنكَسِرُ وتُبايِنُ، فتُضْرَبُ رؤوسُهما وهي ثلاثةٌ في أصْلِ المسألةِ مع عَوْلِها فتَبلُغُ سبعةً وعشرين، للزوجِ (تسعةٌ)، وللأمِّ (سِتَّةٌ)، وللجَدِّ (ثمانيةٌ) وللأختِ (أربعةٌ)، وهذا على مذهبِ مالكٍ والشافعيِّ، والمشهورِ عن الإمامِ أحمدَ – رحِمَهُم اللهُ تعالى -.
وأما عندَ الحنفيِّ فلا تَرِثُ الإخوةُ مع الجَدِّ شيئاً، لأنه يَحجُبُهم كالأبِ، وهو روايةٌ عن الإمامِ أحمدَ – رحِمَهُ اللهُ – كما تَقدَّمَ في بابِ الجَدِّ والإخوةِ. وهو الراجحُ.

محمد أبو زيد
12-01-2008, 01:46 PM
بابُ الأَكْدَرِيَّةِ(1) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftn1)

والأُخْتُ لا فَـرْضَ مَعَ الْجَدِّ لَها(2) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftn2) = فِيما عَـدا مَسْـألَةٍ كَمَّلَهَــا
زوْجٌ وأُمٌّ وهُمَـا تَمَــامُهــا(3) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftn3) = فاعْلَـمْ فَخـَيْرُ أُمَّةٍ عَـلاَّمُها(4) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftn4)
تُعْــرَفُ يا صـاحِ بالأَكْـدَرِيَّـهْ = وهْـيَ بِأنْ تَعْـرِفَهـا حَـرِيَّهْ(5) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftn5)
فيُفْرَضُ النِّصْفُ لَها والسُّـدْسُ لَهْ(6) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftn6) = حتَّى تَعُولَ بِالفـُرُوضِ الْمُكْمَلَهْ(7) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftn7)
ثُمَّ يَعُــودَانِ إِلى الْمُقَاسَمَــهْ(8) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftn8) = كَما مَضَى فاحْفَظْهُ واشْكُرْ ناظِمَهْ(9) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftn9)
-
(1) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftnref1) سُمِّيَتْ بذلك لأَوْجُهٍ، منها: أنها كَدَّرَتْ على زيدٍ أصولَه؛ وذلك لأن الأصلَ عندَه في بابِ الجَدِّ والإخوةِ، أن لا يُفْرَضَ للأخواتِ معه، ولا يَرِثَ الإخوةُ شيئاً إذا لم يَبقَ إلا السدُسُ، لكنَّهم استَثْنَوْا هذه الصورةَ.
(2) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftnref2) أي: والأختُ، شقيقةً كانت أو لأبٍ، لا فَرْضَ مع الجَدِّ لها، في غيرِ مسائلِ الْمُعادَّةِ.
(3) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftnref3) أي: الزوجُ، والأمُّ، مع الجَدِّ، والأختُ لأبوين، أو لأبٍ، تَمامُ مسألةِ الأَكْدَريَّةِ، وهم أركانُها.
(4) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftnref4) أي: عَالِمُها؛ أتى بصيغةِ المبالَغةِ، لمزيدِ الاهتمامِ بالعلْمِ.
(5) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftnref5) أي: حقيقةٌ بذلك، ويا صاحِ، أي: يا صاحبُ.
(6) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftnref6) أي: يُفرَضُ النصْفُ للأختِ، شقيقةً، أو لأبٍ -ثلاثةٌ من ستَّةٍ- والسدُسُ للجَدِّ واحدٌ.
(7) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftnref7) أي: المجتَمِعَةِ إلى تِسعةٍ.
(8) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftnref8) أي: ثم يَعودُ الجَدُّ، والأختُ إلى المُقاسَمَةِ؛ للذكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وتُضْرَبُ رءُوسُهم ثلاثةً، في تِسعةٍ، فتَصِحُّ من سبعةٍ وعشرين.
(9) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7888#_ftnref9) أي: يعودان كما مَضَى، في قولِه: ((وَهوَ: مِثلُ أخٍ في سَهْمِهِ والْحُكْمُ)). فاحْفَظْ ما وضَّحْتُه، واشكُرْ ناظِمَه بالدعاءِ له، وبذكرِه بالجميلِ، فرَحِمَنا اللهُ وإيَّاه.